Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٣٧
تفسير سورة الأعراف : ٧٣
١٤٨١٥ - حدثنى محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر ، عن الحسن، بنحوه = إلا أنه قال : أصعد تلاً .
١٤٨١٦ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر ، عن قتادة : أن صالحاً قال لهم حين عقروا الناقة : تمتَّعوا ثلاثة أيام !
وقال لهم : آية هلاككم أن تصبح وجوهكم مصفرَّة، ثم تصبح اليوم الثانى محمرَّةً ،
ثم تصبح اليوم الثالث مسودّة ، فأصبحت كذلك . فلما كان اليوم الثالث وأيقنوا
بالهلاك، تكفّنوا وتحَّطوا، ثم أخذتهم الصيحة فأهمدتهم = قال قتادة : قال عاقر
الناقة لهم: لا أقتلها حتى ترضوا أجمعين! فجعلوا يدخلون على المرأة فى حِجْرها
فيقولون: (١) أترضين ؟ فتقول: نعم ! = والصبيُّ ، حتى رضوا أجمعين ، فعقرها .
١٤٨١٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الرزاق ،
عن معمر ، عن عبد اللّه بن عثمان بن خثيم ، عن أبى الزبير ، عن جابر بن
عبد اللّه قال: لما مرّ النبى صلى الله عليه وسلم بالحجر، قال: لا تسألوا الآيات ،
فقد سألها قومُ صالح ، فكانت ترد من هذا الفجّ ، (٢) وتصدر من هذا الفج ،
فعتوا عن أمر ربهم ، فعقروها ، وكانت تشرب ماءهم يوماً ، ويشربون لبنها يوماً .
فعقروها، فأخذتهم الصيحة: أحمد اللّه مَنْ تحت أديم السماء منهم، إلاّ رجلاً
واحداً كان فى حَرَم اللّه، قيل : من هو ؟ قال : أبو رِغال ، فلما خرج من
الحرم أصابه ما أصاب قومه . (٣)
(١) فى المطبوعة: ((فى خدرها))، وأثبت ما فى المخطوطة. و((الحجر)) (بكسر الحاء
وفتحها، وسكون الجيم): الستر والحفظ، يعنى حيث تستر. ولو قرىء: ((فى حجرها)) جمع
((حجرة))، وهو البيت لكان حسناً جداً.
(٢) قوله: ((وكانت ترد ... ))، يعنى الناقة.
(٣) الأثر: ١٤٨١٧ - ((عبد الله بن عثمان بن خثيم)) القارئ، تابعى ثقة. مضى برقم :
٤٣٤١، ٥٣٨٨، ٧٨٣١، ٩٦٤٢ .
وهذا الخبر رواه أحمد فى المسند ٣ : ٢٩٦، من هذه الطريق نفسها بلفظه .
وذكره ابن كثير فى تفسيره ٣: ٠٠٥، وفى البداية والنهاية ١ : ١٣٧، وقال: ((وهذا

٥٣٨
تفسير سورة الأعراف : ٧٣
١٤٨١٨ - .... قال عبد الرزاق، قال معمر ، وأخبرنى إسمعيل بن أمية :
أنّ النبي صلى الله عليه وسلم مرّ بقبر أبى رِغال، فقال: أتدرون ما هذا ؟ قالوا:
الله ورسوله أعلم !قال : هذا قبر أبى رِغال ؟ قالوا: فمن أبو رِغال ؟ قال: رجل
من ثمود ، كان فى حرم الله ، فمنعه حرم الله عذابَ اللّه ، فلما خرج أصابه ما
أصاب قومه ، فدفن ههنا ، ودفن معه غصن من ذهب ! فنزل القوم فابتدروه
بأسيافهم ، فبحثوا عليه، فاستخرجوا الغصن .(١)
١٤٨١٩ - ... قال عبد الرزاق ، قال معمر ، قال الزهرى : أبو رِغال ،
أبو ثقيف .
١٤٨٢٠ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر ، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن جابر قال: مرّ النبي صلى اللّه عليه
وسلم بالحجر = ثم ذكر نحوه ، إلا أنه قال فى حديثه : قالوا : من هو يا رسول
الحديث على شرط مسلم، وهو ليس فى شىء من الكتب الستة)).
وذكره الحافظ ابن حجر فى الفتح (٦: ٢٧٠)، وقال: ((وروى أحمد والحاكم بإسناد
حسن ، عن جابر)) ، وذكر الخبر .
وسيأتى بإسناد آخر رقم : ١٤٨٢٠ .
(١) الأثر : ١٤٨١٨ - هذا خبر مرسل .
((إسماعيل بن أمية الأموى))، ثقة، مضى برقم: ٢٦١٥، ٨٤٥٨.
وهذا الخبر رواه أبو داود فى سننه ٣ : ٢٤٥ رقم: ٣٠٨٨، موصولا من حديث محمد
ابن إسحق، عن إسماعيل بن أمية، عن بجير بن أبى بجير ، قال سمعت عبد الله بن عمرو يقول:
سمعت رسول الله صلى الله وسلم يقول، حين خرجنا إلى الطائف، فررنا بقبر)).
وذكر ابن كثير فى تفسيره ٣ : ٥٠٨، والبداية ١ : ١٣٧، حديث أبى داود هذا ، ثم
قال: ((هكذا رواه أبو داود ، عن يحيى بن معين، عن وهب بن جرير بن حازم ، عن أبيه ،
عن ابن إسحق ، به . قال شيخنا أبو الحجاج المزى : وهو حديث حسن عزيز . قلت : تفرد بوصله
بجير بن أبى بجير هذا ، وهو شيخ لا يعرف إلا بهذا الحديث . قال يحيى بن معين: ولم أسمع أحداً
روى عنه غير إسماعيل بن أمية . قلت [القائل ابن كثير] : وعلى هذا فيخشى أن يكون وهم فى رفع
هذا الحديث ، وإنما يكون من كلام عبد الله بن عمرو مما أخذه من الزاملتين . قال شيخنا أبو الحجاج ،
بعد أن عرضت عليه ذلك: وهذا متحمل، والله أعلم)).
وسيأتى بإسناد آخر رقم : ١٤٨٢٣ .

