Indexed OCR Text
Pages 301-320
٢٠١٠ تفسير سورة الأعراف : ١٨٧، ١٨٨ سُؤَالْ حَفِىّ عَنْ أَخِيهِ ، كَأَنَّهُ بِذِكْرَتِهِ وَسْنَانُ أَوْ مُتَوَاسِنُ (١) وأما قوله: ((قل إنما علمها عند اللّه))، فإن معناه: قل، يا محمد، لسائليك عن وقت الساعة وحين مجيبها: لا علم لى بذلك، ولا علم به إلا[عند] اللّه الذى يعلمغيب السموات والأرض (٢)= (( ولکن أکثر الناس لايعلمون ))، يقول: ولکن أکثر الناس لا يعلمون أن ذلك لا يعلمه إلا الله، بل يحسبون أنّ علم ذلك يوجد عند بعض خلقه . القول فى تأويل قوله ﴿ قُل لََّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفَْا وَلَا ضَرَّا إِلَّ مَا شَآءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَأَسْتَكْثَرْتُ مِنَ أَخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ السُّوْءٍ إِنْ أَنَا إِلَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْم يُؤْمِنُونَ) (٨٨) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل ، يا محمد، لسائليك عن الساعة: ((أيان مرساها؟)) = ((لا أملك لنفسى نفعاً ولاضرا)»، ٩٧/٩ (١) ديوان الهذليين ٣: ٤٥ من قصيدة له طويلة. وبهذه الرواية التى رواها أبو جعفر ((سؤال حقى))، يختل سياق الشعر. وروايته فى ديوانه : بَعِيدٌ عَلَى المَرْءِ الحِجَازِىِّ آينُ فَإِنْ تَرَبِى قَصْداً قَرِيباً، فَإِنْهُ إِذَا نَفَجَتْ يَوْماً بِهَا الدَّارُ آمِنُ بَعِيدٌ عَلَى ذِى حَاجَةٍ ، وَلَوَانى بأىّ اَشَا أمْسَى الَخَلِيطُ المُبَايِنُ يَقُولُ الَّذِى أَمْسَى إِلَى الِحِرْزِ أَهْلُهُ: بِذِكْرتِهِ وَسْنَانُ أَوْ مُتَوَاسِنُ سُؤَالَ الغَنِيِّ عَنْ أَخِيهِ، كَأنَّهُ و ((الذى أسى إلى الحرز أهله))، هو الذى صار فى مكان حصين آمناً مطمئناً، فهو يسأل عن ويقول: ((بأى الحشا))، بأى النواحى أمسى فلان ؟ وهو صاحبه المفارق. ثم يقول: إنه يسأل سؤال غير حفى - لا سؤال حفى - ((سؤال غنى عن أخيه))، وإنما يذكره كالنائم أو المتناوم، لقلة حفاوة به . فهذا نقيض رواية أبى جعفر . وكان فى المطبوعة: ((يذكره وسنان)»، والصواب من المخطوطة والدهوان. (٢) فى المطبوعة: ((ولا يعلم به إلا الله)) وليس بجيد، وأثبت ما فى المخطوطة، وزدت ما يقتضيه السياق بين قوسين . ٣٠٢ تفسير سورة الأعراف : ١٨٨ يقول: لا أقدر على اجتلاب نفع إلى نفسى، ولا دفع ضر يحلّ بها عنها، إلا ما شاء الله أن أملكه من ذلك، بأن يقوّینی عليه ويعينى(١) = ((ولو كنت أعلم الغيب ))، يقول : لو كنت أعلم ما هو كائن مما لم يكن بعد(٢) = ((لاستكثرت من الخير))، يقول: لأعددت الكثير من الخير.(٣) ٠ ٥ ثم اختلف أهل التأويل فى معنى ((الخير)) الذى عناه الله بقوله: ((لاستكثرت من الخير)) .(٤) فقال بعضهم : معنى ذلك : لاستكثرت من العمل الصالح . • ذكر من قال ذلك : ١٥٤٩٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى ححاج قال ، قال ابن جريج قوله: ((قل لا أملك لنفسى نفعاً ولا ضرًّا))، قال : الهدى والضلالة = ((ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير))، قال: ((أعلم الغيب )) ، متى أموت = لاستكثرت من العمل الصالح . ١٥٤٩٥ -حدثی المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبی نجیح ، عن مجاهد ، مثله . ١٥٤٩٦ -حدثی یوتس قال: أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله: ((ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسنى السوء))، قال : لاجتنبت ما يكون من الشرّ واتَّقيته . وقال آخرون: معنى ذلك: ((ولو كنت أعلم الغيب))، لأعددت للسنة المجدبة من المخصبة، ولعرفت الغلاء من الرُّخْص، واستعددت له فى الرُّخْص. (١) انظر تفسير ((ملك)) فيما سلف ١٠: ١٤٧، ١٨٧، ٢١٧. (٢) انظر تفسير ((الغيب)) فيما سلف ١١: ٤٦٤، تعليق: ٢، والمراجع هناك. (٢) انظر تفسير ((استكثر)) فيما سلف:١٢: ١١٥. (٤) انظر تفسير ((الخير)) فيما سلف ٢ : ٧/٥٠٥ : ٩١. : ٣٠٣ تفسير سورة الأعراف : ١٨٨، ١٨٩ وقوله: ((وما مسنى السوء))، يقول: وما مسنى الضر (١) = ((إن أنا إلا نذير وبشير))، يقول: ما أنا إلا رسولٌ للّه أرسلنى إليكم، أنذر عقابه من عصاه منكم وخالف أمره ، وأبشّرَ بثوابه وكرامته من آمن به وأطاعه منكم. (٢) وقوله: ((لقوم يؤمنون))، يقول: يصدقون بأنى الله رسول، ويقرون بحقيقة ما جئتهم به من عنده . (٣) ٥ القول فى تأويل قوله ﴿ هُوَ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن ◌َفْسٍ وَحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَاَ زَوْجَهَاَ لِيَشْكُنَ إِلَيْهَاَ فَلَمَّا تَشَُّهَاَ ◌َلَتْ عْلَا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِے فَلَمَّا أَنْقَلَتِ دَّعَوَا اللهَ رَبَّهُمَاَ لَبِنْ ء اتَيْنَاَ صَلِحًا لَنَّكُونَنَّ مِنَ الشَّكْرِينَ ﴾ ١٨٩ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ((هو الذى خلقكم من نفس واحدة))، يعنى بـ ((النفس الواحدة))، آدم، (٤) كما :- ١٥٤٩٧ - حدثنا ابن وکیع قال، حدثنا أبى، عن سفيان ، عن رجل ، عن مجاهد: ((خلقكم من نفس واحدة))، قال: آدم عليه السلام. (٥). (١) انظر تفسير ((المس)) فيما سلف ١٢: ٥٧٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك (٢) انظر تفسير ((نذير)) فيما سلف ص: ٢٩٠)، تعليق: ٢، والمراجع هناك. = وتفسير ((بشير)) فيما سلف ١١ : ٣٦٩، تعليق: ١، والمراجع هناك. (٣) فى المطبوعة: ((بحقية ما جئتهم به))، والصواب من المخطوطة، وقد غيرها فى مئات من المواضع، انظر ما سلف ص: ١١٣، تعليق: ١، والمراجع هناك. و((الحقيقة))، مصدر، بمعنى الصدق والحق ، كما أسلفت . (٤) انظر تفسير ((نفس واحدة)) فيما سلف ٧: ٥١٣، ٥١٤ (٥) الأثر : ١٥٤٩٧ - مضى برقم: ٨٤٠٢. ٣٠٤ تفسير سورة الأعراف : ١٨٩ ١٥٤٩٨ - حدثنا بشرقال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله : هو الذى خلقكم من نفس واحدة من آدم . (١) ٠ . . ويعنى بقوله: ((وجعل منها زوجها))، وجعل من النفس الواحدة ، وهو آدم = ((زوجها))، حواء، (٢) كما :- ١٥٤٩٩ - حدثنى بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة : ((وجعل منها زوجها))، حواء، فجعلت من ضلع من أضلاعه، ليسكن إليها.(٣) ويعنى بقوله: ((ليسكن إليها))، ليأوى إليها، لقضاء حاجته ولذته.(٤) ويعنى بقوله: ((فلما تغشاها))، فلما تدثّرها لقضاء حاجته منها ، فقضى حاجته منها = ((حملت حملاً خفيفاً))، وفى الكلام محذوف، ترك ذكرُه استغناء" بما ظهر عما حذف، وذلك قوله: ((فلما تغشاها حملت)»، وإنما الكلام : فلما تغشاها = فقضى حاجته منها - حملت . ٠ ٠ وقوله: ((حملت حملاً خفيفاً)»، يعنى بـ ((خفة الحمل))، الماء الذى حملته حواء فى رَحِمها من آدم ، أنه كان حملاً خفيفاً، وكذلك هو حملُ المرأة ماءَ الرجل ، خفيفٌ عليها . وأما قوله: ((فمرت به))، فإنه يعنى: استمرّت بالماء ، قامت به وقعدت، وأتمت الحمل ، كما : - ١٥٥٠٠ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة ، عن أبى عمير، عن أيوب قال: سألت الحسن عن قوله: ((حملت حملاً خفيفاً فمرت به))، قال : (١) الأثر : ١٥٤٩٨ - مضى برقم: ٨٤٠١. (٢) انظر تفسير ((جعل)) فيما سلف من فهارس اللغة (جعل). (٣) الأثر : ١٥٤٩٩ - مضى برقم : ٨٤٠٥. (٤) فى المطبوعة والخطوطة: ((لقضاء الحاجة ولذته))، والسياق يقتضى ما أثبت تفسير سورة الأعراف : ١٨٩ لو كنت امرءًا عربيًّا لعرفت ما هى؟ إنما هى: فاستمرّت به.(١، ١٥٥٠١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة : ((فلما تغشاها حملت حملاً خفيفاً فمرت به)) ، استبان حملها . ١٥٥٠٢ -حدثی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عیسی ، عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد : (( فمرت به ))، قال : استمرّ حملها ١٥٥٠٣ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى قوله: ((حملت حملاً خفيفاً))، قال: هى النطفة = وقوله: (فمرّت به)»، يقول : استمرّت به . ١٨/٩ ٠ وقال آخرون : معنى ذلك ، فشكّت فيه . • ذكر من قال ذلك : ١٥٥٠٤ -حدثنى محمد بن سعد قال ، حدثی أبى قال، حدثی عى قال، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس فى قوله: ((فمرت به))، قال : فشكت ، أحملت أم لا ؟ ٠ ٠ ويعنى بقوله: ((فلما أثقلت))، فلما صار ما فى بطنها من الحمل الذى كان خفيفاً، ثقيلاً ، ودنت ولادتها . ٠ يقال منه: ((أثقلت فلانة))، إذا صارت ذات ثقل بحملها ، كما يقال: ((أُتمر فلان ))، إذا صار ذا تمر ، كما : - ١٥٥٠۵ -حدثی موسی قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدی: (فلما أثقلت ))، کبر الولد فی بطها . ٠ ٠ (١) الأثر: ١٥٥٠٠ - ((أبو عمير))، هو ((الحارث بن عمير البصري))، ثقة متكلم فيه. مترجم فى التهذيب، والكبير ٢٧٤/٢/١، وابن أبى حاتم ٠٨٣/٢/١ و ((أيوب))، هو السختياني،: ((أيوب بن أبى تميمة، كيسان)»، مولى عنزة، روى له ج ١٣ (٢٠) ٣٠٦ تفسير سورة الأعراف : ١٨٩ قال أبو جعفر: ((دعوا الله ربهما))، يقول: نادى آدم وحواء ربهما وقالا: يا ربنا، ((لئن آتيتنا صالحاً لنكونن من الشاكرين)». ٠٠٠ واختلف أهل التأويل فى معنى ((الصلاح))، الذى أقسم آدم وحواء عليهما السلام أنه إن آتاهما صالحاً فى حمل حواء : لنكونن من الشاكرين . فقال بعضهم : ذلك هو أن يكون الحمل غلاماً . • ذكر من قال ذلك : ١٥٥٠٦ -حدثنى محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد پن ثور ، عن معمر قال، قال الحسن فى قوله: ((لئن آتيتنا صالحاً))، قال: غلاماً. ٠٠ ٠ وقال آخرون : بل هو أن يكون المولود بشراً سويًا مثلهما، ولا يكون بهيمة. ذكر من قال ذلك : ١٥٠٠٧ - حدثنا ابن و کیع قال، حدثنا أبى، عن سفيان ، عن زيد بن جبير الجُشَمى، عن أبى البخترى فى قوله: ((لئن آتيتنا صالحاً لنكونن من الشاكرين))، قال : أشفقا أن يكون شيئاً دون الإنسان .