Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
تفسير سورة التوبة : ١٤، ١٥
١٦٥٤٢ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال ، حدثنا أسباط،
عن السدى ، مثله .
١٦٥٤٣ -حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: (( ويشف صدور قوم مؤمنين )) ،
خزاعة ، حلفاء محمد صلى الله عليه .
١٦٥٤٤ -حدثنا ابن و کیع قال، حدثنا عبد الله بن رجاء، عن ابن جريج،
عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد: ((ويشف صدور قوم مؤمنين))، قال :
حلفاء رسول الله صلى اللّه عليه وسلم من خزاعة .
١٦٥٤٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
بن جريج ، عن مجاهد ، مثله .
القول فى تأويل قوله ﴿ وَيُذْهِبْ غَيْظَ كُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ
اللهُ عَلَى مَن يَشَآءِ وَاللهُ عَلِيمٌ خَكِيمٌ ﴾
١٥
قال أبو جعفر: يقول الله تعالى ذكره: ويذهب وَجْدَ قلوب هؤلاء القوم
المؤمنين من خزاعة، (١) على هؤلاء القوم الذين نكثوا أيمانهم من المشركين ،
وغمَّها وكربتها بما فيها من الوجد عليهم ، بمعونتهم بكراً عليهم، (٢) كما : -
١٦٥٤٦ - حدثنى ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد العنقزى ، عن
أسباط، عن السدى: ((ويذهب غيظ قلوبهم)) ، حين قتلهم بنو بكر ، وأعانهم
قريش .
(١) انظر تفسير ((الإذهاب)) فيما سلف ١٢: ١٢٦، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((الغيظ)) فيما سلف ٧: ٢١٥.
ج ١٤ (١١)

١٦٢
تفسير سورة التوبة : ١٥
١٦٥٤٧ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال،
حدثنا أسباط ، عن السدى، مثله = إلا أنه قال: وأعانهم عليهم قريش . (١)
#
وأما قوله: ((ويتوب الله على من يشاء))، فإنه خبر مبتدأ ، ولذلك رفع ،
وجُزِمِ الأحرفُ الثلاثة قبل ذلك على وجه المجازاة ، كأنه قال : قاتلوهم ، فإنكم
٦٥/١٠ إن تقاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم، ويخزهم، وينصركم عليهم = ثم ابتدأفقال: ((ويتوب
اللّه على من يشاء))، لأن القتال غير موجب لهم التوبةَ من اللّه، وهو موجبٌ لهم
العذابَ من اللّه ، والخزىّ، وشفاءَ صدور المؤمنين ، وذهابَ غيظ قلوبهم ، فجزم
ذلك شرطاً وجزاءً على القتال ، ولم يكن موجباً القتالُ التوبةَ، فابتُدِئ الخبرُ به
ورُفِع.(٢)
ومعنى الكلام : ويمنّ اللّه على من يشاء من عباده الكافرين، فيقبل به إلى
التوبة بتوفيقه إياه = ((والله عليم))، بسرائر عباده، ومَنْ هو للتوبة أهلٌ، فيتوب
عليه، ومَنْ منهم غير أهل لها فيخذله = ((حكيم))، فى تصريف عباده من حال
كفر إلى حال إيمان بتوفيقه من وفَّقه لذلك(٣) = ومن حال إيمان إلى كفر، بخذلانه
من خذل منهم عن طاعته وتوحيده ، (٤) وغير ذلك من أمرهم . (٥)
#
(١) فى المطبوعة: ((وأعانهم))، وفى المخطوطة: ((وأعلسهم))، وصواب قراءتها ما أثبتٍ.
(٢) فى المطبوعة: ((فابتدأ الحكم به))، والصواب ما أثبت من المخطوطة.
(٣) فى المطبوعة: ((بتوفيق))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٤) السياق: ((فى تصريف عباده من حال كفر ... ومن حال إيمان)).
(٥) انظر تفسير ((تاب))، و((عليم))، و((حكيم)) فيما سلف من فهارس اللغة (توب)،
(علم)، (حكم).

١٦٣
تفسير سورة التوبة : ١٦
القول فى تأويل قوله ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَا يَعَْ
اللهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنَكُمْ وَلَمْ يَخِذُواْ مِن دُونِ اللهِ وَلَا رَسُولِهِ ے
وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاَللهُ خَبِيرُ) بِاَ تَعْمَلُونَ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره للمؤمنين الذين أمرهم بقتال هؤلاء المشركين،
الذين نقضوا عهدهم الذى بينهم وبينه بقوله: ((قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم))،
الآية، حاضًا على جهادهم: ((أم حسبتم))، أيها المؤمنون(١) = أن يترككم الله
بغير محنة يمتحنكم بها ، وبغير اختبار يختبركم به ، فيعرف الصادقَ منكم فى دينه
من الكاذب فيه = ((ولما يعلم الله الذين جاهدوا))، يقول : أحسبتم أن تتركوا
بغير اختبار يعرف به أهل ولايته المجاهدين منكم فى سبيله ، من المضيِّعين أمرَ الله
فى ذلك المفرِّطين(٢) = ((ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله))، يقول: (( ولما يعلم
اللّه الذين جاهدوا منكم))، والذين لم يتخذوا من دون الله ولا من دون رسوله ولا من
دون المؤمنين= ((وليجة)).
= هو الشىء يدخل فى آخر غيره، يقالُ منه: ((ولج فلان فى كذا يلجِهِ ،
فهو وليجة)). (٣)
#
وإنما عنى بها فى هذا الموضع : البطانة من المشركين . نهى اللّه المؤمنين أن
يتخذوا من عدوهم من المشركين أولياء، يفشون إليهم أسرارهم = ((والله خبير
بما تعملون))، يقول: والله ذو خبرة بما تعملون، (٤) من اتخاذكم من دون الله
(١) انظر تفسير ((حسب)) فيما سلف ١٢: ٣٨٨، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((الجهاد)) فيما سلف ص: ٧٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٣) فى المخطوطة: ((ولج فى فلان كذا))، والذى فى المطبوعة أجود.
(٤) انظر تفسير ((خبير)) فيما سلف من فهارس اللغة (خبر).

