Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
تفسير سورة الأنفال : ٧٢
حدثنا أسباط ، عن السدى: ((إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا فى سبيل الله
والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض))، فى الميراث = ((والذين آمنوا
ولم يهاجروا))، وهؤلاء الأعراب = ((ما لكم من ولا يتهم من شىء))، فى الميراث
=((وإن استنصروكم فى الدين)) يقول: بأنهم مسلمون = ((فعليكم النصر إلا على
قوم بينكم وبينهم ميثاق والذين كفروا بعضهم أولياء بعض )) ، فى الميراث =
((والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم))، ثم نسختها
الفرائض والمواريث، = ((وأولوا الأرحام))، الذين توارثو على الهجرة = (( بعضهم
أولى ببعض فى كتاب اللّه))، فتوارث الأعرابُ والمهاجرون. (١)
#
#
القول فى تأويل قوله ﴿وَالّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُمَاجِرُ وامَا لَكُم
مِّنْ وَلَيْتِهِم مِّن شَىْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنْصَرُوَكُمْ فِى الدِّينِ
فَلَيْكُمُ النّصْرُ إِلَّ عَىْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّشَقٌ وَاللهُ بِمَ
تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) )
قال أبو جعفر: يعنى بقوله تعالى ذكره: ((والذين آمنوا))، الذين صدقوا
بالله ورسوله = ((ولم يهاجروا))، قومهم الكفار ، ولم يفارقوا دارَ الكفر إلى دار
الإسلام = ((ما لكم))، أيها المؤمنون بالله ورسوله، المهاجرون قومَهم المشركين
وأرضَ الحرب (٢) = ((من ولا يتهم)) ، يعنى: من نصرتهم وميراثهم.
*
#
(١) كانت هذه الجملة فى المطبوعة: (( ... فأولئك منكم، الذين توارثوا على الهجرة فى
كتاب الله، ثم نسختها الفرائض والمواريث، فتوارث الأعراب والمهاجرون))، قدم وأخر فيما كان
فى المخطوطة، وهو: (( ... فأولئك منكم، ثم نسختها الفرائض والمواريث، الذى توارثوا على
الهجرة فى كتاب اللّه، فتوارث الأعراب والمهاجرون))، واستظهرت الصواب كما كتبته.
(٢) انظر تفسير ((الهجرة)) فيما سلف ص : ٧٧، تعليق: ١، والمراجع هناك.
ج ١٤ (٦)

٨٢
تفسير سورة الأنفال ٧٢
وقد ذكرت قول بعض من قال: ((معنى الولاية، ههنا الميراث))، وسأذكر
إن شاء الله من حضرنی ذ کره بعدُ .
٠
#
= ((من شىء حتى يها جروا))، قومتَهم ودورهم، من دار الحرب إلى دار
الإسلام = ((وإن استنصروكم فى الدين))، يقول : إن استنصركم هؤلاء الذين
آمنوا ولم يهاجروا = ((فى الدين)) ، يعنى : بأنهم من أهل دينكم على أعدائكم
وأعدائهم من المشركين = ((فعليكم))، أيها المؤمنون من المهاجرين والأنصار ،
((النصر)) = ((إلاّ)) أن يستنصروكم = ((على قوم بينكم وبينهم ميثاق))، يعنى:
عهد قد وثَّق به بعضكم على بعض أن لا يحاربه (١) = (( والله بما تعملون بصير))،
يقول: والله بما تعملون فيما أمركم ونهاكم من ولاية بعضكم بعضاً، أيها المهاجرون
والأنصار ، وترك ولاية من آمن ولم يهاجر ونصرتكم إياهم عند استنصاركم فى
الدين، وغير ذلك من فرائض الله التى فرضها عليكم = ((بصير))، يراه ويبصره،
فلا يخفى عليه من ذلك ولا من غيره شيء . (٢)
١٦٣٣٨ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر، عن قتادة: (( ما لكم من ولايتهم من شىء حتى يهاجروا))، قال : كان
المسلمون يتوارثون بالهجرة ، وآخى النبى صلى الله عليه وسلم بينهم، فكانوا يتوارثون
بالإسلام والهجرة . وكان الرجل يسلم ولا يهاجر ، لا يرث أخاه . فنسخ ذلك
قوله: ﴿وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِى كِتَابِ اللّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ
وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [ سورة الأحزاب: ٦].
١٦٣٣٩ - حدثنا محمد قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن
الزهرى : أن النبى صلى اللّه عليه وسلم أخذ على رجل دخل فى الإسلام فقال :
(١) انظر تفسير ((الميثاق)) فيما سلف ١٣: ٢١٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((بصير)) فيما سلف من فهارس اللغة (بصر).