(١) .. قال ، حدثنا يحيى بن يمان ، عن سفيان ، عن زيد ١٥٥٠٨ - . ابن جبير، عن أبى البخترى قال : أشفقا أن لا يكون إنساناً . قال ، حدثنا محمد بن عبيد ، عن إسمعيل، عن ١٥٥٠٩ - . أبى صالح قال : لما حملت امرأة آدم فأثقلت ، كانا يشفقان أن يكون بهيمة ، فدعوا ربهما: ((لئن آتيتنا صالحاً))، الآية. . قال ، حدثنا جابر بن نوح، عن أبى روق ، عن ١٥٥١٠ - . الضحاك ، عن ابن عباس قال : أشفقا أن يكون بهيمة . الجماعة. مترجم فى التهذيب، والكبير ٤٠٩/١/١، وابن أبى حاتم ٢٥٥/١/١. (١) الأثر: ١٥٥٠٧ - ((زيد بن جبير الجشمى الطلى))، ثقة، روى له الجماعة. مترجم فى التهذيب، والكبير ٣٥٦/١/٢، وابن أبى حاتم ٥٥٨/٢/١. وكان فى المطبوعة: ((الحسمى))، غير منقوطة كما فى المخطوطة، والصواب ما أثبت. ٣٠٧ تفسير سورة الأعراف : ١٨٩ ١٥٥١١ - حدثنى القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج قال ، قال سعيد بن جبير : لما هبط آدم وحواء ألقيت الشهوة فی نفسه ، فأصابها . فليس إلا أن أصابها حملت، فليس إلا أن حملت تحرك فى بطنها ولدها، (١) قالت: ما هذا؟ فجاءها إبليس فقال [لها : إنك حملت فتلدین! قالت: ما ألد ؟ قال]: (٢) أترين فى الأرض إلا ناقةً أو بقرة أو ضائة أو ماعزة، أو بعض ذلك! (٣) [ويخرج من أنفك، أو من أذنك، أو من عينك]. (٤) قالت: والله ما منى شىء إلا وهو يضيق عن ذلك! قال: فأطيعينى وسميه ((عبد الحارث)) = [ وكان اسمه فى الملائكة: ((الحارث))] = (٥) تلدى شبهكما مثلكما! قال: فذكرت ذلك لآدم عليه السلام فقال: هو صاحبنا الذى قد علمت! (٦) فمات، ثم حملت بآخر، فجاءها فقال: أطيعينى وسميه ((عبد الحارث)) = وكان اسمه فى الملائكة ((الحارث)) = وإلا ولدت ناقة أو بقرة أو ضائنة أو ماعزة، أو قتلته ، فإنى أنا قتلت الأول ! قال : فذكرت ذلك لآدم ، فكأنه لم يكرهه ، فسمته ((عبد الحارث))، فذلك قوله: ((لئن آتيتنا صالحاً))، يقول: شبهنا مثلا = ((فلما آتاهما صالحاً))، قال: شبههما مثلهما .(٧) ١٥٥١٢ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى: ((فلما أثقلت))، كبر الولد فى بطنها، جاءها إبليس فخوَّفها وقال لها : (١) هذا تعبير جيد، يصور سرعة حدوث ذلك، ولو شاء أن يقوله قائل، لقال: ((فليس إلا أن أصابها حتى حملت ... ))، فتهوى العبارة من قوة إلى ضعف . (٢) الزيادة بين القوسين من الدر المنثور ٣: ١٥٢، وهى زيادة لا بد منها. والمخطوطة مضطرة فى هذا الموضع . (٣) فى المطبوعة والدر المنثور: ((هو بعض ذلك)). (٤) الزيادة بين القوسين من الدر المنثور، ولا يستقم الكلام إلا بها . (٥) هذه الزيادة أيضاً من الدر المنثور . (٦) فى المطبوعة: ((هو صاحبنا الذى قد أخرجنا من الجنة))، وفى المخطوطة: ((الذى قد فات)) وبين ((قد)) و((فمات)) حرف ((ط))، وبالهامش ((ط))، و((كذا)). وأثبت نص العبارة من الدر المنثور . (٧) الأثر: ١٥٥١١ - هذه أخبار باطلة كما أشرنا إليه مراراً. ٣٠٨ تفسير سورة الأعراف : ١٩٠،١٨٩ ما يدريك ما فى بطنك ؟ لعله كلب ، أو خنزير ، أو حمار ! وما يدريك من أين يخرج؟ أمن دبرك فيقتلك ، أو من قُبُلك، أو ينشق بطنك فيقتلك ؟ فذلك حين ((دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحاً))، يقول: مثلنا = ((لنكونن من الشاكرين)). ٠ ٠ قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك أن يقال : إن الله أخبر عن آدم وحواء أنهما دعوا الله ربهما بحمل حواء ، وأقسما لئن أعطاهما ما فى بطن حواء ، صالحاً ، ليكونان للّه من الشاكرين . و((الصلاح))، قد يشمل معانى كثيرة: منها ((الصلاح)) فى استواء الخلق، ومنها ((الصلاح)) فى الدين، و((الصلاح))، فى العقل والتدبير. ٩٩/٩ وإذ كان ذلك كذلك ، ولا خبر عن الرسول يوجب الحجة بأن ذلك على بعض معانى ((الصلاح)) دون بعض، ولا فيه من العقل دليل، وجب أن يُعَمَّ كما عمَّه الله فيقال: إنهما قالا: ((لئن آتيتنا صالحاً))، بجميع معانى ((الصلاح)).