٥٣٩
تفسير سورة الأعراف : ٧٣
الله؟ قال: أبو رِغال .(١)
١٤٨٢١ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا معاذ بن هشام قال ، حدثنا
أبى ، عن قتادة قال : كان يقال إنّ أحمر ثمود الذى عقر الناقة كان ولد زَنْية.
١٤٨٢٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام قال ، حدثنا عنبسة ،
عن أبى إسحق قال ، قال أبو موسى : أتيت أرض ثمود ، فذرعت مَصْدرَ الناقة ،
فوجدته ستین ذراعاً .
١٤٨٢٣ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر ، وأخبرنى إسمعيل بن أمية بنحو هذا = يعنى بنحو حديث عبد الله بن عثمان
ابن خثيم ، عن جابر = قال : ومرّ النبي صلى الله عليه وسلم بقبر أبى رِغال ،
قالوا : ومن أبو رِغال ؟ قال : أبو ثقيف ، كان فى الحرم لما أهلك الله قومه ،
منعه حرم الله من عذاب الله ، فلما خرج أصابه ما أصاب قومه ، فدفن ههنا ،
ودفن معه غصن من ذهب . قال : فابتدره القوم يبحثون عنه ، حتى استخرجوا
ذلك الغصن .
= وقال الحسن: كان الناقة يوم ولهم يومٌ، فأضرَّ بهم. (٢)
١٤٨٢٣ -حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر ،
عن الزهرى قال : لما مرّ النبى صلى الله عليه وسلم بالحجر قال : لا تدخلوا مساكن
الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين ، أنْ يصيبكم مثل الذى أصابهم ! ثم ١٦٣/٨
قال: هذا وادى النَّفَر! (٣) ثم قَنَّع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادى. (٤)
٠
(١) الأثر: ١٤٨٢٠ - هذا إسناد آخر الخبر السالف رقم : ١٤٨١٧
(٢) الأثر: ١٤٨٢٣ - هذا إسناد آخر للأثر رقم : ١٤٨١٨.
وأما كلمة الحسن البصرى الأخيرة ، فلا أدرى من قائلها .
(٣) ((وادى النفر))، كأنه يعنى التسعة من ثمود الذين كانوا يفسدون فى الأرض ولا يصلحون،
والذين اجتمعوا على قتل صالح عليه السلام ، فدمر الله عليهم .
(٤) الأثر: ١٤٨٢٣ - حديث الزهرى هذا، رواه البخارى فى مواضع من صحيحه (الفتح

٥٤٠
تفسير سورة الأعراف : ٧٣ ، ٧٤
وأما قوله: ((ولا تمسوها بسوء))، فإنه يقول: ولا تمسوا ناقة اللّه بعقرٍ ولا
نحر (١) = ((فيأخذ كم عذابٌ أليم)) ، يعنى: موجع. (٢)
القول فى تأويل قوله ﴿وَأَذْ كُرُوَاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآء
مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَ كُمْ فِى الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُوِهَا قُصُورًا
وَتَنْحِتُونَ الْجِبَلَ بُيُوتَا فَأَذْ كُرُوَاْ ءَلَءَ اللهِ وَلَا تَنْشَوْاْ فِ اُلْأَرْضِ
مُفْسِدِينَ) ٧
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره ، مخبراً عن قيل صالح لقومه ، واعظاً لهم :
واذكروا، أيها القوم، نعمة الله عليكم = ((إذ جعلكم خلفاء))، يقول: تخلفون
عاداً فى الأرض بعد هلاكها .
((وخلفاء)) جمع ((خليفة)). وإنما جمع ((خليفة)) ((خلفاء))، و ((فُعلاء))
#
٦ : ٢٧٠) من طريق محمد بن مقاتل، عن عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن الزهرى،
عن سالم بن عبد الله، عن أبيه عبد اللّه بن عمر = ثم رواه بعد من طريق يونس، عن الزهرى،
عن سالم ، عن ابن عمر . ثم رواه ( الفتح ٨ : ٩٥) من طريق عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهرى ،
عن سالم ، عن ابن عمر .
ورواه مسلم فى صحيحه ١٨: ١١١، من طريق يونس، عن الزهرى ، عن سالم ، عن
ابن عمر .
وليس فى روايتهما ذكر ((وادى النفر)).
وكان فى المخطوطة والمطبوعة: (( ثم رفع رأسه))، وهو تحريف بلا شك، والصواب مها أثبت
من رواية البخارى (الفتح ٨: ٩٥). و((قنع رأسه))، غطاها بالقناع. وفى رواية البخارى
الأخرى (الفتح ٦: ٢٧٠): ((ثم تقنع بردائه وهو على الرحل)).
وقوله: ((أجاز الوادى))، أى قطعه وخلفه وراءه .
(١) انظر تفسير ((المس)) فيما سلف: ٣٧٠:١١، تعليق ١، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((أليم)) فيما سلف من فهارس اللغة (ألم).

