Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٧٧ تفسير سورة الأعراف : ٥٢٠ القول فى تأويل قوله ﴿ وَقَدْ جِئْنَهُمْ يَكْتَبٍ فَصَّلَهُ عَلَى هُدَى وَرَْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (١) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : أقسم ، يا محمد ، لقد جئنا هؤلاء الكفرة بكتاب = يعنى القرآن الذى أنزله إليه . يقول : لقد أنزلنا إليهم هذا القرآن ، مفصَّلاً مبيّناً فيه الحق من الباطل = ((على علم ))، يقول: على علم منا بحقٍّ ما فُصِّل فيه، من الباطل الذى مَيَّز فيه بينه وبين الحق (١) = ((هدى ورحمة ))، يقول: بيناه ليُھند ی ویُرْحم به قومٌ يصدقون به ، وبما فيه من أمر الله ونهيه، وأخباره ، ووعده ووعيده ، فينقذهم به من الضلالة إلى الهدى . وهذه الآية مردودة على قوله: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الأعراف ٢] = ((ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم )) . و((الهدى)) فى موضع نصب على القطع من « الهاء » التی فی قوله: (( فصلناه ))، (٢) ولو نصب على فعل ((فصلناه))، (٣) فيكون المعنى: فصلنا الكتاب كذلك = كان صحيحاً . ولو كان قری: (( هدى ورحمة)» كان فى الإعراب فصیحاً ، و کان خفض ذلك بالرد على ((الكتاب)). (٤) (١) انظر تفسير ((التفصيل)) فيما سلف ص: ٤٠٢، تعليق: ١، والمراجع هناك. (٢) ((القطع))، الحال، وانظر فهارس المصطلحات. (٣) نصبه على ((الفعل))، أى: هو مفعول مطلق، من غير فعله، كأنه قال: فصلناه تفصيلا . (٤) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٣٨٠. ٤٧٨ تفسير سورة الأعراف : ٥٣ القول فى تأويل قوله ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ تَأْوِيلَهُ, يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ, يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبَّا بِالْقِّ ) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ((هل ينظرون إلا تأويله ))، هل ينتظر هؤلاء المشركون الذين يكذبون بآيات الله ويجحدون لقاءه = ((إلا تأويله))، يقول : إلا ما يؤول إليه أمرهم ، من وردوهم على عذاب الله ، وصلِيِّهم جحيمه ، وأشباه هذا مما أوعدهم الله به . وقد بينا معنى (( التأويل)) فيما مضى بشواهده ، بما أغنى عن إعادته فى هذا الموضع . (١) وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : ٠ ١٤٧٦١ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ((هل ينظرون إلا تأويله))، أى: ثوابه - ((يوم يأتى تأويله))، أى : ثوابه . ١٤٧٦٢ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال ، حدثنا معمر، عن قتادة: ((هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتى تأويله))، قال : ((تأويله ))، عاقبته . ١٤٧٦٣ -حدثنا ابن و کیع قال ، حدثنا أبو أسامة، عن شبل ، عن ابن (١) انظر تفسير ((التأويل)) فيما سلف ٦ : ١٩٩ - ٢٠٦ /٨ : ٥٠٦. ٤٧٩٠٠ تفسير سورة الأعراف : ٥٣ أبى نجيح: عن مجاهد، ((هل ينظرون إلا تأويله))، قال: جزاءه = ((يوم يأتى تأويله))، قال : جزاؤه . ١٤٧٦٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن أبى زائدة ، عن ابن أبی نجیح ، عن مجاهد ، مثله . ١٤٧٦٥ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: ((هل ينظرون إلا تأويله))، أما ((تأويله )) ، فعواقبه، مثل وقعة بدر ، والقيامة ، وما وعد فيها من موعد . (١) ١٤٧٦٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الله بن أبى جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس فى قوله: ((هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتى تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق))، فلا يزال يقع من تأويله أمرٌ بعد أمر ، حتى يتم تأويله يوم القيامة، ففى ذلك أنزل : ((هل ينظرون إلا تأويله))، حيث أثابَ الله تبارك وتعالى أولياءَه وأعداءه ثواب أعمالهم. يقول يومئذ الذين نسوه من قبل: ((قد جاءت رسل ربنا بالحق))، الآية . ١٤٧٦٧ - حدثی محمد بن سعد قال ، حدثی ابی قال ، حدثی عمى قال ، حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: (( هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتى تأويله))، قال : يوم القيامة . ١٤٧٦٨ -حدثی يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله: (( يوم يأتى تأويله))، قال: يوم يأتى حقيقته، (٢) وقرأ قول الله تعالى: ﴿هَذَاَ تَأْوِيلُ رُؤْيَىَ مِنْ قَبْلُ﴾، [سورة يوسف: ١٠٠]. قال: هذا تحقيقها . وقرأ قول الله: ﴿وَمَ يَعْمَّ تَأْ وِيِلَهُ إِلاَّ اللهُ﴾، [سورة آل عمران: ٧]، قال: ما يعلم (١) فى المطبوعة: ((وما وعد فيه)) وأثبت ما فى المخطوطة. (٢) فى المطبوعة: ((يوم يأتى تحقيقه)) وأثبت ما فى المخطوطة، وهو صواب محض چے ٤٨٠٠ تفسير سورة الأعراف : ٥٣ حقيقته ومتى يأتى ، إلا اللّه تعالى. ٠٠٠ وأما قوله: (( يوم يأتى تأويله يقول الذين نسوه من قبل))، فإن معناه : يوم يجىء ما يؤول إليه أمرهم من عقاب الله = ((يقول الذين نسوه من قبل))، أى: يقول الذين ضيَّعوا وتركوا ما أمروا به من العمل المنجيهم مما آل إليه أمرهم يومئذ من العذاب، من قبل ذلك فى الدنيا = ((لقد جاءت رسل ربنا بالحق )) ، أقسم المساكين حين عاينوا البلاءَ وحلّ بهم العقاب: أنّ رسل الله التى أتتهم بالنِّذارة وبلغتهم عن اللّه الرسالة، (١) قد كانت نصحت لهم وصدقتهم عن اللّه، وذلك حين لا ينفعهم التصديق . ولا ينجيهم من سخط الله وأليم عقابه كثرة القال والقيل. # ١٤٦/٨ وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : # ١٤٧٦٩ - حدثنى محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: ((يقول الذین نسوه من قبل قد جاءترسل ربنا بالحق))، أما ((الذين نسوه))، فتركوه، فلما رأوا ما وعدهم أنبياؤهم، استيقنوا فقالوا: ((قد جاءت رسل ربنا بالحق)) . ١٤٧٧٠ - حدثی محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: ((يقول الذين نسوه ))، قال : أعرضوا عنه. ١٤٧٧١ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد ، مثله . (١) ((النذارة)) بكسر النون، كالإنذار، على وزن ((الرسالة))، وانظر ما كتبته آنفاً ١٠: ٥٧٥، تعليق : ٢ . ٤٨١ تفسير سورة الأعراف : ٥٣ القول فى تأويل قوله ﴿فَل لَّا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ ثُرَدُ فَتَعَلَ غَيْرَ الّذِىِ كُنَّا تَعْمَلُ قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ) ) قال أبو جعفر : وهذا خبرٌ من الله تعالى ذكره عن هؤلاء المشركين الذين وصف صفتهم ، أنهم يقولون عند حلول سَخَط الله بهم ، وورودهم أليم عذابه ، ومعاينتهم تأويل ما كانت رسلُ اللّه تعدهم: هل لنا من أصدقاءَ وأولياء اليوم فيشفعوا لنا عند ربنا ، فتنجينا شفاعتهم عنده مما قد حلّ بنا من سوء فعالنا فى الدنيا (١) = أو فرد" إلى الدنيا مرة أخرى، فتعمل فيها بما يرضيه ويُعْتِبُه من أنفسنا؟(٢) قال هذا القولَ المساكينُ هنالك، لأنهم كانوا عهدوا فى الدنيا أنفسهم لها شفعاء تشفع لهم فى حاجاتهم، فيذكروا ذلك فى وقت لا خُلة فيه لهم ولا شفاعة . يقول الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ((قد خسروا أنفسهم))، (٣) يقول: غَبنوا أنفسهم حظوظها ، ببيعهم ما لاخطر له من نعيم الآخرة الدائم، بالخسيس من عرض الدنيا الزائل = ((وضل عنهم ما كانوا يفترون))، يقول : وأسلمهم لعذاب الله، وحار عنهم أولياؤهم، (٤) الذين كانوا يعبدونهم من دون الله، (٥) ويزعمون كذباً وافتراء أنهم أربابهم من دون الله.(٦) ١٤٧٧٢ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط، عن السدى قوله: ((قد خسروا أنفسهم))، يقول: شروها بخسران . ... (١) انظر تفسير ((الشفاعة)) فيما سلف ١١: ٥٤٧، تعليق: ١، والمراجع هناك. (٢) ((أعتبه من نفسه))، أعطاه العتبى - وهى الرضا - ورجع إلى مسرته. (٣) انظر تفسير ((الخسارة)) فيما سلف ص: ٣٥٧، تعليق: ٣، والمراجع هناك. (٤) فى المطبوعة: ((وحاد)) بالدال، وأثبت ما فى المخطوطة، وهى صواب. (٥) انظر تفسير ((الضلال)) فيما سلف من فهارس اللغة (ضلل). (٦) انظر تفسير ((الافتراء)) فيما سلف ص: ٤٠٨ تعليق ٢، والمراجع هناك. ج١٢ (٣١) ٤٨٢ تفسير سورة الأعراف : ٥٣ ، ٥٤ وإنما رفع قوله: ((أو فردُ)) ولم ينصب عطفاً على قوله: ((فيشفعوا لنا ))، لأن المعنى : هل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا - أو هل فرد فنعمل غير الذى كنا نعمل؟ = ولم يرد به العطف على قوله: ((فيشفعوا لنا)).