Indexed OCR Text

Pages 1-20

تراث الإسلام
تفسير الطبرى
جَامِعُ البيان عَن تأويل آى القرآن
لأبو جعفر محمدبن جرير الطبرىّ
٢٢٤ - ٣١٠ هـ
١٤
حَقَّقَهُ وخَرَّجْ أحَادیثَّه
محمود محمد شاكر
الناشر
مكتبة ابن تيمية
القاهرة ت ٨٦٤٢٤٠

الجُرْعُ الربيع ◌َ
فيه
تفسير سورة الأنفال
من ٤٨ - ٧٥
وتفسير سورة التوبة
من ١ - ١٢٩
والآثار من ١٦١٨٣ - ١٧٥١٧

تفسير الكبرى

سِهُلَّمِ الََّيْمِ
بيـ
الحمدُ لله حمدًا يستَبْقِى سابِغَ نِعْمتِهِ، ويستديم الموصُولَ من مِنَّتِهِ،
ويقرِّبْنَا إخلاصُه إلى رِضْوانه، ويُجيرنَا صِدْقُه من سَخَطِهِ، ويُحْسِى
قلوبَا بِذِكْرِه، ويُؤَدِّى بنا إلى حِفْظ العَهْدِ فى طاعته، ورِعَاية حَقّه فى
عِبادته ، ويُنْجِينَا مَذْخُورُه من كَرْبِ المَوْتِ عند لِقَاءِ المنيَّةِ، وَيَكُمُ
عنّا باقيه عذابَ الآخرة، ثُمَّ يَكونُ غَنَاءَ لنا يَوْمَ لا تُغْنِ نَفْسٌ عن
نَفْسٍ شيئًا .
وصلَّى اللهُ على البَشِيرِ الدَّاعِنَا بَتَرْغيبه إلى جَنَّته، والنَّذِيرِ الْمُبْعِدِنا
بترهِيبِ عن نارِهِ، صلاةً تُبْلِغُنا رضاهُ سبحانَهَ، وتحفْنَا بِرَفْرَف رَّحْمَتِهِ
يَوَمَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّه، وتُصَفَى كَدَرَ أعمالِنَا يومَ لا يَشْفَعَ شافعٌ إلّ من
بَعْدِ إذنِهِ ، وهو الغفور الرحيم ، يُقيل عَثْرةَ عِباده برأفتِهِ ، ويتغَّدُ
إساءتهم بإحسانه.
وبعدُ ، فقد أَبْلِيتُ شَبابِى وصَدْرًا مِنْ كُهُولِ، وأَخِى يومئذٍ رُكْنٌ
من العلمِ باذخٌ، آوِى إليه إذا حَزَبنى أمرٌ ، أو ضَاقَ علىَّ مَسْلَك .
فأصبحتُ فإذا الركنُ قد سَاخَ، وإذا أنا قد أُفْرِدْتُ إفرادَ السَّارى فى
فَة بغير دليلٍ. كان نُورًا يُضِىءُ الطريقَ، فلمّا طَفِئَ، أصبحتُ فى
ظَلْمَاءَ يَنْهانى سوادُهَا أن أسيرٌ .

٦
وكنتُ أعمل فى هذا التفسير وَحْدى بَعيدًا عنه ، هكذا كان .
لم يكنْ يشاركنى فى قراءة نَصِّه، ولا فى كشفِ مُبْهِه ، ولا فى تقويم
ما اعوَجَّ من نَهْجِهِ ، ولا فى تخريجِ ما تولَّيتُه من رواية حديثه .
وَقَضيتُ دهرًا وأنا أظنُّ أنّ الأمرَ كُلَّه ثمرةُ جُهْدِى وعلمى !! فلمَّا
قبضَ الله إليه عبدَه الصالحَ رحمة الله عليه ، وبقيتُ أيضاً أعمل وَحْدى
بعيدًا عنه أىَّ بُهْدٍ !! فعندئذٍ وجَدْتُ مَسَّ الحقِّ فِى فَقْدِهِ ، وإذا هو
كانَ يكون مَعِى وإن خِلْتُه بعيدًا، وكانَ يكونُ مُمِينى وإن لم أسْتَمِنْه،
وكان يكون نورَ طَريقى، وإن خلتُ الطريقَ مُضِيئًا من ذات نَفْسِهِ !
فَأْىُّ هَدْىٍ طُمِس عنّ بِفَقْدِكُ ! وأُّ دليلٍ نَأَى عَنِّ برحيلِك !
وأَى نورٍ غارَ عنّى بغيابِك! وأَنُّ حُزْنٍ بَقِى لى بفَنائِكُ ! فيا أبنَ
أَبى وأمِّى :
لَوْ كَانَ يُنُجِى من الرَّدَى حَذَرٌ نَجَّكَ مِمَّا أصابَكَ الحَذَّرُ
يَرْحُكَ الله مِنْ أَخِى ثِقِةٍ لَمْ يكُ فى صَفْرِ وُذِّهِ كَدَرُ
فَهَكَذَا يَذْهَبُ الزَّمَانُ، وَيَفْنَ الِلْمُ فِيهِ، ويَدْرُسُ الأَثَرُ
محمود محمد شاكر