٥٤١
تفسير سورة الأعراف : ٧٤
إنما هى جمع ((فعيل))، كما((الشركاء )) جمع ((شريك))، و((العلماء))جمع ((عليم))،
((والحلماء))، جمع ((حليم))، لأنه ذهب بالخليفة إلى الرجل، فكأن واحدهم(( خليف)
ثم جمع ((خلفاء))، فأما لو جمعت ((الخليفة))، على أنها نظيرة ((كريمة))
و((حليلة)) و((رغيبة))، قيل ((خلائف))، كما يقال: ((كرائم)) و((حلائل)»
و((رغائب))، إذ كانت من صفات الإناث. وإنما جمعت ((الخليفة)) على
الوجهين اللذين جاء بهما القرآن، لأنها جمعت مرّة على لفظها، ومرة على معناها. (١)
٥
٠
وأما قوله: ((وبوأكم فى الأرض)»، فإنه يقول: وأنزلكم فى الأرض ، وجعل
لكم فيها مساكن وأزواجاً، (٢) = ((تتخذون من سهولها قصوراً وتنحتون الجبال
بيوتاً))، ذكر أنهم كانوا ينقُبون الصخر مساكن ، كما :-
١٤٨٢٤ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((وتنحتون الجبال بيوتاً))، كانوا ينقبون فى الجبال
البيوتَ .
وقوله: ((فاذكروا آلاء الله))، يقول: فاذكروا نعمة الله التى أنعم بها
علیکم (٣)- (( ولا تعثوا فى الأرض مفسدين ))
ھ.
و کان قتادة يقول فى ذلك ما :-
١٤٨٢٥ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
(١) انظر تفسير ((خليفة)) فيما سلف ١: ٤٤٩ - ٥٠٥،٢٨٨:١٢/٤٥٣ وقد أستوفى
هنا مالم يذكره هناك .
(٢) انظر تفسير ((بوأ)) فيما سلف ص ٤: ١٦٤
(٣) انظر تفسير ((الآلاء)) فيما سلف ص : ٥٠٦.
وكان فى المطبوعة: ((التى أنعمها))، وأثبت ما فى المخطوطة، ولا أدرى لم تصرف الناشر
فى مثل هذا !!

٥٤٢
تفسير سورة الأعراف : ٧٤ ، ٧٥ ، ٧٦
عن قتادة قوله: ((ولا تعثوا فى الأرض مفسدين))، يقول: لا تسيروا فى الأرض
مفسدين .
٠ ٥
#
وقد بينت معنى ذلك بشواهده واختلاف المختلفين فيه فيما مضى ، بما أغنى
عن إعادته فى هذا الموضع . (١)
٠
القول فى تأويل قوله ﴿ قَلَ اَلْعَلَأُ الَّذِينَ أَسْتَكْبَرُواْ مِن
قَوْمِهِ ى لِلَّذِينَ أَسْتُضْحِفُواْ لِمَنْ ءِمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَلِحًا
مُرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِِ قَالُواْ إِنَّا بِمَا أَرْسِلَ بِهِثُ مُؤْمِنُونَ * قَلَ
الَّذِينَ أُسْتَكْبَرُوَاْ إِنَّا بِالَّذِىّ ◌ِمَثُمِهِ كَفِرُونَ) )
قال أبو جعفر : يعنى جل ثناؤه بقوله: ((قال الملأ الذين استكبروا من قومه ))،
قال : الجماعة الذين استكبروا من قوم صالح عن اتباع صالح والإيمان بالله
وبه (٢) = ((الذين استضعفوا))، يعنى: لأهل المسكنة من تبَّاع صالح والمؤمنين
به منهم ، دون ذویشرفهم وأهل السُّؤدد منهم = (( أتعلمون أن صالحاً مرسل من
ربه ))، أرسله الله إلينا وإليكم ، قال الذين آمنوا بصالح من المستضعفين منهم:
إنا بما أرسل الله به صالحاً من الحقّ والهدى مؤمنون، يقول: مصدّقون مقرّون أنه
من عند الله، وأن الله أمر به، وعن أمر الله دعانا صالح إليه = ((قال الذين
استكبروا))، عن أمر الله وأمر رسوله صالحُ - ((إنا))، أيها القوم، (بالذى
(١) انظر تفسير ((عنا)) خيما سلف ٢: ١٢٣، ٥/١٢٤ : ٤٩٩.
- وتفسير ((الفساد فى الأرض)) فيما سلف: ٤٨٧،، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((الملأ)» فيما سلف ٥ : ٥٠٣،٤٩٩:١٢/٢٩١.
- وتفسير ((الاستكبار)) فيما سلف: ١١: ١٢/٥٤٠ : ٤٦٧،٤٢١.

٥٤٣
تفسير سورة الأعراف : ٧٦ ، ٧٧
آمنتم به ))، يقول : صدقتم به من نبوّة صالح ، وأن الذى جاء به حق من عند
الله = ((كافرون))، يقول : جاحدون منكرون ، لا نصدِّق به ولا نقرّ .
القول فى تأويل قوله ﴿ فَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْْ أَمْرِ
رَبِهِمْ وَقَالُواْ يُصَلِحُ اثْنَ بَِ تَعِدُنَآَ إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) (١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فعقرت ثمودُ الناقةَ التى جعلها الله لهم
آية = ((وعتوا عن أمر ربهم))، يقول : تكبروا وتجبروا عن اتباع اللّه ، واستعلوا
عن الحق ، كما :-
١٤٨٢٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((وعتوا))، علوا عن الحق، لا يبصرون. (١)
١٤٨٢٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قال، قال مجاهد: ((عتوا عن أمر ربهم)» ، علوا فى الباطل .
١٤٨٢٨ - حدثنى الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا أبو سعد ،
عن مجاهد فى قوله: ((وعتوا عن أمر ربهم ))، قال : عتوا فى الباطل وتركوا الحق .
١٤٨٢٩ - حدثی محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عیسی ، عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد فى قول الله: ((وعتوا عن أمر ربهم)) ،
قال : علوا فى الباطل .
وهو من قولهم: ((جبّار عاتٍ))، إذا كان عالياً فى تجبُّره .
٠ ٠ ١٠
= ((وقالوا يا صالح اثتنا بما تعدُنا))، يقول: قالوا: جئنا، يا صالح، بما تعدنا
١٦٤/٨
(١) فى المطبوعة: ((لا يبصرونه))، وأثبت ما فى المخطوطة.