(١) وأما معنى قوله: (( لنكونن من الشاكرين))، فإنه: لنكونن ممن يشكرك على ما وهبت له من الولد صالحاً . # القول فى تأويل قوله ﴿ فَلَئاً ، اتَهُمَ صَلِحًا جَعَلَا لَهُو شُرَّكَاء فَِّآ ءَاتَهُمَاَ فَتَعَلَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ( ١٩٠٠ قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فلما رزقهما الله ولداً صالحاً كما سألا = ((جعلا له شركاء فيما آتاهما))، ورزقهما . ٠٠٠ ثم اختلف أهل التأويل فى ((الشركاء)) التى جعلاها فيما أوتيا من المولود. فقال بعضهم : جعلا له شركاء فى الاسم . * ذكر من قال ذلك : (١) انظر تفسير ((الصلاح)) فيما سلف من فهارس اللغة (صلح) ٣٠٩ تفسير سورة الأعراف : ١٩٠ ١٥٥١٣ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الصمد قال ، حدثنا عمر بن إبراهيم ، عن قتادة ، عن الحسن، عن سمرة بن جندب ، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : كانت حوّاء لا يعيش لها ولد ، فنذرت لئن عاش لها ولد لتسمينه ((عبد الحارث))، فعاش لها ولد، فسمته ((عبد الحارث))، (١) وإنما كان ذلك عن وحى الشيطان . (٢) (١) فى المطبوعة: ((من وحى الشيطان))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو الموافق لما فى المراجع. (٢) الأثر: ١٥٥١٣ - ((عبد الصمد))، هو ((عبد الصمد بن عبد الوارث)). مضى مراراً. و((عمر بن إبراهيم العبدى))، وثقه أحمد وغيره، ولكنه قال: ((يروى عن قتادة أحاديث مناكير، يخالف)). وقال أبو حاتم: ((يكتب حديثه ولا يحتج به))، وقال ابن عدى: يروى عن قتادة أشياء لا يوافق عليها، وحديثه خاصة عن قتادة مضطرب)). وذكره ابن حبان فى الثقات وقال: ((يخطىء، ويخالف)). ثم ذكره فى الضعفاء فقال: ((كان ممن ينفرد عن قتادة بما لا يشبه حديثه . فلا يعجبنى الاحتجاج به إذا انفرد . فأما فيما روى عن الثقات، فإن اعتبر به معتبر لم أر بذلك بأساً))، وقال الدار قطنى: ((لين، يترك)). مترجم فى التهذيب، وابن أبى حاتم ٩٨/١/٣، وميزان الاعتدال ٢: ٢٤٨. وهذا الخبر رواه أحمد فى مسنده ٥ : ١١، بغير هذا اللفظ، ورواه بهذا اللفظ الحاكم فى المستدرك ٢: ٥٤٥، وقال: ((هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه))، ووافقه الذهبي. وأخرجه الترمذى فى تفسير الآية وقال: ((هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم ، عن قتادة. وقد رواه بعضهم عن عبد الصمد ولم يرفعه)) . وخرجه ابن كثير فى تفسيره ٣ : ٦١١، ٦١٢، وأعله من ثلاثة وجوه: الأول : أن عمر ابن إبراهيم لا يحتج به = الثانى : أنه قد روى من قول سمرة نفسه غير مرفوع = الثالث : أن الحسن نفسه فسر الآية بغير هذا، وذكر بعض أخبار أبى جعفر بأسانيدها رقم : ١٥٥٢٦ - ١٥٥٢٨، ثم قال: ((وهذه أسانيد صحيحة عن الحسن رضى الله عنه أنه فسر الآية بذلك، وهو من أحسن التفاسير، وأولى ما حملت عليه الآية، ولو كان هذا الحديث عنده محفوظاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عدل عنه هو ولا غيره، ولا سيما مع تقواه وورعه . فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابى ، ويحتمل أنه تلقاه من بعض أهل الكتاب من آمن منهم ، مثل كعب أو وهب بن منبه وغيرهما ، كما سيأتي بيانه إن شاء الله، إلا أننا برئنا من عهدة المرفوع، والله أعلم)) قلت: وسترى أن أبا جعفر قد رجح أن المعنى بذلك آدم وحواء، قال: ((لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك». وإجماع أهل التأويل فى مثل هذا، مما لا يقوم الأول : لأن الآية مشكلة ، ففيها نسبة الشرك إلى آدم الذى اصطفاه ربه، بنص كتاب الله، وقد أراد أبو جعفر أن يخرج من ذلك، فزعم (ص: ٣١٥) أن القول عن آدم وحواء انقضى عند قوله: ((جعلا له شرك، فيما آثاهما، ثم استأذن قوله: ((فتعالى الله عما يشركون))، يعنى عما يشرك به مشركو العرب من عبدة الأوثان . وهذا مخرج ضعيف جداً . الثانى: أن مثل هذا المشكل فى أمر آدم وحواء ، ونسبة الشرك إليهما ، مما لا يقضى به ، إلا بحجة ٣١٠ تفسير سورة الأعراف : ١٩٠ ١٥٥١٤ حدثنى محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا معتمر ، عن أبيه قال ، حدثنا أبو العلاء، عن سمرة بن جندب : أنه حدث : أن آدم عليه السلام سمى ابنه (عبد الحارث)). . قال ، حدثنا المعتمر، عن أبيه قال، حدثنا ابن ١٥٥١٥ - ٠ علية ، عن سليمان التيمى ، عن أبى العلاء بن الشخير ، عن سمرة بن جندب قال : سمى آدمُ ابنه ((عبد الحارث)).(١) ١ ١٥٥١٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن اسحق ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : كانت حوّاء تلد لآدم فتعبِّدهم الله، وتسميه ((عبيد اللّه)) و((عبد الله)) ونحو ذلك ، فيصيبهم الموت . فأتاها إبليسُ وآدمَ فقال : إنكما لو تسميانه بغير الذى تسميانه لعاش! فولدت له رجلاً فسماه ((عبد الحارث))، ففيه أنزل الله تبارك وتعالى: ((هو الذى خلقكم من نفس واحدة))، إلى قوله: ((جعلاله شركاء فيما آتاهما))، إلى آخر الآية. ١٥٥١٧ - حدثنى محمد بن سعد قال ، حدثنى أبى قال ، حدثنى عى يجب التسليم لها من نص كتاب، أو خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا خبر