Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١
تفسير سورة الأعراف : ١٩٤،١٩٣
بِأهْلِ الْقِبَابِ مِنْ ثُمَيْرٍ بنٍ عَمِ (١)
سَوَاءِ عَلَيْكَ النَّفْرُ أَمْ بِتَّ لَيْلَةً
وقد ينشد: ﴿أم أَنْتَ بَأَيْتٌ﴾.
٥
القول فى تأويل قوله ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبَادٌ
أَمْثَالُكُمْ فَدْعُوهُمْ فَلْبَصَحِيُواْ لَكُمْ إِن كُنْتُمْ سُلِقِينَ) (١)
١٠٣/٩
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لهؤلاء المشركين من عبدة الأوثان، موبخهم
على عبادتهم ما لا يضرهم ولا ينفعهم من الأصنام: ((إن الذين تدعون))، أيها
المشركون، آلهة" = ((من دون الله))، وتعبدونها، شركاً منكم وكفراً بالله = ((عباد
أمثالكم)،، يقول: هم أملاك لربكم، كما أنتم له مماليك . فإن كنتم صادقين
أنها تضر وتنفع، وأنها تستوجب منكم العبادة لنفعها إياكم ، فليستجيبوا لدعائكم
إذا دعوتموهم ،(٢) فإن لم يستجيبوا لكم، لأنها لا تسمع دعاءكم ، فأيقنوا بأنها
لا تنفع ولا تضر، لأن الضر والنفع إنما يكونان ممن إذا سُئِل سمع مسألة سائله
وأعطى وأفضل ، ومن إذا شكى إليه من شىء سمع ، فضرّ من استحق العقوبة ،
ونفع من لا يستوجب الضرّ .
(١) معانى القرآن الفراء ١: ٤٠١، وكان فى المطبوعة والمخطوطة ((عليك الفقر))، وهو
خطأ محض، صوابه من المعانى. و((النفر)) بمعنى: النفر من منى فى أيام الحج، وهو الثانى من
أيام التشريق .
(٢) انظر تفسير ((الاستجابة)) فيما سلف ٣: ٤٨٣، ٧/٤٨٤: ٤٨٦ - ٤٨٨/
١١ : ٠٣٤١
ج ١٣ (٢١)
٣٢٢
تفسير سورة الأعراف : ١٩٥
القول فى تأويل قوله ﴿أَلَّهُمْ أَرْجُلٌ يَعْتُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ
يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنْ يُبْصِرُون ◌ِهَا أَمْ لَهُمْ،إذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَآَ
قُلٍ أَدْعُواْ شُرَّكَاءَ كُمْ ثُّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لهؤلاء الذين عبدوا الأصنام من دونه ،
معرّفَهم جهل ما هم عليه مقيمون: ألأ صنامكم هذه، أيها القوم = (( أرجل يمشون
بها)) ، فيسعون معكم ولكم فى حوائجكم ، ويتصرفون بها فى منافعكم = رأم لهم أيد
ببطشون بها »،فيدفعون عنکم وینصرونکم بها عند قصد من يقصد کم بشر ومكروه
= ((أم لهم أعين يبصرون بها))، فيعرفونكم ما عاينوا وأبصروا مما تغيبون عنه فلا
ترونه = (أم لهم آذان يسمعون بها))، فيخبرونكم بما سمعوا دونكم مما لم تسمعوه.
يقول جل ثناؤه : فإن كانت آلهتكم التى تعبدونها ليس فيها شىء من هذه الآلات
التى ذكرتُها، والمعظّم من الأشياء إنما يعظّ لما يرجى منه من المنافع التى توصل إليه
بعض هذه المعانى عندكم ، فما وجه عبادتكم أصنامكم التى تعبدونها ، وهى خالية
من كل هذه الأشياء التى بها يوصل إلى اجتلاب النفع ودفع الضر ؟
وقوله: (( قل ادعوا شركاء كم ثم كيدون))، [ قل، يا محمد ، لهؤلاء
المشركين من عبدة الأوثان : ادعو شركاء كم الذين جعلتموهم لله شركاء فى العبادة
= (ثم كيلون))]، (١) أنتم وهى(٢) = (فلا تنظرون))، يقول: فلا تؤخرون بالكيد
والمكر، (٣) ولكن عجلوا بذلك. يُعْلِمه جل ثناؤه بذلك أنهم لن يضروه ، وأنه
قد عصمه منهم، ويُعَرِّف الكفرة به عجز أوثانهم عن نصرة من بغى أولياء هم بسوء.
(١) هذه العبارة التى بين الأقواس، استظهرتها من سياق الآية والتفسير ، وظاهر أنها قد
سقطت من الناسخ ، وأن الكلام بغيرها ، أو بغير ما يقوم ما مقامها ، لا يستقيم .
(٢) فى المطبوعة: ((أنتم وهن))، وأثبت ما فى المخطوطة.
ثم انظر تفسير «الكيد)) فيما سلف ص: ٢٨٨، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير ((الإنظار)) فيما سلف ١٢: ٣٣١، تعليق: ١، والمراجع هناك.
٣٢٣
تفسير سورة الأعراف : ١٩٦، ١٩٧
القول فى تأويل قوله ﴿إِنَّ وَلِكَىَ اللهُ الَّذِى نَزَّلَ الْكِتُّبَ
وَهُوَ يَتَوَلَى أُلصَّلِحِينَ﴾ (١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل ،
یا محمد، للمشرکین من عبدة الأوثان = « إن ولی »، نصیری ومعينى وظهیری
عليكم (١) = ((اللّه الذى نزل الكتاب)) علىّ بالحق، وهو الذى يتولى من صلح
عمله بطاعته من خلقه .