١٦٤
تفسير سورة التوبة : ١٦
ودون رسوله والمؤمنين به أولياءَ وبطانةً، بعد ما قد نهاكم عنه ، لا يخفى ذلك عليه ،
ولا غيره من أعمالكم ، واللّه مجازيكم على ذلك، إن خيراً فخيراً ، وإن شرًّاً فشرًا .
٠ ٠
#
وبنحو الذى قلت فى معنى ((الوليجة))، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
١٦٥٤٨ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى: ((ولا المؤمنين وليجة))، يتولَّجها، من الولاية
للمشركين .
١٦٥٤٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام ، عن أبى جعفر ، عن
الربيع، ((وليجة))، قال: دَخَلاً.
١٦٥٥٠ - حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((أم حسبتم أن تتركوا))، إلى قوله: (( ولیجة ))، قال : أبی أن يدعهم دون
التمحيص. وقرأ: ((أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم))، وقرأ:
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾،
[ سورة آل عمران: ١٤٢]، ﴿أَمْ حَسِبِمُْ أنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ
الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الآيات كلها، (١) [سورة البقرة ٤ ٢١]، أخبرهم أن لا يتركهم
حتى يمحٌصهم ويختبرهم. وقرأ: (ألم. أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَ كُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا
وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ ﴾، لا يختبرون، ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اَللهُ الَّذِينَ
صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ﴾، [ سورة العنكبوت: ١ - ٣]، أبى الله إلا أن يمحِّص.
١٦٥٥١ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر، عن الحسن: ((وليجة))، قال : هو الكفر والنفاق = أو قال أحدَهما.
٠
٥
(١) صدر هذه الآية، لم يكن فى المخطوطة ولا المطبوعة، كان بدؤها («ولما يأتكم
.

١٦٥
تفسير سورة التوبة : ١٦، ١٧
وقيل: ((أم حسبتم))، ولم يقل: ((أحسبتم))، لأنه من الاستفهام المعترض
فى وسط الكلام، فأدخلت فيه ((أم))، ليفرَّق بينه وبين الاستفهام المبتدأ . وقد
بينت نظائر ذلك فى غير موضع من الكتاب . (١)
٦٦/١٠
#
القول فى تأويل قوله ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْرُواْ
مَسَجِدَ اللهِ شَهِدِينَ عَلَىَّ أَنْفُِهِ بِالْكُفْرِ أَوْلَِّكَ حَبِطَتْ
أَعْمَلُهُمْ وَفِ النّارِ هُمْ خَلِدُونَ ﴾ (١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ما ينبغى للمشركين أن يعمروا مساجد
الله وهم شاهدون على أنفسهم بالكفر . يقول : إن المساجد إنما تعمر لعبادة الله
فيها ، لا للكفر به . فمن كان باللّه كافراً، فليس من شأنه أن يعمُرَ مساجد الله .
#
وأما شهادتهم على أنفسهم بالكفر ، فإنها كما : -
١٦٥٥٢ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى قوله: (( ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله
شاهدين على أنفسهم بالكفر))، يقول: ما ينبغى لهم أن يعمروها. وأما (( شاهدين
على أنفسهم بالكفر)) ، فإن النصرانى يسأل: ما أنت؟ فيقول : نصرانى = واليهودى،
فيقول : يهودى = والصابئ، فيقول: صابئ = والمشرك يقول إذا سألته : ما دينك ؟
فيقول : مشرك! لم يكن ليقوله أحدٌ إلا العرب.
١٦٥٥٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو العنقزى ، عن أسباط ، عن
(١) انظر ما سلف فى تفسير ((أم)) ٢: ٤٩٢ - ٣/٤٩٤: ٤/٩٧: ٢٨٧، ٢٨٨،
ثم انظر معانى القرآن للفراء ١ : ٤٢٦.

