Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١
تفسير سورة الأنفال : ٤١
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
١٦١٣٠ -حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثى معاوية ،
عن على، عن ابن عباس قوله: ((يوم الفرقان))، يعنى: بـ((الفرقان))، يوم بدر،
فرّق الله فيه بين الحق والباطل .
١٦١٣١٠ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
غَيْسى ، عن ابن أبى !نجيح ، عن مجاهد، مثله.(١)
١٦١٣٢ -حدثی امتی قال،حدثنا أبو صالحقال،حدثی اللیث قال،حدثی
فقيل ، عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير = وإسحق قال ، حدثنا عبد الرزاق،
عن معمر ، عن الزهرى ، عن عروة بن الزبير = يزيد أحدهما على صاحبه =
ف قوله : ((يوم الفرقان ))، یوم فرق الله پین الحق والباطل ، وهو يوم بدر ، وهو
أوّل مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان رأسَ المشركين عُتَبةُ بن
ربيعة ، فالتقوا يوم الجمعة لتسع عشرة ليلة مضت من شهر رمضان ، وأصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلثمئة وبضعة عشر رجلاً، والمشركون ما بين الألف
والتسعمئة . فهزم الله يومئذ المشركين ، وقتل منهم زيادة على سبعين ، وأسر منهم
مثل ذلك .
١٦١٣٢م - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن
معمر، عن مقسم: (( يوم الفرقان))، قال: يوم بدر ، فرق اللّه بين الحق والباطل.
١٦١٣٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن عثمان الجزرى، عن مقعم فى قوله: ((يوم الفرقان))، قال: يوم
(١) الأثر: ١٦١٣١ - انظر هذا الخبر بنصه فيما ملف رقم: ١٢٥.
ج١٣ (٣٦)
1

٥٦٢
تفسير سورة الأنفال : ٤١
بدر، فرق اللّه بين الحق والباطل.(١)
١٦١٣٤ - حدثی محمد بن سعد قال ، حدثی ابی قال ، حدثی عمی
قال ، حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: (( يوم الفرقان يوم التقى
٨/١٠ الجمعان))، يوم بدر، و((بدر))، بين المدينة ومكة .
١٦١٣٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنى
يحي بن يعقوب أبو طالب ، عن أبى عون محمد بن عبيد الله الثقفى ، عن أبى
عبد الرحمن السلمى، عبد الله بن حبيب قال ، قال الحسن بن على بن أبى طالب
رضى الله عنه: كانت ليلة (الفرقان يوم التقى الجمعان))، لسبع عشرة من شهر رمضان.(٢)
١٦١٣٦ -حدثنا القاسم قال ،حدثنا الحسین قال، حدثی حجاج ، عن ابن
جریج،عن مجاهد: ((يوم التّی الجمعان))،قال ابن جريج، قال ابن کثیر : يوم بدر.
١٦١٣٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: ((وما
أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان))، أى : يوم فرقت بين الحق
والباطل بقدرتى ، (٣) يوم التقى الجمعان منكم ومنهم. (٤)
(١) الأثر: ١٦١٣٣ ((عثمان الجزرى))، مضى برقم: ١٥٩٦٨، وأنه غير «عثمان
ابن عمرو بن ساج)) . وأحاديثه مناكير .
(٢) الأثر: ١٦١٣٥ - ((يحيى بن يعقوب بن مدرك الأنصارى))، أبو طالب القاص،
مترجم فى الكبير ٣١٢/٢/٤، وابن أبي حاتم ١٩٨/٢/٤، ولسان الميزان٦: ٢٨٢، وميزان
الاعتدال ٣: ٣٠٦، قال البخارى: ((منكر الحديث))، وقال أبو حاتم: ((محله الصدق،
لم يرو شيئاً منكراً، وهو ثقة فى الحديث، أدخله البخارى فى كتاب الضعفاء»، قال ابن أبى حاتم:
((فسمعت ابى يقول: يحول من هناك)).
و«أبو عون،، ((محمد بن عبيد الله الثقفى»، مفى مراراً آخرها رقم: ١٥٩٢٥، وكان
فى المطبوعة: ((عن ابن عون، عن محمد بن عبد الله الثقنى))، فأفبد الإسناد كل الإفساد، وكان فى
المخطوطة: ((عن ابن عون، محمد بن عبيد الله الثقفى))، وهو خطأً هين، صوابه ما أثبت.
(٣) فى المطبوعة: ((أى: هوم فرق بين الحق والباطل ببدر، أى: يوم التقى الجمعان))،
لعب بما فى المخطوطة لعباً، فأساء وجانب الأمانة. ولم يكن فى المخطوطة من خطأ إلا أنه كتب ((فرق))
مكان ((فرقت)). والذى أثبته مس المةطويلة، وبيرة ابن هشام.
(٤) الأثر: ١٦١٣٧ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٨، وهو تابع الأثر السالف رقم
٠١٦٠٨٦