بسم الله الرحمن الرحيم
القول فى تأويل قوله ﴿وَإِذْزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَنُ أَعْمَلَهُمْ وَقَلَ
لَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِلَى جَارٌ لَّكُمْ فَلَّا تَرَّاءَتِ اٌلْفِئْتَنِ ١٤/١٠
نَكَمَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنَى بَرِىٌّ مِنَّكُمْ إِنَى أَرَىُ مَالَا تَرَوْنَ إِنَّىّ
أَخَافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (١٨)
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم))،
وحين زين لهم الشيطان أعمالهم ، وكان تزيينه ذلك لهم ، (١) كما : -
١٦١٨٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قال : جاء إبليس يوم بدر
فى جُنْد من الشياطين ، معه رايته، فى صورة رجل من بنى مُدلج ، والشيطان فى
صورة سراقة بن مالك بن جعشم، (٢) فقال الشيطان للمشركين: ((لا غالب
لكم اليوم من الناس وإنى جارلكم )) . فلما اصطف الناس ، أخذ رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم قبضةً من التراب فرمى بها فى وجوه المشركين، فولّوا مدبرين. وأقبل
جبريل إلى إبليس ، فلما رآه ، وكانت يده فى يد رجل من المشركين ، انتزع
إبليس يده فولّى مديراً هو وشيعته، فقال الرجل : يا سراقة ، تزعم أنك لنا جار ؟
قال: ((إنى أرى ما لا ترون إنى أخاف الله والله شديد العقاب))، وذلك حين رأى
الملائكة .
(١) انظر تفسير ((زين)) فيما سلف ١٢: ١٣٦، تعليق : !، والمراجع هناك.
(٢) فى المطبوعة، حذف قوله: ((والشيطان))، وساق الكلام سياقاً واحداً .
٧

٨
تفسير سورة الأنفال : ٤٨
١٦١٨٤ - حدثنى محمد بن الحسين قال ، حدثنا ، أحمد بن المفضل
قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى قال : أتى المشركين إبليس فى صورة سراقة
ابن مالك بن جعشم الكنانىّ الشاعر ، ثم المدلجى ، فجاء على فرس ، فقال
للمشركين: ((لا غالب لكم اليوم من الناس))! فقالوا : ومن أنت ؟ قال :
أنا جاركم سراقة ، وهؤلاء كنانة قد أتوكم !
١٦١٨٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال ، قال ابن إسحق ،
حدثنى يزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير قال : لما أجمعت قريش المسير ،
ذكرت الذى بينها وبين بنى بكر = يعنى من الحرب= فكاد ذلك أن يثنيهم، (١)
فتبدّى لهم إبليس فى صورة سراقة [بن مالك ] بن جعشم المدالحىّ، وكان من
أشراف بنى كنانة، فقال: (( أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة [من خلفكم بشىء]
تكرهونه ))! فخرجوا سراعاً .(٢)
١٦١٨٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال ، قال ابن إسحق فى
قوله: ((وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإنى
جار لكم))، فذكر استدراج إبليس إياهم ، وتشبه بسراقة بن مالك بن جعشم
لهم ، (٣) حين ذكروا ما بينهم وبين بنى بكر بن عبد مناة بن كنانة فى الحرب
التى كانت بينهم، (٤) يقول الله: ((فلما تراءت الفئتان))، ونظر عدوّ اللّه إلى
جنود الله من الملائكة قد أيَّد الله بهم رسوله والمؤمنين على عدوهم = ((نكص على
عقبيه وقال إنى برىء منكم إنى أرى ما لا ترون))، وصدق عدوّ اللّه ، إنه رأى
ما لا يرون = وقال: ((إنى أخاف الله والله شديد العقاب))، فأوردهم ثم أسلمهم.
(١) فى المطبوعة: ((أن يثبطهم))، غير ما فى المخطوطة، وهو مطابق لما فى السيرة.
(٢) الأثر: ١٦١٨٥ - سيرة ابن هشام ٢: ٢٦٣، والزيادة بين الأقواس منها.
(٣) فى المطبوعة، حذف ((لهم))، وهى ثابتة فى المخطوطة وسيرة ابن هشام.
(٤) فى المطبوعة: ((من الحرب))، غير ما فى المخطوطة، وهو مطابق لما فى سيرة ابن هشام.
والناشر كما تعلم وترى ، كثير العبث بكلام أهل العلم .

