Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
تفسير سورة الأعراف : ١٥٧
القول فى تأويل قوله ﴿الَّذِينَ يَتْبِعُونَ الرَّسُولَ النَِّىَّ الْأُبِّالَّذِى
يَجِدُونِهُ مَكْتُوبَ عِندَهُمْ فِىِ التَّوْسَمَةِ، أَ لْإنجيل ﴾
قال أبو جعفر. وهذا العول إبانةٌ من الله جل ثناؤه عن أنّ الذين و عد موسى
نبيَّه عليه السلام أن يكتب لهم الرحمة التى وصفتها جل ثناؤه بقوله: (( ورحمتی
وسعت كل شىء))، هم أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم، لأنه لا يعلم الله رسول"
وُصف بهذه الصفة = أعنى (( الأمى))= غير نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم. وبذلك
جاءت الروايات عن أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
١٥٢١٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمران بن عيينة ، عن عطاء ،
عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ((فسأكتبها للذين يتقون))، قال : أمه محمد
صلى الله عليه وسلم .
١٥٢١٥ - ٠
. قال، حدثنا زيد بن حباب، عن حماد بن سلمة،
همن عطاء ، عن ابن عباس قال : أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
١٥٢١٦ - حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا ، حدثنا يحيى بن يمان ، عن
أشعث ، عن جعفر، عن سعيد فى قوله: ((فسأكتبها للذين يتقون))، قال : أمة
محمد صلى الله عليه وسلم، فقال موسى عليه السلام: ليتى خلقت فى أمّة محمد!
١٥٢١٧ - حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا، حدثنا جرير، عن عطاء، عن
سعيد بن جبير: ((فسأكتبها للذين يتقون))، قال: للذين يتبعون محمد ◌ًاصلى الله عليه وسلم.
١٥٢١٨ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير ، عن ليث ، عن شهر
ابن حوشب ، عن نوف الحميرى قال: لما اختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقات
ربه ، قال اللّه لموسى: أجعل لكم الأرض مسجداً وطهوراً، وأجعل السكينة معكم
ج ١٣ (١١)

١٦٢
تفسير سورة الأعراف : ١٥٧
فى بيوتكم، وأجعلكم تقرأون التوراة عن ظَهْر قلوبكم، (١) يقرؤها الرجل منكم
والمرأةُ، والحرُّ والعبدُ، والصغير والكبير. فقال موسى لقومه: إن الله قد يجعل لكم
الأرض طهوراً ومسجداً . قالوا : لا نريد أن نصلى إلاّ فى الكائس! قال :
ويجعل السكينة معكم فى بيوتكم . قالوا : لا نريد إلاّ أن تكون كما كانت، فى
التابوت! قال: ويجعلكم تقرأون التوراة عن ظهر قلوبكم، (٢) ويقرؤها الرجل
منكم والمرأة ، والحر والعبد ، والصغير والكبير. قالوا: لا نريد أن نقرأها إلا نظرًا!
فقال الله: ((فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة)) إلى قوله: ((أولئك هم المفلحون)).
١٥٢١٩ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن نوف البكالى قال : لما انطلق موسى بوفد
بنى إسرائيل، كلّمه الله فقال: إنى قد بسطت لهم الأرض طهوراً ومساجدَ يصدُّون
فيها حيث أدركتهم الصلاة ، إلا عند مرحاضٍ أو قبر أو حمّام، وجعلت السكينة
فى قلوبهم ، وجعلتهم يقرأون التوراةَ عن ظهر ألسنتهم . قال : فذكر ذلك موسى
لبنى إسرائيل، فقالوا: لا نستطيع حمل السكينة فى قلوبنا، فاجعلها لنا فى تابوت،
ولا نقرأ التوراة إلا نظرًا، ولا نصلى إلا فى الكنيسة. فقال الله: ((فسأكتبها للذين
يتقون ويؤتون الزكاة)، حتى بلغ ((أولئك هم المفلحون)). قال فقال موسى عليه
السلام: ياربّ، اجعلنى نبيّهم! قال: نبيِّهم منهم! قال: رب اجعلنى منهم !قال:
لن تدركهم !قال: ياربّ، أتيتك بوفد بنى إسرائيل، فجعلت وفَادَتنا لغيرنا! فأنزل الله
﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أَمَّةٌ بِهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) [ سورة الأعراف: ١٥٩].
(١) فى المطبوعة: ((عن ظهور قلوبكم))، بجمع ((ظهور))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو
صواب محض.
(٢) فى المطبوعة: ((عن ظهور))، وانظر التعليق السالف.
(٢) الأثر: ١٤٥٢١٨ = ( فوف الحميرى))، مير ((نوف البكالى)) المذكور فى الأثرين
التاليين: ٠٠١٥٢١٩ ١٩٢٢٠. وهو ((فوف بن فضالة الحميرى البكالى الشامى)). مضى برقم:
٠، ١٩٤٥٦
٣٩٦٥ ٠ ٩٤٤٦