٠٦٣
تفسير سورة الأنفال : ٤٢٠٤١
١٦١٣٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
(((وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان))، وذاكم يوم بدر، يوم فرق اللّه بين الحق
والباطل .
٠
القول فى تأويل قوله ﴿ إِذْ أَثُم بِالْعُقْوَةِ الدُّنْاَ وَهُمْ بِالْمُدْرَةِ
اَلْقُصْوَى وَأَلرَّ كْبُ أَسْفَلَ مِنَكُمْ ﴾
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : أيقنوا ، أيها المؤمنون: واعلموا أن قسم
الغنيمة على ما بيَّنه لكم ربكم ، إن كنتم آمنتم بالله وما أنزل على عبده يوم بدر ،
إذ فرق بين الحق والباطل من نصر رسوله = ((إذ أنتم))، حينئذ، ((بالعدوة الدنيا ))،
يقول: بشفير الوادى الأدنى إلى المدينة (١) = ((وهم بالعدوة القصوى))، يقول:
وعدوكم من المشركين نزولٌ بشفير الوادى الأقصى إلى مكة = ((والركب أسفل
منكم )) ، يقول: والعير فيه أبو سفيان وأصحابه فى موضع أسفل منكم إلى ساحل
البحر .
٠٠
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
. ١٦١٣٩ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر، عن قتادة: ((إذا أنتم بالعدوة الدنيا))، قال : شفير الوادى الأدنى ،
وهم بشغیر الوادى الأقصی= (( والر کب أسفل منكم )) ، قال : أبو سفيان وأصحابه،.
أسفل منهم .
(١) ((شغير الوادى)): ناحيته من أعلاه، وهو حده وحرفه.

٥٦٤
تفسير سورة الأنفال : ٤٢
١٦١٤٠ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى))، وهما شفير الوادى . كان
نبيُّ اللّه بأعلى الوادى، والمشركون أسفله = ((والركب أسفل منكم))، يعنى :
أبا سفيان ، [انحدر بالعير على حوزته ] ، (١) حتى قدم بها مكة .
١٦١٤١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: ((إذ
أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى ))، من الوادى إلى مكة = ((والركب أسفل
منكم)) ، أى : عير أبى سفيان التى خرجتم لتأخذوها وخرجوا ليمنعوها ، عن غير
ميعاد منكم ولا منهم .(٢)
١٦١٤٢ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد قوله: ((والركب أسفل منكم))، قال :
أبو سفيان وأصحابه ، مقبلون من الشأم تجاراً ، لم يشعروا بأصحاب بدر ، ولم يشعر
محمد صلى الله عليه وسلم بكفار قريش ، ولا كفار قريش بمحمد وأصحابه ، حتى
التّى على ماء بدر من يسقى لهم كلهم . (٣) فاقتتلوا، (٤) فغلبهم أصحاب محمد صلى
اللّه عليه وسلم فأسروهم.
١٦١٤٣ - حدثنى المثى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد ، بنحوه .
١٦١٤٤ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الله ، عن
ورقاء ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد ، مثله .
(١) هكذا كتب هذه الجملة بين القوسين ناشر المطبوعة، ولا أدرى ما هو. والذى فى المخطوطة:
(((الخدم بالمير على حوربه)) هكذا، ولم أستطع أن أجد لقراءتها وجهاً أطمئن إليه، ولم أجد الخبر
فى مكان آخر .
(٢) الأثر: ١٦١٤١ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٨، وهو تابع الأثر السالف رقم:
١٦١٣٧ ٠
(٣) فى المطبوعة: ((حتى العقيا))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٤) ((فاقتتلوا))، مكررة فى المخطوطة مرتين، وأنا فى ريب من هذه الجملة كلها.

·10
تفسير سورة الأنفال : ٢ ٤
١٦١٤٥ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى قال : ذكر منازل القوم والعير فقال: ((إذ أنتم
بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب))، هو أبو سفيان (١) = ((أسفل
منكم ؟ ، على شاطىء البحر .
واختلفت القرأة فى قراءة قوله: ((إذ أنتم بالعدوة)).
فقرأ ذلك عامة قرأة المدنيين والكوفيين: ﴿بِاْ لُدْوَةِ﴾ ، بضم العين .
وقرأه بعض المكيين والبصريين: ﴿بالْعِدْوَةِ)، بكسر العين.
٠
قال أبو جعفر : وهما لغتان مشهورتان بمعنى واحد ، فبأيتهما قرأ القارىء
نصيبٌ ، يُنْشَد بيت الراعى:
وَغَيْفَانِ مُهْرٌ مَآَفِيهِمَا كَمَا نَظَرَ الِدْوَةَ الجَوْذَرُ(٢)
بکسر العین من (( العدوة )) ، وكذلك ینشد بیت أوس بن حجر :
٩/١٠
وَفَارِسِ لَوْ تَحُلُّ الْخِيلُ عِدْوَتَهُ وَلَّوْا سِرَاعً، وَمَا هَمُوا بِقْبَالٍ (٢)
القول فى تأويل قوله ﴿وَلَوْ تَوَاعَدِّمْ، لَأَخْتَقْتُمْ فِىِ الْمِيَعْدِ
وَلَكِنْ لِيَقْضِىَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره : ولو كان اجتماعكم فى الموضع الذى
اجتمعتم فيه ، أنتم أيها المؤمنون وعدوكم من المشركين ، عن ميعاد منكم ومنهم ،
= ((لاختلفتم فى الميعاد))، لكثرة عدد عدوكم، وقلة عددكم، ولكن اللّه جمعكم
(١) فى المطبوعة: ((أبو سفيان وصيره))، زاد ما ليس فى المخطوطة.
(٢) لم أجد البيت فى مكان آخر، والراعى أبيات كثيرة مفرقة على هذا الوزن، كأنه منهنا.
(٣) من قصيدته فى رثاء فضالة بن كلدة الأسدى، والبيت فى منتهى الطلب، وليس فى ديوانه)
يقول قبله :