٩
تفسير سورة الأنفال : ٤٨
قال : فذكر لى أنهم كانوا يرونه فى كل منزل فى صورة سراقة بن مالك بن جعشم
لا ينكرونه . حتى إذا كان يوم بدر والتقى الجمعان، كان الذى رآه حين نكص :
((الحارث بن هشام)) أو: ((عمير بن وهب الجمحى))، فذُكر أحدهما ، فقال :
((أينَ، أىْ سَرَاقَ!))،(١) ومثَل عدوُّ اللّه فذهب.(٢)
١٦١٨٧ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة قوله: ((وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم))، إلى قوله: ((شديد العقاب ))،
قال : ذُكر لنا أنه رأى جبريل تنزل معه الملائكة ، فزعم عدو اللّه أنه لا يَدَىْ له
بالملائكة، وقال: ((إنى أرى ما لا ترون إنى أخاف الله))، وكذب واللّه عدو اللّه،
ما به مخافة اللّه، ولكن علم أن لا قوة له ولا منعة له، وتلك عادة عدو الله لمن أطاعه
واستقاد له، (٣) حتى إذا التقى الحق والباطل أسلمهم شر مُسْلَمَ، (٤) وتبرأ منهم عند ذلك.
١٦١٨٨ - حدثنى القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ،
عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: ((وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم)) الآية ،
قال : لما كان يوم بدر، سار إبليس برايته وجنوده مع المشركين ، وألقى فى قلوب
المشركين : أنّ أحداً لن يغلبكم ، وإنى جار لكم ! فلما التقوا ، ونظر الشيطان
إلى أمداد الملائكة ، نكص على عقبيه - قال: رجع مدبرًا = وقال: ((إنّى أرى ١٥/١٠
ما لا ترون))، الآية .
١٦١٨٩ - حدثنا أحمد بن الفرج قال ، حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز
(١) هذه الجملة والتى تليها غيرها الناشر كل التغير، فكتب: ((فقال: أين سراقة!
أسلمنا عدو الله وذهب)). والذى فى المخطوطة مطابق لما فى سيرة ابن هشام)). وقوله: ((مثل))،
أى : انتصب ونهض .
(٢) الأثر : ١٦١٨٦ - سيرة ابن هشام ٢: ٣١٨، ٣١٩، وأخر صدر الخبر فجعله
فى آخره. وهذا الخبر لم يروه ابن هشام فى سياق تفسير هذه الآيات فى سيرته ٢ : ٣٢٩، تابعاً
للأثر السالف رقم : ١٦١٧٣، بل ذكر الآية ثم قال: ((وقد مضى تفسير هذه الآية)).
(٣) فى المطبوعة: ((واستعاذ به))، غير ما فى المخطوطة بسوء أمانته ورأيه. و((استقاد له))،
اذ اد له وأطاعه .
(٤) ((مسلم)) (بضم فسكون ففتح) مصدر ميمى، بمعنى ((الإسلام)).

١٠
تفسير سورة الأنفال : ٤٨
ابن الماجشون قال ، حدثنا مالك ، عن إبراهيم بن أبى عبلة ، عن طلحة بن
عبيد اللّه بن كريز: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما رؤى إبليس يوماً
هو فيه أصغرُ، ولا أحقرُ، ولا أدحرُ، ولا أغيظُ من يوم عرفة ، وذلك مما يرى
من تنزيل الرحمة والعفو عن الذنوب ، إلا ما رأى يوم بدر ! قالوا : يا رسول الله،
وما رأى يوم بدر ؟ قال : أما إنه رأى جبريل يَزَعُ الملائكة.(١)
١٦١٩٠ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا
سليمان بن المغيرة ، عن حميد بن هلال ، عن الحسن فى قوله: (( إنى أرى ما لا
ترون))، قال: رأى جبريل معتجراً بسُرْدٍ، (٢) يمشى بين يدى النبى صلى الله
عليه وسلم ، وفى يده اللجام، ما ركبَ .
١٦١٩١ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا هاشم بن القاسم قال ، حدثنا
سليمان بن المغيرة ، عن حميد بن هلال قال : قال الحسن ، وتلا هذه الآية :
((وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم)) الآية، قال: سار إبليس مع المشركين بيدر
برايته وجنوده ، وألقى فى قلوب المشركين أن أحداً لا يغلبكم وأنتم تقاتلون على دين
(١) الأثر: ١٦١٨٩ - رواه مالك في الموطأ: ٤٢٢، بنحو هذا اللفظ، وانظر التقصى
لابن عبد البر : ١٢، ١٣ .
((أحمد بن الفرج بن سليمان الحمصى))، شيخ الطبرى، مضى برقم : ٦٨٩٩، ١٥٣٧٧.
و «عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون التيمى))، فقيه المدينة ومفتيها فى زمانه ، وهو فقيه
ابن فقيه، وهو ضعيف الحديث. مترجم فى التهذيب، وابن أبى حاتم ٣٥٨/٢/٢.
و((إبراهيم بن أبى عبلة الرمل))، مضى برقم : ١١٠١٤.
و ((طلحة بن عبيد الله بن كريز بن جابر الكعبى))، كان قليل الحديث ، مضى برقم :
١٥٥٨٥ ٠
وهذا خبر مرسل .
وقوله: ((يزع الملائكة))، أى: يرتبهم ويسويهم، ويصفهم الحرب، فكأنه يكفهم عن
التفرق والانتشار، و((الوازع))، هو المقدم على الجيش، الموكل بالصفوف وتدبير أمرهم،
وترتيبهم فى قتال العدو. من قولهم: ((وزعه))، أى : كفه وحبسه عن فعل أو غيره .
(٢) ((الاعتجار))، هو لف العمامة على استدارة الرأس، من غير إدارة تحت الحنك.
وإدارتها تحت الحنك هو ((التلحى)) (بتشديد الحاء) .