١٦٣
تفسير سورة الأعراف : ١٥٧
= قال نوف البكالى : فاحمدوا الله الذى حفظ غيبتكم، وأخذ لكم بسهمكم،
وجعل وفادة بنى إسرائيل لكم .
: ١٥٢٢٠ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثنى ٥٧/٩
أبى ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن نوف البكالى ، بنحوه = إلا أنه قال : فإنى
أنزل عليكم التوراة تقرأونها عن ظهر ألسنتكم ،رجالكم ونساؤُ كم وصبيانكم. قالوا:
لا نُصلّى إلا فى كنيسة ، ثم ذكر سائر الحديث نحوه .
١٥٢٢١ - حدثنا ابن و کیع قال، حدثنا إسحق بن إسمعیل، عن يعقوب،
عن جعفر، عن سعيد بن جبير: ((فسأكتبها للذين يتقون))، قال: أمة محمد
صلى الله عليه وسلم. (١)
١٥٢٢٢ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((فسأكتبها للذين يتقون))، قال: هؤلاء أمة محمد
صلى الله عليه وسلم.
١٥٢٢٣ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة قال: لما قيل: ((فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا
يؤمنون))، تمنّتها اليهود والنصارى، فأنزل الله شرطاً بيناً وثيقاً فقال: ((الذين يتبعون
الرَّسول النبىّ الأمّى)»، وهو نبيكم صلى الله عليه وسلم، كان أمِّيًّا لا يكتبُ (٢)
#
وقد بينا معنى ((الأمى)) فيما مضى ، بما أغنى عن إعادته . (٣)
٠
۵
وأما قوله: ((الذى يجدونه مكتوباً عندهم فى التوراة والإنجيل))، فإن ((الهاء))
(١) الأثر: ١٥٢٢١ - ((إسحق بن إسماعيل))" هو ((حبويه))، ((أبو زيد الرازى))،
الذى مضى قريباً برقم : ١٥١٩٨، وصرح هنا أول مرة باسمه.
(٢) الأثر: ١٥٢٢٣ - انظر الأثر السالف رقم : ١٥٢٠٥.
(٣) انظر تفسير ((الأمى)) فيما سلف ٢: ٢٥٧ - ٣/٢٥٩: ٦/٤٤٢: ٤٢٨١
٢٨٢، ٥٢٢ / ثم انظر الآثار رقم: ٥٨٢٧، ٦٧٧٤ ، ٦٧٧٥، ١٥٢٠٥.

٠
١٦٤
تفسير سورة الأعراف : ١٥٧.
فى قوله: ((يجدونه))، عائدة على ((الرسول))، وهو محمّد صلى الله عليه وسلم،
كالذى : -
١٥٢٢٤ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى قوله: (( الذين يتبعون الرسول النبى الأمىّ))، هذا
محمّدٌ صلى الله عليه وسلم.
١٥٢٢٥ - حدثی ابن المثی قال، حدثنا عثمان بن عمر قال ، حدثنا
فليح ، عن هلال بن على ، عن عطاء بن يسار قال : لقيت عبد الله بن عمرو
فقلت : أخبرنى عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى التوراة . قال : أجل
واللّه ، إنه لموصوف فى التوراة كصفته فى القرآن: يا أيها النبى إنا أرسلناك شاهداً
ومُبَشِّراً ونذيراً وحِرْزًا للأمّين، أنت عبدى ورسولى ، أسميتك المتوكّل، (١) ليس
بفظً ولا غليظ ولا صخّاب فى الأسواق، ولا يجزى بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح،
ولن نقبضه حتى نقيم به الملةَ العوجاء، بأن يقولوا: ((لا إله إلا الله))، فنفتح به قلوباً
غُلْفاً، وَأَ ذاناً صُمّاً، وأعيناً عُمْيً = قال عطاء: ثم لقيتُ كعباً فسألته عن ذلك ، فما
اختلفاً حرفاً، إلا أن كعباً قال بلغته: قلوباًغُلُوفيا، وآذاناًصمومِيَا، وأعيناً عُمْوميا. (٢)
١٥٢٢٦ ۔۔ حدثی أبو کریب قال ، حدثنا موسى بن داود قال ، حدثنا
فليح بن سليمان ، عن هلال بن على قال ، حدثنى عطاء قال : لقيت عبد الله
(١) فى المطبوعة: ((سميتك))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) الأثر: ١٥٢٢٥ - ((عثمان بن عمر بن فارس بن لقيط العبدى))، ثقة، من شيوخ
أحمد ، روى له الجماعة ، سلف برقم : ٥٤٥٨.
و((فليح))، هو ((فليح بن سليمان بن أبى المغيرة الخزامى))، ثقة، روى له المجاعة، مضى
برقم : ٥٠٩٠ ٠
و «هلال بن على بن أسامة المدنى))، وينسب إلى جده فيقال: ((هلال بن أسامة))،
ثقة ، مضى برقم : ١٤٩٥ .
وانظر الآثار التالية .

١٦٥
تفسير سورة الأعراف : ١٥٧
ابن عمرو بن العاص ، فذكر نحوه = إلا أنه قال فى كلام كعب : أعيناً عمومًا ،
وآ ذاناً صموما ، وقلوباً غُلُوفَا .
قال، حدثنا موسى قال، حدثنا عبد العزيز بن سلمة،
١٥٢٢٧ - ٠
عن هلال بن على ، عن عطاء بن يسار ، عن عبد الله بنحوه = وليس فيه كلام
کعب .
١٥٢٢٨ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قال الله: ((الذى يجدونه مكتوباً عندهم))، يقول: يجدون نعته وأمره ونبوته
مکتوباً عندهم .
القول فى تأويل قوله ﴿يَأْمُهُمْ بِلْتَعْرُوفِ وَنْهَهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ
وَيُحِلُّ لَهُمُ الطََّتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ أَلْبَنَّبِتَ وَبَضَعُ مَنْهُمْ إِصْرَهُمْ
وَالْأَغْلَلَ الَّتِ كَانَتْ عَلَيْهِمْ)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره : يأمر هذا النبيُّ الأمىُّ أتباعته بالمعروف =
وهو الإيمان بالله ولزوم طاعته فيما أمر ونهى، فذلك ((المعروف)) الذى يأمرهم به (١)=
((وينهاهم عن المنكر))، وهو الشرك بالله، والانتهاء عمّاً بهاهم اللّه عنه. (٢)
وقوله: (( ويحل لهم الطيبات))، وذلك ما كانت الجاهلية تحرّمه من البحائر
والسَّوائب والوصائل والحوامى (٣) = ((ويحرم عليهم الخَبَائث))، وذلك لحم الخنزير
والرِّبا وما كانوا يستحلون من المطاعم والمشارب التى حرمها الله، (٤) كما :-
(١) انظر تفسير ((المعروف)) فيما سلف ٩: ٢٠١، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير (المنكر)) فيما سلف ١٠: ٤٩٦، تعليق: ٢؛ والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير ((الطيبات)) فيما سلف ١١: ٩٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٤) انظر تفسير ((الخبائث)) فيما سلف ١١: ٩٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك.