٥٤٤
تفسير سورة الأعراف : ٧٧ ، ٧٨
من عذاب الله ونقمته، استعجالاً منهم للعذاب = ((إن كنت من المرسلين))،
يقول: إن كنت الله رسولاً إلينا، فإن الله ينصر رسله على أعدائه، فعجَّل ذلك
لهم كما استعجلوه، يقول جل ثناؤه: ((فأخذتهم الرجفة فأصبحوا فى دارهم جائمين)).
القول فى تأويل قوله ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِى
دَارِهِمْ جَائِمِينَ) (١٨)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فأخذت الذين عقروا الناقةَ من ثمود
= ((الرجفة))، وهى الصيحة .
و((الرجفة))، ((الفعلة)) من قول القائل: ((رجَف بفلان كذا يرجُفُ رجْفًا))،
وذلك إذا حرَّكه وزعزعه ، كما قال الأخطل :
إمَّا تَرَيْنِ حَنَانِ الشَّيْبُ مِنْ كِبَرٍ كَالَّسْرِ أَرْجُفُ، وَالإِنْسَانُ مَهْدُودُ(١)
٠
٥
(١) ديوانه : ١٤٦ من قصيدة له جيدة ، قالها فى يزيد بن معاوية، وذكر فيها الشباب
ذكراً عجباً ، وقد رأى إعراض الغوافى عنه من أجله ، يقول بعده:
يَوْماً، وتَقْتَادُفِىِ الهِيفُ الرَّعَادِيدُ
وَقَدْ يَكُونُ الصَّبِىَ مِى بِمَنْزِلَةَ
فَشُرْبُهُ وَثَلٌ فِيهِنَّ تَصْرِيدُ
فَهُنَّ مِنْهُ، إِذا أُبْصَرْنَهُ، حِيدُ
وَمَفْرِقَاً حَسَرَتْ عَنْهُ العناقِدُ
وَهُنَّ بِالوُدِّ، لاَ بُخْلٌ ولا جُودُ
وَالعَهْدُ مُتَّبَعٌ مَا فِيه ، مَنشُودُ
وَلاَ الشَّبَابُ الَّذِىِ قَدْ فَاتَ مَرْدُودُ.
يَا قَلَّ خَيْرُ الغَوَانِى، كيف رُغْنَ بِهِ
أَعْرَضْنَ مِنْ شَمَطٍ فِىِ الرَّأْسِلَاحَ بهِ
قَدْكُنَّ يَعْهَدْنَ مِّ مَضْحَكاً حَسَناً
فَهُنَّ بَشْدُونَ مِنِى بَعْضَ مَعْرِفَةٍ ،
قَدْ گانَعَهْدِی جَدِيداً، فاسْتُبِدَّ بِهِ،
يَقُلْنَ: لاَ أَنْتَ بَعْلٌ يُسْتَقَادُ لَهُ،

٥٤٥
تفسير سورة الأعراف : ٧٨
وإنما عنى بـ ((الرجفة))، ههنا الصيحة التى زعزعتهم وحركتهم للهلاك، لأن
ثمود هلكت بالصيحة ، فيما ذكر أهل العلم .
٠
#
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
١٤٨٣٠ -حدثی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((الرجفة))، قال: الصيحة.
١٤٨٣١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد ، مثله .
١٤٨٣٢ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((فأخذتهم الرجفة)) ، وهى الصيحة .
١٤٨٣٣ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا أبو سعد،
عن مجاهد: ((فأخذتهم الرجفة)) ، قال : الصيحة .
وقوله: ((فأصبحوا فى دارهم جائمين ))، يقول : فأصبح الذين أهلك الله من
نمود = ((فى دارهم)) ، يعنى فى أرضهم التى هلكوا فيها وبلدتهم .
...
ولذلك وحَّد ((الدار)) ولم يجمعها فيقول: ((فى دورهم)) = وقد يجوز أن
يكون أريد بها الدور، ولكن وجَّه بالواحدة إلى الجميع، كما قيل: ﴿وَالْعَصْرِ * إنَّ
الْإِنْسَانَ كَفِى خُتْر ﴾ [سورة العصر: ٢،١
...
أُمْ هَلْ دَوَاءِ يَرُدُ الشَّيْبَ مَوْجُودُ ؟
هَلْ لِلشَّبَابِ الذى قَدْ فَاتَ مَرْدُودُ ؟
عِدْلَ الشَّبَابِ لَهُمْ، مَا أَوْرَقَ العُودُ
لَنْ يَرْجِعَ الشِّيبُ ثُبَاناً، وَلَنْ يَجِدُوا
والشَّيْبُ مُنْصَرْفٌ عَنْهُ وَمَصْدُودُ
إِنَّ الشََّبَ لَمَحْمُودٌ بَشَاشَتُهُ
وهى أبيات ملئت عاطفة وحزناً وحسرة ، فاحفظها .
ج ١٢ (٣٥)

٥٤٦
تفسير سورة الأعراف : ٧٨ ، ٧٩
وقوله: ((جائمين )) يعنى: سقوطاً صرعى لا يتحركون، لأنهم لا أرواح
فيهم، قد هلكوا. والعرب تقول للبارك على الركبة: ((جائم))، ومنه قول جرير:
عَرَفْتُ الْمُنْتَأَى، وَعَرَفْتُ مِنْهَا مَطَايَا القِدْرِ كَالحِدٍَ اُلْجُومٍ(١)
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
. ذكر من قال ذلك :
١٤٨٣٤ - حدثی یونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((فأصبحوا فى دارهم جائمين )) ، قال : ميتين .
القول فى تأويل قوله ﴿ فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَلَ يُقَوْمِ لَقَدْ
أَبْلَفْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِىِ وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لَّا تُحِبُّونَ
النَّصِحِينَ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فأدبر صالح عنهم حين استعجلوه
العذاب وعقروا ناقة اللّه، خارجاً عن أرضهم من بين أظهرهم، (٢) لأن الله تعالى
ذكره أوحتى إليه: إنىّ مهلكهم بعد ثالثة. (٣)
(١) ديوانه: ٥٠٧، ومجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ٢١٨، من قصيدته فى هشام بن عبد الملك،
مضى منها بيت فيما سلف ١ : ١٧٠ .
يقول قبله :
وَقَفْتُ عَلَى الدِّيَّارِ ، وَمَا ذَكَرْنَا
كَدَار ◌َبَيْنَ تَلْعَةَ وَالنَّظِيم
و((المنتأى))، حفير النوى حول البيت. و((مطايا القدر))، أثافيها، تركبها القدر فهى
لها مطية . وجعلها كالحدإ الجثوم ، لسوادها من سخام النار .
وكان فى المخطوطة: ((عرفت الصاى))، غير منقوطة، وخطأ، صوابه ما فى المطبوعة .
(٢) انظر تفسير ((تولى)) فيما سلف ١٠: ٥٧٥، تعليق: ١، والمراجع هناك
(٣) فى المطبوعة: ((بعد ثلاثة))، والصواب المحض ما أثبت من المخطوطة.

