Indexed OCR Text
Pages 301-320
:٠ ٣٠١ تفسير سورة الأعراف : ٤ والآخر منهما: أن يكون ((الإهلاك)) هو ((البأس)) بعينه ، فيكون فى ذكر ((الإهلاك)) الدلالةُ على ذكر ((مجىء البأس))، وفى ذكر (( مجىء البأس )) الدلالة على ذكر ((الإهلاك)). وإذا كان ذلك كذلك ، كان سواء عند العرب، بُدئ بالإهلاك ثم عطف عليه بالبأس ، أو بدئ بالبأس ثم عطف عليه بالإهلاك. وذلك كقولهم: ٨٨/٨ (((زرتنى فأكرمتنى))، إذ كانت ((الزيارة) هى ((الكرامة))، فسواء عندهم قدم ((الزيارة)) وأخر ((الكرامة))، أو قدم ((الكرامة)) وأخر ((الزيارة)) فقال: ((أكرمتنى فزرتنى)).(١) # وكان بعض أهل العربية يزعم أن فى الكلام محذوفاً ، لولا ذلك لم يكن الكلام صحيحاً = وأن معنى ذلك : وكم من قرية أهلكناها ، فكان مجىء بأسنا إياها قبل إهلاكنا. (٢) وهذا قول لا دلالة على صحته من ظاهر التنزيل ، ولا من خبر يجب التسليم له . وإذا خلا القولُ من دلالة على صحته من بعض الوجوه التى يجبُ التسليم لها، كان بيّناً فساده. ٠ ٠ وقال آخر منهم أيضاً: معنى ((الفاء)) فى هذا الموضع معنى ((الواو)). وقال: تأويل الكلام : وكم من قرية أهلكناها ، وجاءها بأسنا بياتاً . وهذا قول لا معنى له، إذ كان لـ((الفاء)) عند العرب من الحكم ما ليس للواو فى الكلام، فصرفها إلى الأغلب من معناها عندهم ، ما وجد إلى ذلك سبيل ، أولى من صرفها إلى غيره . ٠ ٠٠ فإن قال: وكيف قيل: ((فجاءها بأسنا بياتاً أو هم قائلون))، وقد علمت أن الأغلب من شأن ((أو))فى الكلام، اجتلابُ الشك، وغير جائز أن يكون فى خبر اللّه شك ؟ (١) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٣٧١. (٢) هذه مقالة الفراء فى معانى القرآن ١: ٣٧١، قال: ((وإن شئت كان المعنى: وكم من قرية أملكناها ، فكان مجىء البأس قبل الإهلاك، فأضمرت كان)) . ٣٠٢ تفسير سورة الأعراف : ٤ قيل : إن تأويل ذلك خلافُ ما إليه ذهبتَ . وإنما معنى الكلام : وكم من قرية أهلكناها فجاء بعضها بأسنا بياتاً ، وبعضها وهم قائلون . ولو جعل مكان ((أو)) فى هذا الموضع ((الواو))، لكان الكلام كالمحال، ولصار الأغلبمن معنى الكلام: أن القرية التى أهلكها الله جاءها بأسه بياناً وفى وقت القائلة . وذلك خبرٌ عن البأس أنه أهلك من قد هلك، وأفنى من قد فنى. وذلك من الكلام خَلْفٌ. (١) ولكن الصحيح من الكلام هو ما جاء به التنزيل ، إذ لم يفصل القرى التى جاءها البأس بياناً ، من القرى التى جاءها ذلك قائلةً . ولو فُصلت، لم يخبر عنها إلا بالواو . وقيل: ((فجاءها بأسنا)) خبراً عن ((القرية)) أن البأس أتاها، وأجرى الكلام على ما ابتدىء به فى أول الآية. ولو قيل: ((فجاءهم بأسنا بياتاً))، لكان صحيحاً فصیحاً،ردًّا للكلام إلی معناه، إذ كان البأس إنما قصد به سكان القرية دون بنيانها، وإن كان قد نال بنيانها ومساكنها من البأس بالخراب ، نحوٌّ من الذى نال سكانها. وقد رجع فى قوله: ((أو هم قائلون))، إلى خصوص الخبر عن سكانها دون مساكنها ، لما وصفنا من أن المقصود بالبأس كان السكان ، وإن كان فى هلاكهم هلاك مسا کهم وخرابها . (٢) ولو قيل: ((أو هى قائلة))، كان صحيحاً، إذ كان السامعون قد فهموا المراد من الكلام . فإن قال قائل: أو ليس قوله: ((أو هم قائلون))، خبرًا عن الوقت الذى أتاهم فيه بأس الله من النهار ؟ قیل : بلی! ٥ (١) ((خلف)) (بفتح فسكون). يقال: ((هذا خلف من القول))، أى: ردىء ساقط ومنه المثل: ((سكت ألفاً، ونطق خلفاً)). (٢) انظر معانى القرآن الفراء ١ : ٣٧١. ٣٠٣ تفسير سورة الأعراف : ٤ ، ٥ فإن قال : أو ليس المواقيت فى مثل هذا تكون فى كلام العرب بالواو الدالّ على الوقت ؟ قيل : إن ذلك ، وإن كان كذلك، فإنهم قد يحذفون من مثل هذا الموضع، استثقالاً للجمع بين حرفى عطف، إذا كان ((أو))عندهم من حروف العطف، (١) وكذلك ((الواو))، فيقولون: ((لقيتنى مملقاً أو أنا مسافر))، بمعنى: أو وأنا مسافر، فيحذفون ((الواو)) وهم مريدوها فى الكلام، لما وصفت . (٢) ٠ ٠ # القول فى تأويل قوله ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَلُهُمْ إِذْ جَاءُمْ بَأْسُنَاَ إِلَّ أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَلِينَ ) )) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: فلم يكن دعوى أهل القرية التى أهلكناها، إذ جاءهم بأسنا وسطوتُنا بياناً أو هم قائلون ، إلا اعترافهم على أنفسهم بأنهم كانوا إلى أنفسهم مسيئين، وبربهم آثمين، ولأمره ونهيه مخالفين. (٣) ... وعنى بقوله جل ثناؤه: ((دعواهم))، فى