Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ تفسير سورة الأعراف : ١٥٠ أشدّ من ذلك، وتفسير ذلك فى كتاب اللّه: ذهب إلى قومه غضبان ، وذهب أسفاً (١) وقال آخرون فى ذلك ما : ١٥١٢٥ - حدثیموسی بن هرون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدى: ((أسفاً)) قال: حزيناً. ١٥١٢٦ - حدثنى محمد بن سعد قال ، حدثنى أبى قال ، حدثنى عى قال، حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس: ((ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً))، يقول: ((أسفاً))، حزيناً، وقال فى ((الزخرف)): ﴿فَلِمَّا آَسَفُونَا}، [ سورة الزخرف: ٥٥]، يقول: أغضبونا = و((الأسف))، على وجهين: الغضب، والحزن . ١٥١٢٧ - حدثنا نصربن على قال، حدثنا سليمان بن سليمان قال ، حدثنا مالك بن دينار قال ، سمعت الحسن يقول فى قوله: ((ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً)) ، قال : غضبان حزيناً . (قوله: ((قال بئسما خلفتمونى من بعدى))، يقول : بئس الفعل فعسم بعد فراقى إياكم وأوليتمونى فيمن خلفت ورائى من قومى فيكم ، ودينى الذى أمركم به وبكم . (١) الأثر: ١٥١٢٤ - ((عبد السلام بن محمد الحضرمى))، يعرف بـ ((سليم))، مترجم فى التهذيب، وقال: ((وقد ذكره البخارى فلم يذكر فيه جرحاً))، وابن أبى حاتم ٤٨/١/٣، وذكره ابن حبان فى الثقات . و («شريح بن يزيد الحضرمى))، ((أبو حيوة)»، لم يذكر فيه البخارى جرحاً، ووثقه ابن غيان. مترجم فى التهذيب، والكبير ٢٣١/٢/٢. ((نصر بن علقمة الحضرى))، ((أبو علقمة))، وثقه دحيم وابن حبان، ولم يذكر فيه البخور جرحاً. مترجم فى التهذيب، والكبير ١٠٢/٢/٤، وابن أبى حاتم ٤٦٩/١/٤، وروايته عن أبى الدرداء مرسلة . ١٢٢ تفسير سورة الأعراف : ١٥٠ يقال منه: ((خلفه بخير))، و((خلفه بشر))، إذا أولاه فى أهله أو قومه ومن كان منه بسبيل من بعد شخوصه عنهم ، خيراً أو شرًّا . (١) وقوله: ((أعجلتم أمر ربكم))، يقول: أسبقتم أمر ربكم فى نفوسكم وذهبتم عنه؟ ٠ ٠ ٠ يقال منه: ((عجل فلان هذا الأمر))، إذا سبقه = و ((عجل فلانٌ فلاناً))، إذا سبقه = و((لا تَعْجَلْنى يا فلان))، لا تذهب عنى وتدعى = و ((أعجلته))، استحثثته. القول فى تأويل قوله ﴿وَأَلَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِّأْسٍ أَخِهِ يَجُرُّهُو إِلَيْهِ قَلَ أَبْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ أَسْتَضْعَفُونِى وَكَادُواْ يَقْتُلُوَنِى فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ اْأَعْدَاءَ وَلاَ تَجْعَلْنِى مَعَ الْقَوْمِ الْظَّالِمِينَ) ) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: وألقى موسى الألواح ثم اختلف أهل العلم فى سبب إلقائه إياها . فقال بعضهم : ألقاها غضباً على قومه الذين عبدوا العجل . ذكر من قال ذلك : ٠ ١٥١٢٨ - حدثنا تميم بن المنتصر قال، أخبرنا يزيد قال ، أخبرنا الأصبغ ابن زيد ، عن القاسم بن أبى أيوب قال ، حدثنى سعيد بن جبير قال ، قال ابن عباس: لما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً ، فأخذ برأس أخيه يجرّه إليه، وألقى الألواح من الغضب . ١٥١٢٩ - وحدثنى عبد الكريم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال، حدثنا ابن عيينة قال ، قال أبو سعد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لما رجع (١) انظر تفسير ((خلف)) فيما سلف ص: ٨٨، تعليق: ١، والمراجع هناك. ١٢٣ تفسير سورة الأعراف : ١٥٠ موسى إلى قومه ، وكان قريباً منهم ، سمع أصواتهم ، فقال : إنى لأسمع أصوات قومٍ لاهين: فلما عاينهم وقد عكفوا على العجل ، ألقى الألواح فكسرها ، وأخذ برأس أخيه يجره إليه . ١٥١٣٠ - حدثنا موسی قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدی قال : أخذ موسى الألواح ، ثم رجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً ، فقال : ﴿يَا قَوْمٍ أَلَمْ يَعِدْ كُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَناً﴾، إلى قوله: ﴿ فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِىُّ) [سورة طه: ٨٦، ٨٧]، فألقى موسى الألواح، وأخذ برأس أخيه يجره إليه- ﴿قَالَ يَا أَبْنَ أُمّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَِ وَلَا بِرَأْسِى﴾ [سورة طه: ٩٤] ١٥١٣١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق قال لما انتهى موسى إلى قومه فرأى ما هم عليه من عبادة العجل ، ألقى الألواح من يده ، ثم أخذ برأس أخيه ولحيته، ويقول: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَ أَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبَعَنى ٤٥/٩ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى﴾ [ سورة طه: ٩٢، ٩٣] وقال آخرون : إنما ألقى موسى الألواح لفضائل أصابها فيها لغير قومه. فاشتدّ ذلك عليه . • ذكر من قال ذلك : ١٥١٣٢ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا بزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ((أخذ الألواح))، قال: وب، إنى أجد فى الألواح أمةً خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فاجعلهم أمنى! قال ؛ تلك أمة أحمد! قال : رب إنى أجد فى الألواح أمة هم الآخرون - أى آخرون فى الخلق - السابقون فى دخول الجنة، (١) رب اجعلهم أمتى! قال: تلك أمة أحمد! (١) فى المطبوعة: ((الآخرون السابقون = أى: آخرون فى الخلق، سابقون فى حفل الخته )). وأثبت ما فى المخطوطة . ١٢٤ تفسير سورة الأعراف : ١٥٠ قال : رب إنى أجد فى الألواح أمة أناجیلهم فى صدورهم يقرأونها ، = و کان من قبلهم يقرأون كتابهم نظرًا، حتى إذا رفعوها لم يحفظوا شيئاً، ولم يعرفوه. قال قتادة: وإن الله أعطاكم أيتها الأمة من الحفظ شيئاً لم يعطه أحداً من الأمم = قال : ربُ اجعلهم أمتى ! قال : تلك أمة أحمد! قال: رب إنى أجد فى الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر، ويقاتلون فضول الضلالة، حتى يقاتلوا الأعور الكذاب ، فاجعلهم أمتى ! قال : تلك أمة أحمد ! قال : رب إنى أجد فى الألواح أمة صدقاتهم يأكلونها فى بطونهم ، ثم يؤجرون عليها = وكان من قبلهم من الأمم إذا تصدق بصدقة فقبلت منه ، بعث الله عليها ناراً فأكلتها ، وإن ردّت عليه تركت تأكلها الطير والسباع ، قال : وإن الله أخذ صدقاتكم من غنيكم لفقير كم - قال : رب اجعلهم أمتى ! قال : تلك أمة أحمد ! قال : رب إنى أجد فى الألواح أمة إذا همّ أحدهم بحسنة ثم لم يعملها كتبت له حسنة ، فإن عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبعمئة ، رب اجعلهم أمتى ! قال : تلك أمة أحمد ! قال : رب إنى أجد فى الألواح أمة إذا همّ أحدهم بسيئة لم تكتب عليه حتى يعملها ، فإذا عملها كتبت عليه سيئة واحدة ، فاجعلهم أمتى ! قال : تلك أمة أحمد ! قال : رب إنى أجد فى الألواح أمة هم المستجيبون والمستجاب لهم ، فاجعلهم أمتى ! قال : تلك أمة أحمد ، قال : رب إنى أجد فى الألواح أمة هم المشفَّعون والمشفوع لهم ، فاجعلهم أمتى ! قال: تلك أمة أحمد! قال: وذكر لنا أن نبي الله موسى عليه السلام نبذ الألواح وقال : اللهم اجعلنى من أمة أحمد ! قال: فأعطى فى الله موسى عليه السلام ثنتين لم يعطهما نبى، قال الله: ﴿يَا مُوسَى إِى أَصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِ سَالَانِى وَبِكَلَامِ﴾ [سورة الأعراف: ١٤٣]. قال: فرضى فى اللّه، ثم أعطى الثانية: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [ سورة الأعراف: ١٥٩]، قال: فرضى نبى الله صلى الله عليه وسلم کل الرضى. ١٢٥ تفسير سورة الأعراف : ١٥٠ ١٥١٣٣ - حدثی محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر، عن قتادة قال: لما أخذ موسى الألواح قال : يا رب، إنى أجد فى الألواح أمة هم خير الأمم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، فاجعلهم أمتى ! قال : تلك أمة أحمد ! قال : يا رب إنى أجد فى الألواح أمة هم الآخرون السابقون يوم القيامة ، فاجعلھم أمتی ! قال : تلك أمة أحمد ، ثم ذکر نحو حديث بشر ابن معاذ = إلا أنه قال فى حديثه: فألقى موسى عليه السلام الألواح، وقال: اللهم اجعلنى من أمة محمد صلى الله عليهما. ٠ قال أبو جعفر : والذى هو أولى بالصواب من القول فى ذلك ، أن يكون سبب إلقاء موسى الألواح كان من أجل غضبه على قومه لعبادتهم العجل ، لأن اللّه جل ثناؤه بذلك أخبر فى كتابه فقال: (( ولما رُجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً قال بئسما خلفتمونى من بعدى أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره آلیه )). ٠ ٠ وذكر أن الله لما كتب لموسى عليه السلام فى الألواح التوراة، (١) أدناه منه حتى سمع صريف القلم . • ذكر من قال ذلك : ١٥١٣٤ - حدثی الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا إسرائيل ، عن السدى ، عن أبى عمارة ، عن على عليه السلام قال: كتب الله الألواح لموسى عليه السلام ، (٢) وهو يسمع صريف الأقلام فى الألواح ١٦/٩ قال حدثنا إسرائيل، س عطاء بن السائب، عن سعيد ١٥١٣٥ _ (١) فى المطبوعة: ((وذلك أن اللّه لما كتب))، والصواب من المخطوطة (٢) فى المطبوعة: ((لما كتب الله الألواح))، والصواب حذف ((لما)) كما فى المخطوطة. ١٢٦ تفسير سورة الأعراف : ١٥٠ بن جبير قال: أدناه حتى سمع صريف الأقلام . (١) وقيل : إن التوراة كانت سبعة أسباع ، فلما ألقى موسى الألواح تكسرت، فرفع منها ستة