القول فى تأويل قوله ﴿ وَاُلَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ»
لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُ وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُون﴾ (١)
قال أبو جعفر : وهذا أيضاً أمر من الله جل ثناؤه لنبيه أن يقوله للمشركين .
یقول له تعالى ذكره : (٢) قل لهم: إن الله نصیری وظهیری ، والذین تدعون أنتم، أيها
المشركون، من دون الله من الآلهة، لا يستطيعون نصركم، ولا هم مع عجزهم عن
نصرتكم يقدرون على نصرة أنفسهم . فأى هذين أولى بالعبادة وأحق بالألوهة ؟
أمن ينصر وليه ويمنع نفسه ممن أراده، أم من لا يستطيع نصر وليه ويعجز عن منع
نفسه ممن أراده وبغاه بمكروه ؟
(١) انظر تفسير ((الولى)) فيما سلف من فهارس اللغة (ولى).
(٢) فى المطبوعة: ((بقوله تعالى))، وفى المخطوطة مثله غير منقوط، والصواب: ((يقول له)).
٣٢٤
تفسير سورة الأعراف : ١٩٨
القول فى تأويل قوله ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَىْ لَا يَسْمَعُواْ
وَثَرَنْهُمْ يَظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) (١)
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل المشركين:
وإن تدعوا، أيها المشركون ، آلهتكم إلى الهدى = وهو الاستقامة إلى السداد = ((لا
يسمعوا))، يقول: لا يسمعوا دعاء كم = (( وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون)).
وهذا خطاب من اللّه نبيَّه صلى اللّه عليه وسلم . يقول : وترى ، يا محمد ،
آلهتهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون = ولذلك وحَّد.(١) ولو كان أمر النبي صلى
اللّه عليه وسلم بخطاب المشركين، لقال: ((وترونهم ينظرون إليكم)).(٢)
٥٠٠
وقد روى عن السدی فی ذلك ما :-.
١٥٥٣٣ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال،
١٠٤/٩ حدثنا أسباط، عن السدى: ((وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون
إليك وهم لا يبصرون))، قال : هؤلاء المشركون .
. ..
وقد يحتمل قول السدى هذا أن يكون أراد بقوله: ((هؤلاء المشركون )»، قول
الله: ((وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا)).
#
وقد کان مجاهد یقول فی ذلك ، ما :-
١٥٥٣٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
(١) يعنى أن الخطاب أولا كان المشركين جميعاً، فقال: ((وإن تدعوهم))، ثم قال
((وتراهم» على الإفراد، خطاباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
(٢) فى المخطوطة: ((وترونهم ينظرون إليك ... ))، وبعد ((إليك)) بياض بقدر كلمة.
والذى فى المطبوعة شبيه بالصواب.
٢٢٥
تفسير سورة الأعراف : ١٩٨:
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد: (( وتراهم ينظرون إليك وهےلا يبصرون »، ما تدعوهم
إلى الهدى .
وكأنّ مجاهداً وجه معنى الكلام إلى أن معناه: وترى المشركين ينظرون إليك
وهم لا يبصرون - فهو وجهً، ولكن الكلام فى سياق الخير عن الآلهة ، فهو
بوصفها أشبه .
۵
قال أبو جعفر: فإن قال قائل: فما معنى قوله: ((وتراهم ينظرون إليك وهم
لا يبصرون)»؟ وهل يجوز أن يكون شيء ينظر إلى شىء ولا يراه ؟
قيل: إن العرب تقول للشىء إذا قابل شيئاً أو حاذاه: ((هو ينظر إلى كذا))،
ويقال: ((منزل فلان ينظر إلى منزلى))، إذا قابله. وحكى عنها: ((إذا أتيتّ
موضع كذا وكذا فنظر إليك الجبل، فخذ يميناً أو شمالاً ))، وحدثت عن أبى عبيد
قال: قال الكسائى: (( الحائط ينظر إليك ))، إذا كان قريباً منك حيث تراه ،
ومنه قول الشاعر : (١)
إِذَا نَظَرَتْ بِلاَدَ بَنِىِ ◌َّمِيمٍ
بِعَيْنِ أَوْ بِلاَدَ بَنِ صُمَاح (٣)
(١) لم أعرف قائله.
(٢) نوادر أبى زيد: ١٣١، أساس البلاغة (عين)، المقاييس ٤: ٢٠٣، ورواية
أبى زيد :
بَيْنِ، أَوْ بِلاَدَ بنى صَباحٍ
إِذا نَظَرَتْ بِلاَدَ بِى حَبِيبٍ
وَفِتْمَنِ النُّدُوِّ مَعَ الرَّوَاحِ
رَمَيْنَهُمْ بِكُلُ أُقَبَّ نَهْدٍ
ولا أدرى ما ((بنو حبيب)»، وأما ((بنو صباح))، فهم فى ضبة، والظاهر أن فى غيرهم من العرب
أيضاً ((بنو صباح)). انظر الاشتقاق: ١٢٢. ورواية الزمخشرى وابن فارس ((بلاد بنى نمير))،
فلا أدرى ما أصح ذلك، حتى يعرف صاحب الشعر ، وفيمن قيل .
قال الزمخشرى قبل استشهاده بالشعر: ((نظرت الأرض بعين أو بعينين))، إذا طلع بهأرض
ما ترعاه الماشية بغير استمكان . وقال ابن فارس: إذا طلع النبت، وكل هذا محمول ، واستجارة
وتشبيه .