١١
تفسير سورة الأنفال : ٤٨
آبائكم ، (١) ولن تغلبوا كثرةً ! فلما التقوا نكص على عقبيه = يقول: رجع مدبرًا=
وقال: ((إنى برىء منكم إنى أرى ما لا ترون))، يعنى الملائكة .
١٦١٩٢ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر،
عن محمد بن كعب قال : لما أجمعت قريش على السير قالوا : إنما نتخوف من
بنى بكر! فقال لهم إبليس، فى صورة سراقة بن مالك بن جعشم: أنا جار لكم من
بنى بكر ، ولا غالب لكم اليوم من الناس .
*
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام: ((وإن اللّه لسميع عليم))، فى هذه الأحوال =
وحين زين لهم الشيطان خروجهم إليكم ، أيها المؤمنون، لحربكم وقتالكم وحسَّن ذلك
لهم وحثهم عليكم ، وقال لهم : لاغالب لكم اليوم من بنى آدم ، فاطمئنوا وأبشروا =
((وإنى جار لكم))، من كنانة أن تأتيكم من ورائكم فمعيذ كم، (٢) أجيركم وأمنعكم
منهم ، فلا تخافوهم ، واجعلوا حدَّكم وبأسكم على محمد وأصحابه (٣) =(( فلما
تراءت الفئتان))، يقول : فلما تزاحفت جنود الله من المؤمنين وجنود الشيطان من
المشركين، ونظر بعضهم إلى بعض = ((نكص على عقبيه))، يقول: رجع القهقرى
على قفاه هارباً . (٤)
يقال منه: (( نكص ينكُص وينكصُ نكوصاً))، ومنه قول زهير :
◌ُمْ يَضْرِبُونَ حَبِيكَ الْبَيْضِ إِذْ لَمِقُوا لاَ يَنْكُمُون، إِذَا مَا أُسْتُلْحِمُوا وَحُوا(٥)
(١) فى المطبوعة: ((لن يغلبكم))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) فى المطبوعة: ((فيغيركم))، ومثلها فى المخطوطة غير منقوطة، وهذا صواب قراءتها بعد
إصلاح فسادها .
(٣) فى المطبوعة: ((جدكم)) بالجيم، وانظر ما سلف ج ١٣ ص : ٥٧٧، تعليق: ١.
(٤) انظر تفسير ((العقب)) فيما سلف ٣ : ١٦٣ / ١١ : ٤٥٠.
(٥) ديوانه : ١٥٩، من قصيدته فى هرم بن سنان، وهى من جياد شعره.
و((حبيك البيض))، طرائق جديده. و((البيض)) جمع ((بيضة))، هى الخوذة من سلاح

١٢
تفسير سورة الأنفال : ٤٨ ، ٤٩
وقال للمشرکین: « إنی بریء منكم إنی اری ما لا ترون )»، یعنی أنه یری
الملائكة الذين بعثهم الله مدداً للمؤمنين، والمشركون لا يرونهم(١) = إنى أخاف
عقاب الله، وكذب عدوُّ اللّه = ((والله شديد العقاب)).(٢)
القول فى تأويل قوله ﴿ إِذْ يَقُولُ اُلْتُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ فِى
فُوِهِم ◌َّرَضٌ غَرِّ هَنَّلَآَمَ دِينُهُمْ وَمَن يَتَوَّكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ
عَزِيزٌ حَكِيمٌ) )
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ((وإن اللّه لسميع عليم))، فى هذه
الأحوال = ((وإذ يقول المنافقون))، وكرّ بقوله: ((إذ يقول المنافقون))، على
قوله: ((إذ يريكهم الله فى منامك قليلاً)) = ((والذين فى قلوبهم مرض)) ، يعنى:
شك فى الإسلام، لم يصحّ يقينهم، ولم تُشرح بالإيمان صدورهم(٣) = ((غرّ
هؤلاء دينهم ))، يقول: غر هؤلاء الذين يقاتلون المشركين من أصحاب محمد صلى
اللّه عليه وسلم من أنفسهم، دينُهم(٤) = وذلك الإسلام .
...
وذُكر أن الذين قالوا هذا القول ، كانوا نفرًاً ممن كان قد تكلم بالإسلام
من مشركى قريش ، ولم يستحكم الإسلام فى قلوبهم .
المحارب، على شكل بيضة النعام، يلبسها الفارس على رأسه لتقيه ضرب السيوف والرماح. و«استلحم
الرجل)) (بالبناء للمجهول): إذا نشب فى ملحمة القتال، فلم يجد مخلصاً. وقوله: ((وحموا))،
من قولهم: ((حمى من الشىء حمية ومحمية))، إذا فارت نفسه وغلت، وأنف أن يقبل ما يراد به
من ضيم ، ومنه: (( أنف حمى )).
(١) انظر تفسير ((برىء)) فيما سلف من فهارس اللغة (برأ).
(٢) انظر تفسير ((شديد العقاب)) فيما سلف من فهارس اللغة (عقب).
(٣) انظر تفسير ((مرض)» فيما سلف ١: ٢٧٨ - ٢٨١ / ١٠: ٤٠٤ .
(٤) انظر تفسير ((الغرور)) فيما سلف ١٢: ٤٧٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.