أسباعها، وكان فيما رفع ((تفصيل كل شىء)) الذى قال الله: (( و کتبنا له فى الألواح من كل شىء موعظة وتفصيلاً لكل شىء» ، وبقى الهدى والرحمة فى السبع الباقى ، وهو الذى قال الله: ﴿أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِى نُسْخَتِهَاَ هُدَى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [ سورة الأعراف: ١٥٤]. ٥ وكانت التوراة فيما ذكر سبعين وَقْر بعير، يقرأ منها الجزء فى سنة، كما : - ١٥١٣٦ - حدثی المثی قال، حدثنا محمد بن خالد المکفوف قال ، حدثنا عبد الرحمن ، عن أبى جعفر ، عن الربيع بن أنس قال : أنزلت التوراة وهى سبعون وَقْر بعير ، يقرأ منها الجزء فى سنة ، لم يقرأها إلا أربعة نفر: موسى بن عمران ، وعيسى ، وعزير ، ويوشع بن نون ، صلوات الله عليهم . واختلفوا فى ((الألواح)). فقال بعضهم : كانت من زُمرد أخضر # وقال بعضهم : کانت من ياقوت ٠ وقال بعضهم : كانت من بَرَد. . ذكر الرواية بما ذكرنا من ذلك . ١٥١٣٧ - حدثنى أحمد بن إبراهيم الدَّروق قال، حدثنا حجاج بن محمد ، (١) الأثر : ١٥١٣٥ - وضعت النقط فى هذا الخبر، للدلالة على أن هذا الإسناد ملحق بالإسناد السالف، وصدره هكذا: (( حدثنى الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا إسرائیل ١٢٧ تفسير سورة الأعراف : ١٥٠ عن ابن جريج قال ، أخبرنى یعلی بن مسلم، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : ألقى موسى الألواح فتكسرت ، فرفعت إلاّ سدسها - قال ابن جريج : وأخبرنى أن الألواح من زبرجد وزمرد من الجنة . ١٥١٣٨ - وحدثنى موسى بن سهل الرملى، وعلى بن داود ، وعبد الله بن أحمد بن شبويه ، وأحمد بن الحسن الترمذى قالوا ، أخبرنا آدم العسقلانى قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبى العالية قال : كانت ألواح موسى عليه السلام من برد .(١) ١٥١٣٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام ، عن أبى الجنيد ، عن جعفر بن أبى المغيرة قال: سألت سعيد بن جبير عن الألواح ، من أى شىء كانت ؟ قال : كانت من ياقوتة ، كتابة الذهب ، كتبها الرحمن بيده ، فسمع أهل السموات صريف القلم وهو يكتبها . ١٥١٤٠ - حدثی الحارث قال ، حدثنا القاسم قال، حدثنا عبد الرحمن ، عن محمد بن أبى الوضاح ، عن خصيف ، عن مجاهد أو سعيد بن جبير قال : كانت الألواح زمرداً ، فلما ألقى موسى الألواح بقى الهدى والرحمة ، وذهب التفصيل . ١٥١٤١ - قال ، حدثنا القاسم قال، حدثنا الأشجعى ، عن محمد بن مسلم ، عن خصيف ، عن مجاهد قال : كانت الألواح من زمرد أخضر . ٠ وزعم بعضهم : أن الألواح كانت لوحين . فإن كان الذى قال كما قال، فإنه قيل: ((وكتبنا له فى الألواح))، وهما لوحان، كما قيل، ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [ سورة النساء: ١١]، وهما أخوان. (٢) ٠ (١) الأثر : ١٥١٣٨ - انظر الأثر رقم : ٩١٤، والتعليق عليه. (٢) انظر ما قال فى الجمع، والمراد به اثنان فيما سلف ٨: ٤١ - ٤٤، ومعانى القرآن الفراء ١ : ٣٩٤. تفسير سورة الأعراف : ١٥٠ وأما قوله: ((وأخذ برأس أخيه يجره إليه))، فإن ذلك من فعل نبى الله صلى اللّه عليه وسلم كان، لموجدته على أخيه هرون فى تركه أتباعه، وإقامته مع بنى إسرائيل فى الموضع الذى تركهم فيه ، كما قال جل ثناؤه مخبراً عن قيل موسى عليه السلام له : ﴿مَا مَنَعَكَ إذْ رَ أَيْتَهُمْ ضَلُوا أَلَّا تَذَّبَعَى أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى﴾ [سورة طه: ٩٢، ٩٣]، حين أخبره هرون بعذره فقبل عذره، وذلك قيله لموسى: ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِ وَلَّا بِرَأْسِ إِى خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِى إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقَبْ قَوْلِ﴾، [ سورة طه: ٩٤]، وقال: (( يا ابن أم إن القوم استضعفونى وكادوا يقتلونى فلا تشمت بى الأعداء)»، الآية : واختلفت القرأة فى قراءة قوله: (( يا ابن أم)). فقرأ ذلك عامة قرأة المدينة وبعض أهل البصرة: ﴿يَا ابْنَ أَمَّ) بفتح ((الميم)) من ((الأم)). # وقرأ ذلك عامة قرأة أهل الكوفة: ( أَبْنَ أُمِّ)، بكسر ((الميم)) من ((الأم)). ٠ ٠ ٠ واختلف أهل العربية فى فتح ذلك وكسره ، مع إجماع جميعهم على أنهما لغتان مستعملتان فى العرب . فقال بعض نحوبى البصرة : قيل ذلك بالفتح ، على أنهما اسمان جعلا اسماً واحداً، كما قيل: ((يا ابن عمَّ))، وقال: هذا شاذ لا يقاس عليه. وقال: من قرأ ذلك: ((يا ابن أم))، فهو على لغة الذين يقولون: ((هذا غلامِ قد جاء))، جعله اسماً واحداً آخره مكسور، مثل قوله: ((خازٍ باز)). (١) (١) ((الخازباز))، هو ضرب من الذبان، و((خاز)) و((باز)) صوتان من صوت