(١) القول فى تأويل قوله ﴿إِنَّ رَبَُّ اللهُ الَّذِىِ خَلَقَ السَّمُوَّتِ وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَّ أُسْتَوَىْ عَلَى الْعَرْشِ بُنْشِى اُلَّيْلَ اَلَّهَرَ يَطْلُبُهُ، حَتِيثاً﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره : إن سيد كم ومصلح أمور كم، أيها الناس ، هو المعبود الذى له العبادة من كل شىء (٢) = ((الذى خلق السموات والأرض فى ستة أيام))، وذلك يوم الأحد ، والاثنين ، والثلاثاء ، والأربعاء ، والخميس ، والجمعة ، كما : - ١٤٧٧٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال ، حدثنا أبو عوانة ، عن أبى بشر، عن مجاهد قال : بدءُ الخلق العرشُ والماء والهواء، وخلقت الأرض من الماء . وكان بدء الخلق يوم الأحد ، والاثنين ، والثلاثاء ، والأربعاء ، والخميس ، وجُمع الخلق فى يوم الجمعة، وتهوَّدت اليهودُ يوم السبت. ويوم من الستة الأيام كألف سنة مما تعدّون . ٠ # = ((ثم استوى على العرش)). ٥٠ (١) فى المخطوطة خلط وتكرار فى هذه الجملة، وصوابها ما فى المطبوعة. وانظر معانى القرآن الفراء ١ : ٣٨٠. (٢) انظر تفسير ((الرب)) فيما. سلف ١: ١٤٢ - ٢٨٦:١٢/١٤٣. ٤٨٣ تفسير سورة الأعراف : ٥٤ وقد ذكرنا معنى ((الاستواء)) واختلاف الناس فيه ، فيما مضى قبل ، بما أغنى عن إعادته .(١) # ٠ # وأما قوله: (( يغشى الليل النهار يطلبه حثيثاً))، فإنه يقول : يورد الليل على النهار فيلبسه إياه، حتى يذهب نضرته ونوره (٢) = ((يطلبه))، يقول: يطلب الليل النهار = ((حثيثاً))، يعنى: سريعاً. ٠ ٠ وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : ٠ ١٤٧٧٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس: ((يطلبه حثيثاً )) ، يقول : سريعاً . ١٤٧٧٥ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: ((يغشى الليل النهار يطلبه حثيثاً ))، قال : يغشى اللیل الهار فیذهب بضوئه ، ويطلبه سريعاً حتى يدركه . القول فى تأويل قوله ﴿ وَالشَّمْسَ وَاَلْقَمَرَ وَالثُّجُومَ مُسَخَّرَتِ بِأَمْرِهِ ىَ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَرَكَ اللهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ) (@) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: إن ربكم اللّه الذى خلق السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم ، كلّ ذلك بأمره، أمرهن اللّه فأطعن أمرَه، ألا لله. (١) انظر تفسير ((الاستواء)) فيما سلف ١: ٤٢٨ - ٤٣١. (٢) انظر تفسير ((الغشاوة)) فيما سلف ١: ٢٦٥، ٢٦٦ ٤٨٤ تفسير سورة الأعراف : ٥٤ الخلق كله ، والأمرُ الذى لا يخالف ولا يردّ أمره، دون ما سواه من الأشياء كلها ، ودون ما عبده المشركون من الآلهة والأوثان التى لا تضر ولا تنفع ، ولا تخلق ولا تأمر، تبارك الله معبودُنا الذى له عبادة كل شىء، ربُّ العالمين.(١) ١٤٧٧٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا هشام أبو عبد الرحمن قال ، حدثنا بقية بن الوليد قال ، حدثنى عبد الغفار بن عبد العزيز الأنصارى ، عن عبد العزيز الشامى ، عن أبيه ، وكانت له صحبة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لم يحمد الله على ماعمل منعمل صالحوحمد نفسه، قلّ شكره، وحَبط عمله . ومن زعم أن الله جعل للعباد من الأمر شيئاً فقد كفر بما أنزل الله على أنبيائه، لقوله: ((ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين)). (٢) ... (١) انظر تفسير ((تبارك)) فيما سلف ص: ٢٣٨، تعليق ٢، والمراجع هناك. = وتفسير ((رب)) فيما سلف قريباً ص ٤٨٢، تعليق: ٢ والمراجع هناك . = وتفسير ((العالمين)) فيما سلف من فهارس اللغة (على). (٢) الأثر: ١٤٧٧٦ - ((عبد الغفار بن عبد العزيز الأنصارى))، هكذا جاء هنا فى المخطوطة والمطبوعة ، وهكذا نقله الحافظ ابن حجر عن هذا الموضع من التفسير فى ترجمة ( أبو عبد العزيز ) من الإصابة، وهكذا نقله ابن كثير فى تفسيره ٣ : ٤٨٩. ولكن الذى أطبقت عليه كتب التراجم ، والأسانيد الأخرى التى نقلها الحافظ ابن حجر ، فى موضع آخر من الإصابة أنه : ((عبد الغفور بن عبد العزيز))، وكنوه ((أبو الصباح))، ونسبوه ((الواسطى))، وهو مترجم فى لسان الميزان ٤: ٤٣، ٤٤، وابن أبى حاتم ٥٥/١/٣، وميزان الاعتدال ٢: ١٤٢، وهو ضعيف منكر الحديث ، وأخرجه البخارى فى الضعفاء . وأبوه هو: ((عبد العزيز الشامى))، ولم أجد له ذكراً، إلا فى أثناء هذه الأسانيد . وأبوه، الذى له صحبة يقال اسمه ((سعيد الشامى))، وهو مترجم بذلك فى الإصابة، وكنيته ((أبو عبد العزيز))، وهو مترجم أيضاً فى باب الكنى من الإصابة، وفى أسد الغابة ٥ : ٢٤٧. وهذا الخبر، رواه الحافظ ابن حجر فى الموضعين من ترجمة ((أبى عبد العزيز)) و((سعيد)).