٨٣
تفسير سورة الأنفال : ٧٢
تقيم الصلاة ، وتؤتى الزكاة ، وتحج البيت ، وتصوم رمضان ، وأنك لا ترى
نار مشرك إلا وأنت حرب .(١)
١٦٣٤٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية ،
عن على، عن ابن عباس قوله: ((وإن استنصروكم فى الدين )) ، يعنى : إن
استنصركم الأعراب المسلمون، أيها المهاجرون والأنصار ، على عدوهم، فعليكم أن
تنصروهم ، إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق .
٣٩/١٠
١٦٣٤١ -حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسین قال ، حدثی حجاج، عن
ابن جريج قال ، قال ابن عباس: ترك النبى صلى اللّه عليه وسلم الناسَ يوم تُوفى
على أربع منازل : مؤمن مهاجر ، والأنصار، وأعرابى مؤمن لم يهاجر ، إن استنصره
النبى صلى الله عليه وسلم نصره، وإن تركه فهو إذْنُه، (٢) وإن استنصر النبى
صلى الله عليه وسلم فى الدين كان حقًّاً عليه أن ينصره، فذلك قوله: ((وإن
استنصروكم فى الدين فعليكم النصر)) = والرابعة: التابعون بإحسان .
١٦٣٤٢ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ قال ،
حدثنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((إن الذين آمنوا
وهاجروا))، إلى آخر السورة ، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفى وترك
الناس على أربع منازل(٣): مؤمن مهاجر ، ومسلم أعرابى ، والذين آووا ونصروا،
والتابعون بإحسان .
٠
(١) يعنى بذلك: أن يبعد منزله عن منزل المشرك، حتى لا يرى ناره، نهى منه صلى الله
عليه وسلم عن جوار المشرك .
(٢) فى المطبوعة: (فهو إذن له))، ثبت ما فى المخطوطة.
(٣) فى المطبوعة: ((قال رسول الله))، وذلك أن كاتب المخطوطة وصل لام ((قال)) بألف
(((إِن))، ووصل ألف ((إن)) بنونها .

٨٤
تفسير سورة الأنفال : ٧٣
القول فى تأويل قوله ﴿ وَلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءِ بَعْضٍ
إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِئَةٌ فِ اْأَرْضِ وَفَسَاءٌ كَبِيرٌ ) )
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ((والذين كفروا))، بالله ورسوله =
((بعضهم أولياء بعض)) ، يقول: بعضهم أعوان بعض وأنصاره ، وأحق به من
المؤمنين بالله ورسوله. (١)
*
وقد ذكرنا قول من قال: (( عنى بذلك أن بعضهم أحق بميراث بعض من
قرابتهم من المؤمنين ))، (٢) وسنذكر بقية من حضرنا ذكره .
١٦٣٤٣ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا
سفيان ، عن السدى ، عن أبى مالك قال : قال رجل : نورّث أرحامنا من
المشركين! فنزلت: ((والذين كفروا بعضهم أولياء بعض )) ، الآية.
١٦٣٤٤ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى
قال، حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: ((والذين كفروا بعضهم
أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة فى الأرض وفساد كبير ))، نزلت فى مواريث
مشركى أهل العهد .
١٦٣٤٥ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شىء حتى يهاجروا))،
إلى قوله: ((وفساد كبير))، قال: كان المؤمن المهاجر والمؤمن الذى ليس بمهاجر،
لا يتوارثان وإن كانا أخوين مؤمنين . قال : وذلك لأن هذا الدين كان بهذا البلد
(١) انظر تفسير ((ولى)) فيما سلف من فهارس اللغة ( ولى).
(٢) فى المطبوعة: ((عنى بيان أن بعضهم))، وهو سياق فاسد. وفى المخطوطة: ((عنى ثمان
بعضهم))، غير منقوط، مضطرب أيضاً فاسد . والصواب ما أثبت .

٨٥
تفسير سورة الأنفال : ٧٣
قليلاً ، حتى كان يوم الفتح، فلما كان يوم الفتح، وانقطعت الهجرة ، توارثوا
حيثما كانوا بالأرحام. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا هجرة بعد هذا الفتح))،
وقرأ: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ﴾.
#
وقال آخرون : معنى ذلك : أن الكفار بعضهم أنصار بعض = وأنه لا يكون
مؤمناً من كان مقيماً بدار الجرب لم يهاجر. (١)
ذكر من قال ذلك :
#
١٦٣٤٦ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: (( والذين كفروا بعضهم أولياء بعض))، قال : كان ينزل الرجل بين
المسلمين والمشركين ، فيقول : إن ظهر هؤلاء كنت معهم ، وإن ظهر هؤلاء
كنت معهم ! فأبى الله عليهم ذلك، وأنزل اللّه فى ذلك، فلا تراءى نار مسلم
ونار مشرك، (٢) إلا صاحب جزية مُقِرّ بالخراج.
١٦٣٤٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق قال :
حض الله المؤمنين على التواصل ، فجعل المهاجرين والأنصار أهل ولاية فى الدين
دون سواهم ، وجعل الكفار بعضهم أولياء بعض . (٣)
وأما قوله: ((إلا تفعلوه تكن فتنة فى الأرض وفساد كبير))، فإن أهل التأويل
اختلفوا فى تأويله .
فقال بعضهم : معناه : إلا تفعلوا ، أيها المؤمنون ، ما أمرتم به من موارثة
المهاجرين منكم بعضهم من بعض بالهجرة ، والأنصار بالإيمان ، دون أقربائهم من
أعراب المسلمين ودون الكفار = ((تكن فتنة))، يقول: يحدث بلاء فى الأرض
(١) فى المطبوعة: ((ولم)) بزيادة الواو.
(٢) قوله: ((لا ترامى ذار مسلم ومشرك))، أسند التراثى إلى النار، كناية عن الجوار،
وانظر التعليق السالف ص : ٨٣،، رقم : ١
(٣) الأثر: ١٦٣٤٧ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٣٢، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٦٣١٨.