بذلك، إلا هذا الخبر الضعيف الذى بينا ضعفه، وأنه من رواية عمر بن إبراهيم ، عن قتادة . وروايته عن قتادة مضطربة ، خالف فيها ما روى عن الحسن ، أنه عنى بالآية بعض أهل الملل والمشركون . هذا ، وقد رد هذا القول، جماعة من المفسرين، كابن كثير فى تفسيره، والفخر الرازى ( ٣ : ٣٤٣ - ٣٤٥)، وحاول الزمخشرى فى تفسيره أن يرده فلم يحسن، وتعقبه أحمد بن محمد بن المدير فى الإنصاف . وغير هؤلاء كثير . ولكن بعد هذا كله ، نجد أن تفسير ألفاظ الآية ، ومطابقته المعنى الصحيح الذى ذهب العلماء إليه فى نفى الشرك عن أبينا آدم عليه السلام، وفى أن الآية لا تعنى أبانا آدم وأمنا حواء = بق مبهماً، لم يتناوله أحد ببيان صحيح. وكنت أحب أن يتيسر لى بيانه فى هذا الموضع، ولكنى وجدت الأمر أعسر من أن أتكلم فيه فى مثل هذا التعليق . (١) الأثر: ١٥٥١٤، ١٥٥١٥ - ((أبو العلاء بن الشخير))، منسوب إلى جده، وهو: ((يزيد بن عبد الله بن الشخير العامرى))، تابعى عابد ثقة، كان يقرأ فى المصحف حتى ينشى عليه، فكان أخوه مطرف يقول له: ((أغن عنا مصحفك سائر اليوم)). مترجم فى التهذيب، وابن سعد ١١٣/١/٧، والكبير ٣٤٥/٢/٤، وابن أبى حاتم ٢٧٤/٢/٤. ٣١١ تفسير سورة الأعراف : ١٩٠ قال ، حدثنى أبى ، عن أبيه، عن ابن عباس قوله فى آدم: ((هو الذى خلقكم من نفس واحدة))، إلى قوله: ((فمرت به))، فشكّت: أحبات أم لا = ((فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحًا)) الآية، فأتاهما الشيطان فقال: هل تدريان ما يولد لكما ؟ أم هل تدريان ما يكون؟ أبهيمة يكون أم لا؟ وزيّن لهما الباطل، إنه غوى مبين . وقد كانت قبل ذلك ولدت ولدين فماتا ، فقال لهما الشيطان: إنكما إن لم تسمياه بى، لم يخرج سويًّا، ومات كما مات الأولان! فسميا وادهما ((عبد الحارث))، فذلك قوله: ((فلما آتاهما صالحاً جعلاله شركاء فيما آتاهما))، الآية . ١٥٥١٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج قال ، قال ابن عباس: لما ولد له أول ولد، أتاه إبليس فقال: إنّى سأنصح لك فى شأن ولدك هذا، تسميه ((عبد الحارث)). فقال آدم: أعوذ بالله من طاعتك != قال ابن عباس: وكان اسمه فى السماء ((الحارث)) = قال آدم : أعوذ بالله من طاعتك ، إنى أطعتك فى أكل الشجرة فأخرجتنى من الجنة ، فلن أطيعك ! فمات ولده، ثم ولد له بعد ذلك ولد آخر ، فقال: أطعنى وإلا مات كما مات الأول ! فعصاه . فمات ، فقال : لا أزال أقتلهم حتى تسميه ((عبد الحارث))! فلم يزل به حتى سماه ((عبد الحارث))، فذلك قوله: (( جعلا له شركاء فيما آتاهما))، أشركه فى طاعته فى غير عبادة، ولم يشرك بالله، ولكن أطاعه . ١٥٥١٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا .... ، عن هرون قال، أخبرنا الزبير بن الخِرِّيت، عن عكرمة قال : ما أشرك آدم ولا حواء ، وكان لا يعيش لهما ولد، فأتاهما الشيطان فقال: إن سرَّ كما أن يعيش لكما ولد فسمياه (( عبد الحارث))! فهو قوله: ((جعلا له شركاه فيما آتاهما)).(١) (١) الأثر: ١٥٥١٩ - كان الإسناد فى المطبوعة: ((حدثنا ابن حميد، قال حدثنا سلمة، عن هرون))، لا أدرى من أين جاء بقوله: ((سلمة)) !! فإن المخطوطة فيها بياض فى هذا ٣١٢ تفسير سورة الأعراف : ١٩٠ ١٥٥٢٠ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن ١٠٠/٩ معمر، عن قتادة: ((فلما تغشاها حملت حملاً خفيفاً ))، قال : كان آدم عليه السلام لا يولد له ولد إلا مات. فجاءه الشيطان فقال : إن سرَّك أن يعيش ولدك هذا فسمِّه ((عبد الحارث))! ففعل، قال: فأشركا فى الاسم ، ولم يشركا فى العبادة . ١٥٥٢١ - حدثنا بشرقال، حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد، عن قتادة: ((فلما آتاهما صالحاً جعلا له شرکاء فیما آتاهما»، ذ کر لنا أنه کان لا یعیش لهما ولد ، فأتاهما الشيطان فقال لهما: سمياه ((عبد الحارث))! وكان من وحى الشيطان وأمره ، وكان شركاً فى طاعةٍ ، ولم يكن شركاً فى عبادة .(١) ١٥٥٢٢ -حدثی محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((فلما آتاهما صالحاً جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون))، قال: كان لا يعيش لآدم وامرأته ولد. فقال لهما الشيطان: إذا ولد لكما ولد فسمياه ((عبد الحارث))! ففعلا وأطاعاه ، فذلك قول الله: ((فلما آتاهما صالحاً جعلا له شركاء))، الآية. عن هرون )»، فوضعت مكان البياض نقطاً . الموضع هكذا : ( حدثنا ابن حميد قال حدثنا وفيها بعد ((عكرمة)) وقبل ((قال)) خط معقوف، وفى الهامش أمام البياض، وعند هذه العلامة حرف (ط) ثم إلى جوارها حرف (١) عليه ثلاثة نقط. كل ذلك دال على الشك والخطأ. و ((هرون)) هو النحوى الأعور،: ((هرون بن موسى الأزدى))، صاحب القراءات، ثقة. مضى برقم : ٤٩٨٥ ، ١١٦٩٣ ٠ و ((الزبير بن الخريت)) ثقة، مضى أيضاً برقم : ٤٩٨٥، ١١٦٩٣. وإسناد أبى جعفر فى الموضعين، فى رواية ((الزبير بن الخريت، عن عكرمة)) هو: ((حدثنى المثنى قال ، حدثنا مسلم بن إبراهيم ، قال حدثنا هرون النحوى ، قال حدثنى الزبير بن الخريت ، عن عكرمة))، فأخشى أن يكون سقط من التفسير هنا إسناد ابن حميد، وخبره ، ثم صدر إسناد بعده، هو إسناد أبى جعفر السالف: ((حدثنا المثنى قال حدثنا مسلم بن إبراهيم، عن هرون ... »، إلى آخر الإسناد ، والله أعلم . (١) فى المطبوعة: ((فى طاعته ... فى عبادته))، وأثبت ما فى المخطوطة. ٣١٣ تفسير سورة الأعراف : ١٩٠ ١٥٥٢٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن فضيل ، عن سالم بن أبى حفصة، عن سعيد بن جبير قوله: ((أثقلت دعوا الله ربهما)) إلى قوله: ((فتعالى اللّه عما يشركون))، قال: لما حملت حوّاء فى أوّل ولد ولدته حين أثقلت ، أتاها إبليس قبل أن تلد فقال: يا حوّاء ، ما هذا الذى فى بطنك ؟ فقالت: ما أدرى! فقال: من أين يخرج؟ من أنفك، أو من عينك، أو من أذنك؟ قالت : لا أدرى! قال: أرأيت إن خرج سليمًا، أمطيعتى أنت فيما آمرك به؟(١) قالت: نعم! قال : سميه ((عبد الحارث)) = وقد كان يسمى إبليس ((الحارث)) = فقالت: نعم! ثم قالت بعد ذلك لآدم : أتانى آت فى النوم فقال لى كذا وكذا ! فقال: إن ذلك الشيطان فاحذريه ، فإنه عدوّنًا الذى أخرجنا من الجنة ! ثم أتاها إبليس فأعاد عليها، فقالت: نعم! فلما وضعته أخرجه اللّه سليمًا، فسمته ((عبد الحارث))، فهو قوله: ((جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون)). ١٥٥٢٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير وابن فضيل، عن عبد الملك، عن سعيد بن جبير قال : قيل له: أشرك آدم ؟ قال : أعوذ بالله أن أزعم أن آدم أشرك ، ولكن حواء لما أثقلت أتاها إبليس فقال لها : من أين يخرج هذا ؟ من أنفك، أو من عينك، أو من فيك! فقنَّطها، ثم قال: أرأيت إن خرج سويًا = زاد ابن فضيل : لم يضرك ولم يقتلك = أتطيعنى ؟ قالت: نعم! قال : فسميه (((عبد الحارث))، ففعلت = زاد جرير: فإنما كان شركه فى الاسم.(٢) ١٥٥٢٥ -حدثی موسی بن هرون قال، حدثنا عمروقال ، حدثنا أسباط ، عن السدی قال : فولدت غلاماً ۔۔ یعنی حواء - فأتاهما إبليس فقال: سموه عبدی وإلا قتلته ! قال له آدم عليه السلام : قد أطعتك وأخرجتنى من الجنة! فأبى أن (١) فى المطبوعة: ((أتطيعينى أنت))، والصواب الجيد من المخطوطة. (٢) فى المطبوعة: ((شركة)) بالتاء فى آخره، والصواب ما أثبت. ٣١٤ تفسير سورة الأعراف : ١٩٠ يطيعه، فسماه ((عبد الرحمن))، فسلط الله عليه إبليس فقتله . فحملت بآخر، فلما ولدته قال لها : سميه عبدى وإلا قتلته! قال له آدم: قد أطعتك فأخرجتنى من الجنة ! فأبى، فسماه ((صالحاً))، فقتله . فلما أن كان الثالث قال لهما: فإذ غلبتدونى فسموه ((عبد الحارث))، (١) وكان اسم إبليس، وإنما سمى (( إبليس)) حين أبلس - فَعَنّوًا، (٢) فذلك حين يقول الله تبارك وتعالى: ((جعلا له شركاء فيما آتاهما))، يعنى : فى التسمية . وقال آخرون : بل المعنىّ بذلك : رجلٌ وامرأة من أهل الكفر من بنى آدم ، جعلا لله شركاء من الآلهة والأوثان حين رزقهما ما رزقهما من الولد. وقالوا: معنى الكلام : ( هو الذى خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها لیسکن إليها فلما تغشاها))، أى: هذا الرجل الكافر= ((حملت حملاً خفيفاً فلما أثقلت))، دعوتما الله ربكما. قالوا: وهذا مما ابتدىء به الكلام على وجه الخطاب، ثم رُدَّ إلى الخبر عن الغائب، كما قيل: ﴿هُوَ الَّذِىِ يُسَيُِّكُمْ فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِى الْعُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحِ طَيِّبَةٍ﴾، [سورة يونس: ٢٢]. وقد بينا نظائر ذلك بشواهده فيما مضى قبل . (٣) • ذكر من قال ذلك : ١٥٥٢٦ - حدثنا ابن و کیع قال، حدثنا سهل بن يوسف ، عن عمرو ، عن الحسن: ((جعلا له شركاء فيما آتاهما))، قال : كان هذا فى بعض أهل الملل ، ولم یکن بآدم . ١٥٥٢٧ -حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن ١٠١/٩ (١) فى المطبوية: ((فإذ خاتم فسموه))، وأثبت ما فى المخطوطة. (٢) فى المطبوعة: ((ففعلوا))، وهو خطأ لاشك فيها، لو كان لقال: ((ففعلا))، ورسم المخطوطة غير منقوطة هو ما أثبت ، وصواب قراءته ما قرأت . = يقال: ((عنا له يعنو)): إذا خضع له وأطاعه. (٣) انظر ما سلف ١: ٣/١٥٤: ٦/٣٠٥،٣٠٤: ٨/٤٦٤،٢٣٨: ١١/٤٤٧ : ٢٦٤. ٣١٥ تفسير سورة الأعراف : ١٩٠ معمر قال ، قال الحسن : عنى بهذا ذرية آدم ، من أشرك منهم بعده = يعنى بقوله: ((فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء فيما آتاهما)). ١٥٥٢٨ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال : كان الحسن يقول: هم اليهود والنصاري، رزقهم الله أولاداً فهوَّدوا نصّروا .