١٦٦
تفسير سورة التوبة : ١٧
السدى: ((ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله))، قال يقول : ما كان ينبغى
لهم أن يعمروها .
١٦٥٥٤ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عمرو، عن أسباط ، عن السدى:
(شاهدين على أنفسهم بالكفر))، قال : النصرانى يقال له : ما أنت ؟ فيقول
نصرانى = واليهودى يقال له : ما أنت ؟ فيقول : يهودى = والصائئ يقال له :
ما أنت ؟ فيقول : صابئ .
#
وقوله: ((أولئك حبطت أعمالهم))، يقول: بطلت وذهبت أجورها، لأنها لم تكن
اللّه بل كانت للشيطان(١) = ((وفى النار هم خالدون))، يقول: ما كثون فيها أبداً،
لا أحياءً ولا أمواتاً .(٢)
#
واختلفت القرأة فى قراءة قوله: (( ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله)).
فقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة والكوفة: ﴿ مَسَاجِدَ اللهِ﴾، على الجماع. (٣)
وقرأ ذلك بعض المكيين والبصريين: ﴿مَسْجِدَ اللهِ﴾، على التوحيد ، بمعنى
المسجد الحرام .
#
قال أبو جعفر: وهم جميعاً مجمعون على قراءة قوله: (٤) ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ﴾
على الجماع ، لأنه إذا قرئ كذلك ، احتمل معنى الواحد والجماع ، لأن العرب
(١) انظر تفسير ((حبط)) فيما سلف ١١٣: ١١٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((الخلود)) فيما سلف من فهارس اللغة ( خلد).
(٣) فى المطبوعة: ((على الجمع))، وأثبت ما فى المخطوطة، فى هذا الموضع وما يليه جميعاً.
(٤) يعنى أبو جعفر أن جميع القرأة مجمعون على قراءة الآية التالية: ((إنما يعمر مساجد الله))،
على الجماع ، بلا خلاف بينهم فى ذلك ، ولذلك زدت تمام الآية ، وكان فى المطبوعة والمخطوطة :
((مساحد اللّه))، دون: ((إنما يعمر)).

١٦٧
تفسير سورة التوبة : ١٧، ١٨
قد تذهب بالواحد إلى الجماع، وبالجماع إلى الواحد ، كقولهم: ((عليه ثوب
أخلاق)). (١)
القول فى تأويل قوله ﴿ إِنَّا يَعْرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ ءامَنَ
بَلْلِهِ وَآلْيَوْمِ الْأَخِرِ وَأَقَمَ الصَّلَوَةَ وَءَآتَى الزَّ كَوَةَ وَلَمْ يَخْرَ إِلَّ اللهَ
فَسَىَ أُوْلَّكَ أَنَ يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ (١)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ((إنما يعمر مساجد الله))، المصدِّق
بوحدانية الله، المخلص له العبادة = ((واليوم الآخر))، يقول : الذى يصدق ببعث
اللّه الموتى أحياءً من قبورهم يوم القيامة(٢) = ((وأقام الصلاة))، المكتوبة، بحدودها =
وأدَّى الزكاة الواجبة عليه فى ماله إلى من أوجبها الله له(٣) = ((ولم يخش إلا الله))،
يقول: ولم يرهب عقوبة شىء على معصيته إياه، سوى اللّه (٤) = ((فعسى أولئك أن
يكونوا من المهتدين )) ، يقول : فخليق بأولئك الذين هذه صفتهم ، أن يكونوا
عند الله ممن قد هداه الله للحق وإصابة الصواب . (٥)
١٦٥٥٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنا
معاوية، عن على، عن ابن عباس قوله: ((إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله
واليوم الآخر)) ، يقول: من وحَّدَ اللّه، وآمن باليوم الآخر. يقول: أقرّ بما أنزل
(١) انظر معانى القرآن للفراء ١: ٤٢٦، ٤٢٧.
(٢) انظر تفسير ((اليوم الآخر)) فيما سلف من تهارس اللغة ( أخر).
(٣) انظر تفسير ((إقامة الصلاة)) و((إيتاء الزكاة)) فيما سلف من فهارس اللغة (قوم)،
( أتى) .
(٤) انظر تفسير ((الخشية)) فيما سلف ص: ١٥٨، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٥) انظر تفسير ((على)) فيما سلف ١٣: ٤٥، تعليق ١، والمراجع هناك.
= وتفسير ((الاهتداء)) فيما سلف من فهارس اللغة (هدى).

١٦٨
تفسير سورة التوبة : ١٨، ١٩
اللّه = ((وأقام الصلاة))، يعنى الصلوات الخمس = ((ولم يخش إلا الله))، يقول :
ثم لم يعبد إلاّ اللّه = قال: ((فعسى أولئك))، يقول: إن أولئك هم المفلحون، كقوله
لنبيه: ﴿َعَسَى أَنْ يَبْعَتَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَمُوداً﴾، [ سورة الإسراء: ٧٩]: يقول: إن ربك
سيبعثك مقاماً محموداً، وهى الشفاعة، وكل ((عسى))، فى القرآن فهى واجبة.
١٦٥٥٦ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق قال :
ثم ذكر قول قريش: إنَّا أهلُ الحرم، وسُقاة الحاج، وعُمَّار هذا البيت ، ولا أحد
أفضل منا ! فقال: (( إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر))،
أى: إن عمارتكم ليست على ذلك، ((إنما يعمر مساجد الله))، أى: من عمرها
بحقها = ((من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله))
= فأولئك عمارها = ((فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين))، و((عسى)) من
الله حق . (١)
٦٧/١٠
#
#
القول فى تأويل قوله ﴿ أَجَعَلُمْ سِقَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ
اُلْمَنْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ ءامَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْأَخِرِ وَجَهَدَ فِى سَبِيلِ
اللهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ الظَّالِنَ) )
قال أبو جعفر : وهذا توبيخ من اللّه تعالى ذكره لقوم افتخروا بالسقاية
وسدانة البيت ، فأعلمهم جل ثناؤه أن الفخر فى الإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد
فى سبيله ، لا فى الذى افتخروا به من السّدانة والسقاية.(٢)
(١) الأثر: ١٦٥٥٦ - سيرة ابن هشام ٤: ١٩٢، وهو تابع الأثر السالف رقم:
١٦٥٣٩٠ ٠
(٢) انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة ..