هذا الموضع دعاءَ هم. ٠ ول((الدعوى))، فى كلام العرب، وجهان: أحدهما: الدعاء، والآخر: الادعاء للحق. ومن ((الدعوى)) التى معناها الدعاء، قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَمَا زَ الَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ ﴾ [ سورة الأنبياء: ١٥]، ومنه قول الشاعر: (٤) ٨٩/٨ وعندهم من حروف العطف )» بياض، وفوق البياض (١) فى المخطوطة: ((إذ كا (كذا)، وفى الهامش حرف (ط). والذى فى المطبوعة شبيه بالصواب . (٢) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٣٧٢. (٣) أنظر بيان قول ((بربهم آثمين)) فيما سلف ص: ١٧١، تعليق: ١، والمراجع هناك. (٤) كثير عزة . ٣٠٤ تفسير سورة الأعراف : • وَإِنْ مَذِلَتْ رِجْلِ دَعَوْتُكِ أَشْتَفِى بِدَعْوَاكِ مِنْ مَذْلِهَا فَهُونُ(١) ٠٠٠ وقد بينا فيما مضى قبل أن ((البأس)) و((البأساء)) الشدة، بشواهد ذلك الدالة على صحته ، بما أغنى عن إعادته فى الموضع . (٢) ٠ ٠ وفى هذه الآية الدلالةُ الواضحة على صحة ما جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله: ((ما هلك قوم حتى يُعْذِروا من أنفسهم)). ٠ وقد تأوّل ذلك كذلك بعضهم . ١٤٣٢٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير ، عن أبى سنان ، عن عبد الملك بن ميسرة الزرَّاد قال : قال عبد الله بن مسعود: قال رسول اللهصلى اللّه عليه وسلم: ما هلك قوم حتى يُعْذِرِوا من أنفسهم - قال قلت لعبد الملك : كيف يكون ذلك؟ قال: فقرأ هذه الآية: ((فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا)»، الآية . (٣) ... فإن قال قائل: وكيف قيل: ((فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلاّ أن قالوا إنا كنا ظالمين)) ؟ وكيف أمكنتهم الدعوى بذلك ، وقد جاءهم بأس اللّه بالهلاك ؟ أقالوا ذلك قبل الهلاك ؟ فإن كانوا قالوه قبل الهلاك ، فإنهم قالوا قبل (١) ديوانه ٢: ٢٤٥، فى باب الزيادات، نهاية الأرب ٢: ١٢٥، واللسان (مذل). ((مذلت رجله مذلا ( بفتح وسكون) ومذلا ( بفتحتين) : خدرت ، وكانوا يزعمون أن المرء إذا خدرت رجله ثم دعا باسم من أحب ، زال خدرها . (٢) انظر تفسير ((البأس)) فيما سلف ص: ٢٩٩، تعليق: ٣، والمراجع هناك. (٣) الأثر: ١٤٣٢٣ - ((عبد الملك بن ميسرة الهلالى الزراد))، ثقة، روى له الجماعة، مضى برقم: ٥٠٣، ٥٠٤، ١١٣٢٦، مات فى العشر الثانى من المئة الثانية. لم يدرك ابن مسعود ولا غيره من الصحابة . فإسناده منقطع . وهذا الخبر ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣ : ٤٤٨، عن الطبرى ولم يخرجه . وخرجه السيوطى فى الدر المنثور ٣ : ٦٧، ولم ينسبه إلى غير ابن أبى حاتم. ((أعذر من نفسِه))، إذا أمكن معاقبه بذنبه منها . يعنى: أنهم لا يملكون حتى تكثر ذنوبهم وعيوبهم ، فيعذروا من أنفسهم ، ويستوجبوا العقوبة ، ويكون لمن يعذبهم عذر فى إلحاق العذاب بهم. ٣٠٥ تفسير سورة الأعراف : ٥، ٦ مجىء البأس ، واللّه يخبر عنهم أنهم قالوه حين جاءهم ، لا قبل ذلك ؟ أو قالوه بعد ما جاءهم ، فتلك حالة قد هلكوا فيها ، فكيف يجوز وصفهم بقيل ذلك إذا عاينوا بأس اللّه، وحقيقة ما كانت الرسل تعدهم من سطوة اللّه؟ (١). قيل : ليس كل الأمم كان هلاكها فى لحظة ليس بين أوّله وآخره مَهَلٌ ، بل كان منهم من غرق بالطوفان . فكان بين أوّل ظهور السبب الذى علموا أنهم به هالکون ، وبین آخرہ الذی عمّ جمیعھم هلا كه، المدة التى لا خفاء بها على ذى عقل. ومنهم من مُنِّع بالحياة بعد ظهور علامة الهلاك لأعينهم أياماً ثلاثة، كقوم صالح وأشباههم . فحينئذ لما عاينوا أوائل بأس الله الذى كانت رسل الله تتوعدهم به، وأيقنوا حقيقة نزول سطوة الله بهم، دعوا: ((يا ويلنا إنا كنا ظالمين))، فلم يك ينفعهم إيمانهم مع مجىء وعيد اللّه وحلول نقمته بساحتهم . فحذّر ربنا جل ثناؤه الذين أرسل إليهم نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم من سطوته وعقابه على كفرهم به وتكذيبهم رسوله ، ما حلَّ بمن كان قبلهم من الأمم إذ عصوا رُسله، واتبعوا أمر كل جبار عنيد . القول فى تأويل قوله ﴿فَلَنَسْلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْلَنَّ الْمُرْسَلِينَ) (٤) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : لنسألن الأمم الذين أرسلت إليهم رسلى : ماذا عملت فيما جاءتهم به الرسل من عندى من أمرى ونهى؟ هل عملوا بما أمرتهم به ، وانتهوا عما نهيتهم عنه، وأطاعوا أمرى، أم عصوفى فخالفوا ذلك؟