الذباب ، فجعلا واحداً ، وبنيا على الكسر ، لا يتغير فى الرفع والنصب والجر . ١٢٩ تفسير سورة الأعراف : ١٥٠ ٤٧/٩ وقال بعض نحوبى الكوفة: قيل ((يا ابن أمّ)) و((يا ابن عمْ))، فنصب كما ينصب المعرب فى بعض الحالات، فيقال: ((يا حسرتا))، ((يا ويلتا)). قال: فكأنهم قالوا: ((يا أماه))، ((وياعماه))، ولم يقولوا ذلك فى ((أخ))، ولو قيل ذلك لكان صواباً . قال : والذين خفضوا ذلك ، فإنه كثر فى كلامهم حتى حذفوا الياء. قال: ولا تكاد العرب تحذف ((الياء)) إلا من الاسم المنادى يضيفه المنادى إلى نفسه، إلا قولهم: ((يا ابن أمَ)) و((يا ابن عمّ))، وذلك أنهما يكثر استعمالهما فى كلامهم، فإذا جاء ما لا يستعمل أثبتوا ((الياء)) فقالوا: ((يا ابن أبى)) و((يا ابن أختى، وأخى)) و((يا ابن خالتى))، و((يا ابن خالى)). (١). ٠ قال أبو جعفر: والصواب من القول فى ذلك أن يقال: إذا فتحت ((الميم) من ((ابن أم)) فرادٌ به الندبة: يا ابن أماه، وكذلك من ((ابن عم)). فإذا كسرت فمرادٌ به الإضافة، ثم حذفت ((الياء)) التى هى كناية اسم المخبر عن نفسه. وكأن بعض من أنكر تشبيه کسر ذلك إذا کسر ککسر الزاى من((خازاز))، (٢) لأن ((خاز باز)) لا يعرف الثانى إلا بالأول، ولا الأول إلا بالثانى، فصار كالأصوات. وحكى عن يونس الجرمى تأنيث ((أم)) وتأنيث ((عمر))، (٣) وقال: لا يجعل اسمًا واحداً إلا مع ((ابن)) المذكر. قالوا: وأما اللغة الجيدة والقياسُ الصحيح، فلغة من قال: ((يا ابن أمى)) بإثبات ((الياء))، كما قال أبو زبيد : يَا أَبْنَ أُمِّى، وَيَا شُقَيِّقَ نَفْسِى أَنْتَ خَلَفْتَنِى لِدَهْرِ شَدِيدٍ(1) (١) هذه كلها مقالة الفراء فى معانى القرآن ١: ٣٩٤. (٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((من أنكر نسبته كسر ذلك .. ))، وصواب قراءته ما أثبته (تشبيه)). (٣) ((يونس الجرمى))، هكذا جاءهنا أيضاً، وانظرما سلف ١٠: ١٢٠، تعليق: ١، ثم ١١ : ٥٤٤، تعليق: ٣، وما سيأتى ص : ٠١٣٨ (٤) أمالى اليزيدى ٩، جمهرة أشعار العرب: ١٣٩ واللسان (شقق)، وشواهد العينى (هامش خزانة الأدب) ٤: ٢٢٢، وغيرها. من قصيدة مختارة، يرفى ابن أخته اللجلاج، ويقال ج .١٣ (٩) ١٣٠ تفسير سورة الأعراف : ١٥٠ وكما قال الآخر : (١) ◌ُو تَمِيمًا وَأَنْتَ غَيْرُ مُجَابٍ (٢) يَا أَبْنَ أُمِّى! وَلَوْ شَهِدْتُكَ إِذْ تَدْ يرفى أخاه اللجلاج ، ويروى البيت : يَا أُبْنَ خَنْسَاء، شِقَّ نَفْسِىَ يَا لَجْلَاجُ، خَلَّيْتَنِ لِدَهْرٍ شَدِيدِ وأما هذه الرواية ، فهى رواية النحاة جميعاً فى كتبهم فى باب النداء . يقول فيها : مِنْ وَالِدٍ وَلاَ مَوْلُودِ جَمُ كُلَّ مَيْتٍ قَدِ أَغْتَفَرْتُ، فلاَ أُو يَوْمَ فَرَقْتُهُ بِأَعْلَى الصَّعِيدِ. غَيْرَ أَنَّ اللَّجْلَاجَ هَذَّ جَنَحِى تُرَابٍ وجَنْدَلٍ مَنْضُودِ مِنْ فِى ضَرِيحٍ عَلَيْهِ عِبٌْ تَقِيلٌ انَ يَدْعُو بِالَّلَيْلِ غَيْرَ مَعُودٍ عَنْ يَمِينِ الطرِيقِ عِنْدَ صَدٍ حَرَّ صَادِياً يَسْتَغِيثُ غَيْرَ مُغَاثٍ وَلَقَدْ كَانَ عُصْرَةِ المَنْجُودِ وقوله: ((شقيقى)) تصغير ((شقيق))، وهو الأخ. (١) هو غلفاء بن الحارث، وهو: معد يكرب بن الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار الكندى، وهو عم امرئ القيس بن حجر إمام الشعراء. وسمى ((غلفاء)»، لأنه كان يغلف رأسه بالمسك . ويقال : هو أول من فعل ذلك . (٢) النقائض: ٤٥٧ ، ١٠٧٧، الوحشيات رقم: ٢١٣، الأغانى ١٢ : ٢١٣، من قصيدة يرثى بها أخاه شرحبيل بن الحارث ، قتيل يوم الكلاب الأول ( انظر خبر ذلك فى النقائض ، والأغانى) ، يقول قبله ، وهو أول الشعر: إِنَّ جَنْبِ عَنِ الفِرَاشِ لِنَأَبِى مِنْ حَدِيثٍ نَى إَلَىّ فَلاَ تَرْ مُرَّةٌ كَالذَّحَفِ أَكْتُبُهَا النَّا مِنْ شُرْحَبِيلَ إذْ تَوَرُه الأَرْ يَا أَنَ أُمِّى كَتَجَافِىِ الأسَرِّ فَوْقَ الظَّرَابِ فَأُ عَيْنِى ، وَلاَ أُسِغُ شَرَابِ سَ، فَلَى حَرِّ مَلَّةٍ كَالشَّهَبِ مَاحُ فِىِ حَالِ لَذَةٍ وَشَبَابٍ مِنْ دِمَاءِ الأَعْدَاء يَوْمَ الكُلَّابِ كَتَرَكْتُ الْحِسَامَ تَجْرِى ظُبَاءُ تَبْلُغَ الرُّحْبَ ، أو تُبَزَّ ثِيَابِى ثُمَّ طَاعَنْتُ مِنْ وَرَائِكَ خَّى وقوله: ((الأسر))، هو البعير تخرج فى كركرته قرحة لا يقدر منها أن يبرك إلا على مستو من الأرض. و((الظراب)): جمع ((ظرب)) (بفتح ثم كسر)، وهو من الحجارة ما كان ناتئاً فى جبل أو أرض خربة، وكان طرفه الناقى محدداً. و((الملة)) (بفتح الميم): الرماد الحار . ١٣١ تفسير سورة الأعراف : ١٥٠ وإنما أثبت هؤلاء الياء فى ((الأم))، لأنها غير مناداة، وإنما المنادى هو ((الابن)) دونها. وإنما تسقط العرب ((الياء)) من المنادى إذا أضافته إلى نفسها، لا إذا أضافته إلى غير نفسها، كما قد بينا.