٨٦
تفسير سورة الأنفال : ٧٣
بسبب ذلك (١) = ((وفساد كبير))، يعنى: ومعاصٍ للّه. (٢)
ذكر من قال ذلك :
#
١٦٣٤٨ - حدثنى يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى
٤٠/١٠ قوله: ((إلا تفعلوه تكن فتنة فى الأرض وفساد كبير))، إلا تفعلوا هذا، تتركوهم
يتوارثون كما كانوا يتوارثون = ((تكن فتنة فى الأرض وفساد كبير)). قال : ولم
يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الإيمان إلا بالهجرة ، ولا يجعلونهم منهم
إلا بالهجرة . (٣)
١٦٣٤٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية ، عن على ، عن ابن عباس قوله: (( والذين كفروا بعضهم أولياء بعض )) ،
يعنى فى الميراث = ((إلا تفعلوه))، يقول: إلا تأخذوا فى الميراث بما أمرتكم به =
((تكن فتنة فى الأرض وفساد كبير))،
وقال آخرون : معنى ذلك : إلا تناصروا ، أيها المؤمنون، فى الدين ، تكن
فتنة فى الأرض وفساد كبير .
* ذكر من قال ذلك :
١٦٣٥٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق ، قال :
جعل المهاجرين والأنصار أهلَ ولاية فى الدين دون من سواهم ، وجعل الكفار
بعضهم أولياء بعض، ثم قال: (( إلا تفعلوه تكن فتنة فى الأرض وفساد كبير))،
أى: إلا يوال المؤمن المؤمن من دون الكافر، وإن كان ذا رحم به = (( تكن فتنة
فى الأرض))، أى: شبهة فى الحق والباطل، وظهور الفساد فى الأرض، بتولّى
(١) انظر تفسير ((الفتنة)) فيما سلف ١٣: ٥٣٧، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((الفساد)) فيما سلف ١٣: ٣٦، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٣) فى المخطوطة: ((ولا يجعلونهم مقيم))، والصواب ما فى المطبوعة.

٨٧
تفسير سورة الأنفال : ٧٣
المؤمن الكافرَ دون المؤمن. (١) ثم رد المواريث إلى الأرحام. (٢)
١٦٣٥١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج قال ،
قال ابن جريج قوله: ((إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير))، قال:
إلا تعاونوا وتناصروا فى الدين = ((تكن فتنة فى الأرض وفساد كبير)).
٠٠٠
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بتأويل قوله: ((والذين كفروا بعضهم أولياء
بعض ))، قول من قال : معناه: أن بعضهم أنصار بعض دون المؤمنين، وأنه دلالة
على تحريم اللّه على المؤمن المقامَ فى دار الحرب وترك الهجرة ، لأن المعروف فى
فى كلام العرب من معنى ((الولى"))، أنه النصير والمعين، أو: ابن العم والنسيب.(٣)
فأما الوارث فغير معروف ذلك من معانيه ، إلا بمعنى أنه يليه فى القيام بإرثه من
بعده . وذلك معنى بعيد ، وإن كان قد يحتمله الكلام . وتوجيه معنى كلام اللّه
إلى الأظهر الأشهر ، أولى من توجيهه إلى خلاف ذلك .
وإذا كان ذلك كذلك، فبيِّنّ أن أولى التأويلين بقوله: ((إلا تفعلوه تكن
فتنة فى الأرض وفساد كبير ))، تأويلُ من قال : إلا تفعلوا ما أمرتكم به من
التعاون والنصرة على الدين ، تكن فتنة فى الأرض = إذْ كان مبتدأ الآية من قوله :
((إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله))، بالحث على
الموالاة على الدين والتناصر جاء ، فكذلك الواجب أن تكون خاتمتها به .
...
(١) كان فى المطبوعة بعد قوله ((فساد كبير)) ما نصه: ((إن يتول المؤمن الكافر دون المؤمن،
ثم رد المواريث إلى الأرحام))، ومثلها فى المخطوطة إلا أنه كتب ((إن يتولى)). وهو كلام مضطرب،
سببه أن ((المؤمن)) ذكر فى الكلام مرات، فأسقط ما بين ((المؤمت)) فى قوله (( إلا يوال المؤمن المؤمن))،
إلى قوله بعد: ((بتولى المؤمن الكافر))، فاضطراب الكلام . وسقته على الصواب من سيرة ابن هشام .
(٢) الأثر: ١٦٣٥٠ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٣٢، ٣٣٣، وهو تابع الأثر السالف
رقم : ١٦٣٤٧، وفيه جزء منه .
(٣) انظر تفسير ((الولى)) فيما سلف من فهارس اللغة ( ولى ).
(٤) فى المطبوعة والمخطوطة: ((وكذلك))، بالواو، والفاء حق السياق.