٥٦٦
تفسير سورة الأنفال : ٤٢
على غير ميعاد بينكم وبينهم (١)= ((ليقضى الله أمراً كان مفعولاً))، وذلك القضاء
من الله، (٢) كان نصره أولياءه من المؤمنين بالله ورسوله ، وهلاك أعدائه وأعدائهم
بيدر بالقتل والأسر ، كما : -
١٦١٤٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: (( ولو
تواعدتم لاختلفتم فى الميعاد ))، ولو كان ذلك عن ميعاد منكم ومنهم ، ثم بلغكم
كثرة عددهم وقلة عدد كم، ما لقيتموهم = ((ولكن ليقضى الله أمرًا كان مفعولا))،
أى: ليقضى الله ما أراد بقدرته، من إعزاز الإسلام وأهله، وإذلال الشرك وأهله،
عن غير ملأ منكم، (٣) ففعل ما أراد من ذلك بلطفه.(٤)
١٦١٤٧ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد ،
أخبرنى يونس ، عن ابن شهاب قال ، أخبرنى عبد الرحمن بن عبد الله بن
كعب بن مالك : أن عبد الله بن كعب قال : سمعت كعب بن مالك يقول فى
غزوة بدر: إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عِيرً قريش،
كأنََّ عَرِضٌِ فى حَضْبٍ أَوْعالٍ
أُمْ مَنْ لِعَادِيَّةٍ تَرْدِى مُلَمْلَمَةٍ
لَمَّا رأوك ◌َلَى نَهْدٍ مَرَاكِلُهُ
يَنْتِى بِزْ كَمِيٍ غَيْرِ مِعْزَالٍ
وَفَرِسٍٍ لا يَحُلُّ القَوْمُ عُدْوَتَهُ
وهذه أجود من روايته ((لو تحل))، فالنفى هنا حق الكلام .
(١) انظر تفسير ((الميعاد)) فيما سلف ٦ : ٢٢٢.
(٢) انظر تفسير ((القضاء)) فيما سلف ١١: ٢٦٧، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٣) فى المطبوعة: ((عن غير بلاء))، وفى سيرة ابن هشام، فى أصل المطبوعة مثله، وهو
كلام فاسد جداً. وفى مخطوطة الطبرى، ومخطوطات ابن هشام ومطبوعة أوربا،: ((عن غير ملا)»،
كما أثبتها .
يقال: ((ما كان هذا الأمر عن ملأ منا))، أى: عن تشاور واجتماع. وفى حديث عمر حين
طعن: ((أكان هذا عن ملأ منكم؟)»، أى: عن مشاورة من أشرافكم وجماعتهم .
ثم غير فائر المطبوعة الكلمة التى بعدها، كتب ((فعل))، مكان ((ففعل)). وكل هذا حيث
وذهاب ورج .
(٤) الأثر: ١٦١٤٦ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٨، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٦١٤١.

٥٦٧
تفسير سورة الأنفال : ٤٢
حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد.(١)
١٦١٤٨ - حدثنى يعقوب قال، حدثنا ابن علية ، عن ابن عون ، عن
عمير بن إسحق قال : أقبل أبو سفيان فى الركب من الشام ، وخرج أبو جهل
يمنعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فالتقوا بيدر ، ولا يشعر هؤلاء
بهؤلاء، ولا هؤلاء بهؤلاء، حتى التقت السُّفَاة. قال: وَنَّهَدَ الناسُ بعضهم لبعض. (٧)
(١) الأثر: ١٦١٤٧ - ((((عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصارى))،
ثقة، روى عن أبيه . وروى عنه الزهرى . كان أعلم قومه وأوعاهم . مترجم فى التهذيب ، وابن أبى حاتم
٠٢٤٩/٢/٢
و ((عبد الله بن كعب بن مالك الأنصارى))، ثقة ، كان قائد أبيه حين عمى ، روى عن أبيه.
روى عنه ابنه عبد الرحمن، وروى عنه الزهرى. مترجم فى التهذيب، وابن أبى حاتم ١٤٢/٢/٢.
وكان فى المخطوطة: ((إنما يخرج رسول الله))، وهو جيد عربى. ولكنه فى المراجع ((إنما خرج))،
فأثبته كما فى المطبوعة .
وهذا الخبر جزء من خبر كعب بن مالك ، الطويل فى أمر غزوة تبوك ، وما كان من تخلفه
حتى تاب اللّه عليه .
رواه أحمد فى مسنده ٣: ٤٥٦، ٤٥٧، ٦/٤٥٩ : ٣٨٧.
ورواه البخارى فى صحيحه (الفتح ٨ : ٨٦).
ورواه مسلم فى صحيحه من هذه الطريق ١٧ : ٨٧ .
(٢) الأثر: ١٦١٤٨ - ((ابن عون))، هو ((عبد الله بن عون المزنى))، مضى مراراً.
و(«عمير بن إسحق القرشى))، لم يرو عنه غير ابن عون، متكلم فيه. مضى برقم : ٧٧٧٦.
وكان فى المطبوعة: ((عمر بن إسحق))، لم يحسن قراءة المخطوطة.
وقوله: ((نهد الناس بعضهم لبعض))، نهضوا إلى القتال. يقال: ((نهد القوم إلى عدوهم،
ولعدوهمٍ))، أى: صمدوا له وشرعوا فى قتاله. و((نهدوا يسألونه))، أى: شرعوا ونهضوا.
وكأن ناشر المطبوعة لم يفهمها أو لم يحسن قراءتها، فكتب مكان ((نهد)): ((نظر الناس.
وهذا من طول عبئه بهذا النص الجليل، حتى ألف العبث واستمر عليه واستمرأه .