١٦٦
تفسير سورة الأعراف : ١٥٧
١٥٢٢٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية ، عن على، عن ابن عباس: ((ويحرم عليهم الخبائث))، وهو لحم
الخنزير والربا ، وما كانوا يستحلونه من المحرَّمات من المآكلِ التى حرمها الله .
وأما قوله: ((ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم))، فإن أهل التأويل
اختلفوا فى تأويله .
٥٨/٩
فقال بعضهم: يعنى: ((الإصر))، العهدَ والميثاقَ الذى كان أخذه على
بنى إسرائيل بالعمل بما فى التوراة .
• ذكر من قال ذلك .
١٥٢٣٠ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جابر بن نوح ، عن أبى روق ،
عن الضحاك، عن ابن عباس: ((ويضع عنهم إصرهم))، قال: عهدهم .
قال ، حدثنا المحاربى، عن جويبر ، عن الضحاك ،
١٥٢٣١ -.
قال : عهدهم .
١٥٢٣٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عمرو بن على قال ، أخبرنا هشيم ،
عن جويبر ، عن الضحاك ، مثله .
١٥٢٣٣ -حدثنا ابن و کیع قال، حدثنا يحيى بن يمال ، عن مبارك ، عن
الحسن: ((ويضع عنهم إصرهم))، قال: العهود التى أعطوها من أنفسهم.
١٥٢٣٤ -٠٠ .. قال ، حدثنا ابن نمير، عن موسى بن قيس ، عن
مجاهد: (ويضع عنهم إصرهم))، قال: عهدهم.(١)
١٥٢٣٥ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال،
حدثنا أسباط ، عن السدی: «ويضع عنهم إصرهم والأغلال التی کانت عليهم))،
يقول: يضع عنهم عهودهم ومواثيقتهم التى أخذت عليهم فى التوراة والإنجيل
(١) الأثر: ١٥٢٣٤ - ((موسى بن قيس الحضرى))، مضى برقم : ٦٥١٣.

١٦٧
تفسير سورة الأعراف : ١٥٧
١٥٢٣٦ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية ، عن على ، عن ابن عباس: ((ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت
عليهم))، ما كان اللّه أخذ عليهم من الميثاق فيما حرّم عليهم . يقول: يضع ذلك
عنهم .
٠
#
وقال بعضهم : عنى بذلك أنه يضع عمن اتّبع نىَّ اللّه صلى اللّه عليه وسلم،
التشدید الذی کان علی بنی إسرائیل فی دیهم.
ذكر من قال ذلك :
٠
١٥٢٣٧ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة: ((ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم))، فجاء محمد
صلى الله عليه وسلم بإقالةٍ منه وتجاوزٍ عنه .
١٥٢٣٨ - حدثی المثنى قال، حدثنا الحمانى قال ، حدثنا شريك ، عن
سالم، عن سعيد: ((ويضع عنهم إصرهم))، قال: البولَ ونحوه، مما غُلِّظ على
ى إسرائيل .
١٥٢٣٩ -
. قال ، حدثنا الحمانى قال ، حدثنا يعقوب، عن
جعفر ، عن سعيد قال : شدّة العمل .
١٥٢٤٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قال ، قال مجاهد قوله: (( ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت
عليهم))، قال : من اتبع محمداً ودينه من أهل الكتاب ، وُضع عنهم ما كان
عليهم من التشديد فى دينهم .
١٥٢٤١ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن فضيل ، عن أشعث ، عن
ابن سيرين قال : قال أبو هريرة لابن عباس: ما علينا فى الدين من حَرّج أن
نزنى ونسرق؟ قال: بلى! ولكن الإصر الذى كان على بنى إسرائيل وُضع عنكم.

١٦٨
تفسير سورة الأعراف : ١٥٧
١٥٢٤٢ -حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((ويضع عنهم إصرهم ))، قال : إصرهم الذى جعله عليهم
٠٠٠
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب أن يقال: إنّ ((الإصر))
هو العهد = وقد بينا ذلك بشواهده فى موضعٍ غير هذا بما فيه الكفاية (١) = وأن
معنى الكلام: ويضع النبيُّ الأمىُّ العهدَ الذى كان الله أخذعلى بنى إسرائيل، من
إقامة التوراة والعمل بما فيها من الأعمال الشديدة، كقطع الجلد من البول ، وتحريم
الغنائم، ونحو ذلك من الأعمال التى كانت عليهم مفروضةً، فنسخها حُكْم القرآن.
٠
وأما (( الأغلال التى كانت عليهم))، فكان ابن زيد يقول بما : -
١٥٢٤٣ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب، عنه فى قوله: ((والأغلال
التى كانت عليهم))، قال: ((الأغلال))، وقرأ (غُلَتْ أَيْدِيهِمْ) [سورة المائدة: ٦٤].
قال: تلك الأغلال . قال: ودعاهم إلى أن يؤمنوا بالنبيّ فيضع ذلك عنهم.
٥
القول فى تأويل قوله ﴿ فَأَلَّذِينَ، امَنُواْ بِهِـهُ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ
وَأَتْبَعُواْ النُّورَ الَّذِىّ أُنزِلَ مَنَّهُ , أُوْلَّكَ هُمُ الْتَفْلِحُونَ﴾ (
١٥٧
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فالذين صدَّقُوا بالنبى الأمى وأقرُّوا
بنبوته (٢) - ((وعزروه))، يقول: وقَرَّوه وعظموه وحَمَوه من الناس، (٣) كما : ...
١٥٢٤٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثی
( ١) انظر تغير والإصر، فيما ملف ٦: ١٣٥ - ١٣٨، ٥٦٠
(٢) انظر تفسير ((الإيمان)) فيا سلف من فهارس الغة (أمن).
(٣) انظر تفسير ((التعزير) فيا سلف ١٠: ١١٩ - ١٢١.