=((ولنسألن (١) فى المخطوطة وصل الكلام هكذا (( وحقيقة ما كانت الرسل تعدهم من سطوة اللّه وليس كل الأم ))، بالواو، وليس فيها ((قيل))، وقد أحسن الناشر الأول فيما فعل، وإن كنت أظن أن فى الكلام سقطاً . ج١٢ (٢٠) ٣٠٦ تفسير سورة الأعراف : ٦ المرسلين))، يقول: ولنسألن الرسل الذين أرسلتهم إلى الأمم : هل بلغتهم رسالاتى، وأدّت إليهم ما أمرتهم بأدائه إليهم ، أم قصّروا فى ذلك ففرَّطوا ولم يبلغوهم؟. وكذلك كان أهل التأويل يتأولونه . # ٠ ذكر من قال ذلك : ٠ ١٤٣٢٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية بن صالح، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس قوله: ((فلنسألن الذى أرسل إليهم ولنسألن المرسلين ))، قال: يسأل الله الناس عما أجابوا المرسلين، ويسأل المرسلين عما بلغوا . ١٤٣٢٥ - حدثی محمد بن سعد قال، حدثی أبى قال ، حدثنى عمى قال ، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((فلنسألن الذين أرسل إليهم)) إلى قوله: ((غائبين))، قال : يوضع الكتاب يوم القيامة ، فيتكلم بما كانوا يعملون . ١٤٣٢٦ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، ٩٠/٨ حدثنا أسباط، عن السدى: ((فلنسألنّ الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين))، يقول : فلنسألن الأمم : ما عملوا فيما جاءت به الرسل ؟ ولنسألن الرسل : هل بلغوا ما أرسلوا به؟ ١٤٣٢٧ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا أبو سعد المدنى قال، قال مجاهد: (( فلنسألن الذين أرسل إليهم))، الأمم = ولنسألن الذين أرسلنا إليهم عما ائتمنا هم عليه : هل بلغوا؟(١) (١) الأثر: ١٤٣٢٧ - ((أبو سعد المدنى))، مضى فى الأثر رقم: ١٤٣٢٢، ولم أعرف من هو ، ولم أجد له ترجمة . ٣٠٧ تفسير سورة الأعراف : ٧ القول فى تأويل قوله ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَابِبِينَ) ) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فلنخبرن الرسل ومن أرسلتهم إليه بيقين علم بما عملوا فى الدنيا فيما كنت أمرتهم به، وما كنت نهيتهم عنه(١) =(( وما كنا غائبین ))، عنهم وعن أفعالهم التى كانوا يفعلونها . فإن قال قائل : وكيف يسأل الرسلَ ، والمرسل إليهم، وهو يخبر أنه يقصّ عليهم بعلم بأعمالهم وأفعالهم فى ذلك ؟ قيل : إن ذلك منه تعالى ذكره ليس بمسألة استرشاد ، ولا مسألة تعرّف منهم ما هو به غير عالم ، وإنما هو مسألة توبيخ وتقرير معناها الخبر ، كما يقول الرجل للرجل: ((ألم أحسن إليك فأسأت؟))، و((ألم أصلك فقطعت؟)). فكذلك مسألة الله المرسلَ إليهم، بأن يقول لهم: ((ألم يأتكم رسلى بالبينات؟ ألم أبعث إليكم النذر فتنذركم عذابى وعقابى فى هذا اليوم من كفر بى وعبد غيري )) ؟ كما أخبر جل ثناؤه أنه قائل لهم يومئذ: (أَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بِنِى آدَمَ أَلاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ أَعْبُدُ ونِىِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾، [سورة يس: ٦٠، ٦١]، ونحو ذلك من القول الذى ظاهره ظاهر مسألة ، ومعناه الخبر والقصص ، وهو بعدُ توبيخ وتقرير . وأما مسألة الرسل الذى هو قصص وخبر ، فإن الأمم المشركة لما سئلت فى القيامة قيل لها: ((ألم يأتكم رُسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم))؟ أنكر ذلك كثير منهم وقالوا: ((ما جاءنا من بشير ولا نذير)). فقيل للرسل: ((هل بلغتم ما أرسلتم به))؟ أو قيل لهم: ((ألم تبلغوا إلى هؤلاء ما أرسلتم به؟))، كما جاء الخبر (١) انظر تفسير (القصص)) فيما سلف ٩: ١٢/٤٠٢: ١٢٠. ٣٠٨ تفسير سورة الأعراف : ٧ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما قال جل ثناؤه لأمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَ كُمْ أُمَّةً وَسَطًّا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكمَ شَهِيدًا﴾، [سورة البقرة: ١٤٣]. فكل ذلك من اللّه مسألة للرسل على وجه الاستشهاد لهم على من أرسلوا إليه من الأمم ، وللمرسل إليهم على وجه التقرير والتوبيخ ، وكل ذلك بمعنى القصص والخبر . فأما الذى هو عن اللّه منفىٌّ من مسألته خلقه، فالمسألة التى هى مسألة استرشاد واستثبات فيما لا يعلمه السائل عنها ويعلمه المسئول، ليعلم السائل علم ذلك من قِبَله، فذلك غير جائز أن يوصف الله به ، لأنه العالم بالأشياء قبل كونها وفى حال كونها وبعد كونها ، وهى المسألة التى نفاها جل ثناؤه عن نفسه بقوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍلاَ يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلاَ جَانٌّ﴾، [سورة الرحمن: ٣٩]، وبقوله: ﴿وَلاَ يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾، [ سورة القصص: ٧٨]، يعنى: لا يسأل عن ذلك أحداً منهم مسألة مستثبت، (١) ليعلم علم ذلك من قبل من سأل منه ، لأنه العالم بذلك کله و بکل شیء غيره . # وقد ذكرنا ما روى فى معنى ذلك من الخبر فى غير هذا الموضع ، فكرهنا إعادته .