(١) وقيل: إن هرون إنما قال لموسى عليه السلام: (( يا ابن أم)) ، ولم يقل : (((يا ابن أبى))، وهما لأب واحد وأم واحدة، استعطافاً له على نفسه برحم الأم. (١) ٠٠ وقوله: ((إن القوم استضعفونى وكادوا يقتلونى))، يعنى بالقوم ، الذين عكفوا على عبادة العجل وقالوا: ((هذا إلهنا وإله موسى))، وخالفوا هرون. وكان استضعافهم إياه: تركهم طاعته واتباع أمره (٢) = ((وكادوا يقتلونى))، يقول: قاربوا ولم يفعلوا . (٣) واختلفت القرأة فى قراءة قوله: ((فلا تشمت)). فقرأ قرأة الأمصار ذلك: ﴿فَلاَ تْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءِ﴾، بضم ((التاء)) من ((تشمت)) وكسر ((الميم)) منها، من قولهم: ((أشمت فلان فلاناً بفلان))، إذا سره فيه بما يكرهه المشمت به . وروى عن مجاهد أنه قرأ ذلك: ﴿ فَلَا تَشْمِتْ بِيَ الأَعْدَاء﴾ ١٥١٤٢ - حدثنى بذلك عبد الكريم قال ، حدثنا إبراهيم بن بشار قال ، حدثنا سفيان قال، قال حميد بن قيس: قرأ مجاهد: ﴿ فَلَا تَشْمِتْ بِىَ الْأُعْدَاء). ١٥١٤٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، عن حميد قال: قرأ مجاهد: ﴿ فَلَا تَشْمِتْ بِىَ الْأَعْدَاءِ﴾. ١٥١٤٤ - حدثت عن يحيى بن زياد الفراء قال، حدثنا سفيان بن عيينة، (١) انظر معانى القرآن للفراء ١: ٣٩٤. (٢) انظر تفسير ((استضعف)) فيما سلف ص: ٧٦، تعليق١٤، والمراجع هناك. (٣) انظر تفسير ((كاد)) فيما سلف ٢ : ٢١٨. ١٣٢ تفسير سورة الأعراف : ١٥٠ (١) لا تَـ عن رجل، عن مجاهد، أنه قال: # وقال الفراء: قال الكسائى: ما أدرى، فلعلهم أرادوا : فلا تشمت بى الأعداءُ ، فإن تكن صحيحة فلها نظائر. العرب تقول: ((فَرِغت وفَرَغت))، فمن قال(( فرغت))، قال: ((أنا أفرُغ))، ومن قال: ((فرِغت))، قال: ((أنا أفرغُ))، وكذلك: ((ركِنت)) ((وركَنت))، و((شملهم أمرٌ)) (٢) و((شملهم))، (٣) فى كثير من الكلام. قال: و((الأعداء)) رفع، لأن الفعل لهم، لمن قال: ((تشمّت)) أو ((تشمت)). (٤) ٠ قال أبو جعفر: والقراءة التى لا أستجيز القراءة إلا بها، قراءةُ من قرأ: ﴿فَلَا تُشْمِتْ): بضم((التاء)) الأولى، وكسر(( الميم)) من: ((أشمتُّ به عدوه أشمته به))، ونصب ((الأعداء))، لاجماع الحجة من قرأة الأمصار عليها، وشذوذ ما خالفها من القراءة ، وكفى بذلك شاهداً على ما خالفها . هذا مع إنكار معرفة عامة أهل العلم بكلام العرب: (( شمتفلان فلاناً بفلان)) ، و «شمتفلان بفلان يشمت به))، وإنما المعروف من كلامهم إذا أخبروا عن شماتة الرجل بعدوِّه : ((شميت به)) بكسر ((الميم)): ((يشمّت به))، بفتحها فى الاستقبال. ٠ ٤٨/٩ وأما قوله : (( ولا تجعلی مع القوم الظالمين ))، فإنه قولُ هرون لأخيه موسى. يقول: لا تجعلنى فى موجدتك علىَّ وعقوبتك لى ولم أخالف أمرك ، محلّ من عصاك فخالف أمرك ، وعبد العجل بعدك ، فظلم نفسه ، وعبد غيرَ من له العبادة ، ولم أشایعھم علی شیء من ذلك ، كما : - (١) الأثر: ١٥١٤٤ - رواء الفراء فى معانى القرآن ١: ٣٩٤، وقال عند قوله: ((عن رجل)): ((أظنه الأعرج))، يعنى: ((حميد بن قيس المكى)) المذكور فى الإسنادين السالفين. (٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((ركبت وركبت))، والصواب من معانى القرآن الفراء. (٣) فى معانى القرآن: ((وشملهم شر)). (٤) معانى القرآن للفراء ١: ٣٩٤. ١٣٣ تفسير سورة الأعراف : ١٥١،١٥٠، ١٥٢ ١٥١٤٥ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((ولا تجعلنى مع القوم الظالمين))، قال : أصحاب العجل . ١٥١٤٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد ، بمثله . القول فى تأويل قوله ﴿ قَالَ رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَلِأَخِى وَأَدْخِلْنَ فِى رَْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّحِينَ) ( ١٥١ قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: قال موسى ، لما تبين له عذر أخيه ، وعلم أنه لم يفرط فى الواجب الذى كان عليه من أمر الله ، فى ارتكاب ما فعله الجهلة من (عبدة العجل: ((رب اغفر لى))، مستغفراً من فعله بأخيه، ولأخيه من سالف سلف له بينه وبين الله: (١) تغمد ذنوبنا بستر منك تسترها به (٢) = ((وأدخلنا فى رحمتك))، يقول: وارحمنا برحمتك الواسعة عبادك المؤمنين، فإنك أنت أرحم بعبادك من كل من رحم شيئاً . القول فى تأويل قوله ﴿إِن الّذِينَ أَنَّخَذُواْ الْمِجْلَ سَيَنَلُهُمْ غَضَسَيٌ مِن رَّبِهِمْ وَذِلَةٌ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْتُفْتَرِينَ) (٥) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ((إن الذين اتخذوا العجل)) إلهاً = ((سينالهم غضب من ربهم))، بتعجيل الله لهم ذلك (٣) = ((وذلة))، وهى