١٦٩
تفسير سورة الأعراف : ١٥٧
+
معاوية، عن على، عن ابن عباس: ((وعزروه))، يقول: حموه ، وقَّروه.
١٥٢٤٥ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنى موسى ٥٩/٩
ابن قيس، عن مجاهد: ((وعزروه ونصروه»، «عزَّروه»، سدَّدوا أمره، وأعانوا
رَسُولُه = ((ونَصَرُوُه)).
٠
وقوله: ((ونصروه))، يقول: وأعانوه على أعداء اللّه وأعدائه، جهادهم ونصب
الحرب لهم = ((واتبعوا النور الذى أنزل معه))، يعنى القرآن والإسلام(١) = ((أولئك
هم المفلحون)) ، يقول : الذين يفعلون هذه الأفعال التى وصف بها جل ثناؤه أتباع
محمد صلى الله عليه وسلم، هم المنجحون المدركون ما طلبُوا ورَجْوا بفعلهم ذلك.(٢)
١٥٢٤٦ -حدثنا بشر بن معاذ قال،حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة قال : فما نقموا = يعنى اليهود = إلا أن حسدوا فيَّ اللّه، فقال الله:
((الذين آمنوا به وعزّروه ونصروه))، فأما نصره وتعزيره، فقد سبقتم به ، ولكن
خياركم من آمن بالله واتّبع النور الذى أنزل معه .
٠
٠
يريد قتادة بقوله ((فما نَقَموا إلا أن حسدوا فى اللّه))، أن اليهود كان محمد
صلى الله عليه وسلم بما جاء به من عند الله رحمةً عليهم لو اتبعوه ، لأنه جاء
بوضع الإصر والأغلال عنهم ، فحملهم الحسد على الكفر به ، وترك قبول
التخفيف ، لغلبة خذلان الله عليهم.
(١) انظر تفسير ((النور)) فيما سلف ١١: ٥٢٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك
(٢) انظر تفسير ((الفلاح)) فيما سلف: ١٢: ٥٠٥، تعليق : •، والمراجع هناك.

١٧٠
تفسير سورة الأعراف : ١٥٨
القول فى تأويل قوله ﴿قُلْ يَأَيُّهَ النَّاسُ إِنِى رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ
قِيْعَ الَّذِى لَهُ مُلْتُ السَُّؤَاتِ وَالأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّهُوَ يُحْيِهِ وَيُمِتُ
فَأَمِنُواْ بِالهِوَرَسُولِهِ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمد صلى الله عليه وسلم: ((قل))،
یا محمد للناس كلهم = (( إنیرسول الله إلیکم جمیعاً » ، لا إلی بعضكم دون
بعض ، كما كان من قبلى من الرَّسل مرسلاً إلى بعض الناس دون بعض . فمن
كان منهم أرسل كذلك ، فإن رسالتى ليست إلى بعضكم دون بعض ، ولكنها إلى
جمیعکم .
وقوله: ((الذى)) من نعت اسم ((الله)) وإنما معنى الكلام : قل: يا أيها
الناس إنى رسول اللّه، الذى له ملك السموات والأرض ، إليكم .
ويعنى جل ثناؤه بقوله: ((الذى له ملك السموات والأرض))، الذى له سلطان
السَّموات والأرض وما فيهما، وتدبير ذلك وتصريفه (١) = ((لا إله إلا هو))،
يقول : لا ينبغى أن تكون الألوهة والعبادة إلا له جل ثناؤه ، دون سائر الأشياء
غيره من الأنداد والأوثان ، إلاّ لمن له سلطان كل شىء ، والقادر على إنشاء خلق
كل ماشاء وإحيائه، وإفنائه إذا شاء إماتته = ((فآمنوا بالله ورسوله)) ، يقول جل
ثناؤه : قل لهم: فصدقوا بآيات الله الذى هذه صفته، وأقِرُّوا بوحدانيته، وأنه
الذي له الألوهة والعبادة، وصد قوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم أنَّه مبعوث إلى
خلقه ، داع إلى توحيده وطاعته .
(١) انظر تفسير ((الملك)) فيما سلف من فهارس اللغة (ملك).