(٢) # وقد روى عن ابن عباس أنه كان يقول فى معنى قوله: ((فلنقصن عليهم # يعلم ))، أنه ينطق لهم كتاب عملهم عليهم بأعمالهم . وهذا قولٌ غيرُ بعيد من الحق ، غير أن الصحيح من الخبر عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان ، فيقول له: (( أتذ کر یوم فعلت كذا وفعلت كذا )» ؟ حتى (١) فى المطبوعة والخطوطة: ((لا يسأل عن ذلك أحداً منهم علم مستثبت)) وهو غير مستقيم، والصواب ما أثبت . (٢) انظر ما سلف ٣ : ١٤٥ - ١٥٤. ٣٠٩ تفسير سورة الأعراف : ٧، ٨ يذكره ما فعل فى الدنيا (١) = والتسليم لخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى من ٩١/٨ التسليم لغيره . ٠ القول فى تأويل قوله ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن تَقُلَتْ مَوَّزِينُهُ، وَأُوْلَبِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (١) قال أبو جعفر: ((الوزن)) مصدر من قول القائل: ((وزنت كذا وكذا أزِنِه وَزْناً، وزِنَةٌ))، مثل: ((وعدته أعده وعداً وعدة )) . وهو مرفوع : ((الحق))، و((الحق)) به. (٢) ٠ ٠٠ ومعنى الكلام : والوزن يوم نسأل الذين أرسل إليهم والمرسلين ، الحق = ويعنى بـ ((الحق))، العدل" .. وكان مجاهد يقول: ((الوزن))، فى هذا الموضع، القضاء. ١٤٣٢٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: (( والوزن يومئذ))، القضاء. (١) هذا الخبر الذى صححه الطبرى، لم أجده بتمامه، ووجدت صدره من رواية ابن خزيمة، عن أبى خالد عبد العزيز بن أبان القرشى، قال : حدثنا بشيربن المهاجر ، عن عبد الله بن بريدة ، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما منكم من أحد إلا سيخلو اللّه به يوم القيامة، ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان)» (حادى الأرواح ٢: ١٠٨، ١٠٩)، وخرجه الهيثمى فى مجمع الزوائد: ٣٤٦، بلفظ: ((ليس منتكم من أحد إلا سيكلمه الله عز وجل ... ))، ثم قال: ((رواه البزار، وفيه عبد العزيز بن أبان، وهو متروك)). وسيأتى فى التعليق على رقم: ٠١٤٣٣٣ وأما الأخبار بمعنى هذا الخبر، فقد جاءت بالأسانيد الصحاح . ورواه الترمذى بهذا اللفظ فى أبواب صفة القيامة، من حديث عدى بن حاتم، وقال: ((هذا حديث حسن صحيح)). (٢) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٣٧٣. ٣١٠ تفسير سورة الأعراف : ٨ وكان يقول أيضاً: معنى ((الحق ))، ههنا، العدل . ذكر الرواية بذلك : ٠ ١٤٣٢٩ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن مجاهد: ((والوزن يومئذ الحق))، قال: العدل . ٠ ٥ وقال آخرون: معنى قوله: ((والوزن يومئذ الحق))، وزن الأعمال . ذكر من قال ذلك : * ١٤٣٣٠ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط، عن السدى قوله: (( والوزن يومئذ الحق ))، توزن الأعمال. ١٤٣٣١ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((والوزن يومئذ الحق))، قال : قال عبيد بن عمير : يؤتى بالرجل العظيم الطويل الأكول الشَّروب، فلا يزن جناح بَعُوضة . ١٤٣٣٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: (( والوزن يومئذ الحق )) ، قال قال عبيد بن عمير : يؤتى بالرجل الطويل العظيم فلا يزن جناح بعوضة . ١٤٣٣٣ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا يوسف ابن صهيب، عن موسى ، عن بلال بن يحيى، عن حذيفة قال: صاحب الموازين يوم القيامة جبريل عليه السلام ، قال: يا جبريل ، زن بينهم! فردً من بعضٍ على بعض. قال: وليس ثم ذهبٌ ولا فضة . قال: فإن كان للظالم حسناتٍ ، أخذ من حسناته فتردّ على المظلوم ، (١) وإن لم یکن له حسناتحمل عليه من (١) فى المطبوعة أسقط من الكلام ما لا يستقيم إلا به ، فرددتها إلى أصلها من المخطوطة. كان فى المطبوعة: « يا جبريل زن بينهم، فرد على المظلوم ... » ٣٠٩ تفسير سورة الأعراف : ٧، ٨ يذكره ما فعل فى الدنيا (١) = والتسليم لخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى من ٩١/٨ التسليم لغيره . * القول فى تأويل قوله ﴿ وَاَلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ أَلَقُّ فَمَن