، وابن الأثير فى أسد الغابة ٥: ٢٤٧، وابن كثير فى تفسيره ٣: ٤٨٩، والسيوطى فى الدر المنثور ٣ : ٩٢ . وهو خبر ضعيف هالك الإسناد. و((بقية بن الوليد)) كما قال ابن المبارك: ((كان صدوقاً ، ولكنه يكتب عمن أقبل وأدبر)). وقال أحمد: ((إذا حدث عن قوم ليسوا بمعروفين فلا تقبلوه)). ١٤٧/٨ ٤٨٥ تفسير سورة الأعراف : ٥٥ القول فى تأويل قوله ﴿ أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعَا وَخُفْيَةً إِنَّهُوَلَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (2) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ادعوا، أيها الناس، ربّكم وحده ، فأخلصوا له الدعاء ، دون ما تدعون من دونه من الآلهة والأصنام = ((تضرعاً))، يقول : تذلُّلاً واستكانة لطاعته (١)= ((وخفية))، يقول بخشوع قلوبكم، وصحة اليقين منكم بوحدانيته فيما بينكم وبينه ، لاجهاراً ومراءاةً ، وقلوبكم غير موقنة بوحدانيته وربوبيته، فعل أهل النفاق والخداع لله ولرسوله، (٢) كما :- ١٤٧٧٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن المبارك بن فضالة ، عن الحسن قال: إنْ كانَ الرجل لقد جمع القرآن، وما يشعرُ جارُه . وإن كان الرجل لقد فَقُه الفقهَ الكثير ، وما يشعرُ به الناس . وإن كان الرجل ليصلى الصلاة الطويلة فى بيته وعنده الزَّوْر، (٣) وما يشعرون به . ولقد أدركنا أقواماً ما كان على الأرض من عمل يقدرون على أن يعملوه فى السرّ ، فيكون علانية أبداً! ولقد كان المسلمون يجتهدون فى الدعاء ، وما يُسمع لهم صوت ، إن كان إلاّ همساً بينهم وبين ربهم ، وذلك أن الله يقول: ((ادعوا ربكم تضرعاً وخفية))، وذلك أن اللّه ذكر عبداً صالحاً فرضى فعله فقال : ﴿إِذْ نَدَى رَبَّهُ نِدَاءٍ خَفِيًّا﴾، [ سورة مريم: ٣]. وقال يحيى بن معين: ((كان يحدث عن الضعفاء بمئة حديث قبل أن يحدث عن الثقات)). وقال أبو زرعة: ((بقية عجب !! إذا روى عن الثقات فهو ثقة)». وذكر قول ابن المبارك الذى تقدم ، ثم قال: ((وقد أصاب ابن المبارك فى ذلك. ثم قال: هذا فى الثقات، فأما فى المجهولين ، فيحدث عن قوم لا يعرفون ولا يضبطون )). (١) انظر تفسير ((التضرع)) فيما سلف ١١ : ٣٥٥، ٤١٤ (٢) انظر تفسير ((خفية)) فيما سلف ١١ : ٤١٤ (٣) ((الزور)) (بفتح فسكون) جمع ((زائر))، مثل ((صاحب)) و((صحب)). وفى المخطوطة: ((الزور)) مضبوطة بالقلم بضم الزاى وتشديد الواو مفتوحة، وهو صواب أيضاً ٤٨٦ تفسير سورة الأعراف : ٥٥ ١٤٧٧٨ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير، عن عاصم الأحول ، عن أبى عثمان النهدى ، عن أبى موسى قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم فى غَزَاة، (١) فأشرفوا على وادٍ يكبرون ويهللون ويرفعون أصواتهم، فقال: أيها الناس، اربَعُوا على أنفسكم ، إنكم لا تدعون أصمّ ولا غائباً ! إنكم تدعون سميعاً قريباً وهو معكم . (٢) ١٤٧٧٩ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج ، عن عطاء الخراسانى، عن ابن عباس قوله: (( ادعوا ربكم تضرعاً وخفية ))، قال : السر . ٠ وأما قوله: ((إنه لا يحب المعتدين))، فإن معناه: إن ربكم لا يحب من اعتدى فتجاوز حدَّه الذى حدّه لعباده فى دعائه ومسألته ربَّه، ورفعه صوته فوق الحد الذى حدّلهم فى دعائهم إياه، ومسألتهم، وفى غير ذلك من الأمور، (٣) كما :- ١٤٧٨٠ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا معتمر بن سلمان قال ، أنبأنا إسماعيل بن حماد بن أبى سليمان ، عن عباد بن عباد ، عن علقمة ، عن أبى مجلز: ((ادعوا ربكم تضرعاً وخفية إنه لا يحب المعتدين))، قال: لا يسأل منازل الأنبياء عليهم السلام . ١٤٧٨١ - حدثنى القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج، عن عطاء الخراسانى، عن ابن عباس: ((إنه لا يحب المعتدين))، (١) هذه الغزاة ، هى غزوة خيبر. (٢) الأثر: ١٤٧٧٨ - رواه البخارى فى صحيحه (الفتح ٧: ٣٦٣)، ومسلم فى صحيحه ١٧ : ٢٥ من هذه الطريق ، مطولا . وقوله: ((اربعوا على أنفسكم))، أى: ارفقوا بأنفسكم، واخفضوا أصواتكم، وفى المخطوطة: ((سميعا قريبا أما معكم)) غير منقوطة، وأثبت ما فى الصحيحين، وفى المطبوعة، حذف ما فى المخطوطة، ولم يزد ((وهو)) التى زدتها. (٣) انظر تفسير ((الاعتداء)) فيما سلف من فهارس اللغة (عدا). ٤٨٧ تفسير سورة الأعراف : ٥٥ ، ٥٦ فى الدعاء ولا فى غيره = قال ابن جريج : إن من الدعاء اعتداءً، يُکره رفعُ الصوتِ والنداءُ والصياحُ بالدعاء ، ويُؤمر بالتضرُّع والاستكانة . القول فى تأويل قوله ﴿وَلَا تُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ بَعْدَ إِسْلَحِهَا وَأَدْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَمَا إِنَّرَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ) ) قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: (( ولا تفسدوا فى الأرض بعد إصلاحها ))، لا تشركوا بالله فى الأرض ولا تعصوه فيها ، وذلك هو الفساد فيها . ٠ ٠ ٥ وقد ذكرنا الرواية فی ذلك فما مضى ، وبینا معناه بشواهده .(١) = ((بعد إصلاحها )) يقول: بعد إصلاح اللّه إياها لأهل طاعته ، بابتعاثه فيهم الرسل دعاة إلى الحق، وإيضاحه حججه لهم (٢) = ((وادعوه خوفاً وطمعاً))، يقول : وأخلصوا له الدعاء والعمل ، ولا تشركوا فى عملكم له شيئاً غيره من الآلهة والأصنام وغير ذلك ، وليكن ما يكون منكم فى ذلك خوفاً من عقابه ، وطعماً فى ثوابه . وإنّ مَن كان دعاؤه إياه على غير ذلك، فهو بالآخرة من المكذبين ، لأنّ من لم يخف عقابَ اللّه ولم يرجُ ثوابه، لم يبال ما ركب من أمر يسخَطه اللّه ولا يرضاه = ((إن رحمة الله قريب من المحسنين))، يقول تعالى ذكره : إن ثواب الله الذى وعد المحسنين على إحسانهم فى الدنيا، قريب منهم، وذلك هو رحمته، (٣) (١) انظر تفسير ((الفساد فى الأرض)) فيما سلف ١: ٢٨٧، ٤١٦، ومواضع أخرى آخرها ١٠ : ٤٦١، تعليق: ١، والمراجع هناك. (٢) انظر تفسير ((الإصلاح)) فيما سلف من فهارس اللغة (صلح). (٣) انظر تفسير ((الرحمة)) فيما سلف من فهارس اللغة (رحم) = وتفسير ((الإحسان)) فيما سلف من فهارس اللغة (حسن). ٤٨٨ - تفسير سورة الأعراف : ٥٦ لأنه ليس بينهم وبين أن يصيروا إلى ذلك من رحمته وما أعدّ لهم من كرامته إلا أن تفارق أرواحهم أجسادهم . ٠ ولذلك من المعنى ذكِّر قوله: ((قريب))، وهو من خبر ((الرحمة))، و ((الرحمة)) مؤنثة، لأنه أريد به القرب فى الوقت لا فى النَّسب، والأوقات بذلك المعنى إذا وقعت أخباراً للأسماء ، (١) أجرتها العرب مجرى الحال ، فوحدتها مع الواحد والاثنين والجميع، وذكَّرتها مع المؤنث، فقالوا: ((كرامة الله بعيد من فلان))، و((هى قريب من فلان))، كما يقولون: ((هند قريب منا))، و(( الهندان منا قريب))، و((الهندات منا قريب))، لأن معنى ذلك : هى فى مكان قريب منا. فإذا حذفوا المكان وجعلوا ((القريب)) خلفاً منه، ذكَّروه ووحَّدوه فى الجمع، كما كان المكان مذكراً وموحداً فى الجمع. وأما إذا أنثوه ، أخرجوه مثنى مع الاثنين ، ومجموعاً مع الجميع، فقالوا: ((هى قريبة منا))، و((هما منّا قريبتان))، كما قال عروة [بن الورد]: (٢) عَشِيَّةَ لاَ عَفْرَاهُ مِنْكَ قَرِيبَةٌ فَتَدْنُو، وَلاَ عَفْرَاهِ مِنْكَ بَعِيدُ(٣) فأنت ((قريبة))، وذكر ((بعيداً))، على ما وصفت. ولو كان ((القريب))، من ((القرابة)) فى النسب، لم يكن مع المؤنث إلاّ مؤنثاً، ومع الجميع إلا مجموعاً. (٤) ٠٠٠ (١) فى المطبوعة: ((إذا رفعت أخباراً))، لم يحسن قراءة المخطوطة. (٢) هكذا جاء فى المخطوطة والمطبوعة، والصواب أنه ((عروة بن حزام))، كما سترى فى التخريج، وكأنه سهو من الناسخ وزيادة منه ، فإن هذا كله تابع فيه أبو جعفر، الفراء فى معانى القرآن، والفراء لم يذكر سوى ((عروة))، فزاد الناسخ سهواً ((بن الورد)). (٣) معانى القرآن الفراء ١: ٣٨١، على ما ذكره أبو جعفر، وهو نقله عنه. والبيت فى ديوان عروة بن حزام، وفى تزيين الأسواق ١ : ٨٤، والبكرى فى شرح الأمالى : ٤٤٠١ من شعر له صواب إنشاده على الباء : عَشِيَّةَ لاَ عَفَرَاهِ مِنْكَ بَعِيدَةٌ فَتَسْلُو، وَلاَ عَفْرَاهِ مِنْكَ قَرِيبُ لَهَا بَيْنَ جِلْدِى وَالْعِظَامِ ديبُ وَإِنَّى لَتَغْشَانِى لِكْرَاكِ فَتْرَةٌ (٤) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٣٨١، وبجاز القرآن لأبى عبيدة ١ : ٢١٦، ٢١٧. ١٤٨/٨ ٤٨٩ تفسير سورة الأعراف : ٥٦ وكان بعض نحوبى البصرة يقول: ذكَّر ((قريب)) وهو صفة لـ((الرحمة))، وذلك كقول العرب: ((ريح خريق))، (١) و(ملحفَة جديد))، (٢) و((شاة سديس)). (٣) قال: وإن شئت قلت: تفسير ((الرحمة)) ههنا، المطر ونحوه ، فلذلك ذكر ، كما قال: ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا﴾، [سورة الأعراف: ٨٧]، فذكّر، لأنه أراد الناس . وإن شئت جعلته كبعض ما يذكرون من المؤنث ، كقول الشاعر : (٤) وَلاَ أَرْضَ أَبْقْلَ إِبْقَلَهَا.