١٣
تفسير سورة الأنفال : ٤٩
ذكر من قال ذلك :
١٦١٩٣ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال ، حدثنا داود،
عن عامر فى هذه الآية: ((إذ يقول المنافقون والذين فى قلوبهم مرض غرّ هؤلاء
دينهم))، قال: كان ناسٌ من أهل مكة تكلموا بالإسلام، فخرجوا مع المشركين ١٦/١٠
يوم بدر، فلما رأوا قلة المسلمين قالوا: ((غرّ هؤلاء دينهم)).
١٦١٩٤ -حدثی إسحق بن شاهین قال، حدثنا خالد، عن داود ، عن
عامر ، مثله .(١)
١٦١٩٥ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا يحيى
ابن زكريا ، عن ابن جريج، عن مجاهد فى قوله: (( إذ يقول المنافقون والذين فى
قلوبهم مرض غرّ هؤلاء دينهم))، قال : فئة من قريش: أبو قيس بن الوليد بن
المغيرة ، (٢) وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، والحارث بن زمعة بن الأسود بن المطلب،
وعلى بن أمية بن خلف ، والعاصى بن منبّه بن الحجاج، خرجوا مع قريش من
مكة وهم على الارتياب ، فحبسهم ارتيابهم . فلما رأوا قلة أصحاب رسول اللّه صلى
اللّه عليه وسلم قالوا: (غرّ هؤلاء دينهم))، حتى قدموا على ما قدموا عليه ، مع
قلة عددهم وكثرة عدوهم، فشرَّد بهم من خلفهم. (٣)
١٦١٩٦ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
(١) الأثر: ١٦١٩٤ - ((إسحق بن شاهين الواسطى))، شيخ الطبرى مضى برقم: ٧٢١١،
٩٧٨٨. وكان فى المخطوطة ((أبو إسحق بن شاهين)»، وهو خطأ، صوابه ما فى المطبوعة. وكنيته
((أبو بشر)).
(٢) مكان ((ابو قيس بن))، بياض فى المخطوطة، وفوق البياض حرف (ط) دلالة على
الخطأ، وبعدها ((الوليد بن المغيرة))، فكتب ناشر المطبوعة: ((قيس بن الوليد بن المغيرة))،
وأخطأ، إنما هو ((أبو قيس بن الوليد))، وهو الذى شهد بدراً، وقتله حمزة بن عبد المطلب.
فأثبته . والظاهر أن البياض لا يراد به إلا هذا الذى أثبته ، لا زيادة عليه.
(٣) فى المطبوعة، حذف ((فشرد بهم من خلفهم))، وهى ثابتة فى المخطوطة.