تَقُلَتْ مَوَّزِينُهُ وَأُوْلَبِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (١) قال أبو جعفر: ((الوزن)) مصدر من قول القائل: ((وزنت كذا وكذا أزِنِه وَزْناً، وزِنَةٌ))، مثل: ((وَعدته أعده وعداً وعدة )) . وهو مرفوع بـ ((الحق))، و((الحق)) به. (٢) ٠ ٠ # ومعنى الكلام : والوزن يوم نسأل الذين أرسل إليهم والمرسلين ، الحق = ويعنى بـ ((الحق))، العدل" .. ٠ وكان مجاهد يقول: ((الوزن))، فى هذا الموضع، القضاء. ١٤٣٢٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: (( والوزن يومئذ)»، القضاء . # (١) هذا الخبر الذى صححه الطبرى، لم أجده بتمامه، ووجدت صدره من رواية ابن خزيمة، عن أبى خالد عبد العزيز بن أبان القرشى، قال: حدثنا بشيربن المهاجر ، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما منهكم من أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة، ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان)» (حادى الأرواح ٢: ١٠٨، ١٠٩)، وخرجه الهيثمى فى مجمع الزوائد: ٣٤٦، بلفظ: ((ليس منكم من أحد إلا سيكلمه الله عز وجل ... ))، ثم قال: ((رواه البزار، وفيه عبد العزيز بن أبان، وهو متروك)). وسيأتى فى التعليق على رقم: ٠١٤٣٣٣ وأما الأخبار بمعنى هذا الخبر، فقد جاءت بالأسانيد الصحاح . ورواه الترمذى بهذا اللفظ فى أبواب صفة القيامة، من حديث عدى بن حاتم، وقال: ((هذا حديث حسن صحيح)). (٢) انظر معانى القرآن الفراء ١ : ٣٧٣. ٣١٠ تفسير سورة الأعراف : ٨ وكان يقول أيضاً: معنى ((الحق))، ههنا، العدل . • ذكر الرواية بذلك : ١٤٣٢٩ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن مجاهد: ((والوزن يومئذ الحق))، قال : العدل . # وقال آخرون: معنى قوله: (( والوزن يومئذ الحق))، وزن الأعمال. ذكر من قال ذلك : ١٤٣٣٠ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط، عن السدى قوله: ((والوزن يومئذ الحق))، توزن الأعمال . ١٤٣٣١ - حدثی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((والوزن يومئذ الحق))، قال : قال عبيد بن عمير : يؤتى بالرجل العظيم الطويل الأكول الشَّروب، فلا يزن جناح بعوضة . ١٤٣٣٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: (( والوزن يومئذ الحق)) ، قال قال عبيد بن عمير : يؤتى بالرجل الطويل العظيم فلا يزن جناح بعوضة . ١٤٣٣٣ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا يوسف ابن صهيب، عن موسى، عن بلال بن يحيى، عن حذيفة قال: صاحب الموازين يوم القيامة جبريل عليه السلام ، قال: يا جبريل ، زن بينهم! فردًّ من بعضٍ على بعض . قال : وليس ثم ذهبٌ ولا فضة. قال : فإن كان للظالم حسناتٍ ، أخذ من حسناته فتردّ على المظلوم، (١) وإن لم يكن له حسنات حُميل عليه من (١) فى المطبوعة أسقط من الكلام ما لا يستقيم إلا به، فرددتها إلى أصلها من المخطوطة. كان فى المطبوعة: ((يا جبريل زن بينهم، فرد على المظلوم ... » ٣١١ تفسير سورة الأعراف : ٨ سيئات صاحبه ، فيرجع الرجل وعليه مثل الجبال، فذلك قوله: (( والوزن يومئذ الحق)).(١) ٠ ٠ # واختلف أهل التأويل فى تأويل قوله: ((فمن ثقلت موازينه)). فقال بعضهم : معناه : فمن كثرت حسناته . • ذكر من قال ذلك : ١٤٣٣٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن مجاهد: ((فمن ثقلت موازينه))، قال : حسناته . ... وقال آخرون : معنى ذلك : فمن ثقلت موازينه التى توزن بها حسناته وسيئاته . قالوا: وذلك هو ((الميزان)) الذى يعرفه الناس، له لسان وكفَّتان. * ذكر من قال ذلك : ١٤٣٣٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج قال ، قال ابن جريج: قال لى عمرو بن دينار قوله: ((والوزن يومئذ الحق))، قال : إنا نرى ميزاناً وكفتين، سمعت عبيد بن عمير يقول: يُجْعَل الرجل العظيم الطويل فى الميزان ، ثم لا يقوم یجناح ذباب . ... قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك عندى ، القولُ الذى ذكرناه عن عمرو بن دينار، من أن ذلك هو ((الميزان)) المعروف الذى يوزن به ، (١) الأثر: ١٤٣٣٣ - ((الحارث))، هو ((الحارث بن أبى أسامة))، ثقة مضى مراراً. و ((عبد العزيز))، هو ((عبد العزيز بن أبان الأموى))، كذاب خبيث يضع الأحاديث ، مضى ذكره مراراً، رقم: ١٠٢٩٥، ١٠٣١٥، ١٠٣٥٨، ١٠٣٦٠، ١٠٥٥٣. ((يوسف بن صهيب الكندى))، ثقة. مترجم فى التهذيب، والكبير ٣٨٠/٢/٤، وابن أبى حاتم ٤/ ٢ / ٢٢٤. و ((موسى)" كثير ، ولم أستطع أن أعينه . و ((بلال بن يحيى العبسى))، يروى عن