الهوان، لعقوبة اللّه (١) فى المطبوعة: ((من سالف له))، أسقط ((سلف))، وهى من المخطوطة (٢) انظر تفسير ((المغفرة)) فيما سلف من فهارس اللغة (غفر). (٣) انظر تفسير ((نال)) فيما سلف ١٢: ٤٠٨، تعليق: ٣، والمراجع هناك. ١٣٤ تفسير سورة الأعراف : ١٥٢ إياهم على كفرهم بربهم =(١) ((فى الحياة الدنيا))، فى عاجل الدنيا قبل آجل الآخرة . وكان ابن جريج يقول فى ذلك بما : - ١٥١٤٧ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسین قال، حدثی حجاج، عن ابن جريج قوله: ((إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة فى الحياة الدنيا وكذلك نجزى المفترين))، قال : هذا لمن مات ممن اتخذ العجل قبل أن يرجع موسى عليه السلام، ومن فرّ منهم حين أمرهم موسى أن يقتل بعضهم بعضاً . ۵ قال أبو جعفر : وهذا الذى قاله ابن جريج ، وإن كان قولاً له وجه ، فإن ظاهر كتاب اللّه، مع تأويل أكثر أهل التأويل، بخلافه. وذلك أن الله عم بالخبر عمن اتخذ العجل أنه سينالهم غضب من ربهم وذلة فى الحياة الدنيا ، وتظاهرت الأخبار عن أهل التأويل من الصحابة والتابعين بأن اللّه إذ رجع إلى بنى إسرائيل موسى عليه السلام ، تابَ على عبدة العجل من فعلهم بما أخبر به عن قيل موسى عليه السلام فى كتابه، وذلك قوله: ﴿وَإِذْ قَلَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْكُمْ ظَلَهُمْ أَنْفُسَكُمْ باتِّخَاذِ كُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِ يِكُمْ فَقْتُلُوا أُنْفُسَكُمْ﴾ [سورة البقرة: ٥٤]، ففعلوا ما أمرهم به نبيهم صلى اللّه عليه وسلم. فكأن أمرُ اللّه إياهم بما أمرهم به من قتل بعضهم أنفُس بعض ، عن غضب منه عليهم بعبادتهم العجل. فكان قتل بعضهم بعضاً هواناً لهم وذلة أذله الله بها فى الحياة الدنيا، وتوبة منهم إلى اللّه قبلها. وليس لأحد أن يجعل خبرًا جاء الكتاب بعمومه، فى خاص مما عمه الظاهر ، بغير برهان من حجة خبر أو عقل. ولا نعلم خبرًا جاء بوجوب نقل ظاهر قوله: ((إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم))، إلى باطن خاص = ولا من العقل عليه دليل ، فيجب إحالة ظاهره إلى باطنه . ٠ ٠٠ (١) انظر تفسير ((الذلة)) فيما سلف ٢: ٧/٢١٢: ١١/١٧١ : ٤٢١. ١٣٥ تفسير سورة الأعراف : ١٥٢ ويعنى بقوله: (( وكذلك نجزى المفترين))، وكما حَزيت هؤلاء الذين اتخذوا العجل إلهاً ، من إحلال الغضب بهم ، والإذلال فى الحياة الدنيا على كفرهم رابّهم، ورِدَّتهم عن دينهم بعد إيمانهم بالله، كذلك نجزى كل من افترى على الله ، فكذب عليه ، وأقر بألوهية غيره ، وعبد شيئاً سواه من الأوثان ، بعد إقراره بوحدانية اللّه، وبعد إيمانه به وبأنبيائه ورسله وقيل ذلك، إذا لم يتب من كفره قبل قتله.(١) وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال جماعةٌ من أهل التأويل ذكر من قال ذلك : * ١٥١٤٨ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن أيوب قال: تلا أبو قلابة: ((سينالهم غضب من ربهم وذلة فى الحياة الدنيا)) الآية، قال: فهو جزاء كل مفترٍ يكون إلى يوم القيامة: أن يذله الله عز وجل. ١٥١٤٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو النعمان عارم قال ، حدثنا حماد ابن زيد، عن أيوب قال: قرأ أبو قلابة يوماً هذه الآية: ((إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة فى الحياة الدنيا وكذلك نجزى المفترين ))، قال : هى والله لكل مفترٍ إلى يوم القيامة . ٦/٩ ... قال حدثنا حجاج قال، حدثنا حماد، عن ثابت، ١٥١٥٠ - . وحميد : أن قيس بن عُبَاد، وجارية بن قدامة ، دخلا على على بن أبى طالب رضى الله عنه فقالا : أرأيت هذا الأمر الذى أنت فيه وتدعو إليه، أعهدٌ عهده إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم، أم رأىٌ رأيته؟ قال : ما لكما ولهذا ؟ أعرضا عن هذا! فقالا: والله لا نعرضُ عنه حتى تخيرنا ! فقال: ما عهد إلىّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاّ كتاباً فى قراب سيفى هذا! فاستلَّه ، فأخرج الكتاب من قراب سيفه، وإذا فيه: ((إنه لم يكن نبيّ إلا له حرم، وأنّ حرمت المدينة (١) انظر تفسير ((الافتراء)) فيما سلف ١٢: ٥٦٢، تعليق: ١، والمراجع هناك ١٣٦ تفسير سورة الأعراف : ١٥٣،١٥٢ كما حرم إبراهيم عليه السلام مكة، لا يحمل فيها السلاحُ لقتال . من أحدث حدثاً أو آوى 'محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عَدْل)). فلما خرجا قال أحدهما لصاحبه: أما ترى هذا الكتاب؟ فرجعا وتركاه وقالا: إنا سمعنا الله يقول: ((إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم)) الآية ، وإن القوم قد افتروا فرية ، ولا أدرى إلا ستنزل بهم ذلة . (١) ١٥١٥١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الله بن الزبير ، عن ابن عيينة فى قوله: ((وكذلك نجزى المفترين))، قال: كل صاحب بدعة ذليل" . القول فى تأويل قوله ﴿وَأَلْذِينَ عَمِلُواْ السَِّئَاتِ ثُمَّ تَبُواْ مِنَ بَعْدِهَا وَءَامَنُوْاْ إِنَّ رَبْكَ مِنَ بَعْدِهَاَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) ١٥٣ قال أبو جعفر: وهذا خبر من اللّه تعالى ذكره أنه قابلٌ من كل تائب إليه من ذنب أتاه، صغيرةً کانت معصيته أو كبيرةً ، کفراً کانت أو غیر کفر ، كما (١) الأثر: ١٥١٥٠ - كان إسناد هذا الخبر فى المطبوعة هكذا: ((قال، حدثنا حماد، عن ثابت: أن حميد بن قيس بن عباد، وحارثة بن قدامة))، وفى المخطوطة: ((قال حدثنا حماد عن ثابت وحميد بن قيس بن عباد، وحارثه بن قدامة))، ((حاربه)) غير منقوطة . وهما جميعاً خطأ، صوابه ما أثبت . و((حماد)) هو: ((حماد بن سلمة))، ثقة مشهور، مضى مراراً. و((ثابت)) هو ((ثابت بن أسلم البنانى))، مضى مراراً . و((حميد))، هو ((حميد الطويل))، وهو: ((حميد بن أبى حميد))، الإمام المشهور، بغى مراراً، وهو خال ((حماد بن سلمة)). وأما (قيس بن عباد القيسى الضبعى))، فهو ثقة قليل الحديث، روى عنه الحسن . قدم المدينة فى خلافة عمر. وهو ثمن قتلهم الحجاج فيمن خرج مع ابن الأشعث. مترجم فى التهذيب، وابن سعد ٩٥/١/٧، والكبير ١٤٥/١/٤، وابن أبى حاتم ١٠١/١٢/٣، وفى الإصابة فى القسم الثالث. وأما (( جارية بن قدامة بن زهير بن الحصين السعدى)) ، يقال هو ابن عم الأحنف بن قيس ، ويقال هو: عمه. وقال الطبرانى: ((ليس بعم الأحنف أخى أبيه، ولكنه كان يدعوه عمه على سبيل ١٣٧ تفسير سورة الأعراف : ١٥٤،١٥٣ قبل من عَبدة العجل توبتهم بعد كفرهم به بعبادتهم العجل وارتدادهم عن دينهم . يقول جل ثناؤه : والذين عملوا الأعمال السيئة ، ثم رجعوا إلى طلب رضى الله بإنابتهم إلى ما يحب مما يكره ، وإلى ما يرضى مما يسخط ، من بعد سيء أعمالهم ، وصدَّقوا بأن اللّه قابل توبة المذنبين، وتائبٌ على المنيبين، بإخلاص قلوبهم ويقين منهم بذلك = ((لغفور))، لهم، يقول: لساتر عليهم أعمالهم السيئة ، وغير فاضحهم بها = ((رحيم))، بهم، وبكل من كان مثلهم من التاثبين. (١) ٠ القول فى تأويل قوله ﴿ وَلَّمَا سَكْتَ عَن مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ اُلْأَلْوَاحَ وَفِى نُسْخَتِهَاَ هُدَى وَرَحْمَةُ لِّلَّذِينَ هُمْ لِمَ تِهِمْ يَرْهَبُونَ) (٥) قال أبو جعفر: یعنی تعالی ذکره بقوله: « ولما سکت عن موسی الغضب ))، ولما كفّ عنه وسكن. (٢) الإعظام له)). وجارية تميمى من أشراف تميم وكان شجاعاً فاتكاً ، وهو صحابى ثابت الصحبة . مترجم فى التهذيب، وابن سعد ٧ / ١/ ٣٨، والكبير ٢٣٦/٢/١، وابن أبى حاتم ٥٢٠/١/١، وفى الإصابة ، وغيرها . وهذا الخبر لم أهتد إليه بهذا الإسناد، وهذه السياقة، فى شىء من الكتب ، ولكن خبر الصحيفة، عن ((قيس بن عباد))، رواه أحمد فى مسنده رقم : ٩٩٣، من طريق يحيى، عن سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة ، عن الحسن ، عن قيس بن عباد قال: انطلقت أنا والأشتر إلى على ، فقلنا : هل عهد إليك ذبى اللّه صلى اللّه عليه وسلم شيئاً لم يعهده إلى الناس عامة؟))، وساق خبراً آخر. وروى أحمد خبر الصحيفة فى مسند على رضى الله عنه، بأسانيد مختلفة، وألفاظ مختصرة ومطولة، ومؤتلفة ومختلفة. انظر رقم: ٦١٥، ٨٧٢ ، ٨٧٤ ، ٩٥٤، ٩٦٢، ٠١٠٣٧ ١٢٩٧، ١٣٠٦، وليس فى شىء منها ذكر ((جارية بن قدامة)). ومع ذلك فخبر أبى جعفر صحيح الإسناد ، فكأنهما حادثتان مختلفتان . وكان فى المخطوطة: ((ولا أدرى إلا سينزل به ذلة))، والصواب ما محجحه ونشر المطبوعة (١) انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فى فهارس اللغة. (٢) فى المطبوعة: ((ولما كنت موسى عن الغضب))، وهو اجتهاد من ناشر المطبوعة الأولى، ولم يصب. فإن المخطوطة أسقطت تفسير العبارة، وجاء فيها هكذا: ((ولما سكت عن موسى الغضب ، ١٣٨ تفسير سورة الأعراف : ١٥٤ وكذلك كل كافٍ عن شىء: ((ساكت عنه))، وإنما قيل الساكت عن الکلام (( سا کت ))، لکفه عنه .