١٧١
تفسير سورة الأعراف : ١٥٨
القول فى تأويل قوله (النَِّّ الْأُمِّ الَّذِى يُؤْمِنُ بِاللهِ
وَكَلِمَتْهِ ے وَأَتْبِعُوهُ لَمَلْكُمْ تَهْتَدُونَ) (٥٨)
قال أبو جعفر: أما قوله: ((النبى الأمىّ))، فإنه من نعت رسول الله صلى
الله عليه وسلم .
*
وقد بینتمعنی (( النی )) فما مضی بماأغنى عن إعادته - ومعنى قوله: ((الأمی)). (١)
٥
= ((الذى يؤمن بالله))، يقول: الذى يصدق باللّه وكلماته
٠
#
ثم اختلف أهل التأويل فى تأويل قوله: ((وكلماته)). (٢)
فقال بعضهم : معناه : وآياته .
ذكر من قال ذلك :
٠
١٥٢٤٧ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ،
عن قتادة قوله: ((الذى يؤمن بالله وكلماته))، يقول: آياته.
وقال آخرون : بل عنى بذلك عيسى بن مريم عليه السلام
(( ذكر من قال ذلك :
١٥٢٤٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثى حجاج ، عن
ابن جريج قال، قال مجاهد قوله: ((الذى يؤمن بالله وكلماته))، قال : عيسى
ابن مريم .
١٥٢٤٩ - وحدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال ، حدثنا
(١) انظر تفسير ((النبى)) فيما سلف ٢: ١٤٠ - ٦/١٤٢: ٢٨٤، ٣٨٠، وغيرها
من المواضيع.
= وتفسير ((الأمى))، فيما سلف قريباً ص: ١٦٣، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((الكلمة)) فيما سلف من فهارس اللغة (كلم).

١٧٢
تفسير سورة الأعراف : ١٥٨ : ١٥٩
أسباط، عن السدى: ((الذى يؤمن بالله وكلماته))، فهو عيسى بن ٠ ... ).
قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك عندنا، أنَّ اللّه تعالى ذكره أمرّ
عباده أن يصدّقُوا بنبوّة النبىّ الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته، ولم يخصص الخبر
جل ثناؤه عن إيمانه من ((كلمات الله)) ببعض دون بعضٍ، بل أخبرهم عن جميع
(( الكلمات))، فالحق فى ذلك أن يعمّ القول ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم
كان يؤمن بكلمات الله كلِّها، على ما جاء به ظاهرُ كتابٍ الله .
وأما قوله تعالى: ((واتبعوه لعلكم تهتدون))، فاهتدوا به ، أيها الناس ، واعملوا
بما أمركم أن تعملوا به من طاعة اللّه = ((لعلكم تهتدون))، يقول: لكى تهتدوا
فترشدوا وتصيبوا الحقّ فى اتباعكم إيّاه.
٦٠/٩
٠
القول فى تأويل قوله ﴿وَمِنْ قَوْمٍ مُوسَىََّ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِأَلْقِّ
وَ يِهِے يَعْدِلُونَ ﴾
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: (( ومن قوم موسى )) ، یعنی بنى إسرائيل=
((أمة))، يقول: جماعة (١) = ((يهدون بالحق))، يقول: يهتدون بالحق، أى يستقيمون
عليه ويعملون (٢) = ((وبه يعدلون))، أى: وبالحق يعطُون ويأخذون ،
ويُنصفون من أنفسهم فلا يجورون . (٣)
وقد قال فى صفة هذه الأمة التى ذكرها الله فى الآية، جماعةٌ أقوالاً ، نحن
ذاكرو ما حضرنا منها .
(١) انظر تفسير وأمة)، فيما سلف ١٢: ٤١٥، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٢) انظر تغير ((المدى)) فيا سلف من فهارس اللغة (حدى).
(٣) انظر تفسير ((العدل))فيما سلف ٦: ٥١، وفهارس اللغة (عدل).

١٧٣
تفسير سورة الأعراف : ١٥٩
١٥٢٥٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الله بن
الزبير ، عن ابن عيينة، عن صدقة أبى الهذيل ، عن السدى: ((ومن قوم موسى
أمة يهدون بالحق وبه يعدلون))، قال: قوم بينكم وبينهم نهر من شُهْدٍ.(١)
١٥٢٥١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ،
عن ابن جريج قوله: ((ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون))، قال :
بلغنى أن بنى إسرائيل لمّا قتلوا أنبياء هم ، كفروا . وكانوا اثنى عشر سبطاً ، تبرأ
سبطٌ منهم مما صنعوا، واعتذروا، وسألوا اللّه أن يفرِّق بينهم وبينهم، ففتح اللّه
الله لهم نَفَقاً فى الأرض، فساروا فيه حتى خرجُوا من وراء الصين، فهم هنالك ،
(١) الأثر: ١٥٢٥٠ - ((صدقة أبى الهذيل))، ترجم له البخارى فى الكبير ٢٩٥/٢/٢،
ولم يزد على أن قال: ((عن السدى، روى عنه ابن عيينة))، ولم يذكر فيه جرحاً. وذكره فى التهذيب
وقال: ((صدقة أبو الهذيل، تقدم ذكره فى ترجمة: صدقة بن أبى عمران))، ولكن سقط من نسخة
التهذيب ترجمة ((صدقة بن أبي عمران))، فلم يرد له ذكر فى الكتاب. وأما ابن أبى حاتم ، فلم يذكره
فى كتابه، لا فى ترجمة خاصة، ولا فى ترجمة ((صدقة بن أبى عمران))، ولكن كلام ابن حجر
فى التهذيب قد يوهم أنهما شخص واحد، ولكن الراجح أنهما رجلان ، لأن البخارى ترجم له ،
ففرق بينهما .
وقوله: ((نهر من شهد)) يعنى: نهراً من عسل من أنهار الجنة التى قال الله تعالى فى سورة محمد: ١٥
﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّى وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أنْهَرٌ مِنْ مَاءِ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن
لَنَّ لمَّ ◌َتَغَيَّرْ طَغُْهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَيْرٍ لَدَّةٍ لِلشَّارِ بِينِ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَلّى)
وبهذا اللفظ (شهد)، ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣: ٥٧٣ . وفى الدر المنثور ١ : ١٣٦:
(وبينهم نهر من سهل - يعنى من رمل - يجرى))، ثم جاء الألوسى فى تفسير الآية (٩: ٧٥)
فنقل ذلك هكذا: ((وبينهم نهر من رمل يجرى)) ثم قال: ((وضعف هذه الحكاية ابن الخازن،
وأنا لا أراها شيئاً ، ولا أظنك تجد لها سنداً يعول عليه ولو ابتغيت نفقاً فى الأرض أو سلماً فى السماء)).
ونقل الألوسى نقل من المعنى الذى ذكره السيوطى («سهل)) - يعنى من رمل)» ، وهو فاسد جداً ،
والصواب أن ((سهل))، بحرف عن ((شهد)»، وهو الصواب إن شاء الله.
هذا تحرير نص الخبر وتأويله، وأما صحته أو ضعفه فهما بمعزل من تصحيح نصبه ، ومثل
هذا الخبر والذى يليه ، لا يؤخذ به إلا بحجة قاطعة يجب التسليم لها . ولا حجة فى رواية موقوفة
على السدى .