٥٤٧
تفسير سورة الأعراف : ٧٩، ٨٠
وقيل : إنه لم تهلك أمة ونبيها بين أظهرُها. (١)
فأخبر الله جل ثناؤه عن خروج صالح من بين قومه الذين عتوا على ربهم
حين أراد الله إحلال عقوبته بهم، فقال: ((فتولى عنهم)) صالح - وقال لقومه
نمود = ((لقد أبلغتكم رسالة ربى))، وأدّيت إليكم ما أمرنى بأدائه إليكم ربّى من
أمره ونهيه(٢) = ((ونصحت لكم))، فى أدائى رسالة الله إليكم، فى تحذيركم بأسه
بإقامتكم على كفركم به وعبادتكم الأوثان = (( ولكن لا تحبون الناصحين »، لكم
فى اللّه، الناهين لكم عن اتباع أهوائكم، الصادِّين لكم عن شهوات أنفسكم.
القول فى تأويل قوله ﴿ وَلُوطَا إِذْ قَلَ لِقَوْمِهِ مَ أَتَأْتُونَ
الْفَحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِاَ مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَلَمِنَ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ولقد أرسلنا لوطاً .
٠٠٠
ولو قيل: معناه: واذكر لوطاً، يا محمد،(( إذ قال لقومه »- إذ لم يكن فى
الكلام صلة ((الرسالة ))، كما كان فى ذكر عاد وثمود = كان مذهباً .
٠٠
وقوله : ((إذ قال لقومه ))، يقول : حین قال لقومه من سدُوم، وإليهم كان
أرسل لوط = ((أتأتون الفاحشة))، وكانت فاحشتهم التى كانوا يأتونها، التى
عاقبهم الله عليها، إتيان الذكور (٣) = ((ما سبقكم بها من أحد من العالمين))،
يقول : ما سبقكم بفعل هذه الفاحشة أحد من العالمين ، وذلك كالذى : -
(١) انظر معانى القرآن الفراء ١ : ٣٨٥.
(٢) انظر تفسير ((الإبلاغ)) فيما سلف: ١٠: ١٢/٩٥:١١/٥٧٥: ٥٠٤.
(٣) انظر تفسير ((الفاحشة)) فيما سلف: ص: ٤٠٢، تعليق: ٢، والمراجع هناك.

٥٤٨
تفسير سورة الأعراف : ٨١
١٤٨٣٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا إسمعيل بن علية ، عن ابن أبى
١٦٥/٨ نجيح، عن عمرو بن دينار قوله: ((ما سبقكم بها أحد من العالمين))، قال: ما
رُؤى ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط .
٠٠
القول فى تأويل قوله ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرّجَالَ شَهْوَةً
مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ) (١)
قال أبو جعفر : يخبر بذلك تعالى ذكره عن لوط أنه قال لقومه ، توبيخاً
منه لهم على فعلهم : إنكم، أيها القوم ، لتأتون الرجال فى أدبارهم ، شهوة منكم
لذلك، من دون الذى أباحه الله لكم وأحلّه من النساء = ((بل أنتم قوم مسرفون))،
يقول : إنكم لقوم تأتون ما حرَّم الله عليكم، وتعصونه بفعلكم هذا.
وذلك هو ((الإسراف))، فى هذا الموضع. (١)
و((الشهوة))، ((الفَعْلة))، وهى مصدر من قول القائل: ((شَهِيتُ هذا الشىء
أشهاه شهوة ))، ومن ذلك قول الشاعر: (٢)
إِذَا مَا النُّجُومُ أَعْرَضَتْ وَأُسْبَطَرَّتِ (٣)
وَأَشْعَثَ يَشْعَى النَّوْمَ قُلْتُ لَهُ: اِرْتَحِلْ!
◌ُقَلُ لَهُ: خُذْهَا بَكَفَّيْكَ آخَرَّتِ (٤)
فَقَامَ يَجُرُّ الْبُرْدَ، لَوْ أَنَّ نَفْسَهُ
(١) انظر تفسير ((الإسراف)) فيما سلف: ص: ٣٩٥، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٢٠) لم أعرف قائله.
(٣) البيت الأول فى اللسان (شهى)، ورواية اللسان: ((واسْتَكَرَتْ)).
وقوله: ((وأشعث))، يعنى رفيقه فى السفر، طال عليه السفر، فاغير رأسه، وتفرق شعره
من ترك الأدهان. و((اسبطرت النحوم))، امتدت واستقامت وأسرعت فى مسبحها. و((اسبكرت))،
مثلها .
:
(٤) ((خرت))، أى سقطت وتقوضت وهوت، وكان فى المطبوعة: ((جرت)) بالجيم،
وهو خطأ صرف .