١٦٩
تفسير سورة التوبة : ١٩
وبذلك جاءت الآثار وتأويل أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
١٦٥٥٧ - حدثنا أبو الوليد الدمشقى أحمد بن عبد الرحمن قال، حدثنا
الوليد بن مسلم قال ، حدثنى معاوية بن سلام ، عن جده أبى سلام الأسود ،
عن النعمان بن بشير الأنصارى قال : كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه
وسلم فى نفر من أصحابه ، فقال رجل منهم : ما أبالى أن لا أعمل عملاً بعد الإسلام،
إلاّ أن أسفى الحاج! وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام ! وقال آخر : بل
الجهاد فى سبيل الله خير مما قلتم! فزجرهم عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وقال:
لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم = وذلك يوم الجمعة =
ولكن إذا صليتُ الجمعة دخلت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فاستفتيته فيما
اختلفتم فيه . قال: ففعل، فأنزل الله تبارك وتعالى: ((أجعلتم سقاية الحاج)) إلى قوله:
(( والله لا يهدى القوم الظالمين)). (١)
١٦٥٥٨ - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
(١) الأثر: ١٦٥٥٧ - ((أحمد بن عبد الرحمن بن بكار القرشى، الدمشقى))،
(( أبو الوليد))، شيخ الطبرى، مضى مراراً، آخرها رقم : ١١٤١٦.
و ((الوليد بن مسلم القرشى الدمشقى))، سلف مراراً، آخرها رقم : ٩٠٧١ روى له الجماعة .
و ((معاوية بن سلام بن أبى سلام ممطور الحبشى))، ((أبو سلام الدمشقى))، روى له الجماعة ،
روى عن جده أبى سلام. مترجم فى التهذيب، والكبير ٣٣٥/١/٤، وابن أبى حاتم ٤ /٣٨٣/١.
و((أبو سلام الأسود)) واسمه ((مطور))، تابعى ثقة، مضى برقم : ١٥٦٥٤، ١٥٦٥٥.
وهذا الخبر رواه مسلم فى صحيحه (١٣: ٢٥، ٢٦)، من طريق أبى توبة ، عن معاوية
ابن سلام، عن زيد بن سلام، أنه سمع أبا سلام قال : حدثنى النعمان بن بشير ، ثم رواه من طريق
يحيى بن حسان ، عن معاوية ، عن زيد ، بمثله .
وذكره ابن كثير فى تفسيره ٤ : ١٣١، ونسبه لأبى داود، ولم أستطع أن أقف عليه فى السنن .
وزاد السيوطى فى الدر المنثور ٣ : ٢١٨ نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبى حاتم ، وابن حبان ،
والطبرانى ، وأبى الشيخ ، وابن مردويه .
وسيأتى بإسناد آخر رقم : ١٦٥٦٠، من طريق أخرى مرسلة .

١٧٠
تفسير سورة التوبة : ١٩
معاوية، عن على ، عن ابن عباس قوله: ((أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد
الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر)) ، قال العباس بن عبد المطلب حين أسر يوم
بدر : لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد ، لقد كنا نعمر المسجد الحرام
ونسقى الحاج، ونفك العانى!(١) قال الله: ((أجعلتم سقاية الحاج))، إلى قوله:
(( الظالمين))، يعنى أن ذلك كان فى الشرك، ولا أقبل ما كان فى الشرك .
١٦٥٥٩ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى
قال ، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((أجعلتم سقاية الحاج))،
إلى قوله: ((الظالمين))، وذلك أن المشركين قالوا: عمارة بيت الله، وقيام على
السقاية ، خير ممن آمن وجاهد ، وكانوا يفخرون بالحرم ويستكبرون، (٢)
من أجل أنهم أهله ومُمَّاره .(٢) فذكر الله استكبارهم وإعراضهم، فقال لأهل الحرم
من المشركين: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَتِى تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُمْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكُصُونَ.
مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [ سورة المؤمنون: ٦٦، ٦٧]، يعنى أنهم
يستكبرون بالحرم. وقال: ((به سامراً))، لأنهم كانوا يسمرون، ويهجرون القرآن
والنبيَّ صلى الله عليه وسلم. فخيّر الإيمان بالله والجهاد مع نبى الله صلى الله عليه
وسلم ، على عمران المشركين البيت وقيامهم على السقاية . ولم يكن ينفعهم عند الله
مع الشرك به ، أن كانوا يعمرون بيته ويخدمونه. قال الله: ((لا يستوون عند الله
واللّه لا يهدى القوم الظالمين))، يعنى : الذين زعموا أنهم أهل العمارة، فسماهم
الله ((ظالمين))، بشركهم ، فلم تغن عنهم العمارة شيئاً .
١٦٥٦٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر
عن يحيى بن أبى كثير ، عن النعمان بن بشير ، أن رجلاً قال : ما أبالى أن
لا أعمل عملاً بعد الإسلام ، إلا أن أسفى الحاج ! وقال آخر : ما أبالى أن لا
(١) ((العانى))، الأسير.
(٢) فى المطبوعة: ((يستكبرون به))، بزيادة ((به))، وليست فى المخطوطة، وفيها ((يسكثرون))
وهو خطأ .