حذيفة. ثقة، مترجم فى التهذيب، والكبير ٢/١/ ١٠٨، وابن أبى حاتم ١ /٣٩٦/١. ٣١٢ تفسير سورة الأعراف : ٨ وأن الله جل ثناؤه یزن أعمال خلقهالحسنات منها والسيئات، كما قال جلثناؤه: (( فمن ثقلت موازينه))، موازين عمله الصالح = ((فأولئك هم المفلحون))، يقول: فأولئك هم الذين ظفروا بالنجاح، وأدركوا الفوز بالطلبات، والخلود والبقاء فى الجنات ، (١) لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: ((ما وُضِع فى الميزان شىء أثقل من حسن الخُلق))، (٢) ونحو ذلك من الأخبار التى تحقق أن ذلك ٩٢/٨ ميزانٌ يوزن به الأعمال ، على ما وصفت . # فإن أنكر ذلك جاهل بتوجيه معنى خبر الله عن الميزان وخبر رسوله صلى اللّه عليه وسلم عنه، وِجْهتَه، وقال: أوَ باللّه حاجة إلى وزن الأشياء، وهو العالم بمقدار كل شىء قبل خلقه إياه وبعده ، وفى كل حال ؟ = أو قال : وكيف توزن الأعمال ، والأعمال ليست بأجسام توصف بالثقل والخفة ، وإنما توزن الأشياء ليعرف ثقلها من خفتها ، وكثرتها من قلتها ، وذلك لا يجوز إلا على الأشياء التى توصف بالثقل والخفة ، والكثرة والقلة ؟ قيل له فى قوله: ((وما وجه وزن اللّه الأعمالَ، وهو العالم بمقاديرها قبل كونها)): وزن ذلك، نظیرُ إثباته إياه فی أمّ الکتاب واستنساخه ذلك فی الکتب ، من غير حاجة به إليه ، ومن غير خوف من نسيانه ، وهو العالم بكل ذلك فى كل حال ووقت قبل کونه وبعد وجوده ، بل لیکون ذلك حجة على خلقه ، کما قال جل ثناؤه فى تنزيله: (كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَىِكِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَاكُنْتُْ تَعْمَلُونَ» هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [ سورة الجاثية: ٢٨، ٢٩] الآية. فكذلك (١) انظر تفسير ((الفلاح)) فيما سلف ص: ١٣٠ تعليق: ٢ والمراجع هناك. (٢) روى الترمذى فى سننه فى كتاب ((البر والصلة)) باب ((ما جاء فى حسن الخلق))، عن أبى الدرداء، قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((ما من شىء أثقل فى ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، فإن الله تعالى يبغض الفاحش البذيء))، ثم قال: ((وفى الباب عن عائشة، وأبى هريرة ، وأنس، وأسامة بن شريك. هذا حديث حسن صحيح)). وقال السيوطى فى الدر المنثور ٣ : ٧١ ((وأخرجه أبو داود والترمذى وصححه وابن حبان واللالكائى، عن أبى الدرداء)». ٣١٣ تفسير سورة الأعراف : ٨ وزنه تعالى أعمال خلقه بالميزان، حجة عليهم ولهم، إما بالتقصير فى طاعته والتضييع ، وإما بالتكميل والتتميم . (١) وأمّاً وجه جواز ذلك ، فإنه كما : - ١٤٣٣٦ - حدثنى موسى بن عبد الرحمن المسروقى قال، حدثنا جعفر ابن عون قال ، حدثنا عبد الرحمن بن زياد الإفريقى ، عن عبد الله بن يزيد ، عن عبد الله بن عمرو، قال: يُؤْتى بالرجل يوم القيامة إلى الميزان، فيوضع فى الكفّة، فيخرج له تسعة وتسعون سجلاً فيها خطاياه وذنوبه . قال : ثم يخرج له كتاب مثل الأنْمُلة، فيها شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم. قال : فتوضع فى الكفّة ، فترجح بخطاياه وذنوبه . (٢) (١) هذه إحدى حجج أبى جعفر، التى تدل على لطف نظره، ودقة حكمه، وصفاء بيانه، وقدرته على ضبط المعانى ضبطاً لا يختل . فجزاه الله عن كتابه ودينه أحسن الجزاء ، يوم توفى كل نفس ما كسبت . (٢) الأثر: ١٤٣٣٦ - ((موسى بن عبد الرحمن المسروق)) شيخ أبى جعفر، مضى مراراً، آخرها رقم : ٨٩٠٦ . و ((جعفر بن عون بن عمروبن حريث المخزومى))، ثقة، مضى برقم : ٩٥٠٦، ١٤٢٤٤ . و((عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقى المعافرى))، هو ((ابن أنعم))، ثقة. مضى برقم: ٢١٩٥، ١٠١٨٠، ٠١١٣٣٧ و ((عبد الله بن يزيد المعافرى)) أبو عبد الرحمن الحبلى المصرى، ثقة، مضى برقم : ٦٦٥٧، ٩٤٨٣، ١١٩١٧ ٠ وكان فى المطبوعة: ((عن عبد اللّه بن عمر))، وهو خطأ، صوابه من المخطوطة. وهذا خبر صحيح الإسناد . ورواه أحمد فى مسنده بغير هذا اللفظ مطولا ، فى مسند عبد الله بن عمرو رقم : ٦٩٩٤ من طريق الليث بن سعد ، عن عامر بن يحيى، عن أبى عبد الرحمن الحبلى = ثم رواه أيضاً رقم : ٧٠٦٦ من طريق ابن لهيعة، عن عمرو بن يحيى (عامر بن يحيى) ، عن أبى عبد الرحمن الحبلى . ورواه من الطريق الأولى عند أحمد ابن ماجة فى سننه ص : ١٤٣٧ . ورواه الحاكم فى المستدرك ١ : ٦ من طريق يونس بن محمد ، عن الليث بن سعد ، عن عامر بن يحيى، عن أبى عبد الرحمن المعافرى الحبلى وقال: ((هذا حديث صحيح ، لم يخرج فى الصحيحين ، وهو صحيح على شرط مسلم))، ووافقه الذهبي. ثم عاد فرواه فى المستدرك أيضاً ١: ٥٢٩ من طريق يحيى بن عبد الله بن بكير، عن الليث، مثل إسناده وقال: ((هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)) ووافقه الذهبي . ٣١٤ تفسير سورة الأعراف : ٨ ٠ . . فكذلك وزن اللّه أعمال خلقه ، بأن يوضع العبد وكتب حسناته فى كفة من كفتى الميزان، وكتب سيئاته فى الكفة الأخرى ، ويحدث الله تبارك وتعالى ثقلاً وخفة فى الكفة التى الموزون بها أولى ، احتجاجاً من الله بذلك على خلقه ، كفعله بكثير منهم : من استنطاق أيديهم وأرجلهم ، استشهاداً بذلك عليهم ، وما أشبه ذلك من حججه . ويُسألَ من أنكر ذلك فيقال له : إن الله أخبرنا تعالى ذكره أنه يثقل موازين قوم فى القيامة ، ويخفف موازين آخرين ، وتظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحقيق ذلك ، فما الذى أوجب لك إنكار الميزان أن يكون هو الميزان الذى وصفنا صفته، الذى يتعارفه الناس ؟ أحجة عقل تُبْعِد أن يُنال وجه صحته من جهة العقل؟(١) وليس فى وزن الله جل ثناؤه خلقه وكتبَ أعمالهم لتعريفهم أثقل القسمين منها بالميزان ، خروجٌ من حكمة، ولا دخول فى جور فى قضية ، فما الذى أحال ذلك عندك من حجة عقلٍ أو خبر؟(٢) إذا كان لا سبيل إلى حقيقة القول بإفساد ما لا يدفعه العقل إلا من أحد الوجهين اللذين ذكرتُ ، ولا سبيل إلى ذلك. وفى عدم البرهان على صحة دعواه من هذين الوجهين، وضوحُ فساد قوله ، وصحة ما قاله أهل الحق فى ذلك . وليس هذا الموضع من مواضع الإكثار فى هذا المعنى على من أنكر الميزان الذى وصفنا صفته، إذ كان قصدُنا فى هذا الكتاب: البيانَ عن تأويل القرآن دون غيره . ولولا ذلك لقرنًا إلى ما ذكرنا نظائره ، وفى الذى ذكرنا من ذلك كفاية لمن وُفِّق لفهمه إن شاء الله. (١) فى المطبوعة: أحجة عقل فقد يقال وجه صحته ... وهو كلام غير مستقيم. وفى المخطوطة: ((أحجة عقل بعدان ننال وجه صحته ... ))، وكأن الصواب ما قرأته وأثبته . (٢) فى المطبوعة: ((فا الذى أحال ذلك عندك من حجة أعقل أو خبر))، وهو فاسد، وفى المخطوطة: (( ... من حجة أو عقل أو خبر))، بزيادة ((أو))، وبحذفها يستقيم الكلام. ٣١٥ تفسير سورة الأعراف : ٩، ١٠ القول فى تأويل قوله ﴿وَمَنْ حَقَّتْ مَوَّزِيْتُو ◌َأُوْلَلَئِكَ الَّذِينَ خَبِرُوَاْ أَنفُسَهُم بِمَآَ كَانُواْ بَّاَلِنَاَ يَظْلُونَ﴾ (١) ٩٣/٨ قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه : ومن خفت موازين أعماله الصالحة ، فلم تثقل بإقراره بتوحيد الله، والإيمان به وبرسوله ، واتباع أمره ونهيه ، فأولئك الذين غَبَنوا أنفسهم حظوظها من جزيل ثواب الله وكرامته (١)= ((بما كانوا بآياتنا يظلمون)»، يقول : بما كانوا بحجج اللّه وأدلته يجحدون ، فلا يقرّون بصحتها ، ولا يوقنون بحقيقتها ، (٢) كالذى : - ١٤٣٣٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن مجاهد: ((ومن خفت موازينه))، قال : حسناته . ... وقيل: ((فأولئك))، و((من)) فى لفظ الواحد، لأن معناه الجمع . ولو جاء موحّداً ، كان صواباً فصيحاً .(٣) القول فى تأويل قوله ﴿وَلَقَدْ مَكَتْكُمْ فِ اْأَرْضِ وَجَمَلْنَاَ لَكُمْ فِيهَاَ مَعَبِشَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ) ) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولقد وطَّأنا لكم، أيها الناس، فى الأرض، (٤) وجعلناها لكم قراراً تستقرُّون فيها ، ومهاداً تمتهدونها ، وفراشاً تفترشونها(٥) = (( وجعلنا (١) انظر تفسير ((الخسارة)) فيما سلف ص: ١٥٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك. (٢) انظر تفسير ((الظلم)) فيما سلف من فهارس اللغة (ظلم). (٣) انظر معانى القرآن للفراء ١ : ٣٧٣. (٤) فى المطبوعة: ((ولقد وطنا لكم أيها الناس))، والصواب من المخطوطة. (٥) انظر تفسير ((مكن)» فيما سلف ١١ : ٢٦٣. ٣١٦ تفسير سورة الأعراف : ١٠ لكم فيها معايش))، تعيشون بها أيام حياتكم ، من مطاعم ومشارب ، نعمة منى عليكم ، وإحساناً منى إليكم = ((قليلا ما تشكرون))، يقول : وأنتم قليل شكركم على هذه النعم التى أنعمتها عليكم لعبادتكم غيرى ، واتخاذ كم إلهاً سواى . # و((المعايش)) جمع ((معيشة)). # * واختلفت القرأة فى قراءتها . فقرأ ذلك عامة قرأة الأمصار: ﴿مَعَايِشَ) بغير همز . * وقرأه عبد الرحمن الأعرج: ﴿مَعَالِشَ﴾ بالهمز . * قال أبو جعفر: والصواب من القراءة فى ذلك عندنا: ﴿مَعَانِشَ) بغير همز ، لأنها (مفاعل)) من قول القائل ((عشتَ تعيش))، فالميم