١٤
تفسير سورة الأنفال ٤٩
معمر ، عن الحسن: ( إذ يقول المنافقون والذين فى قلوبهم مرض غر هؤلاء دیهم »،
قال : هم قوم لم يشهدوا القتال يوم بدر، فسموا ((منافقين)) = قال معمر :
وقال بعضهم : قوم كانوا أقرُّوا بالإسلام وهم بمكة، فخرجوا مع المشركين يوم
بدر، فلما رأوا قلة المسلمين قالوا: ((غر هؤلاء دينهم)).
١٦١٩٧ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((إذ يقول المنافقون والذين فى قلوبهم مرض))، إلى قوله: ((فإن الله عزيز
حكيم))، قال: رأوا عصابة من المؤمنين تشرّدت لأمر اللّه. (١) وذكر لنا أن
أبا جهل عدو الله لما أشرف على محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال: ((والله
لا يُعبد الله بعد اليوم!))، قسوة وعُتُوًّا.
١٦١٩٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج قال ،
قال ابن جريج فى قوله: ((إذ يقول المنافقون والذين فى قلوبهم مرض))، قال :
ناس كانوا من المنافقين بمكة ، قالوه يوم بدر ، وهم يومئذ ثلثمئة وبضعة عشر
رجلاً .
١٦١٩٩ -... قال حدثنى حجاج، عن ابن جريج فى قوله: ((إذ
يقول المنافقون والذين فى قلوبهم مرض)) ، قال : لما دنا القوم بعضهم من بعض ،
فقلّل اللّه المسلمين فى أعين المشركين ، وقلَّل المشركين فى أعين المسلمين ،
فقال المشركون: ((غرّ هؤلاء دينهم))، وإنما قالوا ذلك من قلتهم فى أعينهم ،
وظنوا أنهم سيهزمونهم لا يشكون فى ذلك، فقال الله: ((ومن يتوكل على الله فإنّ"
الله عزيز حكيم)).
وأما قوله: ((ومن يتوكل على الله))، فإن معناه: ومن يسلم أمره إلى اللّه ،
(١) فى المطبوعة: ((تشددت))، وفى المخطوطة: ((تسردت))، وكأن صواب قراءتها ما أثبت،
((تشرد فى الأرض))، هرب ونفر، وكأنه يعنى هجرتهم إلى الله ورسوله. هكذا اجتهدت،
والله أعلم .
٠٠

١٥
تفسير سورة الأنفال : ٤٩ ، ٥٠
ويثق به، ويرض بقضائه، فإن اللّه حافظه وناصره(١) = لأنه ((عزيز))، لا يغلبه
شىء، ولا يقهره أحد ، فجارُه منيع، ومن يتوكل عليه مكفىٌّ . (٢)
وهذا أمرٌ من الله جل ثناؤه المؤمنين به من أصحاب رسول اللّه وغيرهم ، أن
يفوَّضوا أمرهم إليه ، ويسلموا لقضائه ، كما يكفيهم أعداءهم ، ولا يستذلهم من
ناوأهم، لأنه ((عزيز)) غير مغلوب، فجاره غير مقهور = ((حكيم))، يقول :
هو فيما يدبر من أمر خلقه حكيم ، لا يدخل تدبيره خلل . (٣)
#
القول فى تأويل قوله ﴿ وَلَوْ تَرَىَّ إِذْ يَتَوَلَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ
اُلْمَلَكَةُ بَغْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَذْبَرَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ) (2)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولو تعاين،
يا محمد، حين يتوفى الملائكةُ أرواح الكفار ، فتنزعها من أجسادهم ، تضرب
الوجوه منهم والأستاه ، ويقولون لهم : ذوقوا عذاب النار التى تحرقكم يوم ورودكم
جهنم .(٤)
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
(١) انظر تفسير ((التوكل)) فيما سلف ١٣: ٣٨٥، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٢) فى المطبوعة: (( ... عليه يكفه))، غير ما فى المخطوطة، وهو محض الصواب.
(٣) انظر تفسير ((عزيز))، و((حكيم)) فيما سلف من فهارس اللغة (عزز)، (حكم).
(٤) انظر تفسير ((التوفى)) فيما سلف ١٣: ٣٥، تعليق ٥، والمراجع هناك.
= وتفسير ((الأدبار)) فيما سلف ١٣: ٤٣٥، تعليق ٢، والمراجع هناك.
= وتفسير ((الذوق)) فيما سلف ١٣: ٥٢٨، تعليق ٢، والمراجع هناك.
= وتفسير ((الحريق)) فيما سلف ٧ : ٤٤٦ ، ٤٤٧ .

١٦
تفسير سورة الأنفال : ٥٠
١٦٢٠٠ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد قوله: (( إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة
يضربون وجوههم وأدبارهم » ، قال : يوم بدر .
١٦٢٠١ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن سليم ، عن إسمعيل بن
١٧/١٠ كثير، عن مجاهد: ((يضربون وجوههم وأدبارهم))، قال: وأستاههم، ولكن اللّه
کریم یکنی .(١)
١٦٢٠٢ -حدثنا ابن و کیع قال، حدثنا أبى ، حدثنا سفيان ، عن أبى
هاشم، عن مجاهد فى قوله: (( يضربون وجوههم وأدبارهم))، قال: وأستاههم،
ولكنه کریم یکْنِى .(٢)
١٦٢٠٣ - حدثنى محمد بن المثنى قال، حدثنا وهب بن جرير قال ،
أخبرنا شعبة ، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير فى قوله: (( يضربون
وجوههم وأدبارهم))، قال: إن الله كنى، ولو شاء لقال: ((أستاههم))، وإنما
عنى: (( أدبارهم)) ، أستاههم .
: ١٦٢٠٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثى حجاج، عن
ابن جريج، عن مجاهد قال: أستاههم، يوم بدر - قال ابن جريج، قال ابن
عباس : إذا أقبل المشركون بوجوههم إلى المسلمين، ضربوا وجوههم بالسيوف.
وإذا ولوا ، أدركتهم الملائكة فضربوا أدبارهم .
١٦٢٠٥ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا
عباد بن راشد ، عن الحسن قال : قال رجل : يا رسول الله، إنى رأيت بظهر
(١) الأثر: ١٦٢٠١ - ((يحيى بن سليم الطائفى))، ثقة، مضى برقم: ٤٨٩٤،
٩٧٨٨، وكان فى المطبوعة ((يحي بن أسلم»، وهو خطأ محض، والمخطوطة مضطربة الكتابة.
و((إسماعيل بن كثير الحجازى))، ثقة، مضى برقم : ٨٩٢٩.
(٢) فى المطبوعة: ((ولكن الله))، وأثبت ما فى المخطوطة.