١٧١
تفسير سورة التوبة : ١٩
أعمل عملاً بعد الإسلام ، إلا أن أعمر المسجد الحرامَ ! وقال آخر : الجهاد فى
سبيل الله أفضل مما قلتم! فزجرهم عمر وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم - وذلك يوم الجمعة = ولكن إذا صلى الجمعة دخلنا عليه !
فنزلت: ((أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام)) إلى قوله: ((لا يستوون ٦٨/١٠
عند الله)).
١٦٥٦١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن عمرو ، عن الحسن قال : نزلت فى على ، وعباس، وعثمان، وشيبة ،
تكلموا فى ذلك ، فقال العباس : ما أرانى إلاّ تارك سقايتنا ! فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: أقيموا على سقايتكم ، فإن لكم فيها خيراً .
١٦٥٦٢ -.... قال أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا ابن عيينة ، عن
إسماعيل ، عن الشعبى قال : نزلت فى على ، والعباس ، تكلما فى ذلك .
١٦٥٦٣ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، أخبرت عن أبى
صخر قال : سمعت محمد بن كعب القرظى يقول : افتخر طلحة بن شيبة من
بنى عبد الدار ، وعباس بن عبد المطلب ، وعلى بن أبى طالب ، فقال طلحة ،
أنا صاحب البيت ، معى مفتاحه ، لو أشاء بِتُّ فيه ! وقال عباس : أنا صاحب
السقاية والقائم عليها ، ولو أشاء بتُّ فى المسجد ! وقال على : ما أدرى ما تقولان ،
لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس ، وأنا صاحب الجهاد ! فأنزل الله :
((أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام))، الآية كلها .
١٦٥٦٤ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر ، عن الحسن قال: لما نزلت: ((أجعلتم سقاية الحاج))، قال العباس :
(١) الأثر: ١٦٥٦٠ - ((يحيى بن أبي كثير الطافى))، ثقة، روى له الجماعة، روى
عن زيد بن سلام بن أبى سلام ، وأرسل عن أبى سلام الحبشى وغيره . وهذا من مرسله عن النعمان
بن بشير ، أو عن أبى سلام . وقد مضى برقم : ٩١٨٩، ١١٥٠٥ - ١١٥٠٧.

١٧٢
تفسير سورة التوبة : ١٩
ما أرانى إلا تارك سقايتنا ! فقال النبى صلى الله عليه وسلم: أقيموا على سقايتكم،
فإن لكم فيها خيراً .
١٦٥٦٥ - حدثنى محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى: ((أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن
آمن بالله واليوم الآخر وجاهد فى سبيل الله لا يستوون عند اللّه))، قال : افتخر
على ، وعباس ، وشيبة بن عثمان ، فقال العباس: أنا أفضلكم، أنا أسفى حُجَّاج
بيت اللّه! وقال شيبة: أنا أعمُر مسجد اللّه! وقال على : أنا هاجرت مع رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وأجاهد معه فى سبيل الله! فأنزل الله: ((الذين آمنوا
وهاجَرُوا وجاهدوا فى سبيل اللّه)) إلى ((نعيم مقيم)).
١٦٥٦٦ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ قال ،
حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول فى قوله: (( أجعلتم سقاية
الحاج))، الآية، أقبل المسلمون على العباس وأصحابه الذين أسرُوا يوم بدر يعيِّرونهم
بالشرك، فقال العباس: أما والله لقد كنَّا نَعمُر المسجدَ الحرام، ونفُكُّ العانى،
ونحجب البيتَ ، ونسقى الحاج! فأنزل الله: ((أجعلتم سقاية الحاج)) ، الآية .
. . .
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذاً : أجعلتم ، أيها القوم، سقاية الحاج وعمارة
المسجد الحرام ، كإيمانٍ من آمن بالله واليوم الآخر وجاهد فى سبيل الله = ((لا
يستوون)) هؤلاء، وأولئك، ولا تعتدل أحوالهما عند الله ومنازلهما، لأن الله
تعالى لا يقبل بغير الإيمان به وباليوم الآخر عملاً = ((والله لا يهدى القوم الظالمين))،
يقول : والله لا يوفّق لصالح الأعمال من كان به كافراً، ولتوحيده جاحداً .
ووضع الاسم موضع المصدر فى قوله: ((كمن آمن بالله))، إذ كان معلوماً

١٧٣
تفسير سورة التوبة : ١٩، ٢٠
معناه ، كما قال الشاعر : (١)
لَعَمْوُكَ مَ الْفِتْيَانُ أَنْ تَفْبُتَ الِّحَى وَلَكِنَّمَ الْفِعْيَانُ كُلُّ فَتَّى نَدِى(٣)
فجعل خبر ((الفتيان))، ((أن))، وهو كما يقال: ((إنما السخاء حاتم،
والشعر زهير)).(٣)
القول فى تأويل قوله ( اُلَّذِينَ ءامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجْهَدُواْ
فِى سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَلِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللهِ وَأُوْلَنَّكَ
مُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (٢)
قال أبو جعفر: وهذا قضاءٌ من اللّه بَيْن فِرَق المفتخرين الذين افتخرَ أحدهم
بالسقاية، والآخرُ بالسِّدانة . والآخر بالإيمان بالله والجهاد في سبيله . يقول تعالى
ذكره: ((الذين آمنوا)) باللّه، وصدقوا بتوحيده من المشركين = ((وهاجروا))
دورَ قومهم (٤) = ((وجاهدوا)) المشركين فى دين الله (٥) = ((بأموالهم وأنفسهم أعظم
درجة عند اللّه))، وأرفع منزلة عنده، (٦) من سُقَاة الحاج وُمَّار المسجد الحرام ،
وهم باللّه مشركون = ((وأولئك))، يقول : وهؤلاء الذين وصفنا صفتهم ، أنهم
آمنوا وهاجروا وجاهدوا = ((هم الفائزون))، بالجنة، الناجون من النار. (٧)
٦٩/١٠
(١) لم أعرف قائله.
(٢) معانى القرآن للفراء ١: ٤٢٧، شرح شواحد المغنى: ٣٢٥. و((الندى))، السخى.
(٣) انظر معانى القرآن الفراء ١ : ٤٢٧.
(٤) انظر تفسير ((هاجر)) فيما سلف ص: ٨١، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٥) انظر تفسير ((جاهد)) فيما سلف ض: ١٦٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
= وتفسير ((سبيل الله)) فيما سلف من فهارس اللغة ( سبل).
(٦) انظر تفسير ((الدرجة)) فيما سلف: ٣٨٩:١٣، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٧) انظر تفسير ((الفوز)) فيما ملف ١١: ٢٨٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.