٣٢٦
تفسير سورة الأعراف : ١٩٩،١٩٨
يريد : تقابل نبتُها وعُشْها وتحاذَى .
٠٠٠
قال أبو جعفر : فمعنى الكلام : وترى ، يا محمد ، آلهة هؤلاء المشركين
من عبدة الأوثان ، يقابلونك ويحاذونك ، وهم لا يبصرونك ، لأنه لا أبصار لهم ..
وقيل: ((وتراهم))، ولم يقل: ((وتراها))، لأنها صور مصوَّرة على صور
بنى آدم عليه السلام .
القول فى تأويل قوله { خُذِ الْعَفْوَ وَأُمُرْ بِالْمُرْفِ وَأَعْرِضْ
عَنِ الْجَمِلِينَ)
144
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك :
فقال بعضهم: تأويله: (( خذ العفو)) من أخلاق الناس ، وهو الفضل
وما لا يجهدهم .(١)
· ذكر من قال ذلك :
١٥٥٣٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن محمد
ابن عبد الرحمن، عن القاسم، عن مجاهد فى قوله: ((خذ العفو ))، قال : من
أخلاق الناس وأعمالهم ، بغير تحسس .(٢)
١٥٥٣٦ - حدثنا يعقوب وابن وكيع قالا، حدثنا ابن علية، عن ليث ،
عن مجاهد فى قوله: ((خذ العفو))، قال: عفو أخلاق الناس ، وعفوّ أمورهم .
١٥٥٣٧ - حدثنا یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، حدثی ابن أبى الزناد ،
(١) انظر تفسير ((العفو)) فيما سلف ٤: ٣٣٧ - ٣٤٣.
(٢) فى المخطوطة هنا، وفى الذى يليه رقم: ١٥٥٣٩ ((تحسيس)) بالياء، ولا أدرى ما هو.
و «تحسس الشىء)) تبحثه وتطلبه، كأنه يعنى الاستقصاء فى الطلب، ويؤيد هذا ما سيأتى برقم:
٠١٥٥٤٢
٣٢٧
تفسير سورة الأعراف : ١٩٩
عن هشام بن عروة، عن أبيه فى قوله: ((خذ العفو)»، الآية، قال عروة : أمر
الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو من أخلاق الناس.(١)
١٥٥٣٨ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه، عن ابن الزبير قال : ما أنزل الله هذه
الآية إلا فى أخلاق الناس: ((خذ العفو وأمر بالعرف))، الآية . (٢)
١٥٥٣٩ -حدثنا ابن وکیح قال، حدثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج
قال: بلغى عن مجاهد: خذ العفو من أخلاق الناس وأعمالهم بغير تحسس.(٣)
١٥٥٤٠ -.... قال حدثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة ، عن
وهب بن كيسان، عن ابن الزبير: ((خذ العفو))، قال : من أخلاق الناس ،
والله لآخذنه منهم ما صحبتهم.(٤)
١٥٥٤١ -.... قال، حدثنا عبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة ،
عن أبيه ، عن ابن الزبير (٥)، قال: إنما أنزل الله: ((خذ العفو))، من أخلاق
الناس .
١٥٥٤٢ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: (( خذ العفو))، قال : من أخلاق
(١) الأثر: ١٥٥٣٧ - رواه البخارى فى صحيحه (الفتح ٨: ٢٢٩) من طريق عبد الله
ابن براد، عن أبى أسامة، عن هشام، عن أبيه ، عن عبد الله بن الزبير . وانظر ما قاله فيه
الحافظ ابن حجر .
(٢) الأثر: ١٥٥٣٨ - ((هشام بن عروة بن الزبير)»، ثقة، معروف، مضى مراراً.
وأبوه ((عروة بن الزبير))، يروى عن أخيه ((عبد الله بن الزبير)). وكان فى المطبوعة هنا:
((عن أبى الزبير))، وهو خطأ، صوابه ما كان فى المخطوطة.
وهذا خبر صحيح، رواه البخارى فى صحيحه (الفتح ٨: ٢٢٩) رسيأتى برقم ١٥٥٤١، بإستاد آخر
(٣) انظر التعليق السالف، ص: ٣٢٦ رقم : ٠٢
(٤) الأثر: ١٥٥٤٠ - ((أن الزبير))، وهو ((عبد الله بن الزبير))، وكان فى المخطوطة
والمطبوعة: هنا ((أبي الزبير))، وهو خطأ سمحناه آنفاً.
(٥) فى المطبوعة هنا ((عن أبى الزبير))، وهو خطأ كما أسلفت.
٣٢٨
تفسير سورة الأعراف : ١٩٩
الناس وأعمالهم ، من غير تحسس = أو: تجسس ، شك أبو عاصم . (١)
...
وقال آخرون : بل معنى ذلك : خذ العفو من أموال الناس ، وهو الفضل .
قالوا : وأمر بذلك قبل نزول الزكاة ، فلما نزلت الزكاة نُسِخ .
ذكر من قال ذلك :
١٥٥٤٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية، عن على، عن ابن عباس قوله: ((خذ العفو))، يعنى خذ ما عفا لك
من أموالهم، وما أتوك به من شىء فخذه. فكان هذا قبل أن تنزل ((براءة )) بفرائض
١٠٥/٩ الصدقات وتفصيلها ، وما انتهت الصدقات إليه .
١٥٥٤٤ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((خذ العفو))، أما ((العفو))، فالفضل من المال ،
نسختها الزكاة .
١٥٥٤٥ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ يقول ،
حدثنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((خذ العفو))، يقول:
خذ ما عفا من أموالهم . وهذا قبل أن تنزل الصدقة المفروضة .