١٧
تفسير سورة الأنفال : ٥٠ ، ٥١
أبى جهل مثل الشراك ؟ (١) قال : ما ذاك؟ قال: ضربُ الملائكة.
١٦٢٠٦ - حدثنا محمد قال، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا إسرائيل ،
عن منصور، عن مجاهد : أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنى حملت على
رجل من المشركين فذهبت لأضربه، (٢) فنَدرَ رأسُه؟ (٣) فقال: سبقك إليه الملك.
١٦٢٠٧ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، حدثنى حرملة :
أنه سمع عمر مولى غفرة يقول: إذا سمعت الله يقول: ((يضربون وجوههم وأدبارهم»،
فإنما يريد: أستاههم. (٤)
*
#
قال أبو جعفر : وفى الكلام محذوف ، استغنى بدلالة الظاهر عليه من
ذكره، وهو قوله: ((ويقولون))، ((ذوقوا عذاب الحريق))، حذفت ((يقولون))،
كما حذفت من قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِ مُونَ نَا كِسُوْ رُهُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَاَ
أَبْصَرْنَ وَسَمِعْنَا﴾ [سورة السجدة: [٢]، بمعنى: يقولون: ربنا أبصرفا. (٥)
القول فى تأويل قوله ﴿ ذَلِكَ بِمَاَ قَدَّمَتْ أَيْدِيَكُمْ وَأَنَّ
اللهَ لِيْسَ بظلَم للمَبِيدِ﴾
٠ ۵ ١
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره، مخبراً عن قيل الملائكة لهؤلاء المشركين
الذين قتلوا ببدر، أنهم يقولون لهم وهم يضربون وجوههم وأدبارهم: ((ذوقوا عذاب
(١) ((الشراك))، سير التعلى الذى يكون على ظهرها .
(٢) انظر ما أسلفت فى تفسير ((ذهب يفعل))، فيما سلف ١١: ١٢٨، تعليق : ١،
ثم ١١: ٢٥٠، ٢٥١، وص ٢٥٠ تعليق: ١.
(٣) ((ندر الشىء)) سقط. يقال: ((ضرب يده بالسيف فأندرها))، أى قطعها فسقطت.
(٤) الأثر ١٦٢٠٧ - ((حرملة بن عمران التجريبى))، ثقة، مضى برقم : ٦٨٩٠،
١٣٢٤٠
و ((عمر، مولى غفرة))، هو ((عمر بن عبد اللّه المدنى))، أبو حفص، ليس به بأس،
كان صاحب مرسلات ورقائق. مترجم فى التهذيب وابن أبى حاتم ١١٩/١/٣.
(٥) انظر معانى القرآن للفراء ١ : ٤١٣.
ج ١٤ (٢)

١٨
تفسير سورة الأنفال : ٥١ ، ٥٢
الله الذى يحرقكم))، هذا العذاب لكم = (( بما قدمت أيديكم))، أى : بما كسبت
أيديكم من الآثام والأوزار ، واجترحتم من معاصى الله أيام حياتكم ، (١) فذوقوا
اليوم العذاب، وفى معادكم عذاب الحريق، وذلك لكم بأن اللّه ((ليس بظلام
للعبيد))، لا يعاقب أحداً من خلقه إلا بجرم اجترمه، ولا يعذبه إلاّ بمعصيته إياه،
لأن الظلم لا يجوز أن يكون منه .
وفى فتح ((أن)) من قوله: ((وأن اللّه ))، وجهان من الإعراب:
أحدهما: النصبُ، وهو للعطف على ((ما)) التى فى قوله: ((بما قدمت))،
بمعنى: ((ذلك بما قدمت أيديكم))، وبأن اللّه ليس بظلام للعبيد ، فى قول
بعضهم، والخفض ، فى قول بعضٍ .
والآخر: الرفع، على ((ذلك بما قدمت))، وذلك أن اللّه.(٢)
#
القول فى تأويل قوله ﴿كَدَأُبِ الِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن
قَبْلِمْ كَفَرُواْ بَّاَيْتِ اللهِ فَأَخَذَهُ اللهُ بِدُنُوبِهِمْ إِنَّ اللهَ قَوِىٌّ
شَدِيدُ الْمِقَابِ﴾ (٥)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فِعْلُ هؤلاء المشركون من قريش الذين
قتلوا بيدر ، كعادة قوم فرعون وصنيعهم وفعلهم وفعل من كذّب بحجج اللّه
ورسله من الأمم الخالية قبلهم ، (٣) ففعلنا بهم كفعلنا بأولئك .
(١) انظر تفسير ((قدمت أيديكم)) فيما سلف ٢: ٧/٣٦٨: ٨/٤٤٧ : ٥١٤/
١٠ : ٤٩٧ .
(٢) انظر معانى القرآن الفراء ١ : ٤١٣.
(٣) انظر تفسير ((آل)) فيما سلف ٢: ٦/٣٧: ٣٢٦.