٥٦٨
تفسير سورة الأنفال : ٤٢
القول فى تأويل قوله (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْأَ بَتِنَّةٍ وَيَحْىُ مَنْ
حَىَّ عَنْ يَِّنَةٍ وَإِنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ولكن اللّه جمعهم هنالك ، ليقضى
أمرًاً كان مفعولاً = ((ليهلك من هلك عن بينة)).
٠٠٠
وهذه اللام فى قوله: ((ليهلك)) مكررة على ((اللام )) فى قوله: (( لیقضی ))،
كأنه قال : ولكن ليهلك من هلك عن بينة ، جَمعكم .
٠
ويعنى بقوله: ((ليهلك من هلك عن بينة))، يموت من مات من خلقه، (١)
عن حجة لله قد أثبتت له وقطعت عذره، وعبرة قد عاينها ورآها (٢) = ((ويحيى
من حى عن بينة ))، يقول : وليعيش من عاش منهم عن حجة لله قد أثبتت له
وظهرت لعينه فعلمها ، جمعنا بينكم وبين عدوكم هنالك .
وقال ابن إسحق فى ذلك بما : -
١٦١٤٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة عن ابن إسحق: ((ليهلك
من هلك عن بينة))، [ أى ليكفر من كفر بعد الحجة ]، (٣) لما رأى من
الآية والعبرة ، ((٤) ويؤمن من آمن على مثل ذلك. (٥)
٠
(١) انظر تفسير ((هلك)) فيما سلف ص: ١٤٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.
. (٢) انظر تفسير ((بينة)) فيما سلف من فهارس اللغة (بين).
(٣) هذه الزيادة بين القوسين لابد منها، أضفتها من سيرة ابن هشام.
(٤) فى المطبوعة: ((من الآيات والعبر))، وفى المخطوطة: ((من الآيات والعبرة)»،
وأثبت الصواب من سيرة ابن هشام .
(٥) الأثر: ١٦١٤٩ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٨، وهو تابع الأثر السالف رقم:
١٦١٤٦ ٠

٥٦٩
تفسير سورة الأنفال : ٤٣،٤٢
وأما قوله: ((وإن اللّه لسميع عليم))، فإن معناه: ((وإن الله))، أيها المؤمنون،
= (( لسميع))، لقولكم وقول غيركم، حين يُرى الله نبيه فى منامه ويريكم ، عدوكم
فى: أعينكم قليلاً وهم كثير، ويراكم عدوكم فى أعينهم قليلاً = ((عليم ))، بما
تضمره نفوسكم ، وتنطوى عليه قلوبكم ، حينئذ وفى كل حال .(١)
يقول جل ثناؤه لهم ولعباده: فاتقوا ربكم، (٢) أيها الناس، فى منطقكم: أن
تنطقوا بغير حق ، وفى قلوبكم: أن تعتقدوا فيها غيرَ الرُّشد، فإن الله لا يخفى عليه
خافية من ظاهر أو باطن .
القول فى تأويل قوله ﴿إِذْ يُرِبَكَهُمُ اللهُ فِى مَنَمِكَ قَلِيلًا وَلَوْ
أَرَنَكُهُمْ كَثِيرًا لَقَشِلْ وَلَنَزَعْتُمْ فِى الْأَمْرِ وَسِكِنَّ اللهَ سَهْ إِنَّهُو
عَلِيمْ بِذَاتِ الصُّدُورِ) ®
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وإن اللّه، يا محمد ، سميع لما يقول
أصحابك، عليم بما يضمرونه، إذ يريك اللّه عدوك وعدوهم ((فى منامك قليلاً))،
يقول : يريكهم فى نومك قليلاً ، فتخبرهم بذلك ، حتى قويت قلوبهم ، واجترأوا
على حرب عدوهم = ولو أراك ربك عدوك وعدوهم كثيرًا ، لفشل أصحابك فجبنوا ١٠/١٠
وخاموا ، (٣) ولم يقدروا على حرب القوم، (٤) ولتنازعوا فى ذلك، (٥) ولكن الله
(١) انظر تفسير ((سميع)) و((عليم)) فيما سلف من فهارس اللغة (سمع)، (على) .
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((واتقوا)) بالراو، و((والفاء)»، هنا حق الكلام.
(٣) فى المطبوعة: ((فجبنوا وخافوا))، غير ما فى المخطوطة. يقال: ((خام فى القتال))،
إذا جبن ، فنكل ونكس وتراجع .
(٤) انظر تفسير ((فشل)) فيما سلف ٧ : ١٦٨، ٢٨٩.
(٥) انظر تفسير ((التنازع)) فيما سلف ٧ : ٨/٢٨٩: ٥٠٤

٥٧٠
تفسير سورة الأنفال : ٤٣
سلمهم من ذلك بما أراك فى منامك من الرؤيا، إنه عليم بما تُجنُّه الصدور، (١)
لا يخفى عليه شيء مما تضمره القلوب. (٢)
وقد زعم بعضهم أن معنى قوله: ((إذ يريكهم الله فى منامك قليلاً))، أى: فى
عينك التى تنام بها = فصيّر ((المنام))، هو العين، كأنه أراد: إذ يريكهم الله
فى عينك قليلاً .(٣)
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
١٦١٥٠ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((إذ يريكهم الله فى منامك قليلاً))،
قال: أراه اللّه إياهم فى منامه قليلاً ، فأخبر النبي صلى اللّه عليه وسلم أصحابه بذلك،
فكان تثبيتاً لهم .
١٦١٥١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد ، بنحوه .
وقال، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبد الله، عن
١٦١٥٢-
ورقاء ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد ، مثله .
١٦١٥٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: ((إذ
يريكهم الله فى منامك قليلاً))، الآية، فكان أول ما أراه من ذلك نعمةً من
نعمه عليهم ، شجَّعهم بها على عدوهم، وكفَّ بها عنهم ما تُخُوقُ عليهم من
(١) فى المطبوعة: ((بما تخفيه الصدور))، غير ما فى المخطوطة بلا طائل، وهما بمعنى.
(٢) انظر تفسير ((ذات الصدور، فيما سلف ٧: ١٠٥، ١٠/٣٢٥ : ٩٤.
(٣) هو أبو عبيدة فى حجاز القرآن ١: ٢٤٧.