١٧٤
تفسير سورة الأعراف : ١٥٩، ١٦٠
حُنَفاء مسلمُون يستقبلون قبلتنا = قال ابن جريج: قال ابن عباس: فذلك قوله :
﴿وَقْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أُسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ
جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً﴾ [سورة الإسراء: ١٠٤]. و((وعد الآخرة))، عيسى بن مريم،
يخرجون معه - قال ابن جريج: قال ابن عباس: ساروا فى السَّرَّب سنة ونصفاً. (١)
القول فى تأويل قوله ﴿وَقَطْعَهُمُ أَتْذَتَىْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أَتَمَا﴾
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فرقناهم = يعنى قوم موسى من بنى
إسرائيل ، فرقهم الله فجعلهم قبائل شتى ، اثنتى عشرة قبيلة .
٠
وقد بينا معنى: ((الأسباط))، فيما مضى، ومن هم. (٢)
٠ ٠
واختلف أهل العربية فى وجه تأنيث ((الاثنتى عشرة))، و((الأسباط)) جمع
مذكر .
فقال بعض نحوبى البصرة : أراد اثنتى عشرة فرقة ، ثم أخبر أن الفرق
(((أسباط))، ولم يجعل العدد على ((أسباط)).
وكان بعضهم يستخِلُّ هذا التأويل ويقول(٣): لا يخرج العدد على غير
٠
(١) الأثر: ١٥٢٥١ - هذا الخبر، لم يروه أبو جعفر فى تفسير آية سورة الإسراء،
وهذا ضرب من اختصاره لتفسيره ، وربما دل ذلك على ضعف الخبر عنده ، لأنه لو صح عنه لذكره
فى تفسير قوله تعالى: ((فإذا جاء وعد الآخرة))، أنه عيسى بن مريم عليه السلام.
(٢) انظر تفسير ((الأسباط)) فيما سلف ٢: ١٢١، الخبر رقم: ٣/١٠٤٧: ١٠٩ -
١١٣، ٦/١٢٢ : ٥٦٩
(٣) فى المخطوطة: ((يستحكى هذا التأويل))، وفى المطبوعة: ((يستحكى على هذا التأويل))،
زاد ((على))، لأن وجد الكلام لا معنى له. والصواب عندى ما أثبت ((يستخل)) من ((الخلل)»

١٧٥
تفسير سورة الأعراف : ١٦٠
التالى، (١) ولكن ((الفرق)) قبل ((الاثنتى عشرة))، حتى تكون ((الاثنتا عشرة))
مؤنثة على ما قبلها ، ويكون الكلام : وقطعناهم فرقاً اثنتى عشرة أسباطاً = فيصحّ
التأنيث لما تقدَّم .
وقال بعض نحوبى الكوفة: إنما قال: ((الاثنى عشرة)) بالتأنيث، و((السبط))
مذكر، لأن الكلام ذهب إلى ((الأمم))، فغُّب التأنيث، وإن كان ((السبط))
ذكراً ، وهو مثل قول الشاعر: (٢)
وَإِنَّ كِلَابَا هَذِهِ عَشْرُ أَبْطَنِ
وَأَنْتَ بَرِئٌ مِنْ قَبَائِلِهَاَ المَشْرِ (٣)
ذهب : ((البطن)) إلى القبيلة والفصيلة، فلذلك جمع ((البطن)) بالتأنيث.
٠
#
وكان آخرون من نحوبى الكوفة يقولون: إنما أنّشت ((الاثنتا عشرة)) و((السبط))
ذكر، لذكر ((الأم)). (٤)
#
قال أبو جعفر: والصواب من القول فى ذلك عندى أنّ ((الاثنتى عشرة))
أننت لتأنيث (( القطعة))، ومعنى الكلام: وقطعناهم قِطَعاً اثنتى عشرة، ثم ترجم
عن ((القِطَع))؛ ((الأسباط))، وغير جائز أن تكون ((الأسباط)) مفسرة
وهو الوهن والفساد، وقالوا: ((أمر مختل)) أى فاسد واهن، فاستخرج أبو جعفر أو غيره قياساً
من ((الخلل)) ((استخل الشىء))، أى استوهنه واستضعفه، ووجد فيه خللا. وهو قياس جيد فى
العربية . وهو صواب المعنى فيه إن شاء الله .
(١) فى المخطوطة: ((على غير الثانى))، وغيرها فى المطبوعة إلى: ((على عين الثانى))،
وكلتاهما فاسدة المعنى، والصواب ما أثبت. يعنى: ما يتلو العدد، وهو ((أسباط)»، وهو الظاهر
فى الكلام، وتقديره: ((اثنى عشرة فرقة أسباطاً)) ثم حذف ((فرقة)) وإضمارها، يوجب أن يجرى
العدد على ما يتلوه ، فصح بهذا ما أثبت من قراءة النص.
(٢) النواح الكلابى ، رجل من بنى كلاب .
(٣) سيبويه ٢: ١٧٤، معانى القرآن الفراء ١: ١٢٦، الإنصاف: ٣٢٣،
العينى (هامش الخزانة) ٤: ٤٨٤، واللسان (بطن)، وغيرها. ولم أجد تتمة الشعر.
(٤) هو الفراء فى معانى القرآن ١: ٣٩٧.