(٥) # وقد أنكر ذلك من قِيله بعضُ أهل العربية ، ورأى أنه يلزمه إن جاز أن يذكِّر ((قريباً))، توجيهاً منه للرحمة إلى معنى المطر، أن يقول: ((هند قام))، توجيهاً منه لـ ((هند)) وهى امرأة، إلى معنى: ((إنسان))، ورأى أن ما شبّه به قوله: ((إن رحمة الله قريب من المحسنين))، بقوله: ((وإن كان طائفة منكم آمنوا))، غير مُشْبِهِه. وذلك أن ((الطائفة)) فيما زعم مصدر، بمعنى ( الطيف))، كما ((الصيحة)) و((الصياح))، بمعنَّى، ولذلك قيل: ﴿ وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾، [ سورة هود: ٦٧ ]. # (١) ((ريح خريق)): شديدة، وقيل: لينة سهلة. ضد. (٢) فى المطبوعة: ((وساحفة حديد))، وفى المخطوطة: ((وماحقه جديد))، غير منقوطة والصواب ما أثبت، وهو المثل الذى ضرب فى هذا الباب. قال ابن سيده: ((ملحفة جديد ، وجديدة))، وقال سيبويه : وقد قالوا ملحقة جديدة ، وهى قليلة . (٣) ((شاة سديس)): أنت عليها السنة السادسة. (٤) عامر بن جوين الطائى . (٥) مضى البيت وتخريجه فيما سلف ١: ٤٣٢، ونسيت أن أذكر هناك أنه سيأتى فى هذا الموضع من التفسير، ثم فى ١٨ : ١١٨ (بولاق)، وصدر البيت : · فَلَ مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَهَا ٤٩٠ تفسير سورة الأعراف : ٥٧ القول فى تأويل قوله ﴿وَهُوَ اَلَّذِى يُرْسِلُ الْرِّيَحَ بُشْرًا؟ بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ ثُ حََّ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَبَ تِقَلًا سُقْتَّهُ لِبَدِ مَّيْتٍ فَأَنزَلْنَ بِ آلْمَاءَ فَأَخْرَجْنَ بِهِ م مِنِ حُلِّ الثَّرَّتِ كَذْلِكَ نُغْرِجُ الْمَوْنَىْ لَعَلَّكُمْ تَذَ كُرُونَ ﴾ ﴾) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : إن ربكم اللّه الذى خلق السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ، هو الذى يرسل الرياح نشراً بین یدی رحمته . (١) ٠ و((النشر)) بفتح((النون)) وسکون (( الشین))، (١) فی کلام العرب، من الرياح، الطيبة اللينة الهبوب، التى تنشئ السحاب . وكذلك كل ريح طيبة عندهم فهى ((نشر))، ومنه قول امرئ القيس : وَرِيحَ الخُزَامَى وَنَشْرَ القُطُرْ (١) كَأَنَّ الْعُدَامَ وَصَوْبَ الغَمَامِ ٠ وبهذه القراءة قرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين ، خلا عاصم بن أبي النجود ، فإنه كان يقرؤه: ((بشرًا)) على اختلاف عنه فيه. ٠ (١) القراءة التى أثبتها أبو جعفر فى تفسير الآية ((نشرا))، ولكنى أثبت فى الآية قراءتنا فى مصحفنا ، وسأثبتها فى سائر المواضع بقراءة أبى جعفر بالنون . (١) ديوانه: ٧٩، واللسان (نشر) من قصيدة له طويلة، وهذا البيت فى ذكر ((هر)) صاحبته وهذا البيت فى صفة رائحة ثغرها عند الصّباح، حين تتغير أفواه الناس ، يقول بعده : إِذَا طَرَّبَ الطَّائِرِ الْمُسْتَحِرْ أَنْيَابِهَا ◌ُعَلُ بِهِ جَرْدُ و ((القطر)) (بضمتين): هو العود الذى يتبخر به. و((صوب الغمام))، وقعه حيث يقع. و ((يعل)) يسقى بالمدام مرة بعد مرة. و((الطائر المستحر))، الديك إذا صوت عند السحر. يصفها بطيب رائحة فها ، حين تتغير الأفواه بعد النوم . ٤٩١ تفسير سورة الأعراف : ٥٧ فروى ذلك بعضهم عنه: ﴿ُبشراً)، بالباء وضمها، وسكون الشين . وبعضهم ، بالباء وضمها وضم الشين . وكان يتأوّل فى قراءته ذلك كذلك قوله: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ ﴾ [سورة الروم: ٤٦]، تبشر بالمطر، وأنه جمع ((بشير)) يبشر بالمطر، جُمع (( بُشُراً))، كما يجمع ((النذير)) ((نُذُرً)).(١) وأما قرأة المدينة وعامة المكيين والبصريين، فإنهم قرأوا ذلك: ﴿وَهُوَ الَّذِىِ يُرْسِل الرِّيَاحَ نُشُرًا﴾، بضم ((النون))، و((الشين)) بمعنى جمع ((نَشور)) جمع ((نشراً))، كما يجمع ((الصبور)) ((صُبُراً))، و((الشكور)) ((شُكُرًا)). وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يقول : معناها إذا قرئت كذلك : أنها الربح التى تهب من كل ناحية ، وتجىء من كل وجه . (٢) ... وكان بعضهم يقول : إذا قرئت بضم النون ، فينبغى أن تسكن شينها ، لأن ذلك لغة بمعنى ((النَّشْر)) بالفتح. وقال: العرب تضم النون من ((النُّشْرِ)) أحياناً، وتفتح أحياناً بمعنى واحد . قال : فاختلاف القرأة فى ذلك على قدر اختلافها فى لغتها فيه. وكان يقول: هو نظير (الخسْف))، ((وأُلحسْف))، بفتح الخاء وضمها . قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك أن يقال : إن قراءة من قرأ ذلك: (نَشْراً) و(ُنُشُراً)، بفتح ((النون)) وسكون ((الشين))، وبضم ((النون)) و((الشين)) قراءتان مشهورتان فى قرأة الأمصار. (١) فى المطبوعة: ((وأنه جمع بشير بشراً، كما يجمع النذير نذراً))، وأثبت ما فى المخطوطة. (٢) انظر مجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ٢١٧. ٤٩٢ تفسير سورة الأعراف : ٥٧ فلا أحب القراءة بها ، وإن كان لها معنى صحيح ووجه مفهوم فى المعنى ١٤٩/٨ والإعراب ، لما ذكرنا من العلة.