تفسير سورة الأنفال : ٤٣
ضعفهم ، (١) لعلمه بما فيهم . (٢)
٠
واختلف أهل التأويل فى تأويل قوله: ((ولكن اللّه مسلم)).
فقال بعضهم : معناه : ولكن اللّه سلم للمؤمنين أمرهم ، حتى أظهرهم على
عدوهم .
• ذكر من قال ذلك :
١٦١٥٤ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثى عمى
قال ، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((ولكن الله سلم ))، يقول:
سلم اللّه لهم أمرهم حتى أظهرهم على عدوهم .
٥
وقال آخرون : بل معنى ذلك : ولكن اللّه سلم أمره فيهم .
. ذكر من قال ذلك :
١٦١٥٥ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال ،
حدثنا معمر، عن قتادة: ((ولكن اللّه سلم ))، قال : سلم أمره فيهم.
قال أبو جعفر : وأولى القولين فى ذلك بالصواب عندى ما قاله ابن عباس ،
وهو أن اللّه سلم القومَ = بما أرى نبيه صلى الله عليه وسلم فى منامه = من الفشل
٠
(١) فى المطبوعة: و((كفاه بها ما تخوف ... ))، وفى المخطوطة: ((وكعها عنهم ما تخوف))؟
وصل الكلام ، وأثبت نص ابن هشام . وضبطه الخشنى بالبناء المجهول .
وفى السيرة، بعد تمام الكلام،: ((قال ابن هشام: ( تخوف)، مبدلة من كلمة ذكرها
ابن إسحق، ولم أذكرها)). فجاء أبو ذر الخشنى فى تعليقه على السيرة فقال: ((يقال الكلمة:
( تخوف )، بفتح التاء والخاء والواو، وقيل: كانت ( تخوفت) وأصلح ذلك ابن هشام ، لشناعة
اللفظ فى حق الله عز وجل)).
وهذا لا يقال، لأن ابن هشام يصرح بأنه نسيها ولم يذكرها ، فأبدل منها غيرها، فهو لم يغير
ذلك لعلة إلا علة النسيان .
(٢) الأثر : ١٦١٥٣ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٨، وهو تابع الأثر السالف رقم.
٠١٦١٤٩

٥٧٢
تفسير سورة الأنفال : ٤٤،٤٣
والتنازع ، حتى قويت قلوبهم ، واجترأوا على حرب عدوهم . وذلك أن قوله :
((ولكن اللّه سلم))، عَقِيب قوله: ((ولو أراكهم كثيراً لفشلتم ولتنازعتم فى
الأمر )) ، فالذى هو أولى بالخبر عنه أنه سلمهم منه جل ثناؤه ، ما كان مخوفاً
منه لو لم يُرِ نبيَّه صلى اللّه عليه وسلم من قلة القوم فى منامه.
القول فى تأيل قوله ﴿وَإِذْ يُرِبَكُمُوهُمْ إِ لَتَقَيْتُمْ فِىَ أَعْيُنُّكُمْ
قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِىَ أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِىَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللهِ
تُرْجَعُ الْأُمُورُ) )
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ((وإن اللّه لسميع عليم)) = إذ يرى الله
نبيه فى منامه المشركين قليلاً ، وإذ يريهم الله المؤمنين إذا لقوهم فى أعينهم قليلاً
وهم كثير عددهم ، ويقلل المؤمنين فى أعينهم ، ليتركوا الاستعداد لهم ، فتهون
على المؤمنين شوكتهم ، كما : -
١٦١٥٦ - حدثنى ابن بزيع البغدادى قال ، حدثنا إسحق بن منصور ،
عن إسرائيل ، عن أبى إسحق، عن أبى عبيدة ، عن عبد اللّه قال: لقد قلِّلوا فى
أعيننا يوم بدر، حتى قلت لرجل إلى جنبى : تراهم سبعين؟ قال : أراهم مئة ! قال :
فأسرنا رجلاً منهم فقلنا : كم هم؟ قال: ألفاً .(١)
١٦١٥٧ - حدثنا أحمد بن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا
إسرائيل ، عن أبى إسحق ، عن أبى عبيدة ، عن عبد اللّه ، بنحوه .
(١) الأثر: ١٦١٥٦ - ((ابن زيع البغدادى))، هو ((محمد بن عبد الله بن زيع البغدادى))،
من شيوخ مسلم، مضى برقم: ٢٤٥١، ٣١٣٠، ١٠٢٣٩.
وكان فى المطبوعة: ((كنا ألفاً))، زاد ((كنا))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو صواب محض.

تفسير سورة الأنفال: ٤٤
١٦١٥٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قوله: ((وإذ يريكموهم إذ التقيم فى أعينكم قليلاً ))، قال ابن مسعود:
قللوا فى أعيننا ، حتى قلت لرجل : أتُرّاهم يكونون مئة ؟ .
١٦١٥٩ - حدثنى محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال،
حدثنا أسباط ، عن السدى قال : قال ناس من المشركين : إن العير قد انصرفت
فارجعوا . فقال أبو جهل : الآن إذ برز لكم محمد وأصحابه ! فلا ترجعوا حتى
تستأصلوهم . وقال : يا قوم لا تقتلوهم بالسلاح ، ولكن خذوهم أخذاً ، فاربطوهم
بالحبال ! = يقوله من القدرة فى نفسه .
١١/١٠
وقوله: ((ليقضى الله أمرا كان مفعولاً))، يقول جل ثناؤه: قلّلتكم، أيها المؤمنون،
فى أعين المشركين، وأريتكموهم فى أعينكم قليلاً ، حتى يقضى الله بينكم ما قضى
من قتال بعضكم بعضاً ، وإظهاركم ، أيها المؤمنون ، على أعدائكم من المشركين
والظفر بهم ، لتكون كلمة الله هى العليا ، وكلمة الذين كفروا السفلى. وذلك
أمرٌ کان الله فاعله وبالغاً فیه أمرہ ، کما : -
١٦١٦٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: ((ليقضى
اللّه أمرا كان مفعولا))، أى: ليؤلف بينهم على الحرب ، للنقمة ممن أراد الانتقام
منه، والإنعام على من أراد إتمام النعمة عليه من أهل ولايته . (١)
٠٠٠
= ((وإلى اللّه ترجع الأمور))، يقول جل ثناؤه : مصير الأمور كلها إليه فى
الآخرة، فيجازى أهلها على قدر استحقاقهم، المحسنَ بإحسانه، والمسئءَ بإساءته
(١) الأثر: ١٦١٦٠ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٨، وهو تابع الأز السالف رقم :
٠١٦١٥٣

١٧٤
تفسير سورة الأنفال : ٤٠
القول فى تأويل قوله ﴿يَتَأَيُّاَ الّذِينَ امَنُواْ إِذَا لَقِيْثُمْ فِئَةً
فَأَثْبْتُواْ وَأَذْ كُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ ◌ُقْلُونَ﴾ ﴾)
قال أبو جعفر: وهذا تعريفاً من الله جل ثناؤه أهل الإيمان به ، السيرة فى
حرب أعدائه من أهل الكفر به، والأفعال التى يُرْجَى لهم باستعمالها عند لقائهم النصرة
عليهم والظفربهم . ثم يقول لهم جل ثناؤه: ((يا أيها الذين آمنوا))، صدقوا
الله ورسوله = إذا لقيتم جماعة من أهل الكفر بالله للحرب والقتال، (١) فاثبتوا
لقتالهم ، ولا تنهزموا عنهم ولا تولوهم الأدبار هاربين، إلاّ متحرفاً لقتال أو متحيزاً
إلى فئة منكم = ((واذكروا الله كثيراً))، يقول: وادعوا الله بالنصر عليهم والظفر
بهم، وأشعروا قلوبكم وألسنتكم ذكره = ((لعلكم تفلحون))، يقول: كما تنجحوا
فتظفروا بعدوكم ، ويرزقكم الله النصر والظفر عليهم، (٢) كما :-
١٦١٦١ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة قوله: (( يا أيها الذين آمنوا إذا القيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم
تفلحون))، افترضَ اللّه ذكره عند أشغل ما تكونون، عند الضّراب بالسيوف.
١٦١٦٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: (( يا أيها
الذين آمنوا إذا لقيتم فئة ))، يقاتلونكم فى سبيل الله - ((فاثبتوا واذكروا الله كثيراً ))،
اذكروا الله الذى بذلتم له أنفسكم والوفاء بما أعطيتموه من بيعتكم = ((لعلكم تفلحون)).(٣)
(١) انظر تفسير ((فئة)) فيما سلف ص: ٤٥٥، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((الفلاح)) فيها سلف ص: ١٦٩، تعليق ٢، والمراجع هناك.
(٣) الأثر: ١٦١٦٢ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٩، وهو تابع الأثر السالف رقم : ١٦١٦.

٥٧٥
تفسير سورة الأنفال : ٤٦
القول فى تأويل قوله ﴿ وَأَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ , وَلَا تَتَزَعُوا
فَتَفَْلُوا وَتَذْهَبَ رِيعُكُمْ وَأَصْبِرُوَاْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّبِرِينَ) (١)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به: أطيعوا، أيها المؤمنون ، ربّكم
ورسوله فيما أمركم به ونهاكم عنه ، ولا تخالفوهما فى شىء = ((ولا تنازعوا فتفشلوا)»،
يقول: ولا تختلفوا فتفرقوا وتختلف قلوبكم (١) = ((فتفشلوا))، يقول : فتضعفوا
وتجبنوا ، (٢) = ((وتذهب ريحكم)) .
وهذا مثلٌ. يقال للرجل إذا كان مقبلاً ما يحبه ويُسَرّ به(٣): ((الريح
مقبلةٌ عليه)) ، يعنى بذلك: ما يحبه، ومن ذلك قول عبيد بن الأبرص :
كَمَا حَيْنَاكَ يَوْمَ النَّعْفِ مِنْ شَطَبٍ وَالفَضْلُ لِلْقَوْمِ مِنْرِيحٍوَمِنْ عَدَدٍ (٤)
(١) انظر تفسير ((التنازع)) فيما سلف ص: ٥٦٩، تعليق: ٥، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير (الفشل)) فيما سلف ص: ٥٦٩، تعليق: ٤، والمراجع هناك.
(٣) فى المطبوعة: ((مقبلا عليه ما يحبه))، زاد ((عليه))، وليست فى المخطوطة.
(٤) ديوانه: ٤٩، من أبيات قبله، يقول:
يَهْفَ نَفْسِى لَوْ تَدْعُو بَنِى أَسَدٍ
دَعَا مَعَاشِرَ فَأُسْتَكَّتْ مَسَامِعُهُمْ
إِذَا الشُّيُوفُ بِأَيْدِى القَوْمِ كالْوَقَدِ
لاَ يَدَّعُونَ إِذَا خَمَ الكُمَاةُ، وَلاَ
لَوْهُمْ حُمَتُكَ بالمخْعَى حَمَوْكَ وَلَّ
كُتْرَكْ لِيَوْمِ أَقَمَ النَّاسَ فى كَبَدِ
كَمَا حَمَيْنَاكَ
والبيت الثانى من هذه الأبيات جاء هكذا فى مخطوطة الديوان: ((لا يدعوا إذا حام الكماة ولا إذا .. ))،
فصححه الناشر المستشرق ((تدعو إذن حامى الكماة لا كسلا))، فجاء بالغثاثة كلها فى شطر واحد.
فيصحح كما أثبته. ويعنى بقوله: ((لا يدعون إذا خام الكماة))، أى: لا يتنادون بترك الفرار ،
و((خام)) نكس، كما قال الآخر:
فَقُلْناً: لاَفِرَارَ ولا صُدُودَا
تَنَدَوْا: يَاَ آلَ عَمْرِ و لا تَفِرُّوا!
و((النعف))، ما انحدر من حزونة الجبل. و((شطب)» جبل فى ديار فى أسد.

٥٧٦
تفسير سورة الأنفال : ٤٦
يعنى: من البأس والكثرة .(١)
٠
٠٠
وإنما يراد به فى هذا الموضع : وتذهب قوتكم وبأسكم ، فتضعفوا ويدخلكم
الوهن والحلل .
= ((واصبروا))، يقول: اصبروا مع نبيّ اللّه صلى اللّه عليه وسلم عند لقاء عدوكم،
ولا تنهزموا عنه وتتركوه = ((إن الله مع الصابرين))، يقول: اصبروا فإنى معكم.(٢)
٠ ٠
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك :
#
١٦١٦٣ - حدثی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد قوله: ((وتذهب ريحكم))، قال :
١٢/١٠ نصركم. قال: وذهبت ريحُ أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم، (٣) حين نازعوه
يوم أحد.
١٦١٦٤ - حدثنا ابن نمير ، عن ورقاء ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد:
((وتذهب ريحكم)) ، فذكر نحوه .
١٦١٦٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج ، عن مجاهد ، نحوه = إلا أنه قال : ريح أصحاب محمد حين تركوه
يوم أحد .
١٦١٦٦ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم))، قال :
(١) فى المخطوطة: ((من الناس))، والصواب ما فى المطبوعة.
(٢) انظر تفسير ((مع)) فيما سلف دى: ٤٥٥، تعليق: ٤، والمراجع هناك
(٣) فى المطبوعة: ((أصحاب رسول الله))، وأثبت ما فى المخطوطة.

تفسير سورة الأنفال : ٤٦
حَدُّكَم وجدّكم".(١)
١٦١٦٧ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة
((وتذهب ريحكم))، قال : ربح الحرب .
١٦١٦٨ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((وتذهب ريحكم))، قال: ((الريح))، النصر، لم يكن نصر قط إلاّ بريح
يبعثها اللّه تضرب وجوه العدو ، فإذا كان ذلك لم يكن لهم قوام .
١٦١٦٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: ((ولا
تنازعوا فتفشلوا))، أى: لا تختلفوا فيتفرق أمركم = ((وتذهب ريحكم))، فيذهب
حَدُّكم (٢) = ((واصبروا إن الله مع الصابرين))، أى: إنى معكم إذا فعلتم ذلك. (٣)
١٦١٧٠ -حدثی یونس قال: أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((ولا تنازعوا فتفشلوا))، قال : الفشل ، الضعف عن جهاد عدوه والانكسار
لهم، فذلك ((الفشل)).
(١) فى المطبوعة: ((حربكم وجدكم))، وهى فى المخطوطة توشك أن تقرأ كما قرأما، ولكن
الكتابة تدل على أنه أراد ((حدكم))، و((الحد)) بأس الرجل ونفاذه فى نجدته. يقال: ((فلان
ذو حد)»، أى بأس ونجدة. ولو قرلت: ((وحدتكم))، كان صواباً، ((الحد)) و(الحدة))
( بكسر الحاء)، واحد . وانظر التعليق التالى.
(٢) فى المطبوعة: ((جدكم))، بالجيم، والصواب ما فى سيرة ابن هشام، وفيها ((حدتكم))،
وفى مخطوطاتها (حدكم))، وهما بمعنى، كما أسلفت فى التعليق قبله.
(٣) الأثر: ١٦١٦٩ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٩، وهو تابع الأثر السالف رقم:
٠١٦١٦٢
ج١٣ (٣٧)

٠٧٨
تفسير سورة الأنفال : ٤٧
القول فى تأويل قوله ﴿ وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن
هِيَرِهِمِ بَطَرًا وَرِثَآءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِاَ يَعَلُونَ
مُحِيطٌ) )
قال أبو جعفر: وهذا تقدُّمٌّ من اللّه جل ثناؤه إلى المؤمنين به وبرسوله ، أن لا
يعملوا عملاً إلا لله خاصة ، وطلب ما عنده، لارثاء الناس، كما فعل القوم من
المشركين فى مسيرهم إلى بكر طلبَ رئاء الناس . وذلك أنهم أخبروا بفَوْت العِير
رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، (١) وقيل لهم: ((انصرفوا فقد سلمت العير
التى جثم لنصرتها!))، فأبوا وقالوا: ((نأتى بدراً فنشرب بها الخمر ، وتعزف علينا
القيان، وتتحدث بنا العرب فيها))، (٢) فَسُقُوا مكان الخمر كؤوس المنايا، كما -
١٦١٧١ -حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد قال،حدثی ابی قال ، حدثنا
أبان قال ، حدثنا هشام بن عروة ، عن عروة قال : كانت قريش قبل أن يلقاهم
النبى صلى الله عليه وسلم يوم بدر، قد جاءهم راكب من أبى سفيان والركب الذين
معه: إنا قد أجزنا القوم، وأن ارجعوا . (٣) فجاء الركب الذين بعثهم أبو سفيان الذين
يأمرون قريشاً بالرجعة بالجحفة، فقالوا: «والله لانرجع حتى ننزل بدرًاً ، فنقيم
فيه ثلاث ليالٍ ، ويرانا من غَشِينا من أهل الحجاز، فإنه لن يرانا أحد من العرب
وما جمعنا فیقاتلنا». وهم الذين قال الله: (الذين خرجوا من ديارهم بطرًا ورثاء الناس))،
والتقوا هم والنبيّ صلى الله عليه وسلم، ففتح اللّه على رسوله ، وأخزى أئمة الكفر،
(١) فى المخطوطة: ((يقرب العير))، والصواب ما فى المطبوعة.
(٢) فى المطبوعة: ((وتتحدث بنا العرب لمكاننا فيها))، زاد ما ليس فى المخطوطة.
(٣) فى المطبوعة: ((فارجعوا))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو مطابق لما فى التاريخ.

٥٧٩
تفسير سورة الأنفال : ٤٧
طفى صدور المؤمنين منهم .(١)
١٦١٧٢ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثنى ابن إسحق
= فى حديث ذكره - قال، حدثنى محمد بن مسلم ، وعاصم بن عمر ، (٢) وعبد الله
ابن أبى بكر ، ويزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا ، عن
ابن عباس قال : لما رأى أبو سفيان أنه أحرز عيره، أرسل إلى قريش: إنكم إنما
خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم ، فقد نجاها اللّه ، فارجعوا ! فقال أبو جهل
ابن هشام: والله لا نرجع حتى نرد بدرًا = وكان (( بدر)) موسماً من مواسم العرب،
يجتمع لهم بها سوق كل عام = فنقيم عليه ثلاثاً ، وننحر الجُزُر، ونطعم الطعام.
ونسقى الخمور ، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب ، فلا يزالون يهابوننا أبداً ،
فامضوا. (٣)
١٦١٧٣ - قال ابن حميد، حدثنا سلمة قال، قال ابن إسحق: ((ولا
تکونوا کالذین خرجوا من دیارهم بطراً ورثاء الناس » ، أی : لا تکونوا کأبی جهل
وأصحابه الذين قالوا: (( لا نرجع حتى نأتى بدرًا، وننحر الجزر، ونسقى بها الخمر ،
وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب، فلا يزالون يهابوننا))، أى: لا يكونن ١٣/١٠
أمركم رياء ولا سمعة، ولا التماس ما عند الناس، وأخلصوا لله النية والحِسْبة فى نصر
دينكم ، ومؤازرة نبيكم ، أى : لا تعملوا إلا الله، ولا تطلبوا غيره. (٤)
١٦١٧٤ - حدثنى محمد بن عمارة الأسدى قال، حدثنا عبيد الله بن موسى
قال ، أخبرنا إسرائيل = وحدثنا أحمد بن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد قال ،
(١) الأثر: ١٦١٧١ - هذا من كتاب عروة بن الزبير إلى عبد الملك بن مروان، الذى
خرجته آنفاً من تاريخ الطبرى مجموعاً برقم: ١٦٠٨٣. وهذا القسم فى تاريخ الطبرى ٢٦٩:٢.
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((عاصم بن عمرو))، وهو خطأ، إنما هو ((عاصم بن عمر
بن قتادة)»، سلف مراراً، وانظر سيرة ابن هشام ٢: ٢٥٧.
(٣) الأثر: ١٦١٧٢ - سيرة ابن هشام ٢: ٢٧٠، وتاريخ الطبرى ٢ : ٢٧٦،
من أثر طويل .
(٤) الأثر : ١٦١٧٣ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٩، وهو تابع الأر السالف رقم :
١٦١٦٩ . وفى لفظه اختلاف يسير.

٥٨٠
تفسير سورة الأنفال : ٤٧
حدثنا إسرائيل = عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: ((الذين خرجوا من ديارهم
بطرًا ورئاء الناس )) ، قال : أصحاب بدر .
١٦١٧٥ - حدثی محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد قوله: ((بطرًا ورثاء الناس))، قال :
أبو جهل وأصحابه يوم بدر .
١٦١٧٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، عن مجاهد ، مثله = قال ابن جريج ، وقال عبد الله بن كثير :
هم مشرکو قریش ، وذلك خروجهم إلى بدر .
١٦١٧٧ - حدثنى محمد بن سعد قال ، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى
قال ، حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس: (( ولا تكونوا كالذين خرجوا من
ديارهم بذرًا ورئاء الناس))، يعنى: المشركين الذين قاتلوا رسول الله صلى الله عليه
وسلم يوم بدر .
١٦١٧٨ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر، عن قتادة: ((خرجوا من ديارهم بطرًا ورثاء الناس))، قال : هم قريش
وأبو جهل وأصحابه ، الذين خرجوا يوم بدر .
١٦١٧٩ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:
((ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرًا ورثاء الناس ويصدون عن سبيل الله
واللّه بما يعملون محيط))، قال : كان مشركو قريش الذين قاتلوا نبى الله يوم
بدر، خرجوا ولهم بَغْى وفخر. وقد قيل لهم يومئذ: ((ارجعوا، فقد انطلقت عيركم،
وقد ظفرتم)). قالوا: ((لا والله، حتى يتحدث أهل الحجاز بمسيرنا وعددنا!)).
قال: وذكر لنا أن نبى الله صلى الله عليه وسلم قال يومئذ: ((اللهم إنّ قريشاً أقبلت
بفخرها وخيلاتها لتحادَّك ورسولك » !
١٦١٨٠ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،