٢٧٦
تفسير سورة الأعراف : ١٦٠
٦١/٩
عن ((الاثنى عشرة)) وهى جمع، لأن التفسير فيما فوق ((العشر)) إلى ((العشرين))
بالتوحيد لا بالجمع، (١) و((الأسباط)) جمع لا واحد، وذلك كقولهم: (( عندى
اثنتاعشرة امرأة)). ولا يقال: ((عندى اثنتا عشرة نسوة))، فبيَّن ذلك أن ((الأسباط))
ليست بتفسير للاثنتى عشرة ، (٢) وأن القول فى ذلك على ما قلنا.
٠
وأما ((الأمم))، فالجماعات = ((السبط)) فى بنى إسرائيل نحو ((القَرْن)).(٣)
٠ ٠
وقيل : إنما فرّقوا أسباطاً لاختلافهم فى دينهم.
القول فى تأويل قوله ﴿وَأَوْحَيْنَآَ إِلَى مُوسَىَ إِذِ أُسْتَسْقَمَهُ
قَوْمُهُ وَ أَنِ أَضْرِبِ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ أَنْتَ عَشْرَةَ عَيْنَا قَدْ
عَلَمَ كُلُّ أُنَسِ مَّشْرَبَهُمْ وَظَلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَ وَأَنزَلْنَاَ عَلَيْهِمُ الْمَنَّ
وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَّتِ مَا رَزَ قْتُسُكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ
أَنْقُتَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾﴾)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ((وأوحينا إلى موسى))، إذ فرقنا بنى
إسرائيل قومه اثنتى عشرة فرقة ، وتيَّهناهم فى التيه ، فاستسقوا موسى من العطش
وغَوْر الماء = ((أن أضرب بعضًاك الحجر)).
#
(١) ((التفسير))، هو ((التمييز))، فقوله: ((مفسرة)) أى تمييزاً فى الإعراب.
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((فى ذلك أن الأسباط))، وهو تركيب واه ضعيف، ورجحت
أن ما أثبت أشبه بالصواب .
(٣) انظر تفسير ((الأمة)) فيما سلف ص: ١٧٢، تعليق : ! والمراجع هناك.
= وتفسير ((السبط)) فيما سلف ص: ١٧٤، تعليق: ٢، والمراجع هناك.

١٧٧
تفسير سورة الأعراف : ١٦٠
وقد بينا السبب الذى كان قومه استسقوه، وبينا معنى (( الوحى)) بشواهده. (١)
= ((فانبجست))، فانصبّت وانفجرت من الحجر اثنتا عشرة عيناً من الماء ،
((قد علم كل أناس))، يعنى كل أناس من الأسباط الاثنتى عشرة = ((مشربهم)،
لا يدخل سبط على غيره فى شربه = ((وظللنا عليهم الغمام))، يكنّهم من حرّ الشمس
أذاها .
٠ ٠
وقد بينا معنى ((الغمام)) فيما مضى قبل، وكذلك: ((المن والسلوى)). (٢)
= ((وأنزلنا عليهم المن والسلوى))، طعاماً لهم = ((كلوا من طيبات ما رزقناكم))،
يقول : وقلنا لهم : كلوا من حَلال ما رَزقْناكم، أيها الناس ، وطيّبناه لكم =
(( وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون))، وفى الكلام محذوف ، ترك ذكره
استغناءً بما ظهَرَعما ترك، وهو: ((فأجِمُوا ذلك، (٣) وقالوا: لن نصبر على طعام
واحد، فاستبدلوا الذى هو أدنى بالذى هو خير)) = ((وما ظلمونا))، يقول: وما
أدخلوا علينا نقصاً فى ملكنا وسلطاننا بمسألتهم ما سألوا، وفعلهم ما فعلوا = (( ولكن
كانوا أنفسهم يظلمون))، أى: ينقصونها حظوظّها باستبدالهم الأدنى بالخير، والأرذل
بالأفضل .
٠
(١) انظر ما سلف ٢ : ١١٩ - ١٢٢.
= وتفسير ((الوحى)) فيما سلف من فهارس اللغة (وحى).
(٢) انظر تفسير ((تظليل الغمام)) فيما سلف ٢ : ٩٠، ٩١.
= وتفسير ((المن)) و ((السلوى)) فيما سلف ٢ : ٩١ - ١٠١.
= وتفسير سائر الآية، وهى نظيرتها فيما سلف ٢ : ١٠١، ١٠٢.
(٣) فى المطبوعة: ((فأجمعوا ذلك))، ظن ما فى المخطوطة خطأ، فأصلحه، يعنى فأفبيده !!
يقال: ((أجم الطعام يأجمه أجما))، إذا كرهه ومله من طول المداومة عليه.
ج ١٣ (١٣)