١٧٤
تفسير سورة التوبة : ٢١
القول فى تأويل قوله ﴿ُبَشِرُهُمْ رَبُهُمْ بِعْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ
وَجَنَّتٍ لَّهُمْ فِيهَاَ لِيمٌ مُِّيمْ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : يبشر هؤلاء الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا
فى سبيل الله (١) = ((ربّهم برحمة منه))، لهم، أنه قد رحمهم من أن يعدّبهم =
وبرضوان منه لهم ، بأنه قد رضى عنهم بطاعتهم إياه ، وأدائهم ما كلَّفهم (٢)
= ((وجنات))، يقول: وبساتين(٣) = ((لهم فيها نعيم مقيم))، لا يزول ولا يبيد،
ثابت دائمٌ أبداً لهم .(٤)
١٦٥٦٧ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو أحمد الزبيرى قال ، حدثنا
سفيان ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله قال : إذا دخل أهل الجنة
الجنة ، قال الله سبحانه: أُعطيكم أفضل من هذا! فيقولون: ربَّنا، أىُّ شىء
أفضل من هذا؟ قال : رِضْوانى .(٥)
(١) انظر تفسير ((التبشير)) فيما سلف ص: ١٣١ تعليق: ٤، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((الرضوان)) فيما سلف ١١: ٢٤٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير ((الجنات)) فيما سلف من فهارس اللغة (جنن).
(٤) انظر تفسير ((النعيم)) فيما سلف ١٠ : ٤٦١، ٤٦٢.
٠
= وتفسير ((مقيم)) فيما سلف ١٠ : ٢٩٣ .
(٥) الأثر : ١٦٥٦٧ - مضى هذا الخبر بإسناده ولفظه، وسلف تصحيحه برقم : ٦٥١
(ج ٦ : ٢٦٢). وكان فى المطبوعة: ((أبو أحمد الموسوى))، خطأ محض، لم يحسن قراءة المخطوطة.

١٧٥
تفسير سورة التوبة : ٢٣،٢٢
القول فى تأويل قوله (خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللهَ عِندَهُ.
أَجْرٌ عَظِيمٌ ))
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره = ((خالدين فيها))، ما كثين فيها ، يعنى
فى الجنات(١) = ((أبداً))، لا نهاية لذلك ولا حدّ(٢) = ((إن الله عنده أجر عظيم))،
يقول : إن اللّه عنده لهؤلاء المؤمنين الذين نعتَهم جل ثناؤه النعتَ الذى ذكره فى
هذه الآية = ((أجر))، ثواب على طاعتهم لربّهم، وأدائهم ما كلفهم من الأعمال(٣)
= ((عظيم))، وذلك النعيم الذى وعد هم أن يعطيهم فى الآخرة . (٤)
القول فى تأويل قوله ﴿يَدَأَيُّهَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ
،اَبَآءَ كُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إِنِ اُسْتَحَبُواْ الْكُفْرَ عَلَى الْإِمْنِ وَمَنْ
يَوَلَهُم مِّنْكُمْ فَأُوْلَكَ هُمُ الَّظَّالِمُونَ﴾ (#)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله : لا تتخذوا آباء كم
وإخوانكم بطانة وأصدقاء تفشون إليهم أسراركم ، وتطلعونهم على عورة الإسلام
وأهله، وتؤثرون المُكْثَ بين أظهرهم على الهجرة إلى دار الإسلام(٥) = ((إن استحبُّوا
الكفر على الإيمان))، يقول: إن اختاروا الكفر بالله، على التصديق به والإقرار
(١) انظر تفسير ((الخلود)) فيما سلف من فهارس اللغة ( خلد).
(٢) انظر تفسير ((أبداً)) فيما سلف ١١: ٢٤٤، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير ((الأجر)) فيما سلف من فهارس اللغة (أجر).
(٤) انظر تفسير ((عظيم)) فيما سلف من فهارس اللغة (عظم ).
(٥) انظر تفسير ((ولى)) فيما سلف من فهارس اللغة (ولى).

١٧٩
تفسير سورة التوبة : ٢٣
بتوحيده = ((ومن يتولهم منكم)) ، يقول : ومن يتخذهم منكم بطانة من دون المؤمنين،
ويؤثر المقام معهم على الهجرة إلى رسول الله ودار الإسلام(١) = ((فأولئك هم
الظالمون)) ، يقول : فالذين يفعلون ذلك منكم ، هم الذين خالفوا أمرَ الله ، فوضعوا
الولاية فى غير موضعها ، وعصوا اللّه فى أمره . (٢)
#
وقيل : إن ذلك نزل نهياً من الله المؤمنين عن موالاة أقربائهم الذين لم يهاجروا
من أرض الشرك إلى دار الإسلام .
• ذكر من قال ذلك :
١٦٥٦٨ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((أجعلتم سقاية الحاج
وعمارة المسجد الحرام )) ، قال : أمروا بالهجرة ، فقال العباس بن عبد المطلب :
أنا أسفى الحاج ! وقال طلحة أخو بنى عبد الدار : أنا صاحب الكعبة ، فلا نهاجر!
فأنزلت: ((لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء)) إلى قوله: ((يأتى الله بأمره))،
بالفتح ، فى أمره إياهم بالهجرة . هذا كله قبل فتح مكة .
#
(١) انظر تفسير ((التولى)) فيما سلف من فهارس اللغة (على).
(٢) انظر تفسير ((الظلم)) فيما سلف من فهارس اللغة (ظلم).

١٧٧
تفسير سورة التوبة : ٢٤
القول فى تأويل قوله ﴿ قُلْ إِن كَانَ،َابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآَؤَكُمْ
وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوُجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَلُ أَفْتَرَفْتُوهَا وَتَرَةٌ
تَخْتُوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَاَ أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ
وَرَسُولِهِ مَ وَجِهَدٍ فِى سَبِيلِهِ مَ فَتَرَُّواْ حَتَّى ◌َأَفِىَ اللهُ بِأَعْرِهِم
وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى اٌلْقَوْمَ الْفُسِقِينَ ﴾ ﴾)
قال أبو جعفر: يقول تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ((قل))
يا محمد ، للمتخلفين عن الهجرة إلى دار الإسلام ، المقيمين بدار الشرك : إن
كان المقام مع آبائكم وأبنائكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم = وكانت ((أموال
اقترفتموها))، يقول: اكتسبتموها (١) = ((وتجارة تخشون كسادها))، بفراقكم
بلد كم = ((ومساكن ترضونها))، فسكنتموها = ((أحب إليكم))، من الهجرة إلى
الله ورسوله ، من دار الشرك = ومن جهاد فى سبيله ، يعنى: فى نصرة دين الله
الذى ارتضاه(٢) = ((فتربصوا))، يقول: فتنظَّروا(٣) = ((حتى يأتى اللّه بأمره))، ٧٠/١٠
حتى يأتى الله بفتح مكة = ((والله لا يهدى القوم الفاسقين))، يقول: والله لا يوفّق
للخير الخارجين عن طاعته وفى معصيته . (٤)
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
. ذكر من قال ذلك :
(١) انظر تفسير ((الاقتراف)) فيما سلف ١٢: ٧٦: ١٧٣، تعليق: ١، والمراجع هناك
(٢) انظر تفسير ((الجهاد)) فيما سلف من: ١٧٣، تعليق: ٥، والمراجع هناك.
= وتفسير ((سبيل الله)) فيما سلف من فهارس اللغة (سبل).
(٣) انظر تفسير ((التربص)) فيما سلف ٩؛ ٣٢٣: تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٤) انظر تفسير ((المدى)) فيما سلف من فهارس اللغة (هدى).
= وتفسير ((الفسق)) فيما سلف من فهارس اللغة (فسق).
ج ١٤ (١٢)

١٧٨
تفسير سورة التوبة : ٢٤، ٢٥
١٦٥٦٩ - حدثنىمحمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((حتى يأتى الله بأمره))، بالفتح .
١٦٥٧٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، عن مجاهد: ((فتربصوا حتى يأتي الله بأمره))، فتح مكة .
١٦٥٧١ - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها))،
يقول: تخشون أن تكسد فتبيعوها = ((ومساكن ترضونها))، قال: هى القصور والمنازل.
١٦٥٧٢ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((وأموال اقترفتموها))، يقول: أصبتموها .
القول فى تأويل قوله ﴿لَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ
وَيَوْمَ حُنَيْنِ إِذْ أَعْتَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنَكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ
عَلَيْكُمُ اْأَرْضُ بِمَ رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَُّم مُّدِينَ﴾ ﴾)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ((لقد نصركم الله)) ، أيها المؤمنون = فى
أماكن حرب توطِّنون فيها أنفسكم على لقاء عدوّكم ، ومشاهد تلتقون فيها أنتم وهم
كثيرة = ((ويوم حنين)) ، يقول : وفى يوم حنين أيضاً قد نصركم .
٠ ٠٠
و((حنين)) وادٍ، فيما ذكر، بين مكة والطائف. وأجرىَ، لأنه مذكر اسم المذكر.
وقد يترك إجراؤه، ويراد به أن يجعل اسمًا للبلدة التى هو بها ، (١) ومنه قول الشاعر: (٢)
نَصَرُوا نَبِيَهُمْ وَشَدُّوا أَزْرَهُ مِثَيْنَ يَوْمَ تَوَاكُلِ الأَبْطَلِ (٣)
#
(١) انظر معانى القرآن للفراء ١ : ٤٢٩.
(٢) هو حسان بن ثابت .
(٣) ديوانه: ٣٣٤، ومعانى القرآن للفراء ١: ٤٢٩، واللسان (حين)، وسيأتى فى
التفسير ١٦ : ١١١ ( بولاق)، وهو بيت مفرد .