(١) وقد ذكر عن يونس الجرمى أنه قال (٢): يقال: ((سكت عنه الحزن))، وكلُّ شىء ، فيما زعم ، ومنه قول أبى النجم: وَهَّتِ الأَضْحَى بِأَنْ تَسِحَا وَسَكَتَ الُكَّاءِ أَنْ يَصِيحًا (٢) =(( أخذ الألواح)، يقول: أخذها بعد ما ألقاها، وقد ذهب منها ما ذهب = ((وفى نسختها هدى ورحمة))، يقول: وفيما نسخ فيها، أى كتب فيها (٤)= ((هدى)) بيان الحق =(( ورحمة الذين هم لربهم يرهبون))، يقول: الذين يخافون الله ويخشون عقابه على معاصيه . ٥١) واختلف أهل العربية فى وجه دخول («اللام)) فى قوله: ((لربهم يرهبون))، وكذلك كل كاف .... ، والتفسير الذى أثبته الناشر الأول تفسير ذكره الزجاج قال: ((معناه: ولما سكن. وقيل: معناه: ولما سكت موضى عن الغضب - على القلب، كما قالوا : أدخلت القلنسوة : فى رأسى، والمعنى : أدخلت رأسى فى القلنسوة. قال: والقول الأول الذى معناه سكن ، هو قول أحل العربية ». ولو أراد أبو جعفر، لغسره كما فسره الزجاج، فآثرت أن أضع تفسير أبى عبيدة ف جهز القرآن ١ : ٢٢٩، لأن الذى يليه هو قول أبى عبيدة فى مجاز القرآن. (١) انظر مجاز القرآن لأبى عبيدة ١ : ٢٢٩. (٢) انظر ما سلف ص: ١٢٩، تعليق: ٣. (٢) لم أجد البيتين، وكان فى المطبوعة: ((تسبحا)) و((تضسبحة))، وهو خطأ وفساد، ولأبى النجم أبيات كثيرة من الرجز على هذا الوزن، ولم أجد الرجز بتمامه. وصواب قراءة ما كان فى المخطوطة هو ما أثبت . (٤) انظر تفسير ((النسخة)) فيما سلف ٢: ٤٧٢ = وكان فى المطبوعة هنا، مكان قوله: ((أى: كتب فيها))، ما نصه: ((أى: منها))، لم يحسن قراءة المخطوطة، لأن الناسخ كتبها بخط دقيق فى آخر السطر ، فوصل الكلام بعضه ببعض ، ضامت كتابته . (٥) انظر تفسير ((الهدى)» فيما سلف من فهارس اللغة (هدى). ١٣٩ تفسير سورة الأعراف : ١٥٤ مع استقباح العرب أن يقال فى الكلام: ((رهبت لك))، بمعنى: رهبتك= ((وأكرمت لك))، بمعنى : أكرمتك . فقال بعضهم: ذلك كما قال جل ثناؤه: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾، [سورة يوسف: ٤٣]، أوصل الفعل باللام . ٠ وقال بعضهم : من أجل ربِّهم يرهبون . ٠ ٥ وقال بعضهم : إنّما دخلت عَقِيب الإضافة : الذين هم راهبون لربهم. وراهبُو ربِّهم = ثم أدخلت (اللام)) على هذا المعنى ، لأنها عَقِيب الإضافة، لا على التكليف . (١) ٥٠/٩ وقال بعضهم : إنما فعل ذلك ، لأن الاسم تقدم الفعل ، فحسن إدخال ((اللام)). ٠ وقال آخرون: قد جاء مثله فى تأخير الاسم فى قوله: ﴿ رَدِفَ لَكُمْ (٢) بَعْضُ الَّذِى تَسْتَعْجِلُونَ﴾، [سورة النمل . . وذكر عن عيسى بن عمر أنه قال : سمعت الفرزدق يقول: ((نقدت له مئة درهم))، يريد: نقدته مئة درهم. (٣) قال: والكلام واسع. (١) فى المطبوعة: ((لا على التعليق))، وأثبت ما فى المخطوطة، وكأنه يعنى بقوله: ((التكليف)) معنى ((التعليق))، لأن ((التكليف)) هو ((التحميل))، ولم أجد تفسير هذه الكلمة فى مكان آخر، ولعلها من اصطلاح بعض قدماء النحاة . (٢) انظر ما سلف ٦ : ٧/٥١١: ١٦٤، ومعانى القرآن الفراء ١: ٢٣٣. (٣) نقله الفراء فى معانى القرآن ١: ٢٣٣ عن الكسائى، قال: ((سمعت بعض العرب يقول: نقدت لها مئة درهم، يريد: نقدتها منة، لامرأة تزوجها)). ١٤٠ تفسير سورة الأعراف : ١٥٥ القول فى تأويل قوله ﴿وَأُخْتَرَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِقَمِنَ فَلَمَا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَة قَلَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْنَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّىَ﴾ قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : واختار موسى من قومه سبعين رجلاً ، الوقت والأجل الذى وعده اللّه أن يلقاه فيه بهم، (١) للتوبة مما كان من فعل سفهائهم فى أمر العجل ، كما : - ١٥١٥٢ - حدثی موسی بن هرون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى ، قال : إن الله أمر موسى عليه السلام أن يأتيه فى قاسٍ من بنى إسرائيل ، يعتذرون إليه من عبادة العجل، ووعدهم موعداً ، فاختار موسى قومه سبعين رجلاً على عينه ، ثم ذهب بهم ليعتذروا . فلما أتوا ذلك المكان قالوا : لن نؤمن لك يا موسى حتى نرى الله جهرة ، فإنك قد كلمته ، فأرناه ! فأخذتهم الصاعقة فماتوا ، فقام موسى يبكى ويدعو الله ويقول: رَبُّ ماذا أقول لبنى إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم، لو شئتَ أهلكتهم من قبل وإيّاى! (٢) ١٥١٥٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق قال : اختار موسى من بنى إسرائيل سبعين رجلاً ، الخيِّر فالخيرَ ، وقال : انطلقوا إلى الله فتوبوا إليه مما صنعتم ، واسألوه التوبة على من تركتم وراء كم من قومكم ، صوموا وتَطَهّروا، وطهِّروا ثيابكم! فخرج بهم إلى طورسيناء، لميقات وقَّته له ربه . وكان لا يأتيه إلاّ بإذن منه وعلم. فقال السبعون - فيما ذكر لى = حين صنعوا ما أمرهم به، وخرجوا معه للقاء ربِّه، لموسى: اطلب لنا نسمع كلام ربُّنا! فقال: أفعل . فلما دنا موسى من الجبل ، وقع عليه عمودُ الغمام ، حتى تغشى الجبل كله . ودنا موسى فدخل فيه ، وقال للقوم: ادنوا. وكان موسى إذا كلمه اللّه وقَع على جبهته نور (١) انظر تفسير ((الميقات)) فيما سلف ٣: ٥٥٣ - ١٣/٥٥٥ : ٨٧، ٩٠ (٢) الأثر: ١٥١٥٢ - مضى مطولا برقم: ٩٥٨، ومراجعه هناك.