٥٤٩
تفسير سورة الأعراف : ٨٢
القول فى تأويل قوله ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ مَّ إِلَّ أَن
قَالُواْ أَخْرِ جُوهُم مِّنِ قَرْبَيِّكُمْ إِنَّهُمْ أُنَسٌ يَطَهَُّونَ) (١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وما كان جواب قوم لوُط للوط، إذ
وبَّخهم على فعلهم القبيح، وركوبهم ما حرم الله عليهم من العمل الخبيث، إلا
أن قال بعضهم لبعض: أخرجوا لوطاً وأهله = ولذلك قيل: ((أخرجوهم)) ، فجمع،
وقد جرى قبل ذكر (( لوط )) وحده دون غيره .
#
وقد يحتمل أن یکون إنما جمع بمعنى : أخرجوا لوطاً ومن كان على دينه من
قريتكم = فاكتفى بذكر ((لوط)) فى أول الكلام عن ذكر أتباعه ، ثم جمع فى
آخر الكلام كما قيل: ﴿يَا أَيُّهَا النَِّئُ إذَا طَلَّقْتُ الَّسَاءِ﴾، [سورة الطلاق
وقد بينا نظائر ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته فى هذا الموضع . (١)
٠٠٠
= «إنهم أناس يتطهرون )) ، يقول : إن لوطاً ومن تبعه، أناس يتنزهونعما
نفعله نحنُ من إتيان الرجال فى الأدبار . (٢)
. . .
وهذا البيت الثانى، ورد مثله فى شعر الأخطل ، قال :
سَقَّيْنَاَ، إِذَا أُولَى العَصَافِيرِ صَرَّتِ
وَأَبْيَضَ لاَ نَكْسٍ وَلاَ وَاهِنِ الْقُوَى
مِنَ اللَّيْلِ، حَتّى هَرَّهَا وَأْهَرَّتِ
حَبَسْتُ عَلَيْهِ الكَأْسَ غَيْرَ بَطِيئَةٍ
بِكُفَّيْهِ مِنْ رَدِّ الحُمَيَّا لَخَرَّتِ
فَقَمَ يَجُّ الْبُرْدَ ، لَوْ أَنَّ نَفْسَهُ
ذُؤَابَتُهُ مِنْ خَشْيَةٍ إِفْشَعَرَّتِ
وَأَدْبَرَ ، لَوْقِيلَ: أُتَِّ السَّيْفَ إِلَّ تُخَلْ
(١) انظر ما سلف ٢: ٤٨٥ - ٤٨٧، وغيرها.
(٢) انظر تفسير ((التطهر)) فيما سلف ١٠: ٣١٨، تعليق: ١، والمراجع هناك.

٥٥٠
تفسير سورة الأعراف : ٨٢
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك :
١٤٨٣٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا هانئ بن سعيد النخعى ، عن
الحجاج، عن القاسم بن أبى بزة، عن مجاهد: ((إنهم أناس يتطهرون ))، قال :
من أدبار الرجال وأدبار النساء . (١)
١٤٨٣٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن سفيان ، عن مجاهد :
((إنهم أناس يتطهرون))، من أدبار الرجال وأدبار النساء.
١٤٨٣٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد ، عن
الحجاج ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد فى قوله: ((إنهم أناس يتطهرون))،
قال : يتطهرون من أدبار الرجال والنساء .
١٤٨٣٩ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الرزاق
قال ، أخبرنا الحسن بن عمارة ، عن الحكم ، عن مجاهد ، عن ابن عباس فى
قوله: ((إنهم أناس يتطهرون))، قال : من أدبار الرجال ومن أدبار النساء .
١٤٨٤٠ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى: ((إنهم أناس يتطهرون))، قال: يتحرَّجون .
١٤٨٤١ -حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا یزید قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة: ((إنهم أناس يتطهرون))، يقول: عابوهم بغير عَيْب، وذمُّوهم
بغير ذَمَ .
(١) الأثر: ١٤٨٣٦ - ((هانىء بن سعيد النخعى))، صالح الحديث، مضى برقم :
١٣١٥٩، ١٣٩٦٥ ٠

٥٥١
تفسير سورة الأعراف : ٨٣
القول فى تأويل قوله ﴿فَأَنْجَيْتَهُ وَأَهْلَهُ، إِلَّا أَمْرَأَتَهُ, كَانَتْ
مِنَ الْغَبِرِينَ﴾
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فلما أبى قوم لوط = مع توبيخ لوط
إياهم على ما يأتون من الفاحشة ، وإبلاغه إياهم رسالة ربه بتحريم ذلك عليهم =
إلاّ التمادى فى غيّهم"، أنجينا لوطاً وأهله المؤمنين به، إلاّ امرأته، فإنها كانت للوط
خائنة ، وبالله كافرة .
#
وقوله: ((من الغابرين )) ، يقول : من الباقين .
وقيل: ((من الغابرين))، ولم يقل ((الغابرات))، لأنه أريد أنها ممن بقى مع
الرجال، (١) فلما ضم ذكرها إلى ذكر الرجال قيل: ((من الغابرين)). (٢)
. . .
والفعل منه: ((غبَرَ يَغْبُرُ غُبُوراً، وغَبْراً))، (٣) وذلك إذا بقى، كما قال الأعشى:
عَضَّ بِمَا أَبْقَى المَوَاسِ لَهُ مِنْ أَمَةٍ فِىِ الزَّمَنِ الغَابِرِ(٤)
وكما قال الآخر : (٥)
(١) فى المطبوعة: ((لأنه يريد))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) انظر مجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ٢١٨، ٢١٩.
(٣) قوله: ((وغبرا))، ضبطته يفتح فسكون، ولم يرد هذا المصدر فى شىء من كتب اللغة،
اقتصروا على المصدر الأول .
(٤) ديوانه: ١٠٦، مجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ٢١٩، من قصيدته التى هجا بها
علقمة ، ومدح عامراً ، كما أسلفت فى تخريج أبيات مضت من القصيدة ، وفى المطبوعة ومجاز القرآن
((من أمه))، وأثبت ما فى الديوان، قال أبو عبيدة، بعد البيت: ((لم يختن فيما مضى ، فبقى من
الزمن الغابر، أى الباقى . ألا ترى أنه قال :
عِنْدَ الَلَاَقِى وَافِىَ الشَّافِرِ
وَكُنَّ قَدْ أَبْقَيْنَ مِنْهَا أَذَّى
وهو هجاء لأم علقمة قبيح .
(٥) هو يزيد بن الحكم بن أبي العاص الثقفى .