(١) ... وأما قوله: (( بين يدى رحمته))، فإنه يقول : قدام رحمته وأمامها . ٠٠٠ والعرب كذلك تقول لکل شیء حدث قدام شىء وأمامه: ((جاء بین یدیه ))، لأن ذلك من كلامهم جرى فى أخبارهم عن بنى آدم ، وكثر استعماله فيهم ، حتى قالوا ذلك فى غير ابن آدم وما لا يَدّ له. (٢) ... و((الرحمة)) التى ذكرها جل ثناؤها فى هذا الموضع، المطر. ٠٠٠ معنى الكلام إذاً : والله الذى يرسل الرياح ليناً هبوبها ، طيباً نسيمها ، أمام غيْئه الذى يسوقه بها إلى خلقه، فينشئ بها سحاباً ثقالاً حتى إذا أقلتها- و((الإقلال)) بها، حملها، كما يقال: ((استقلّ البعير بحمله))، و((أقله))، إذا حمله فقام به =ساقه الله لإحياء بلد ميت، قد تعفّت مزارعه ، ودَرَست مشاربه ، وأجدب أهلُه، (٣) فأنزل به المطر، وأخرج به من كل الثمرات . ٠ وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . • ذكر من قال ذلك : ١٤٧٨٢ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، (١) فى موضع هذه النقط سقط لاشك فيه، ذكر فيه العلة التى سيشير إليها بعد. ولم أستطع أن أجد نقلا عن أبى جعفر يهدى إلى ما يسد هذا الحرم . (٢) انظر تفسير ((بين يديه)) فيما ملف ٦: ١٦٠، ٤٣٨. (٣) انظر تفسير ((ميت)) و((موت الأرض)) فيما سلف ٣: ٥/٢٧٤: ٤٤٦ ٤٩٣ تفسير سورة الأعراف : ٥٧ حدثنا أسباط ، عن السدى: ((وهو الذى يرسل الرياح نشراً بين يدى رحمته )) إلى قوله: ((لعلكم تذكرون))، قال: إن الله يرسل الربح فتأتى بالسحاب من بين الخافقين، طرف السماء والأرض من حيث يلتقيان، فيخرجه من ثمَّ ، ثم ينشره فيبسطه فى السماء كيف يشاء ، ثم يفتح أبواب السماء ، فيسيل الماء على السحاب، ثم يمطر السحاب بعد ذلك. وأما ((رحمته))، فهو المطر. ٠٠٠ وأما قوله: ((كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون))، فإنه يقول تعالى ذكره : كما نحی هذا البلد الميت بما ننزل به من الماء الذى ننزله من السحاب ، فنخرج به من الثمرات بعد موته وجدوبته وقُحُوط أهله ، كذلك نخرج الموتى من قبورهم أحياءً بعد فنائهم ودروس آثارهم = ((لعلكم تذكرون))، يقول تعالى ذكرُه للمشركين به من عبدة الأصنام ، المكذبين بالبعث بعد الممات ، المنكرين الثواب والعقاب: ضربتُ لكم، أيها القوم ، هذا المثل الذى ذكرت لكم : من إحياء البلد الميت بقَطْر المطر الذى يأتى به السحاب الذى تنشره الرياح التى وصفت صفتها ، لتعتبروا فتذكّروا وتعلموا أن من كان ذلك من قدرته ، فيسيرٌ فى قدرته إحياء الموتى بعد فنائها، وإعادتها خلقاً سويًّا بعد دُرُوسها.(١) وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . • ذكر من قال ذلك : ١٤٧٨٣ - حدثنى محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط، عن السدى قوله: ((كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون))، وكذلك تخرجون ، وكذلك النشور ، كما نخرج الزرع بالماء . ٠ ١٤٧٨٤ - وقال أبو هريرة : إن الناس إذا ماتوا فى النفخة الأولى ، أمطر (١) انظر تفسير ((التذكر)) فيما سلف ص: ٢٩٩، تعليق: ١، والمراجع هناك. ٤٩٤ تفسير سورة الأعراف : ٥٧ عليهم من ماء تحت العرش يُدعى ((ماء الحيوان)) أربعين سنة، فينبتون كما ينبت الزرع من الماء . حتى إذا استكملت أجسادهم، نفخ فيهم الروح، ثم تُلقى عليهم نَوْمة فينامون فى قبورهم . فإذا نفخ فى الصور الثانية عاشوا، وهم يجدون طعم النوم فى رؤوسهم وأعينهم، كما يجد النائم حين يستيقظ من نومه، فعند ذلك يقولون : ﴿يَاوَيِلَنَا مَنْ بَعَثْنَا مِنْ مَرْ قَدِنا﴾، فناداهم المنادى: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [سورة يس: ٥٢].(١) ... ١٤٧٨٥ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قول الله: ((كذلك نخرج الموتى))، قال: إذا أراد الله أن يخرج الموتى ، أمطر السماء حتى تتشقق عنهم الأرض ، ثم يرسل الأرواح ، فتعود كل روح إلى جسدها ، فكذلك يحيى اللّه الموتى بالمطر کإحيائه الأرض . (١) الأثر : ١٤٧٨٤ - هذا الخبر عن أبى هريرة، رواه بغير إسناد، وكنت أظنه من رواية السدى فى الأثر السالف ، ولكنى شككت فى ذلك ، فآثرت أن أضع له رقماً مستقلا . وأيا ما كان ، فإنى لم أجد نص هذا الخبر فى شىء من مراجعى. وحديث أبى هريرة فى البعث ، رواه مسلم فى صحيحه ١٨ : ٩١ ، قال : ((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بين النفختين أربعون. قالوا: يا أبا هريرة: أربعون يوماً؟ قال: أُبَيْتُ. قالوا: أربعون شهراً؟ قال: أبيتُ. قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيتُ، ثم ينزل الله من السماء ماءَ فَيَذْبُتُون كما يَذْبُتُ البَقْل. وَليس من الإنسانِ شىء إلاّ يَبْلَى، إلا عظماً واحداً، وهو عَجْبُ الذنب، ومنه يُرَ كَّبُ الخلقُ يوم القيامة)). ٤٩٥ تفسير سورة الأعراف : ٥٨ القول فى تأويل قوله ﴿ وَالْبَهُ الطَّيْبُ يَخْرُجُ نَبَتُهُ وِ بِإِذْنِ رَبِّ مُ وَّذِى خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إلَّ تِكِدَا كَذْلِكَ كُصَرِّفُ الْأَيْتَ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ﴾ ﴾) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : والبلدُ الطيبة تربته، العذبةُ مشاربه ، يخرج نباته إذا أنزل الله الغيث وأرسل عليه الحيا، بإذنه، طيباً ثمرُه فى حينه ووقته. والذى خَبُث فردؤت تربته ، وملحت مشاربه ، لا يخرج نباته إلا نكداً= ... = يقول : إلا عَسِيرًا فى شدة، كما قال الشاعر: (١) لاَ تُنْجِزُ الوَعْدَ ، إِنْ وَعَدْتَ، وإن أُعْطَيْتَ أَعْطَيْتَ تَافِهَاَ نَكِدَا(٢) ١٥٠/٨ يعنى بـ ((التّافه))، القليل، وب ((النكد)) العسر. يقال منه: ((نكد بَنْكَد نكَداً، ونكْداً = فهو نَكَدُّ ونَكِدٌ))، والنُّكْد، المصدر. ومن أمثالهم: ((نكْداً وجحداً))، و((نُكدًا وجُحْدا)). و((الجحد))، الشدة والضيق. ويقال: ((إذا شُفِه وسئل: (٣) قد نَكّدوه ينكَدُونه نَكْداً))، كما قال الشاعر: (٤) وَأَعْطِ مَا أَعْطَيْتَهُ طَيِّبً، لَاَ خَيْ فِى الَّنْكُودِ والنَّاكِدِ(٥) . . واختلفت القرأة فى قراءة ذلك . فقرأه بعض أهل المدينة: ﴿ إِلَّ نَكَدًا)، بفتح الكاف. ٠ ٠ ٠ (١) لم أعرف قائله (٢) مجاز القرآن لأبى عبيدة ١ : ٢١٧ ولسان العرب (تفه). (٣) ((شفه الرجل)) (بالبناء المجهول)، إذا كثر سؤال الناس إياه فأعطى حتى نفد ما عنده فأغنى ماله. ((فهو مشفوه)) ومثله (( منكود ، ومثمود، ومعروك ، ومعجوز، ومصفوف، ومكثور عليه)). ويقال: ((ماء مشفوه))، كثير الشاربة، وكذلك الماء والطعام. (٤) لم أعرف قائله . (٥) اللسان (نكد)، وقد ذكرت البيت آنفاً ١: ٤٤٢، تعليق: ١. ٤ ٦ تفسير سورة الأعراف : ٥٨ وقرأه بعض الكوفيين بسكون الكاف: ( نَكْدًا). ٠٠ ٠ ٠ وخالفهما بعد سائر القرأة فى الأمصار، فقرأوه: (إلاّ تَكِدًا)، بكسر الكاف. كأن من قرأه: ((نكتداً)) بنصب الكاف أراد المصدر. وكأنّ من قرأه بسكون الكاف أراد كسرها ، فسكنها على لغة من قال: ((هذه فخذ وكبده، وكان الذى يجب عليه إذا أراد ذلك أن يكسر ((النون ))من (( نكد) حتی یکون قد أصاب القياس . ٠ قال أبو جعفر: والصواب من القراءة فى ذلك عندنا، قراءةُ من قرأهُ: (فَكِداً)، يفتح ((النون)) وكسر ((الكاف))، لإجماع الحجة من قرأة الأمصار عليه. ٠ ٠ ٥ وقوله: ((كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون)»، يقول : كذلك : نُبين آية بعد آية، وندلى بحجة بعد حجة، ونضرب مثلاً بعد مثل، (١) لقوم يشكرون الله على إنعامه عليهم بالهداية ، وتبصيره إياهم سبيل أهل الضلالة ، باتباعهم ما أمرهم باتباعه ، وتجنُّبهم ما أمرهم بتجنبه من سبل الضلالة . وهذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر ، فالبلد الطيب الذى يخرج نباته بإذن ربه ، مثل للمؤمن = والذى خَبُث فلا يخرج نباته إلا نكداً ، مثل للكافر. ... وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . • ذكر من قال ذلك : ١٤٧٨٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية بن صالح ، عن على ، عن ابن عباس قوله: (( والبلد الطيب يخرج نباته (١) انظر تفسير (التصريف)) فيما سلف ٣: ٢٧٥، ١١/٢٧٦: ٣٥٦، ٢٥:١٢/٤٣٣ = وتفسير ((الآية)) فيما سلف من فهارس اللغة (أي).