٨٨
تفسير سورة الأنفال : ٧٤
القول فى تأويل قوله ﴿ وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَنْهَدُواْ
فِى سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ، اوَواْ وَنَصَرُواْ أُوْلَنَّكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا
لّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقُ کرِيمٌ) ®
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره : (( والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا فى
سبيل الله والذين آووا ونصروا))، آوَوْا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والمهاجرين
معه ونصروهم، ونصروا دين اللّه، أولئك هم أهل الإيمان بالله ورسوله حقًّا،
لا من آمن ولم يهاجر دارَ الشرك، وأقام بين أظهر أهل الشرك ، ولم يغزُ مع
المسلمين عدوهم(١) = ((لهم مغفرة))، يقول: لهم ستر من اللّه على ذنوبهم، بعفوه
لهم عنها (٢) = ((ورزق كريم))، يقول: لهم فى الجنة مطعم ومشرب منىّ
كريم ، (٣) لا يتغير فى أجوافهم فيصير نجْواً، (٤) ولكنه يصير رشحاً كرشح المسك(٥).
وهذه الآية تنبئ عن صحة ما قلنا : أن معنى قول الله: ((بعضهم أولياء
بعض)) فى هذه الآية، وقوله: ((ما لكم من ولايتهم من شىء))، إنما هو النصرة
والمعونة ، دون الميراث. لأنه جل ثناؤه عقّب ذلك بالثناء على المهاجرين والأنصار
والخبر عما لهم عنده، دون من لم يهاجر بقوله: ((والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا
(١) انظر تفسير ((هاجر)) و ((جاهد))، و((آوى)) فيما سلف قريباً ص ٧٧"
تعليق: ١ - ٤، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((المغفرة)) فيما سلف من فهارس اللغة (غفر).
(٣) انظر تفسير ((رزق كريم)) فيما سلف
وكان فى المطبوعة هنا (طعم ومشرب))، والصواب من المخطوطة.
(٤) ((النجو))، ما يخرج من البطن.
(٥) روى مسلم وأبو داود من حديث جابر: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم:
﴿إِنّ أَهْلَ الجَنَّةِ يأ كلونَ فِيها ويَشْرَبُون، ولا يَتْفُلُون ولا يَبُولون ولا يَتَغَوَّطون
ولا يمتخطون . قِيل: فما بالُ الطّعام؟ قال: جُشَاء ورَشْحٌ كَرَشِحِ المِنْك،
يُلهمون التسبيح والتحميد كما تُلهِمُونَ النفَسَ﴾
( صحيح مسلم ١٧ : ١٧٣).

٨٩
تفسير سورة الأنفال : ٧٤، ٧٥
فى سبيل الله والذين آووا ونصروا))، الآية، ولو كان مراداً بالآيات قبل ذلك،
الدلالةُ على حكم ميراثهم، لم يكن عَقِيبَ ذلك إلا الحثّ على إمضاء الميراث على
ما أمر. (١) وفى صحة ذلك كذلك، الدليلُ الواضح على أن لا ناسخ فى هذه
الآيات لشىء ، ولا منسوخ .
القول فى تأويل قوله ﴿وَأُلَّذِينَ ، امَنُواْ مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَلُهَدُواْ
مَعَكُمْ فَأُوْلَّكَ مِنَكُمْ ﴾
٤١/١٠
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ((والذين آمنوا))، بالله ورسوله ،
بعد تبيانى ما بيّنت من ولاية المهاجرين والأنصار بعضهم بعضاً، وانقطاع ولايتهم من
آمن ولم يهاجرحتى يهاجر= ((وهاجروا))، دارَ الكفر إلى دار الإسلام = (( وجاهدوا
معكم))، أيها المؤمنون = ((فأولئك منكم))، فى الولاية ، يجب عليكم لهم من الحق
والنصرة فى الدين والموارثة، مثل الذى يجب لكم عليهم، ولبعضكم على بعض، (٢) كما :--
١٦٣٥٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق ، قال :
ثم ردّ المواريث إلى الأرحام ممن أسلم بعد الولاية من المهاجرين والأنصار دونهم ،
إلى الأرحام التى بينهم، (٣) فقال: ((والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا
معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب اللّه))، أى :
بالميراث (٤) = ((إن اللّه بكل شيء عليم)). (٥)
٥
(١) فى المطبوعة: ((إلا الحث على مضى))، وفى المخطوطة: ((على أمضى))، وصواب قراءتهاما أثبت.
(٢) انظر تفسير ((هاجر))، و((جاهد)) فيما سلف ص: ٨٨، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٣) فى المطبوعة والمخطوطة: ((ثم المواريث إلى الأرحام التى بينهم))، أسقط من الكلام
تمام الكلام الذى أثبته من سيرة ابن هشام ، وسبب ذلك كما فعل فى رقم : ١٦٣٥٠، هو ذكر
((الأرحام)) مرتين، فاختلط عليه بصره فنقل ما نقل .
(٤) فى المطبوعة: ((أى: فى الميراث))، وهو خطأ، صوابه فى المخطوطة والسيرة.
(٥) الأثر: ١٦٣٥٢ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٣٣، وهو تابع الأثر السالف رقم : ١٦٣٥٠.