٥٥٢
تفسير سورة الأعراف : ٨٣
فَأَذَلَّهَا لِبَنِ أَبَانَ الغَابِرِ (١)
وَأَبِى الَّذِىِ فَتَحَ البِلاَدَ بِسَيْفِهِ
يعنى : الباقى .
فإن قال قائل : فكانت امرأة لوط ممن نجا من الهلاك الذى هلك به قوم
لوط ؟
قيل : لا ، بل كانت فيمن هلك .
١٦٦/٨
فإن قال: فكيف قيل: ((إلا امرأته كانت من الغابرين))، وقد قلت
إن معنى (( الغابر)) ، الباقى ؟ فقد وجب أن تكون قد بقيت ؟
قيل : إن معنى ذلك غير الذى ذهبت إليه ، وإنما عنى بذلك، إلا امرأته
(١) خزانة الأدب ١: ٥٥، وكان يزيد شريفاً عزيزاً، وأبوه الحكم بن أبي العاصى
الثقفى ، أحد أصحاب الفتوح الكثيرة فى فارس وغيرها ، وكذلك عمه عثمان بن أبى العاص صاحب
رسول اللّه، فدعاه الحجاج بن يوسف الثقفى، فولاه فارس ، فلما جاء يأخذ عهده ، قال له الحجاج :
يا يزيد ، أنشدفى بعض شعرك ، وإنما أراد أن ينشده مديحاً له ، فأنشده قصيدة يفخر فيها ، يقول :
فَأَذْلَّها لِبَنِى أَبَنَ الغَابِرِ
وَأَبِ الَّذِى فَتَحَ البلادَ بِسَيْفِهِ
بيضاء تَخْفِقُ كالمُقَبِ الكَامِ
وأَبِ الَّذِى سَلَبَ أَبْنَ كِسْرَى رايةً
فَخْرًا أُدُقُّ بِهِ فَخَارَ الفَآَخِرِ
وَإِذَا فَخَرْتُ فَخَرْتُ غَيْرَ مُكَذَّبٍ
فنهض الحجاج مغضباً ، وخرج يزيد من غير أن يودعه . فأرسل الحجاج حاجبه وراءه يرتجع
منه العهد ، ويقول له : أيهما خير لك ، ما ورثك أبوك أم هذا ؟ فقال يزيد : قل له :
وَوَرِثْتَ جَدَّكُ أعْزاً بالطائفِ
وَرِثْتُ جَدِّى ◌َجْدَهُ وَفَعَلَهُ
ثم سار ولحق بسليمان بن عبد الملك وهو ولى العهد ، فضمه إليه وجعله من خاصته .
وروى صاحب الخزانة: ((لبنى الزمان الغابر))، وأما رواية أبى جعفر ((لبنى أبان))، فإنه
يعنّى عشيرته ورهطه، فإن جده هو ((أبو العاص بن بشر بن عبد دهمان بن عبد الله بن همام بن أبان
ابن يسار الثقفى)) .
وقوله (( وأبى الذى سلب ابن كسرى راية))، يعنى أباه الحكم فى فتح فارس، وإصطخر سنة ٢٣
من الهجرة. (انظر تاريخ الطبرى ٥: ٦ / وفتوح البلدان: ٣٩٣، ٣٩٤).

٥٥٣
تفسير سورة الأعراف : ٨٣، ٨٤
كانت من الباقين قبلَ الهلاك، والمعمَّرين الذين قد أتى عليهم دهرٌ كبيرٌ، ومرّ
بهم زمن كثيرٌ ، حتى هرمت فيمن هرم من الناس ، فكانت ممن غيرَ الدهر
الطويل قبل هلاك القوم ، فهلكت مع من هلك من قوم لوط حين جاءهم
العذاب .
وقيل : معنى ذلك : من الباقين فى عذاب الله .
· ذكر من قال ذلك :
١٤٨٤٢ - حدثنى محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن
معمر، عن قتادة: ﴿إِلَّ عَجُوزاً فِى الْغَابِرِينَ﴾، [سورة الشعراء: ١٧١ / سورة
الصافات: ١٣٥]، فى عذاب الله .
#
#
القول فى تأويل قوله ﴿وَأَمْطَرْنَ عَلَيْهِم مَّطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ
كَانَ عَقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ﴾ (١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وأمطرنا على قوم لوط الذين كذبوا لوطاً
ولم يؤمنوا به ، مطرًا من حجارة من سجيل أهلكناهم به = ((فانظر كيف كان
عاقبة المجرمين )) ، يقول جل ثناؤه: فانظر، يا محمد، إلى عاقبة هؤلاء الذين كذبوا
الله ورسوله من قوم لوط، فاجترموا معاصىَ اللّه، وركبوا الفواحش، واستحلوا
ما حرم الله من أدبار الرجال ، كيف كانت ؟ وإلى أى شىء صارت ؟ هل
كانت إلاّ البوار والهلاك؟ فإنّ ذلك أو نظيره من العقوبة، عاقبةُ من كذبك
واستكبر عن الإيمان بالله وتصديقك إن لم يتوبوا ، من قومك .