وقال آخرون: بل ذلك أمرٌ من اللّه نبيَّه صلى اللّه عليه وسلم بالعفو عن
المشركين ، وترك الغلظة عليهم ، قبل أن يفرض قتالهم عليه .
ذكر من قال ذلك :
١٥٥٤٦ -حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((خذ العفو))، قال: أمره فأعرض عنهم عشر سنين بمكة . قال : ثم أمره
بالغلظة عليهم ، وأن يقعد لهم كل مَرْصد، وأن يحصرهم. ثم قال: ﴿فَإِنْ تَبُوا
(١) ((التجسس))، مثل ((التحسس))، مع خلاف يسير، وانظر ما سلف
ص : ٣٢٦، تعليق رقم : ٠٢
٣٢٩
تفسير سورة الأعراف : ١٩٩
وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ﴾، [سورة التوبة: ١١،٥] الآية، كلها. وقرأ: ﴿يَا أَيُّهاَ النّىُ جَاهِدٍ
الْكُفَّارَ وَالْمُنَِقِينَ وَأَغْاُظْ عَليْهِمْ﴾، [سورة التوبة: ٧٣ / سورة التحريم: ٩]. قال:
وأمر المؤمنين بالغلظة عليهم فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يُلُوَنَكُمْ مِنَ
الْكُفَّارِ وَلَيَجِدُوا فِيَكُمْ غِلْظَةٌ﴾، [سورة التوبة: ١٢٣]، بعد ما كان أمرهم بالعفو. وقرأ
قول الله: (ُقُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لاَيَرْجُونَ أَيَّامَ اللهِ﴾ [سورة الجاثية: ١٤]،
ثم لم يقبل منهم بعد ذلك إلا الإسلام أو القتل، فنسخت هذه الآية العفو. (١)
٠
قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بالصواب ، قول من قال : معناه : خذ
العفو من أخلاق الناس ، واترك الغلظة عليهم = وقال : 'أمر بذلك نبي الله صلى
اللّه عليه وسلم فى المشركين .
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن الله جل ثناؤه أتبع ذلك تعليمه نبيه صلى
اللّه عليه وسلم محاجته المشركين فىالكلام، وذلك قوله: «قلادعوا شرکاءکم ثم كيدون
فلاتنظرون))، وعقَّبه بقوله: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِىِ الْغَىِّ ثُمَّ لاَ يَقْصِرُونَ .
وَإِذَا لَمَّ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلاَ اجْتَبَيْتَهَا)، فما بين ذلك، بأن يكون من تأديبه نبيه
صلى الله عليه وسلم فى عشرتهم به، (٢) أشبهُ وأولى من الاعتراض بأمره بأخذ الصدقة
من المسلمين .
٥
فإن قال قائل : أفنسوخ ذلك ؟
قیل : لا دلالة عندنا على أنه منسوخ ، إذ كان جائزاً أن یکون = وإن كان
الله أنزله على نبيه عليه السلام فى تعريفه عشرةَ من لم يُؤْمَر بقتاله من المشركين=
مراداً به تأديبُ نيّ اللّه والمسلمين جميعاً فى عشرة الناس، وأمرهم بأخذ عفو
(١) مضى خبر آخر برقم: ٤١٧٥، فيه ذكر هذه الآية، وتفسيرها بذلك عن ابن عباس.
(٢) قوله: ((به)) فى آخر الجملة، متعلق بقوله فى أولها ((من تأديبه))، كأنه قال
((من تأديبه به))، أى بهذا الذى بين الآيتين.
٣٣٠
تفسير سورة الأعراف : ١٩٩
أخلاقهم ، فيكون وإن كان من أجلهم نزل ، تعليماً من اللّه خلقه صفةً عشرة
بعضهم بعضاً، [إذا] لم يجب استعمال الغلظة والشدة فى بعضهم: (١) فإذا وجب استعمال
ذلك فيهم، استعمل الواجبَ، فيكون قوله: ((خذ العفو))، أمرًا بأخذه ما لم يجب
غيرُ العفو ، فإذا وجب غيره أخذ الواجب وغير الواجب إذا أمكن ذلك . فلا يحكم
على الآية بأنها منسوخة ، لما قد بينا ذلك فى نظائره فى غير موضع من كتبنا . (٢)
...
وأما قوله: ((وأمر بالعرف))، فإن أهل التأويل اختلفوا فى تأويله.
فقال بعضهم: بما -
١٥٥٤٧ - حدثنى الحسن بن الزبرقان النخعى قال، حدثنى حسين الجعفى ،
عن سفيان بن عيينة، عن رجل قد سماه قال: لما نزلت هذه الآية: ((خذ العفو
وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين))، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
يا جبريل ، ما هذا؟ قال : ما أدرى، حتى أسأل العالم ! قال : ثم قال جبريل ،
يا محمد، إن الله يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطى من حرمك ، وتعفو عمن
ظلمك .(٣)
١٥٥٤٨ - حدثنى يونس قال، أخبرنا سفيان، عن أمَىّ قال: لما أنزل الله
على نبيه صلى الله عليه وسلم: ((خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين))،
قال النبى صلى الله عليه وسلم: ما هذا يا جبريل؟ قال: إن الله يأمرك أن تعفوّ
عمن ظلمك ، وتعطى من حرمك ، وتصل من قطعك .(٤)
٠
٠٠
(١) فى المطبوعة ((لم يجب))، بغير ((إذا))، فوضعيها بين قوسين، فالسياق يتطلبها،
وإلا اضطرب الكلام .