٩٠
تفسير سورة الأنفال : ٧٥
القول فى تأويل قوله ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىُ بِبَعْضٍ
فِي كِتَبِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : والمتناسبون بالأرحام = (( بعضهم أولى
ببعض ))، فى الميراث، إذا كانوا ممن قسم الله له منه نصيباً وحظًّاً، من الحليف
والولى = ((فى كتاب الله))، يقول: فى حكم الله الذى كتبه فى اللوح المحفوظ
والسابق من القضاء(١) = ((إن اللّه بكل شيء عليم))، يقول: إن اللّه عالم بما
يصلح عباده ، فى توريثه بعضهم من بعض فى القرابة والنسب ، دون الحلف
بالعقد ، وبغير ذلك من الأمور كلها ، لا يخفى عليه شيء منها. (٢)
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
٠
* ذكر من قال ذلك :
١٦٣٥٣ - حدثنا أحمد بن المقدام قال، حدثنا المعتمر بن سليمان قال ،
حدثنا أبى ، قال ، حدثنا قتادة أنه قال : كان لا يرث الأعرابىُّ المهاجرَ ، حتى
أنزل الله: ((وألوا الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله)).
١٦٣٥٤ - حدثنا محمد بن المثی قال، حدثنا معاذ بن معاذ قال، حدثنا
ابن عون ، عن عيسى بن الحارث : أن أخاه شريح بن الحارث كانت له سُرِّيَّة،
فولدت منه جارية ، فلما شبت الجارية زُوّجت ، فولدت غلاماً ، ثم ماتت
السرِّية ، واختصم شريح بن الحارث والغلام إلى شريح القاضى فى ميراثها ، فجعل
شريح بن الحارث يقول : ليس له ميراث فى كتاب الله ! قال : فقضى شريح
بالميراث للغلام. قال: ((وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله))،
فركب ميسرة بن يزيد إلى ابن الزبير ، فأخبره بقضاء شريح وقوله ، فكتب ابن
(١) انظر تفسير ((كتاب)) فيما سلف ص: ٦٤، تعليق ١، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((عليم)) فيما سلف من فهارس اللغة (على).

٩١
تفسير سورة الأنفال : ٧٥
الزبير إلى شريح: ((إن ميسرة أخبرنى أنك قضيت بكذا وكذا))، وقلت: ((وأولوا
الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب اللّه))، وإنه ليس كذلك ، إنما نزلت هذه
الآية: أنّ الرجل كان يعاقد الرجل يقول: ((ترثنى وأرثك))، فنزلت: ((وأولوا
الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله)). فجاء بالكتاب إلى شريح ،
فقال شريح : أعتقها حيتان بطنها!(١) وأبى أن يرجع عن قضائه .(٢)
١٦٣٥٥ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية ، عن ابن عون
قال ، حدثنى عيسى بن الحارث قال : كانت لشريح بن الحارث سُرِّية ،
فذكر نحوه = إلا إنه قال فى حديثه: كان الرجل يعاقد الرجل يقول: (( ترثنى
وأرثك))، فلما نزلت تُرِك ذلك. (٢)
آخر تفسير ((سورة الأنفال))
والحمد لله وحده ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله .
(١) فى المطبوعة: ((جنين))، غير ما فى المخطوطة. وفى أخبار القضاة لوكيع ((جنان بطنها))،
والذى هنا ، وفى أخبار القضاة ، مشكل ، فأثبته حتى أعرف صوابه ، أو يعرفه غيرى .
(٢) الأثر: ١٦٣٥٤، ١٦٣٥٥ - رواه وكيع فى أخبار القضاة ٢: ٣٢٠، ٣٢١،
من طريق عمرو بن بشر ، عن حسن بن عيسى ، عن عبد اللّه ، عن ابن عون ، بنحوه .