٥٥٤
تفسير سورة الأعراف : ٨٥
القول فى تأويل قوله ﴿وَ إِلَى مَدْيَنَ أَخَامُْ شُعَيْبًا قَالَ
يُقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَْهٍ غَيْرُهُ، قَدْ جَاءَتْكُم بَيْنَةٌ
مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْتَّءُهُمْ
وَلَا تُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ بَعْدَ إِسْلَحِهَاَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ
كُنُْ مُوْمِنِينَ ) (٨)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وأرسلنا إلى ولد مدین = و(( مدين))، هم
ولدُه مديان بن إبراهيم خليل الرحمن، (١) فيما : -
١٤٨٤٣ - حدثنا به ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق .
٠ ٠
فإن كان الأمر كما قال: ((مدين))، قبيلة كتميم ..
#
= وزعم أيضاً ابن إسحق : أن شعيباً الذى ذكر الله أنه أرسله إليهم، من ولد
مدين هذا، وأنه ((شعيب بن ميكيل بن يشجر))، قال : واسمه بالسريانية ،
((يثرون)).(٢)
٠
قال أبو جعفر : فتأويل الكلام = على ما قاله ابن إسحق : ولقد أرسلنا
إلى ولد مدين ، أخاهم شعيب بن ميكيل ، يدعوهم إلى طاعة الله، والانتهاء إلى
أمره ، وترك السعى فى الأرض بالفساد ، والصدّ عن سبيله ، فقال لهم شعيب :
يا قوم، اعبدوا الله وحده لا شريك له، ما لكم من إله يستوجب عليكم العبادة
*
(١) فى المطبوعة: ((مدين بن إبراهيم))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو مطابق لما فى تاريخ
الطبرى ١ : ١٥٩ .
(٢) فى المخطوطة: ((روب))، غير منقوطة، بالباء، وهذه أسماء لا أستطيع الآن ضبطها،
وانظر تاريخ الطبرى ١ : ١٦٧، والبداية والنهاية ١ : ١٨٥.

تفسير سورة الأعراف : ٨٥
غير الإله الذى خلقكم، وبيده نفعكم وضركم = ((قد جاءتكم بينة من ربكم))،
يقول : قد جاءتكم علامة وحجة من اللّه بحقيقة ما أقول ، وصدق ما أدعوكم
إليه (١) = ((فأوفوا الكيل والميزان))، يقول: أتموا للناس حقوقهم بالكيل الذى تكيلون
به ، وبالوزن الذى تزنون به (٢)= ((ولا تبخسوا الناس أشياءهم »، يقول : ولا
تظلموا الناس حقوقهم ، ولا تنقصوهم إياها . (٣)
= ومن ذلك قولهم: (تَحْسَبُها حَمْقَاءَ وهى بَاخِسَةٌ))، (٤) بمعنى: ظالمة = ومنه
قول الله: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنِ بَخْسٍ﴾، [سورة يوسف: ٢٠]، يعنى به: ردىء.
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
#
ذكر من قال ذلك :
١٤٨٤٤ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى قوله: ((ولا تبخسوا الناس أشياءهم))، يقول : لا
تظلموا الناس أشياءهم .
١٤٨٤٥ -حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا یزید قال، حدثنا سعيد ، عن
قتادة: ((ولا تبخسوا الناس أشياءهم))، قال: لا تظلموا الناس أشياءهم .
...
وقوله: (( ولا تفسدوا فی الأرض بعد إصلاحها » ، يقول : ولا تعملوا فى أرض
(١) انظر تفسير ((بينة)) فيما سلف من فهارس اللغة (بين).
(٢) انظر تفسير ((إيفاء الكيل والميزان)) فيما سلف ص ٢٢٤
(٣) انظر تفسير ((البخس)) فيما سلف ٦ : ٥٦ .
(٤) هذا مثل، انظر مجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ٨٣، ٢١٩، وأمثال الميدانى ١ :
١٠٨، وجمهرة الأمثال: ٦٨، واللسان (بخس)، وروايتهم: ((وهى باخس»، بمعنى:
ذات بخس ، على النسب . يضرب المثل لمن يتباله وفيه دهاء . وذلك أن رجلا من بنى العنبر بن عمرو
ابن تميم ، جاورته امرأة فحسبها حمقاء، لا تعقل، ولا تحفظ مالها . فقال لها : ألا أخلط مالى
ومالك ؟ يريد أن يخلط ثم يقاسمها، فيأخذ الجيد ويدع لها الردىء. فلما فعل وجاء يقاسمها ، نازعته ،
فلم يخلص منها حتى افتدى منها بما أرادت . فلما عوتب فى اختداعه المرأة على ضعفها قال: ((تحسبها
حمقاء وهى باخس)» .

٥٥٦
تفسير سورة الأعراف: ٨٥ ، ٨٦
اللّه بمعاصيه، وما كنتم تعملونه قبل أن يبعث الله إليكم نبيه، من عبادة غير الله،
والإشراك به ، وبخس الناس فى الكيل والوزن(١) = ((بعد إصلاحها))، يقول بعد
أن قد أصلح الله الأرض بابتعاث النبي عليه السلام فيكم، ينها كم عما لا يحل لكم،
وما يكرهه الله لكم (٢) = ((ذلكم خيرلكم))، يقول: هذا الذى ذكرت لكم وأمرتكم
به ، من إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وإيفاء الناس حقوقهم من الكيل
والوزن، وترك الفساد فى الأرض ، خيرٌ لكم فى عاجل دنياكم وآجل آخرتكم
عند الله يوم القيامة = ((إن كنتم مؤمنين))، يقول: إن كنتم مصدقَّ فيما أقول
لكم ، وأؤدِّى إليكم عن الله من أمره ونهيه.
#
القول فى تأويل قوله ﴿وَلَا تَقْعُدُواْ بِكُلّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ
١٦٧/٨
وَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ مَنْءامَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَاَ عِوَجَا وَأَذْ كُرُوَاْ إِذ
كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّكُمْ وَأَنْظِرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) )
قال أبو جعفر: يعنى بقوله: ((ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ))، ولا
تجلسوا بكل طريق = وهو ((الصراط)) = توعدون المؤمنين بالقتل. (٣)
٠
٥
#
وكانوا، فيما ذكر، يقعدون على طريق من قصد شعيباً وأراده ليؤمن به، فيتوعّدونه
ويخوّفونه ، ويقولون : إنه كذاب !
ه ذكر من قال ذلك :
١٤٨٤٦ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
(١) انظر تفسير ((الإفساد فى الأرض)) فيما سلف ص٥٤٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((الإصلاح)) فيما سلف من فهارس اللغة (صلح).
(٣) انظر تفسير ((الصراط)) فيما سلف ١: ١٧٠ - ١٧٧، ثم فهارس اللغة (سرط).