(٢) انظر مقالة أبى جعفر فى ((النخ)) فيما سلف من فهارس الأجزاء الماضية.
(٣) الأثر: ١٥٥٤٧ - ((الحسن بن الزبرقان النخعى)»، شيخ الطبرى، مضى برقم: ٢٩٩٥.
والرجل الذى لم يسم فى هذا الخبر هو ((أى بن ربيعة))، الذى سيأتى فى الخبر التالى.
(٤) الأثر: ١٥٥٤٨ - ((سفيان)) هو ابن عيينة.
٣٣١
تفسير سورة الأعراف : ١٩٩
وقال آخرون بما :-
١٥٥٤٩ - حدثی محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه: ((وأمر بالعرف))، يقول: بالمعروف .
١٠٦/٩
١٥٥٥٠ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((وأمر بالعرف))، قال: أما (العرف))، فالمعروف.
١٥٥٥١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة:
(((وأمر بالعرف))، أى: بالمعروف.
قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك أن يقال : إن الله أمر نبيه صلى
اللّه عليه وسلم أن يأمر الناس بالعرف = وهو المعروف فى كلام العرب ، مصدر
فى معنى: ((المعروف)).
يقال: ((أوليته عُرْفا، وعارفاً، وعارفة))، (١) كل ذلك بمعنى: ((المعروف)).(٢)
٥
٠ ٠
فإذا كان معنى (العرف)) ذلك فمن ((المعروف)) صلة رحم من قطع، وإعطاء
من حرم ، والعفو عمن ظلم . و کل ما أمر الله به من الأعمال أو ندب إليه ، فهو
من ((العرف)). ولم يخصص اللّه من ذلك معنى دون معنى ، فالحق فيه أن يقال: قد أمر
الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأمر عباده بالمعروف كله، لا ببعض معانيه دون بعض.
٠٠
و((أمى)) هو: ((أمى بن ربيعة المرادى الصيرفى)»، سمع الشعبى، وعطاء، وطاوس. روى
عنه سفيان بن عيينة، وشريك. ثقة. مترجم فى التهذيب، وابن سعد ٦: ٢٥٤، والكبير
٦٧/٢/١، وابن أبى حاتم ٠٣٤٧/١/١
وكان فى المخطوطة فوق ((أمى)) حرف (ط) دلالة على الخطأ، وبالهامش ( كذا)، ولكن
الناسخ جهل الاسم فأشكل عليه. فجاء فى المطبوعة فجعله ((أبى))، وكذلك فى تفسير ابن كثير
٣: ٦١٨، والصواب ما أثبت. وهذا الخبر، رواه ((أى بن ربيعة))، من الشعبى، كما يظهر
ذلك من روايات الخبر فى ابن كثير، والدر المنثور ٣ : ١٥٣.
(١) قوله: ((عارفاً))، لم أجدها فى المعاجم، وهى صحيحة فيما أرجح.
(٢) انظر تفسير ((المعروف)) فيما سلف ص: ١٦٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.
٣٣٢
تفسير سورة الأعراف : ٢٠٠،١٩٩
وأما قوله: (( وأعرض عن الجاهلين))، فإنه أمر من الله تعالى نبيّه صلى اللّه
عليه وسلم أن يعرض عمن جهل.(١) وذلك وإن كان أمرًا من اللّه نبيَّه، فإنه
تأديب منه عز ذكره لخلقه باحتمال من ظلمهم أو اعتدى عليهم ، (٢) لا بالإعراض
عمن جهل الواجب علیه من حق الله، ولا بالصفح عمن کفر بالله وجهل وحدانيته،
وهو للمسلمين حربٌ .
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
١٥٥٥٢ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين))، قال أخلاقٌ أمر الله بها
نبيه صلی الله عليه وسلم ودلّ عليها .
القول فى تأويل قوله ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطُنِ تَزْعٌ
فَاسْتَمِذْ بِاللهِإِنَّهُ وَمِعٌ عَلِيمٌ ) )
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((وإما ينزغنك من الشيطان نزغ)) ،
وإما يغضبنك من الشيطان غضب يصدُّك عن الإعراض عن الجاهلين، ويحملك
على مجازاتهم = ((فاستعذ بالله))، يقول: فاستجر بالله من نزغه =(٣)((إنه سميع عليم))،
(١) انظر تفسير ((الإعراض)) فيما سلف ١٢: ٣٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.
- وتفسير ((الجهل)) فيما سلف ٢: ٨/١٨٣: ٨٩ - ٣٣٩:١١/٩٢ ،٣٤٠،
٣٩٣، ٣٩٤ ٠
(٢) يعنى أن ((الجهل)) هنا بمعنى السفه والتمرد والعدوان، لا بمعنى ((الجهل)) الذى هو ضد
العلم والمعرفة .
(٣) انظر تفسير ((الاستعاذة)) فيما سلف ١: ٦/١١١ : ٣٣٦.
٣٣٣
تفسير سورة الأعراف: ٢٠٠، ٢٠١
يقول: إن الله الذى تستعيذ به من نزع الشيطان = ((سميع))، لجهل الجاهل عايك،
ولاستعاذتك به من نزغه ، ولغير ذلك من كلام خلقه ، لا يخفى عليه منه شىء
= ((عليم ))، بما يذهب عنك نزغ الشيطان، وغير ذلك من أمور خلقه، (١) كما :-
١٥٥٥٣ -حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: (( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين))، قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: فكيف بالغضب يا ربِّ؟ قال: ((وإما ينزغنك من الشيطان نزغ
فاستعذ بالله إنه سميع عليم)).