١٧٨
تفسير سورة الأعراف : ١٦١
القول فى تأويل قوله ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ
وَكُلُواْ مِنْهَ حَيْثُ شِْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَأَدْخُلُواْ أَلْبَبَ سُجَّدًا ◌َغْفِرْ لَكُمْ
خَطِيْتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ) (١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واذكر
أيضاً، يا محمد ، من خطأ فعل هؤلاء القوم، وخلافهم على ربهم ، وعصيانهم
نبيَّهم موسى عليه السلام، وتبديلهم القول الذى أمروا أن يقولوه حين قال الله لهم:
((اسكنوا هذه القرية))، وهى قرية بيت المقدس(١) = ((فكلوا منها))، يقول:
من ثمارِها وحبوبها ونباتها = ((حيث شئتم))، منها، يقول: أنّى شئتم منها = ((وقولوا
حطة))، يقول: وقولوا: هذه الفعلة ((حطّةٌ))، تحطُّ ذنوبنا (٢) = ((نغفر لكم))،
يتغمد لكم ربكم = ((ذنوبكم))، التى سلفت منكم، فيعفو لكم عنها، فلا يؤاخذ كم
بها (٣) = ((سنزيد المحسنين))، منكم، وهم المطيعون لله، (٤) على ما وعدتكم من
غفران الخطايا .
...
وقد ذكرنا الروايات فى كل ذلك باختلاف المختلفين ، والصحيح من القول
لدينا فيه فيما مضى ، بما أغنى عن إعادته . (٥)
:.
(١) انظر تفسير ((القرية)) فيما سلف ٢: ١٠٢، ١٠٣.
(٢) انظر تفسير ((الحطة)) فيما سلف ٢ : ١٠٥ - ١٠٩.
(٣) انظر تفسير ((المغفرة)) فيما سلف من فهارس اللغة (غفر).
(٤) انظر تفسير ((الإحسان)) فيما سلف من فهارس اللغة (حسن).
(٥) انظر ما سلف فى تفسير نظيرة هذه الآية ٢: ١٠٢ - ١١٢.

١٧٩
تفسير سورة الأعراف : ١٦٢، ١٦٣
القول فى تأويل قوله ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلَا غَيْرَ الِّى
قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَ عَلَيْهِمْ رِجْزَا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَ كَانُواْ يَظْلِمُونَ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره : فغيّر الذين كفروا بالله منهم ما أمرهم
الله به من القول، فقالوا = وقد قيل لهم: قولوا: هذه حطة =: ((حنطة فى شعيرة)).
وقولهم ذلك كذلك، هو غير القول الذى قيل لهم قولوه. يقول الله تعالى: ((فأرسلنا
عليهم رجزاً من السماءِ)) ، بعثنا عليهم عذاباً، أهلكناهم بما كانوا يغيِّرون مايؤمرون
به، فيفعلون خلاف ما أمرهم الله بفعله، ويقولون غير الذى أمرهم الله بفعله. (١)
وقد بينا معنى ((الرجز)) فيما مضى. (٢)
٠
#
القول فى تأويل قوله ﴿ وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْبَةِ الَّتِى كَانَتْ
حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَبْدُونَ فِى السَّبْتِ إِذْ تَأْتِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبِهِمْ
ثُرَّعَوَ يَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِهِمْ كَذَلِكَ تَبْلُوهُمْ بِمَ كَانُواْ يَفْسُقُونَ) (١)
٦٢/٩
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : واسأل، يا محمد، هؤلاء اليهود ، وهم
مجاوروك، عن أمر ((القرية التى كانت حاضرة البحر))، يقول: كانت بحضرة
البحر ، أى : بقرب البحر وعلى شاطئه .
واختلف أهل التأويل فيها .
(١) انظر تفسير فظيرة هذه الآية فيها سلف ٢: ١١٢ - ١١٩.
. (٢) انظر تفسير ((الرجز)) فيما سلف ٢: ١١٧، ١١٨ /١٢: ٧٢:١٣/٥٢١

١٨٠
تفسير سورة الأعراف : ١٦٣
فقال بعضهم: هى ((أيلة )).
. ذكر من قال ذلك :
١٥٢٥٢ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن إدريس، عن محمد بن
إسحق، عن داود بن حصين، عن عكرمة ، عن ابن عباس: ((واسألهم عن
القرية التى كانت حاضرة البحر))، قال: هى قرية يقال لها ((أيلة))، بين
مَدْيْن والطور .
١٥٢٥٣ -- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج ، عن عبد الله بن كثير فى قوله: (( واسألهم عن القرية التى كانت
حاضرة البحر))، قال : سمعنا أنها أيلة .
١٥٢٥٤ - حدثنى سلام بن سالم الخزاعى قال، حدثنا يحيى بن سليم الطائفى
قال، حدثنا ابن جريج ، عن عكرمة قال: دخلتُ على ابن عباس والمصحف فى
حجره وهو يبكى، فقلت : ما يبكيك ، جعلنى الله فداك ؟ فقال : ويلك ،
وتعرف القرية التى كانت حاضرة البحر؟ فقلت: تلك أيلة! (١)
١٥٢٥٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن أبى بكر الهذلى ، عن
عكرمة، عن ابن عباس: ((واسألهم عن القرية التى كانت حاضرة البحر))،
قال : هى أيلة .
١٥٢٥٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قال : هى قرية على شاطئ
البحر، بين مصر والمدينة، يقال لها: ((أيلة)).
(١) الأثر: ١٥٢٥٤ - ((سلام بن سالم الخزاعى))، شيخ الطبرى، مضى برقم: ٢٥٢،
٦٥٢٩ ٠
و ((يحيى بن سليم الطائف))، مضى برقم : ٤٨٩٤، ٧٨٣١.
وانظر هذا الخبر وتمامه فيما سيأتي رقم ١٥٢٧١.