فيها زائدة، والياء فى الحكم متحركة، لأن واحدها ((مَفْعلة))، ((مَعْيَشة))، متحركة الياء، نقلت حركة الياء منها إلى ((العين)) فى واحدها. فلما جُمعت، رُدّت حركتها إليها لسكون ما قبلها وتحركها . وكذلك تفعل العرب بالياء والواو إذا سكن ما قبلهما وتحركتا ، فى نظائر ما وصفنا من الجمع الذي يأتى على مثال ((مفاعل))، وذلك مخالف لما جاء من الجمع على مثال (( فعائل)) التى تكون الياء فيها زائدة ليست بأصل . فإن ما جاء من الجمع على هذا المثال، فالعرب تهمزه، كقولهم: ((هذه مدائن)) و ((صحائف)) ونظائرهما، (١) لأن ((مدائن)) جمع ((مدينة)) و ((المدينة))، ((فعيلة)) من قولهم : ((مدنت المدينة))، وكذلك، ((صحائف)) جمع ((صحيفة))، و((الصحيفة))))، ((فعيلة)) من قولك: ((صحفت الصحيفة))، فالياء فى واحدها زائدة ساكنة ، فإذا جمعت همزت، لخلافها فى الجمع الياء التى كانت فى واحدها ، وذلك أنها كانت (١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((ونظائر)) والسياق يقتضى ما أثبت. ٣١٧ تفسير سورة الأعراف : ١٠، ١١ فى واحدها ساكنة، وهى فى الجمع متحركة. ولو جعلت ((مدينة)) ((مَفْعلة)) من: ((دان يدين))، وجمعت على ((مفاعل))، كان الفصيح ترك الهمز فيها وتحريك الياء . وربما همزت العرب جمع ((مفعلة)) فى ذوات الياء والواو = وإن كان الفصيح من كلامها ترك الهمز فيها، إذا جاءت على ((مفاعل)) = تشبيهاً منهم جمعها بجمع ((فعيلة)) كما تشبه ((مَفْعلا)) ((بفعيل)) فتقول: ((مَسِيل الماء)) من: ((سال يسيل))، ثم تجمعها جمع ((فعيل)) فتقول: ((هى أمسلة))، فى الجمع، تشبيهاً منهم لها بجمع ((بعير)) وهو ((فعيل)) إذ تجمعه ((أبعرة))، وكذلك يجمع ((المصير)) وهو ((مَفْعَل))، ((مُصْران)) تشبيهاً له بجمع: ((بعير)) وهو ((فعيل))، إذ تجمعه ((بُعْران)).(١) وعلى هذا همز الأعرج ((معايش)). وذلك ليس بالفصيح فى كلامها ، وأولى ما قرئ به كتاب اللّه من الألسن أفصحها وأعرفها ، دون أنكرها وأشذِّها . القول فى تأويل قوله ﴿وَلَقَدْ خَقْتَسْكُمْ ثُمَّ صَوَّرْ نَكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَنَكَةِ أُسْجُدُواْ لِأَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلَّ إِبْلِسَ لَمْ يَكُنْ مِّنَ السَّجِدِينَ) ١) قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك . فقال بعضهم: تأويل ذلك: ((ولقد خلقناكم))، فى ظهر آدم ، أيها الناس = ((ثم صورناكم))، فى أرحام النساء. خلقاً مخلوقاً ومثالاً ممثلاً فى صورة آدم. · ذكر من قال ذلك : (١) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٣٧٣، ٣٧٤. ٣١٨ تفسير سورة الأعراف : ١١ ١٤٣٣٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى ٩٤/٨ معاوية، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس قوله: ((ولقد خلقنا كم ثم صورناكم))، قوله: ((خلقناكم))، يعنى آدم = وأمّا ((صورنا كم))، فذريته . ١٤٣٣٩ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال ، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((ولقد خلقنا كم ثم صورناكم)) الآية، قال: أمّا ((خلقناكم))، فآدم. وأمّا ((صورنا كم))، فذرية آدم من بعده. ١٤٣٤٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام ، عن أبى جعفر ، عن الربيع: ((ولقد خلقناكم))، يعنى آدم = ((ثم صورناكم))، يعنى: فى الأرحام . ١٤٣٤١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الرحمن ابن سعد قال ، أخبرنا أبو جعفر الرازى ، عن الربيع بن أنس فى قوله: ((ولقد خلقناكم ثم صورناكم ))، يقول : خلقناكم خلق آدم ، ثم صورناكم فى بطون أمهاتكم . ١٤٣٤٢ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: ((ولقد خلقناكم ثم صورناكم))، يقول : خلقنا آدم ، ثم صورنا الذرية فى الأرحام . ١٤٣٤٣ -حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا یزید بن زريع قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة: ((ولقد خلقنا كم ثم صورناكم))، قال : خلق الله آدم من طين = ((ثم صورناكم))، فى بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق: علقة ، ثم مضغة ، ثم عظاماً ، ثم كسا العظام لحماً ، ثم أنشأناه خلقاً آخر. (١) ١٤٣٤٤ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن (١) الأثر: ١٤٣٤٣ - ((بشر بن معاذ العقدى))، مضى مراراً، وهذا إسناد يدور فى التفسير دوراناً، ولكنه جاء هنا فى المخطوطة والمطبوعة: ((بشر بن آدم))، وهو خطأ. لا شك فى ذلك .