١٥٥٥٤ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة قوله: ((وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم))،
قال: علم اللّه أن هذا العدوَّ مَنِيع ومريد.
...
وأصل ((النزغ))، الفساد، يقال: ((نزغ الشيطان بين القوم))، إذا أفسد
بينهم، وحمّل بعضهم على بعض. ويقال منه: ((نزغ ينزغ))، و((نغز ينغز)).
القول فى تأويل قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَفٌِ مِّنَ
الشَّيْطَنِ تَذَ كَّرُواْ فَإِذَا هُم مُبْصِرُونَ) )
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ((إن الذين اتقوا)) اللّهَ من خلقه،
فخافوا عقابه ، بأداء فرائضه واجتناب معاصيه = ((إذا مسهم طائف من الشيطان
تذكروا))،(٢) ويقول: إذا ألمّ بهم لَمَمٌ من الشيطان، (٣) من غضب أو غيره مما
(١) انظر تفسير ((سميع)) و((عليم)) فيما سلف من فهارس اللغة (سمع) و (على).
(٢) انظر تفسير ((المس)) فيما سلف ص: ٢٠٣، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٣) فى المطبوعة: ((إذا ألم بهم طيف))، لم يحسن قراءة المخطوطة، فاستبدل بما كان فيها.
٣٣٤
تفسير سورة الأعراف : ٢٠١
يصدّ عن واجب حق الله عليهم ، تذكروا عقاب الله وثوابه، ووعده ووعيده ،
وأبصروا الحق فعماوا به ، وانتهوا إلى طاعة اللّه فيما فرض عليهم ، وتركوا فيه طاعة
الشيطان .
واختلفت القرأة فى قراءة قوله: ((طيف)).
فقرأته عامة قرأة أهل المدينة والكوفة: ﴿ طَائِفٌ)، على مثال ((فاعل)).
وقرأه بعض المكيين والبصريين والكرفيين: ﴿طَيْفٌ مِنَ الشَّيْطَازِ﴾.(١)
٠ ٠
واختلف أهل العلم بكلام العرب فى فرق ما بين ((الطائف)) و((الطيف)).
فقال بعض البصريين: ((الطائف)) و((الطيف))، سواء، وهو ما كان
كالخيال والشىء يلم بك. (٢) قال: ويجوز أن يكون ((الطيف)) مخفقاً عن ((طيف))،
مثل (( مَيْت، وميِّت)).
٥ ٥
وقال بعض الكوفيين: ((الطائف))، ما طاف بك من وسوسة الشيطان .
١٠٧/٩
وأما ((الطيف))، فإنما هو من اللّمم والمسُّ.
#
وقال آخر منهم: ((الطيف))، اللمم، و((الطائف))، كل شىء طاف بالإنسان .
وذكر عن أبى عمرو بن العلاء أنه كان يقول: ((الطيف))، الوسوسة.
٠ ٠
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين فى ذلك عندى بالصواب ، قراءة من قرأ:
﴿طَائٌِ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾، لأن أهل التأويل تأولوا ذلك بمعنى الغضب، والزلة تكون
من المطيف به. وإذا كان ذلك معناه، كان معلوماً = إذ كان ((الطيف)) إنما
(١) انظر معانى القرآن للفراء ١: ٤٠٢.
(٢) نسبها أبو جعفر إلى البصريين، وهى فى لسان العرب (طوف)، منسوبة إلى
الفراء، وهو كوفى، ولم أجدها فى المطبوع من معانى القرآن.
٢٣٥
تفسير سورة الأعراف : ٢٠١
هو مصدر من قول القائل: ((طاف يطيف)) = أن ذلك خبر من الله عما يمس
الذين اتقوا من الشيطان ، وإنما يمسهم ما طاف بهم من أسبابه ، وذلك كالغضب
والوسوسة . وإنما يطوف الشيطان بابن آدم ليستزله عن طاعة ربه ، أو ليوسوس
له . والوسوسة والاستزلال، هو ((الطائف من الشيطان)).(١)
٠ ٠٠
وأما ((الطيف)) فإنما هو الخيال، وهو مصدر: ((من طاف يَطِيف))،
ويقول: لم أسمع فى ذلك ((طاف يطيف))، (٢) ويتأوله بأنه بمعنى ((الميت))، وهو
من الواو .
وحكى البصريون وبعض الكوفيين سماعاً من العرب: (٣) ((طاف يطيف))،
و((طِفِْتُ أطِيف))، وأنشدوا فى ذلك : (٤)
وَمَطَفُهُ لَكَ ذِكْرَةٌ وَشُعُوفُ (٥)
أنِى أَرَّ بِكَ الْحَيَالُ يَطِيفُ
وأما التأويل ، فإنهم اختلفوا فى تأويله .
فقال بعضهم : ذلك ((الطائف))، هو الغضب.
• ذكر من قال ذلك :
١٥٥٥٥ -حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا، حدثنا ابن يمان ، عن
(١) من أول قوله: ((وأما الطيف))، إلى آخر الفقرة الثانية المختومة بيت من الشعر،
لا أشك أنه قد وضع فى غير موضعه. فهو يقول بعد: ((ويقول: لم أسمع فى ذلك))، وهذا القائل
غير أبى جعفر بلا شك ، ولم أستطع تحديد موضعه من الأقوال السالفة . فلذلك تركته مكانه وفصلته .
وكان حقه أن يقدم قبل قوله: ((قال أبو جعفر: وأولى القراءتين ... )).
(٢) قوله: ((ولم أسمع فى ذلك طاف يطيف))، يعنى فى ((الطائف)).