(١) قال أبو جعفر: وأولى القولين بالصواب، قول من قال: عنى بقوله: ((فلما آتاهما صالحاً جعلا له شركاء)» فى الاسم، لا فى العبادة = وأن المعنىَّ بذلك آدم وحواء ، لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك . ٥ ٥ ٥ فإن قال قائل : فما أنت قائل = إذ كان الأمر على ما وصفت فى تأويل هذه الآية، وأن المعنىّ بها آدم وحواء = فى قوله: ((فتعالى الله عما يشركون))؟ أهو استنكاف من الله أن يكون له فى الأسماء شريك ، أو فى العبادة ؟ فإن قلت : (فى الأسماء)، دل على فساده قوله: ((أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون))؟ فإن قلت: ((فى العبادة))، قيل لك: أفكان آدم أشرك فى عبادة اللّه غيره ؟ قیل له : إن القول فى تأويل قوله: (( فتعالى الله عما یشرکون)) ، ليس بالذى ظننت . وإنما القول فيه: فتعالى الله عما يشرك به مشركو العرب من عبدة الأوثان . فأما الخبر عن آدم وحواء، فقد انقضى عند قوله: ((جعلا له شركاء فيما آتاهما))، ثم استؤنف قوله: ((فتعالى الله عما يشركون))، (٢) كما :- ١٥٥٢٩ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط، عن السدى قوله: ((فتعالى الله عما يشركون))، يقول: هذه فصْلٌ من آية آدم ، خاصة فى آلهة العرب . ٠ ٠ ٠ (١) الآثار ١٥٥٢٦ - ١٥٥٢٨ - انظر التعليق على الأر السالف رقم: ١٥٥١٣. (٢) انظر التعليق على الأثر رقم : ١٥٥١٣. ٣١٦ تفسير سورة الأعراف : ١٩٠ واختلفت القرأة فى قراءة قوله: ((شركاء)). فقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة وبعض المكيين والكوفيين: (جَمَلاً لَهُ شِرْكَاً)، بكسر الشين ، بمعنى الشَّرِكة .(١) وقرأه بعض المكيين وعامة قرأة الكوفيين وبعض البصريين: (جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء)، بضم الشين، بمعنى جمع ((شريك)). قال أبو جعفر : وهذه القراءة أولى القراءتين بالصواب ، لأن القراءة لو صحت بكسر الشين ، لوجب أن يكون الكلام : فلما آتاهما صالحاً جعلا لغيره فيه شركاً - لأن آدم وحواء لم يدينا بأن ولدهما من عطية إبليس ، ثم يجعلا لله فيه شركاً لتسميتهما إياه بـ ((عبد الله))، وإنما كان يدينان لا شك بأن ولدهما من رزق اللّه وعطيته، ثم سمياه (عبد الحارث))، فجعلا لإبليس فيه شركاً بالاسم. فلو كانت قراءة من قرأ: (شِرْكًا)، صحيحة، وجب ما قلنا ، أن يكون الكلام: جعلا لغيره فيه شركاً. وفى نزول وحى الله بقوله: ((جعلا له)) ، ما يوضح عن أن الصحيح من القراءة: ﴿شُرَكَاء)، بضم الشين، على ما بينت قبل. فإن قال قائل: فإن آدم وحواء إنما سميا ابنهما ((عبد الحارث))، و((الحارث)) واحد، وقوله: ((شركاء)) جماعة، فكيف وصفهما جل ثناؤه بأنهما ((جعلا له شركاء))، وإنما أشركا واحداً! قيل : قد دللنا فيما مضى على أن العرب تخرج الخبر عن الواحد مخرج الخبر عن الجماعة، إذا لم تقصد واحداً بعينه ولم تسمُهُ، كقوله: ﴿الَّذِينَ قَلَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾، [سورة آل عمران: ١٧٣]، وإنما كان القائل ذلك واحداً، (١) انظر معانى القرآن للفراء ١: ٤٠٠. ٣١٧ تفسير سورة الأعراف : ١٩٠ فأخرج الخبر مخرج الخبر عن الجماعة ، إذ لم يقصد قصده . وذلك مستفيض فى كلام العرب وأشعارها .(١) . .. وأما قوله: ((فتعالى الله عما يشركون))، فتنزيه من الله تبارك وتعالى نفسه، وتعظيم لها عما يقول فيه المبطلون ، ويدَّعون معه من الآلهة والأوثان ، (٢) كما :-- ١٥٥٣٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج : «فتعالى الله عما یشرکون)) ، قال : هو الإنكاف ، أنکف نفسه جل وعز = يقول : عظّم نفسه = وأنكفته الملائكة ، وما سبَّح له . ١٥٥٣١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا ابن عيينة قال : سمعت صدقة يحدّث ، عن السدى قال : هذا من الموصول والمفصول، قوله: ((جعلا له شركاء فيما آتاهما))، فى شأن آدم وحواء ، ثم قال الله تبارك وتعالى: ((فتعالى الله عما يشركون))، قال: عما يشرك المشركون، ولم ١٠٢/٩ يعنهما. (٣) # ٥ (١) انظر ما سلف ١: ٢٩٢، ٢/٢٩٣: ٤٨٥ - ٤٨٧، ٤/٥٠٠: ٦/١٩١: ٧/٣٦٤ : ٤٠٤ - ١٢/٤١٣ : ٠٢١٣ (٢) انظر تفسير ((تعالى)) فيما سلف ١٢: ١٠، تعليق: ٢، والمراجع هناك. (٣) عند هذا الموضع، انتهى الجزء العاشر من مخطوطتنا، وفى آخرها ما نصه : « نجز الجز العاشر من كتاب البيان ، بحمد الله وعونه، وحسن توفيقه و یمنه. وصلى الله على محمد. يتلوه فى الحادى عشر إن شاء الله تعالى القول فى تأويل قوله: ﴿أَيُشْرِ كُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُون﴾. وكان الفراغ من نسخه فى شهر جمادى الأولى سنة خمس عشرة وسبعمئة . غفر الله لكاتبه ومؤلفه، ولمن كُتِب لأجله ولجميع المسلمين. الحمد لله رب العالمين)» ٣١٨ تفسير سورة الأعراف : ١٩١ القول فى تأويل قوله ﴿أَيْشْرِ كُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ) (١) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : أيشركون فى عبادة اللّه ، فيعبدون معه = (( ما لا يخلق شيئاً))، واللّه يخلقها وينشئها ؟ وإنما العبادة الخالصة للخالق لا للمخلوق . . . . وكان ابن زيد يقول فى ذلك بما :- ١٥٥٣٢ - حدثی یونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد قال: ولد لآدم وحواء ولد فسمياه ((عبد الله))، فأتاهما إبليس فقال: ما سميتما يا آدم ويا حواء ابنكما؟ قال: وكان ولد لهما قبل ذلك ولد فسمياه ((عبد الله)) فمات. فقالا: سميناه ((عبد الله))! فقال إبليس: أتظنان أن اللّه تارك عبده عند كما ؟ لا والله، ليذهبن به كما ذهب بالآخر! ولكن أدلكما على اسم يبقى لكما ما بقيتما، فسمياه ((عبد شمس))! قال: فذلك قول الله تبارك وتعالى: ((أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون))، آلشمس تخلق شيئاً حتى يكون لها عبد؟ إنما هى مخلوقة! وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خدعهما مرتين ، خدعهما فى الجنة، وخدعهما فى الأرض .(١) وقيل: ((وهم يخلقون))، فأخرج مكنيَّهم مخرج مكنى بنى آدم ، (٢) وقد قال: ثم يتلوه فى أول الجزء الحادى عشر من المخطوطة: (بسم الله الرحمن الرحيم رَبِّ يِّر برحمتك)) (١) الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أجده. وفى الدر المنثور ٣: ١٥٢ ((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خدعهمامرمن. قال زيد: خدعهما فى الجنة، وخدعهما فى الأرض)). (٢) ((المكنى)) الضمير. ٣١٩ تفسير سورة الأعراف : ١٩٢،١٩١ ((أيشركون ما))، فأخرج ذكرهم بـ((ما)) لاب (( من))، مخرج الخبر عن غير بنى آدم ، لأن الذى كانوا يعبدونه إنما كان حجراً أو خشباً أو نحاساً أو بعض الأشياء التى يخبر عنها بـ ((ما)) لابـ ((من))، فقيل لذلك: ((ما))، ثم قيل ((وهم))، فأخرجت كنايتهم مُخْرَج كناية بنى آدم، لأن الخبر عنها بتعظيم المشركين إياها، نظير الخبر عن تعظيم الناس بعضهم بعضاً . القول فى تأويل قوله ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُون لَهُمْ نَصْرًا وَلَآ أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ ١٩٢ قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : أيشرك هؤلاء المشركون فى عبادة الله ما لا يخلق شيئاً من خلق الله، ولا يستطيع أن ينصرهم إن أراد الله بهم سوءاً أو أحل بهم عقوبة ، ولا هو قادر إن أراد به سوءاً نصر نفسه ولا دفع ضر عنها؟ وإنما العابد يعبد ما يعبده لاجتلاب نفع منه أو لدفع ضر منه عن نفسه، وآلهتهم التى يعبدونها ويشركونها فى عبادة الله ، لا تنفعهم ولا تضرهم ، بل لا تجتلب إلى نفسها نفعاً ولا تدفع عنها ضرًا، فهى من نفع غير أنفسها أو دفع الضر عنها أبعدُ؟ يعجُب تبارك وتعالى خلقه من عظيم خطأ هؤلاء الذين يشركون فى عبادتهم اللّهَ غيره. ٣٢٠ تفسير سورة الأعراف : ١٩٣ القول فى تأويل قوله ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَىُ لَا يَِّسُوَكُمُ سَوَآَ عَلَيْكُمُ أَدَعَوْتُهُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَيْتُونَ) (١) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره فى وصفه وعيبه ما يشرك هؤلاء المشركون فى عبادتهم ربَّهم إياه . ومن صفته أنكم ، أيها الناس، إن تدعوهم إلى الطريق المستقيم والأمر الصحيح السديد لا يتبعوكم ، لأنها ليست تعقل شيئاً ، فتترك من الطرق ما كان عن القصد منعدلاً جائراً ، وتركب ما كان مستقيماً سديداً. ٠ وإنما أراد الله جل ثناؤه بوصف آلهتهم بذلك من صفتها ، تنبيهتهم على عظيم خطْهم وقبح اختيارهم . يقول جل ثناؤه: فكيف يهديكم إلى الرشاد مَنْ إن دُعى إلى الرشاد وعُرُّفه لم يعرفه، ولم يفهم رشاداً من ضلال، وكان سواءً دعاءُ داعيه إلى الرشاد وسكوته، لأنه لايفهم دعاءه، ولا يسمع صوته ، ولا يعقل ما يقال له . يقول: فكيف يُعبد من كانت هذه صفته، أم كيف يُشْكيل عظيمُ جهل من اتخذ ما هذه صفته إلهاً؟ وإنما الرب المعبود هو النافع من يعبده ، الضارّ من يعصيه، الناصرُ وليَّه ، الخاذل عدوه ، الهادى إلى الرشاد من أطاعه ، السامع دعاء من دعاه . ٠ وقيل: ((سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون))، فعطف بقوله: ((صامتون)) وهو اسم، على قوله: ((أدعوتموهم))، وهو فعل ماض، ولم يقل: ((أم صمتم))،(١) كما قال الشاعر : (٢) (١) انظر سيبويه ١ : ٤٣٥، ٤٥٦ . (٢) لم أعرف قائله .