تفسير
سُوَرَةِ التّوْبَّهُ

﴿القول فى تفسير السورة التى يذكر فيها التوبة)
٠ ٠
القول فى تأويل قوله ﴿بَرَاءَةٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِلَ إِلَى الَّذِينَ
◌َهَدَثُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ فَسِعُواْ فِ اْلْأَرْضِ أَرْبَةَ أَشْهُرٍ وَأَعْلَمُوّاْ
أَنْكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى اُللهِ وَأَنَّ اللّهَ مُخْرِى الْكَفِرِينَ ) (١)
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((براءة من الله ورسوله))، هذه
براءة من الله ورسوله .
فـ ((براءة))، مرفوعة بمحذوف، وهو ((هذه)) كما قوله: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا)، ٤٢/١٠
[ سورة النور: ١]، مرفوعة بمحذوف هو ((هذه)). ولو قال قائل: ((براءة))
مرفوعة بالعائد من ذكرها فى قوله: ((إلى الذين عاهدتم))، وجعلها كالمعرفة ترفع
ما بعدها، إذ كانت قد صارت بصلتها وهى قوله: ((من الله ورسوله))، كالمعرفة،
وصار معنى الكلام : البراءة من الله ورسوله، إلى الذين عاهدتم من المشركين(١) =
كان مذهباً غير مدفوعة صحته ، وإن كان القول الأول أعجبَ إلىّ ، لأن من
شأن العرب أن يضمروا لكلِّ معاين، نكرةً كان أو معرفة ذلك المعاين، ((هذا))
و((هذه))، فيقولون عند معاينتهم الشىء الحسنَ: ((حسن واللّه))، والقبيحَ:
((قبيح واللّه))، يريدون: هذا حسن واللّه، وهذا قبيح واللّه، فذلك اخترت القول الأول.
٠ ٠
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((براءة)) مكان ((البراءة))، والسياق يقتضى ما أثبت إن شاء الله.
٩٥

٩٦
تفسير سورة التوبة : ١ ، ٢
وقال: ((براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم))، والمعنى إلى الذين عاهد
رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشركين ، لأن العهود بين المسلمين والمشركين
عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يكن يتولى عقدها إلا رسول اللّه صلى الله
عليه وسلم أو من يعقدها بأمره ، ولكنه خاطب المؤمنين بذلك لعلمهم بمعناه ، وأن
عقود النبى صلى الله عليه وسلم على أمته كانت عقودهم ، لأنهم كانوا لكل أفعاله
فيهم راضين ، ولعقوده عليهم مسلّمين، فصار عقده عليهم كعقودهم على أنفسهم،
فلذلك قال: ((إلى الذين عاهدتم من المشركين))، لما كان من عقد رسول الله
صلى الله عليه وسلم وعهده .
#
وقد اختلف أهل التأويل فيمن بَرِئَ الله ورسوله إليه من العهد الذى كان
بينه وبين رسول الله من المشركين ، فأذن له فى السياحة فى الأرض أربعة أشهر .
فقال بعضهم : هم صنفان من المشركين : أحدهما كانت مدة العهد بينه
وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أقلّ من أربعة أشهر، وأمْهِل بالسياحة أربعة
أشهر = والآخر منهما : كانت مدة عهده بغير أجل محدود ، فقُصِر به على أربعة
أشهر ليرتاد لنفسه ، ثم هو حرب بعد ذلك لله ولرسوله وللمؤمنين ، يقتل حيثما أدرك
ويؤسَرُ ، إلاّ أن يتوب .
• ذكر من قال ذلك :
١٦٣٥٦ - حدثنا بن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق قال ،
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق رضى الله عنه أميراً على الحاج
من سنة تسع ، ليقيم للناس حجهم ، والناسُ من أهل الشرك على منازلهم من
حجهم. فخرج أبو بكر ومن معه من المسلمين، ونزلت ((سورة براءة )) فى نقض
ما بين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وبين المشركين من العهد الذى كانوا عليه
فيما بينه وبينهم: أن لا يُصَدَّ عن البيت أحد جاءه، وأن لا يُخَاف أحد فى الشهر
الحرام . وكان ذلك عهداً عامًا بينه وبين الناس من أهل الشرك . وكانت بين

٩٧
تفسير سورة التوبة : ٢،١
ذلك عهود بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قبائل من العرب خصائص
إلى أجل مسمِّى، (١) فنزلت فيه وفيمن تخلف عنه من المنافقين فى تبوك ، وفى
قول من قال منهم ، فكشف اللّه فيها سرائر أقوام كانوا يستخفون بغير ما يظهرون ،
منهم من سُمِّى لنا، ومنهم من لم يُسَمَّ لنا، فقال: (( براءة من الله ورسوله إلى الذين
عاهدتم من المشركين )) ، أى: لأهل العهد العام من أهل الشرك من العرب =
((فسيحوا فى الأرض أربعة أشهر))، إلى قوله: ((إن الله برىء من المشرکین ورسوله))،
أى : بعد هذه الحجة . (٢)
#
وقال آخرون : بل كان إمهالُ اللّه عز وجل بسياحة أربعة أشهر، مَنْ
كان من المشركين بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، فأما من لم يكن
له من رسول اللّه عهد، فإنما كان أجله خمسين ليلة ، وذلك عشرون من ذى الحجة
والمحرم كله . قالوا : وإنما كان ذلك كذلك ، لأن أجَل الذين لا عهد لهم كان
إلى انسلاخ الأشهر الحرم، كما قال الله: ﴿فَإِذَا أُنْسَلَخَ الأَشْهُرُ اُلحِرُمُ فَاقْتُلُوا
الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْ تُمُوهُمْ﴾، الآية [سورة التوبة: ٥]. قالوا: والنداء ببراءة،
كان يوم الحج الأكبر ، وذلك يوم النحر فى قول قوم ، وفى قول آخرين يوم
عرفة ، وذلك خمسون يوماً . قالوا: وأما تأجيل الأشهر الأربعة ، فإنما كان لأهل
العهد بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من يوم نزلت ((براءة)). قالوا:
ونزلت فى أول شوّال ، فكان انقضاء مدة أجلهم ، انسلاخ الأشهر الحرم . وقد
كان بعض من يقول هذه المقالة يقول: ابتداء التأجيل كان للفريقين واحداً = ٤٣/١٠
أعنى الذى له العهد ، والذى لا عهد له = غير أن أجل الذى كان له عهد كان
أربعة أشهر ، والذى لا عهد له انسلاخ الأشهر الحرم ، وذلك انقضاء المحرم .
« ذكر من قال ذلك :
(١) ((خصائص)) يعنى لأنها لهم خاصة دون غيرهم.
(٢) الأثر: ١٦٣٥٦ - سيرة ابن هشام ٤ : ١٨٨
ج ١٤ (٧)

٩٨
تفسير سورة التوبة : ٢،١
١٦٣٥٧ - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية، عن على ، عن ابن عباس فى قوله: (( براءة من اللّه ورسوله إلى الذين
عاهدتم من المشركين فسيحوا فى الأرض أربعة أشهر))، قال : حدّ اللّه الذين
عاهدوا رسوله أربعة أشهر، یسیحون فيها حیثما شاؤوا، وحدّ أجلمن ليس له عهد،
انسلاخَ الأشهر الحرم من يوم النحر إلى انسلاخ المحرم ، فذلك خمسون ليلة .
فإذا انسلخ الأشهر الحرم ، أمره بأن يضع السيف فيمن عاهد .
١٦٣٥٨ - حدثی محمد بن سعد قال، حدثی أبی قال ، حدثی عمى
قال، حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس قال: لما نزلت ((براءة من اللّه))،
إلى: ((وأن اللّه مخزى الكافرين))، يقول: براءة من المشركين الذين كان لهم
عهد يوم نزلت ((براءة))، فجعل مدة من كان له عهد قبل أن تنزل ((براءة))، أربعة
أشهر ، وأمرهم أن يسيحوا فى الأرض أربعة أشهر . وجعل مدة المشركين الذين
لم يكن لهم عهد قبل أن تنزل ((براءة))، انسلاخ الأشهر الحرم، وانسلاخ الأشهر
الحرم من يوم أذن ببراءة إلى انسلاخ المحرّم ، وهى خمسون ليلة : عشرون من
ذى الحجة، وثلاثون من المحرم = ((فإذا انسلخ الأشهر الحرم)) إلى قوله: (( واقعدوا
لهم كل مرصد))، يقول: لم يبق لأحد من المشركين عهد ولا ذمة منذ نزلت
(براءة)) وانسلخ الأشهر الحرم ، ومدة من كان له عهد من المشركين قبل أن
تنزل ((براءة))، أربعة أشهر من يوم أذّن ببراءة، إلى عشر من أول ربيع الآخر ،
فذلك أربعة أشهر .
١٦٣٥٩ -حدثت عنالحسین بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا
عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((براءة من اللّه ورسوله إلى
الذين عاهدتم من المشركين))، قبل أن تنزل ((براءة))، عاهد ناساً من المشركين
من أهل مكة وغيرهم ، فنزلت: براءةٌ من الله إلى كل أحد ممن كان عاهدك من
المشركين ، فإنى أنقض العهد الذى بينك وبينهم ، فأؤجلهم أربعة أشهر يسيحون

٩٩
تفسير سورة التوبة : ٢،١
حيث شاؤوا من الأرض آمنين. وأجَّل من لم يكن بينه وبين النبى صلى الله عليه
وسلم عهد، انسلاخَ الأشهر الحرم ، من يوم أذِّن ببراءة، وأذن بها يوم النحر،
فكان عشرين من ذى الحجة والمحرم ثلاثين ، فذلك خمسون ليلة . فأمر الله
نبيه إذا انسلخ المحرم أن يضع السيف فيمن لم يكن بينه وبين نبى اللّه صلى اللّه
عليه وسلم عهد ، يقتلهم حتى يدخلوا فى الإسلام . وأمر بمن كان له عهد إذا
انسلخ أربعةٌ من يوم النحر ، أن يضع فيهم السيف أيضاً ، يقتلهم حتى يدخلوا.
فى الإسلام . فكانت مدة من لا عهد بينه وبين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم
خمسين ليلة من يوم النحر ، ومدة من كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه
وسلم عهد، أربعة أشهر: من يوم النحر، إلى عشريخلُون من شهر ربيع الآخر.
١٦٣٦٠ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((براءة من الله ورسوله))، إلى قوله: ((وبشر الذين كفروا بعذاب أليم))،
قال: ذكر لنا أن عليًّا نادى بالأذان، وأُمِّ على الحاجّ أبو بكر رحمة اللّه عليهما .
وكان العامَ الذى حج فيه المسلمون والمشركون ، ولم يحج المشركون بعد ذلك العام=
قوله: ((الذين عاهدتم من المشركين)) إلى قوله: ((إلى مدتهم))، قال: هم مشركو
قريش ، الذين عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية ، وكان بقى
من مدتهم أربعة أشهر بعد يوم النحر، وأمر الله نبيه أن يوقّى بعهدهم إلى مدتهم ،
ومن لاعهد له انسلاخَ المحرّم ، ونبذ إلى كل ذى عهد عهده ، وأمر بقتالهم حتى
يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول اللّه، ولا يقبل منهم إلا ذلك.
وقال آخرون: كان ابتداء تأخير المشركين أربعة أشهر وانقضاء ذلك لجميعهم، وقتاً ٤٤/١٠
واحداً. قالوا: وكان ابتداؤه يوم الحج الأكبر، وانقضاؤه انقضاء عشر من ربيع الآخر.
. ذكر من قال ذلك :
١٦٣٦١ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين))،

١٠٠
تفسير سورة التوبة : ٢،١
قال: لما نزلت هذه الآية . برئ من عهد كل مشرك ، ولم يعاهد بعدها إلا من كان
عاهد، وأجرى لكلّ مدتهم = ((فسيحوا فى الأرض أربعة أشهر)) ، لمن دخل عهده فيها،
من عشر ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وشهر ربيع الأول، وعشر من ربيع الآخر .
١٦٣٦٢ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا أبو معشر
قال ، حدثنا محمد بن كعب القرظى وغيره قالوا : بعث رسول الله صلى الله عليه
وسلم أبا بكر أميراً على الموسم سنة تسع، وبعث علىّ بن أبى طالب ، رضى الله
عنهما، بثلاثين أو أربعين آية من ((براءة))، فقرأها على الناس، يؤجِّل المشركين
أربعة أشهر يسيحون فى الأرض ، فقرأ عليهم ((براءة)) يوم عرفة ، أجَّل المشركين
عشرين من ذى الحجة ، والمحرم ، وصفر ، وشهر ربيع الأول ، وعشرًا من ربيع
الآخر ، وقرأها عليهم فى منازلهم ، وقال : لا يحجنَ بعد عامنا هذا مشرك ،
ولا يطوفنَ بالبيت عُريان .
١٦٣٦٣ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن
معمر، عن قتادة: (( فسيحوا فى الأرض أربعة أشهر))، عشرون من ذى الحجة،
والمحرم، وصفر، وربيع الأول، وعشر من ربيع الآخر. كان ذلك عهد هم الذىبينهم .
١٦٣٦٤ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((براءة من الله ورسوله))، إلى أهل
العهد : خزاعة، ومُدْلج، ومن كان له عهد منهم أو غيرهم. (١) أقبل رسول الله
اللّه صلى الله عليه وسلم من تبوك حين فرغ، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم
الحجَّ، ثم قال: إنه يحضر المشركون فيطوفون عُرَاةً، فلا أحب أن أحج حتى لا
يكون ذلك . فأرسل أبا بكر وعليًّا رحمة الله عليهما فطافا بالناس بذى المجاز،
وبأمكنتهم التى كانوا يتبايعون بها ، وبالمواسم كلها، فآذنوا أصحابَ العهد بأن يأمنوا
أربعة أشهر، فهى الأشهر المتواليات : عشرون من آخر ذى الحجة إلى عشر يخلون
(١) فى المخطوطة: ((ومن كان له أو غيرهم))، والذى فى المطبوعة: ((ومن كان له عهد من
غيرهم)»، وصححتها كما ترى .