(٣) هذا نص كلام أبى عبيدة فى مجاز القرآن ! : ٢٣٧، إلى آخره.
(٤) كعب بن زهير .
(٥) ديوانه: ١١٣، ومجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ٢٣٧، واللسان (طيف) (شعف)،
من قصيدة له طويلة .
و ((الشعوف)) مصدر من قولهم («شعفه حب فلانة))، إذا أحرق قلبه، ووجد لذة اللوعة فى
احتراقه ، وفى ذهاب لبه حتى لا يعقل غير الحب .
٣٣٦
تفسير سورة الأعراف : ٢٠١
م
أشعث، عن جعفر، عن سعيد: ((إذا مسهم طائف))، قال: و((الطيف))
الغضب .
١٥٥٥٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن محمد
ابن عبد الرحمن ، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد فى قوله: ((إذا مسهم طيف
من الشيطان)) ، قال : هو الغضب .(١)
١٥٥٥٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الله بن رجاء ، عن ابن
جريج ، عن عبد الله بن كثير ، عن مجاهد قال : الغضب .
١٥٥٥٨ -حدثنى محمد بنعمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: ((إذا مسهم طَيْف من الشيطان
تذكروا))، قال : هو الغضب .
١٥٥٥٩ -حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((طائف من الشيطان )) ،
قال : الغضب .
وقال آخرون: هو اللَّمَّة والزلَّة من الشيطان .
· ذكر من قال ذلك :
١٥٥٦٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله: ((إن الذين اتقوا إذا
مسهم طائف من الشيطان تذكروا))، و ((الطائف)) اللَّمَّة من الشيطان = ((فإذا هم
مبصرون» .
١٥٥٦١ -حدثنى محمد بن سعد قال، حدثی أبی قال ، حدثی عمى
قال ، حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: ((إن الذين اتقوا إذا مسهم
(١) تركت ما فى الآثار على ما جاء فى المخطوطة: ((طائف )) مرة، و((طيف)) أخرى،
وهما قراءتان فى الآية كما سلف قبل .
٣٣٧
تغير سورة الأعراف : ٢٠٢،٢٠١
طائف من الشيطان))، يقول: نزعٌ من الشيطان = (( تذكروا)).
١٥٥٦٢ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدي : ((إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان
تذكروا ))، يقول : إذا زلُّوا تابوا.
قال أبو جعفر: وهذان التأويلان متقاربا المعنى، لأن ((الغضب )) من
استزلال الشيطان، و((اللمة)) من الخطيئة أيضاً منه، وكلّ ذلك من طائف
الشيطان. (١) وإذا كان ذلك كذلك ، فلا وجه لخصوص معنى منه دون معنى،
بل الصواب أن يعم كما عمه جل ثناؤه فيقال : إن الذين اتقوا إذا عرض لهم عارض
من أسباب الشيطان ، ما كان ذلك العارض ، تذكروا أمر الله وانتهوا إلى أمره.
. وأما قوله: ((فإذا هم مبصرون))، فإنه يعنى: فإذا هم مبصرون هُدَى اللّه
وبيانه وطاعته فيه ، فمنتهون عما دعاهم إليه طائف الشيطان، كما ::
١٥٥٦٣ -حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال"، حدثنى عى
قال، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: ((فإذا هم مبصرون))، يقول:
إذا هم منتهون عن المعصية ، آخذون بأمر الله ، عاصون للشيطان .
١٠٨/٩
القول فى تأويل قوله ﴿ وَإِغْوِّئُهُمْ يَعُدُّونَهُمْ فِى الْنَيِّ مُ
لا يُقْصِرُونَ﴾ ﴾)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وإخوان الشياطين تمدهم الشياطين فى
الغى. (٢) يعنى بقوله: ((يمدونهم))، يزيدونهم، ثم لا ينقصون عما نقص عنه
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((وكان ذلك))، والصواب ما أثبت.
(٢) انظر تغير ((الفى)) فيما سلف ص: ٢٦١، تعليق: ١، والمراجع هناك.
ج ١٣ (٢٢)
٣٣٨
تفسير سورة الأعراف : ٢٠٢
الذين اتقوا إذا مسبهم طائف من الشيطان .(١)
وإنما هذا خبرٌ من اللّه عن فريقى الإيمان والكفر، بأن فريق الإيمان وأهل
تقوى الله إذا استزلهم الشيطان تذكروا عظمة الله وعقابه، فكفَّتهم رهبته عن معاصيه،
وردّتهم إلى التوبة والإنابة إلى اللّه مما كان منهم زلَّةً = وأن فريق الكافرين يزيدهم
الشيطان غيًّاً إلى غيهم إذا ركبوا معصية من معاصى الله، ولا يحجزهم تقوى الله ،
ولا خوف المعاد إليه عن التمادى فيها والزيادة منها ، فهو أبداً فى زيادة من ركوب
الإثم ، والشيطان يزيده أبداً، لا يُقصر الإنسى عن شىء من ركوب الفواحش،
ولا الشيطان من مدَّه منه، (٢) كما : -
١٥٥٦٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية ، عن على ، عن ابن عباس: ((وإخوانهم يمدونهم فى الغىّ ثم لا يقصرون))،
قال: لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئات ، ولا الشياطين تُمْسك عنهم .
١٥٥٦٥ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى
قال، حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: ((وإخوانهم يمدونهم فى الغى
ثم لا يقصرون))، يقول: هم الجن، يوحون إلى أوليائهم من الإنس = ((ثم لا
يقصرون)) ، يقول : لا يسأمون .