١٩
تفسير سورة الأنفال : ٥٢ ، ٥٣
وقد بينا فيما مضى أن ((الدأب))، هو الشأن والعادة، بما أغنى عن إعادته فى
هذا الموضع . (١)
*
٠
١٦٢٠٨ - حدثنى الحارث قال، حدثنى عبد العزيز قال ، حدثنا شيبان ،
عن جابر، عن عامر ومجاهد وعطاء: ((كدأب آل فرعون))، كفعل آل فرعون،
كسُنّنِ آل فرعون .
#
#
وقوله: (( فأخذهم الله بذنوبهم))، يقول: فعاقبهم الله بتكذيبهم حججه ورسله ،
ومعصيتهم ربهم، كما عاقب أشكالهم والأمم الذين قبلهم = ((إن الله قوى))،
لا يغلبه غالب ، ولا يرد قضاءه رادٌ، يُنْفِذ أمره، ويُمضى قضاءه فى خلقه = شديد ١٨/١٠
عقابه لمن كفر بالله وجحد حُججه .
#
القول فى تأويل قوله ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيْرًا
نِّعْمَةً أَنْسَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ
سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (٢)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وأخذنا هؤلاء الذين كفروا بآياتنا من
مشركى قريش بيدر بذنوبهم، (٢) وفعلنا ذلك بهم، بأنهم غيَّروا ما أنعم الله عليهم
به من ابتعاثه رسولَه منهم وبين أظهرهم ، بإخراجهم إياه من بينهم، وتكذيبهم
له ، وحربهم إياه ، فغيرنا نعمتنا عليهم بإهلاكنا إياهم ، كفعلنا ذلك فى الماضين
قبلهم ممن طغى علينا وعصى أمرنا .
#
٠٠
(١) انظر تفسير ((الدأب)) فيما سلف ٦ : ٢٢٣ - ٢٢٥.
(٢) انظر تفسير ((الأخذ)) فيما سلف من فهارس اللغة (أخذ).

٢٠
تفسير سورة الأنفال : ٥٣ ، ٥٤
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
١٦٢٠٩ - حدثنى محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمةً أنعمها على قوم حتى
يغيروا ما بأنفسهم))، يقول: ((نعمة اللّه))، محمد صلى الله عليه وسلم، أنعم به
على قريش، وكفروا، فنقله إلى الأنصار .
وقوله: (( وأن الله سميع عليم))، يقول: لا يخفى عليه شيء من كلام خلقه ،
يسمع كلام كلّ ناطق منهم بخير نطق أو بشرُ = ((عليم))، بما تضمره صدورهم ،
وهو مجازيهم ومثيبهم على ما يقولون ويعملون، إن خيراً فخيراً، وإن شرًّا فشرًّا.(١)
القول فى تأويل قوله ﴿كَدَأْبِ ،الِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ
قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بَّاَيْتِ رَبِهِمْ فَأَهْلَكْنَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا ، لَ
فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُواْ ظَلِينَ﴾ (٥)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : غير هؤلاء المشركون باللّه، المقتولون
ببدر ، نعمةَ ربهم التى أنعم بها عليهم ، بابتعاثه محمداً منهم وبين أظهرهم ، داعياً
لهمإلى الهدى، بتگذیهم إياه، وحربهم له = ((كدأب آل فرعون»، كسنة آل فرعون
وعادتهم وفعلهم بموسى نبيّ اللّه، (٢) فى تكذيبهم إياه وقصدهم لحربه، (٣) وعادة
(١) انظر تفسير ((سميع)) و((عليم)) فيما سلف من فهارس اللغة (سمع)، (علم).
(٢) انظر تفسير ((الدأب)) فيما سلف ص: ١٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.
= وتفسير ((آل)) فيما سلف ص: ١٨، تعليق ٣، والمراجع هناك.
(٣) فى المطبوعة: ((وتصديهم غربه))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو صواب محض.