١٧٩
تفسير سورة التوبة : ٢٥
١٦٥٧٣ - حدثنى عبد الوارث بن عبد الصمد قال ، حدثنى أبى قال ،
حدثنا أبان العطار قال، حدثنا هشام بن عروة، عن عروة قال: ((حُنّين))،
واد إلى جنب ذى المجاز .(١)
= ((إذا أعجبتكم كثرتكم))، وكانوا ذلك اليوم ، فيما ذكر لنا، اثنى عشر ألفًا.
٠ ٠
وروى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ذلك اليوم : لن نغلب من قِلَّة .
وقيل : قال ذلك رجل من المسلمين من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم.
#
#
وهو قول الله: ((إذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً))، يقول : فلم تغن
عنكم كثرتكم شيئاً(٣) = ((وضاقت عليكم الأرض بما رحبت))، يقول: وضاقت
الأرض بسعتها عليكم .
و((الباء)) ههنا فى معنى ((فى))، ومعناه: وضاقت عليكم الأرض فى رحبها،
وبرحبها . (٣).
يقال منه: ((مكان رحيب))، أى واسع. وإنما سميت الرِّحاب ((رجاباً))
لسعها .
= ((ثم وليتم مدبرين))، عن عدوكم منهزمين = ((مدبرين))، يقول : وليتموهم،
الأدبار ، وذلك الهزيمة . يخبرهم تبارك وتعالى أن النصر بيده ومن عنده ، وأنه ليس
وقوله: ((تواكل الأبطال))، من قولهم: ((تواكل القوم))، إذا اتكل بعضهم على بعض،
ولم يعفه فى مأزق الحرب . وفى الحديث أنه نهى عن المواكلة ، وهو: أن يكل كل امرىء صاحبه إلى
نفسه ، فلا يعينه فيما ينوبه، وهو مفض إلى الضعف والتقاطع وفساد الأمور، أعاذنا الله من
كل ذلك .
(١) الأثر: ١٦٥٧٢ - هو جزء من كتاب عروة، إلى عبد الملك بن مروان، الذى خرجته
فيما سلف رقم: ١٦٠٨٣، ورواه الطبرى فى تاريخه، فى أثناء خبر طويل ٢: ١٢٥ ..
(٢) انظر تفسير ((أغنى)) فيما سلف: ١٣: ٤٤٥، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٣) انظر معانى القرآن للفراء ١: ٤٣٠.

١٨٠
تفسير سورة التوبة : ٢٥
بكثرة العدد وشدة البطش، وأنه ينصر القليلَ على الكثير إذا شاء، ويخلِّ الكثير
والقليلَ، فَيَهْزِم الكثيرُ.(١)
#
#
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
١٦٥٧٤ - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة قوله: ((لقد نصركم الله فى مواطن كثيرة ويوم حنين)) ، حتى بلغ :
((وذلك جزاء الكافرين))، قال: ((حنين))، ما بين مكة والطائف ، قاتل عليها
نىُّ اللّه هوازن وثقيفَ، وعلى هوازن: مالك بن عوف أخو بنى نصر، وعلى ثقيف:
عبد ياليل بن عمرو الثقفىّ. قال: وذُكر لنا أنه خرج يومئذ مع رسول الله صلى
الله عليه وسلم اثنا عشر ألفاً: عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار ، وألفان من
الطُّلْقَاء. وذكر لنا أنّ رجلاً قال يومئذٍ: (( لن نغلب اليوم بكَثْرة))! قال: وذكر
لنا أن الطُّقَاء انجفَلوا يومئذ بالناس، (٢) وجدَوْا عن نبى الله صلى الله عليه وسلم حتى
نزل عن بغلته الشهباء. وذكر لنا أن نبيَّ اللّه قال: ((أى رب، آننى ما وعدتنى))!
قال : والعباسُ آخذٌ بلجام بغلةٍ رسول اللّه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:
نادٍ: (( يا معشر الأنصار، ويا معشر المهاجرين!))، فجعل ينادى الأنصار فَخذاً
فخِذاً، ثم قال: ((نادٍ بأصحاب سورة البقرة)). (٣) قال: فجاء الناس عُنُقاً واحداً . (٤)
فالتفت نىُّ اللّه صلى الله عليه وسلم، وإذا عصابة من الأنصار، فقال: هل معكم
خيركم ؟ فقالوا : يا نبي الله، والله لو عمدت إلى بَرْك الغِمادِ من ذى يَمَنِ
٧١/١٠
(١) فى المطبوعة: ((ويخلى القليل فيهزم الكثير))؛ حذف بسوء رأيه فأفد الكلام.
وإنما أراد أن اللّه يخلى بين الكثير والقليل فلا ينصر القليل، فيهزم الكثير القليل، على ما جرت
به العادة من غلبة الكثير على القليل .
(٢) ((انجفل القوم عن رئيسهم))، ذعروا، فانتلعوا من حوله، ففروا مسرعين.
(٣) فى المطبوعة: ((ثم نادى بأصحاب سورة البقرة))، غير ما فى المخطوطة عبثاً.
(٤) قوله: ((عنقاً واحداً))، أى: جملة واحدة. ويقال: ((جاء القوم عنقاً عنقاً))،
أى: طائفة طائفة. ويقال: ((هم عليه عنق))، أى : هم عليه إلب واحد .