١٥٥٦٦ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((وإخوانهم يمدونهم فى الغىّ))، إخوان الشياطين
من المشركين، يمدهم الشيطان فى الغىّ = ((ثم لا يقصرون)).
١٥٥٦٧ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج قال،
(١) فى المطبوعة: ((ثم لا يقصرون عما قصر عنه الذى اتقوا))، وأثبت ما فى المخطوطة،
وبنحو المعنى ذكره أبو حيان فى تفسيره ٤: ٤٥١، قال: ((ثم لا ينقصون من إمدادهم وغوايتهم)).
فلذلك أبقيت ما فى المخطوطة على حاله ، وإن كنت فى شك من جودته .
(٢) هكذا فعل الطبرى، أتى بالضمائر مفردة بعد الجمع، وقد تكرر ذلك فى مواضع كثيرة
من تفسيره، أقربها ما أشرت إليه فى ص : ٢٨٦، تعليق : ٢.
٣٣٩
تفسير سورة الأعراف : ٢٠٢
قال ابن جريج ، قال عبد الله بن كثير: وإخوانهم من الجن يمدون إخوانهم
من الإنس = ((ثم لا يقصرون))، يقول: ثم لا يقصر الإنسان. قال: و((المد))
الزيادة ، يعنى أهل الشرك. يقول: لا يُقصر أهل الشرك كما يقصر الذين اتقوا ،
لا يرعَوُون، لا يحجزهم الإيمان(١) = قال ابن جريج: قال مجاهد: ((وإخوانهم))، من
الشياطين = ((يمدونهم فى الغى ثم لا يقصرون))، استجهالاً يمدون أهل الشرك = قال
ابن جريج: ﴿وَقَدْ ذَرَ أْنَا لِجَهَمْ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْرِ﴾ [ سورة الأعراف: ١٧٩].
قال: فهؤلاء الإنس. يقول الله: ((وإخوانهم يمدونهم فى الغى)).
١٥٥٦٨ -حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثی محمد بن ثور ، عن
معمر، عن قتادة: ((وإخوانهم يمدونهم فى الغى ثم لا يقصرون))، قال: إخوان
الشياطين، يمدهم الشياطين فى الغىّ = ((ثمّ لا يقصرون)).
١٥٥٦٩ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى ،عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد= ((وإخوانهم))، من الشياطين، « عدونهم
فى الغى )) ، استجهالاً .
...
وكان بعضهم يتأول قوله: ((ثم لا يقصرون))، بمعنى: ولا الشياطين يقصرون
فى مدُّهم إخوانهم من الغىّ .
• ذكر من قال ذلك :
١٥٥٧٠ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة قوله: ((وإخوانهم يمدونهم فى الغى ثم لا يقصرون))، عنهم ولا يرحمونهم.
٠
٠
قال أبو جعفر : وقد بينا أولى التأويلين عندنا بالصواب . وإنما اخترنا ما اخترنا
(١) فى المطبوعة مكان ((لا يرعوون))، ((لأنهم لا يحجزهم ... ))، لم يحسن قراءتها،
لأنها كانت فى المخطوطة: ((لا يرعون))، والصواب ما أثبت ((ارعوى عن القبيح))، قدم، فانصرف
عنه وكف .
٣٤٠
تفسير سورة الأعراف : ٢٠٢، ٢٠٣
من القول فى ذلك على ما بيناه، لأن اللّه وصفَ فى الآية قبلها أهل الإيمان به،
وارتداعتهم عن معصيته وما يكرهه إلى محبته عند تذكرهم عظمته ، ثم أتبع ذلك
الخبرَ عن إخوان الشياطين وركوبهم معاصيه ، فكان الأولى وصفهم بتماديهم
فيها ، (١) إذا كان عَقِيب الخبر عن تقصير المؤمنين عنها .
٠
وأما قوله: ((يمدونهم ))، فإنّ القرأة اختلفت فى قراءته .
فقرأه بعض المدنيين: ﴿يُمِدُّونَهُمْ)، بضم الياء، من ((أمددت)).
٠
٠٠
وقرأته عامة قرأة الكوفيين والبصريين: ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾: بفتح الياء من ((مددت)).
٠٠٠
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة فى ذلك عندنا: ﴿مُدُّونَهُمْ﴾، بفتح
الياء، لأن الذي يمد الشياطينُ إخوانهم من المشركين، إنما هو زيادة من جنس الممدود.
١٠٩/٩ وإذا كان الذى مد من جنس الممدود، كان كلام العرب ((مددت)) لا ((أمددت)). (٢)
٠٠
وأما قوله: ((يقصرون))، فإن القرأة على لغة من قال: ((أقصّرْت أقْصِر)).
وللعرب فيه لغتان: ((قَصَرت عن الشىء)) و((أقصرت عنه)).(٣)
...
القول فى تأويل قوله ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بَايَةٍ قَالُوا لَوْلَا أَجْتَبْيتَهاَ)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وإذا لم تأت ، يا محمد ، هؤلاء
المشركين بآيمن الله =((قالوا لولا اجتبيتَهَا))، يقول: قالوا: هلاًّ اخترتها واصطفيتها. (٤)
٠
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((وكان الأولى)) بالواو، والسياق يقضى الماء.
(٢) انظر تفسير ((مد)) و((أمد)) فيما سلف ١ : ٣٠٦ - ٧/٣٠٨: ١٨١.
(٣) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٤٠٢، وصح الخطأ هناك، فإنه ضبط ((قصر) بضم
الصاد ، والصواب فتحها لا صواب غيره .
(٤) انظر تفسير ((أولا)) فيما سلف ١١: ٣٥٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك.