Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
تفسير سورة الأنعام : ١١٤
القول فى تأويل قوله ﴿وَالَّذِينَ ،أَتَبْتَهُمُ الْكِتَّبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ,
مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْمِقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْتُمْتَرِينَ) (١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : إن أنکر هؤلاء العادلون بالله الأوثان من
قومك توحيدَ اللّه، وأشركوا معه الأندادَ، وجحدوا ما أنزلته إليك، وأنكروا أنّ
يكون حقاً وكذَّبوا به = فالذين آتيناهم الكتاب ، وهو التوراة والإنجيل من
بنى إسرائيل = ((يعلمون أنه منزل من رّبك))، يعنى القرآن وما فيه = ((بالحق))
يقول : فصلاً بين أهل الحق والباطل، يدلُّ على صدق الصادق على اللّه، (١)
وكذب الكاذب المفترى عليه = (( فلا تكونن من الممترين ))، يقول : فلا تكونن ،
يا محمد، من الشاكين فى حقيقة الأنباء التى جاءتك من اللّه فى هذا الكتاب ،
وغير ذلك مما تضمنه ، لأن الذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنَّه منزل من ربك
بالحق .
#
#
وقد بينا فيما مضى ما وجه قوله: ((فلا تكونن من الممترين))، بما أغنى عن
إعادته ، مع الرواية المروية فيه ، (٢) وقد : -
١٣٧٨٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الله بن
أبی جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: (( فلا تكونن منالممترين»، يقول: لا تكونن
فى شك مما قصّصنا عليك .
*
(١) فى المطبوعة: ((الصادق فى على الله))، وفى المخطوطة: ((الصادق على اللّه))، والصواب
ما أثبت .
(٢) انظر تفسير ((الامتراء)) فيما سلف ٣: ١٩٠ - ٦/١٩٢: ٤٧٢، ٢٦٠:١١/٤٧٣

٦٢
تفسير سورة الأنعام : ١١٥
القول فى تأويل قوله ﴿وَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ صِدْقَاً وَعَدْلًا
لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِهِ ، وَهُوَ السَِّيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره : وكملت = ((كلمة ربك))، يعنى القرآن.
...
سماه ((كلمة))، كما تقول العرب للقصيدة من الشعر يقولها الشاعر: ((هذه
كلمة فلان)) . (١).
٥
#
= ((صدقاً وعدلاً))، يقول: كملت كلمة ربك من الصدق والعدل .
..
و((الصدق)) و((العدل)) نصبا على التفسير للكلمة، كما يقال: ((عندى
عشرون درهماً)). (٢)
#
٥
= ((لا مبدّل لكلماته))، يقول: لا مغيِّر لما أخبر فى كتبه أنه كائن ، من
وقوعه فى حينه وأجله الذى أخبر اللّه أنه واقع فيه ، (٣) وذلك نظير قوله جل ثناؤه
(ُرِيدَونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلاَمَ اللهِ قُلْ لَنْ تَّبِعُونَ كَذَلِكُمْ قَالَ اللهُ مِنْ قَبْلُ﴾.
[سورة الفتح: ١٥]. فكانت إرادتهم تبديل كلام اللّه، مسألتهم فيَّ اللّه أن يتركهم
يحضرون الحرب معه، وقولهم له ولمن معه من المؤمنين: ﴿ ذَرُونَاَ نَتَّبِعَكُم)، بعد الخبر
الذى كان الله أخبرهم تعالى ذكره فى كتابه بقوله: ﴿فَإِنْ رَجَعَكُ اللهُ إلى
طَائِقَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَ نُكَ لِلْخُرُوجِ فَقَمُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِىَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَتِلُوا مَعِىَ
عَدُوًّا) الآية، [سورة التوبة: ٨٣]، فحاولوا تبديل كلام الله وخبره بأنهم لن يخرجوا
٨/٨
(١) انظر تفسير ((الكلمة)) فيما سلف ٣: ٧ - ٦/١٧: ٣٧١، ٤١٠ - ٤١٢ /٨ :
٩/٤٣٢: ١٠/٤١٠: ١٢٩، ٠٣١٣
(٢) ((التفسير))، هو ((التمييز))، انظر فهارس المصطلحات فيما سلف.
(٣) انظر تفسير ((التبديل)) فيما سلف ١١ : ٣٣٥، وفهارس اللغة (بدل).

٦٣
تفسير سورة الأنعام : ١١٥
مع نبى الله فى غزاةٍ، ولن يقاتلوا معه عدوًّا بقولهم لهم: ((ذرونا نتبعكم))، فقال الله
جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ((يريدون أن يبدلوا)) = بمسألتهم إياهم
ذلك = كلام الله وخبره: ((قل لن تتبعونا كذلكم قال اللّه من قبل)). فكذلك
معنى قوله: ((لا مبدّل لكلماته))، إنما هو لا مغيِّر لما أُخبرَ عنه من خبر أنه
كائن ، فيبطل مجيئه وكونه ووُقُوعه على ما أخبرَ جل ثناؤه، لأنه لا يزيد المفترون
فى كتب اللّه ولا ينقصون منها . وذلك أن اليهود والنصارى لا شك أنهم أهلُ كتب
اللّه التى أنزلها على أنبيائه ، وقد أخبر جل ثناؤه أنهم يحرِّفون غيرَ الذى أخبر أنَّه
لا مبدّل له .
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
١٣٧٨٩ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً لامبدل لكلماته))، يقول: صدقاً وعدلاً
فيماحكم .
٠
٠ ٠
وأما قوله: ((وهو السميع العليم))، فإن معناه: واللّه (( السميع))، لما يقول هؤلاء
العادلون بالله، المقسمون باللّه جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها ، وغير
ذلك من كلام خلقه = ((العليم))، بما تؤول إليه أيمانهم من برّ وصدق وكذب
وحِنْثٍ ، وغير ذلك من أمور عباده .(١)
(١) انظر تفسير (السميع)) و((العليم)) فيما سلف من فهارس اللغة (سمع) و (على) .
٠٠٠
وعند هذا الموضع ، انتهى جزء من التقسيم القديم الذى نقلت عنه نسختنا ، وفيها ما نصه :

٦٤
تفسير سورة الأنعام : ١١٦
القول فى تأويل قوله ﴿وَإِن تُطِعْ أَ كْثَرَ مَن فِى الْأَرْض
يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَبِعُونَ إِلَّ الظَّنَّ وَ إِنْ هُمْ إِلَيَخْرُصُونَ) (١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لا تطع
هؤلاء العادلين باللّه الأنداد ، يا محمد ، فيما دعوك إليه من أكل ما ذبحوا لآلهتهم ،
وأهلُّوا به لغير ربهم، وأشكالَهم من أهل الزيغ والضلال ، فإنك إن تطع أكثر
من فى الأرض يضلوك عن دين الله ، ومحجة الحق والصواب، فيصدّوك عن ذلك.
وإنما قال الله لنبيه: ((وإن تطع أكثر من فى الأرض))، من بنى آدم،
لأنهم كانوا حينئذ كفاراً ضلاًّلاً ، فقال له جل ثناؤه : لا تطعهم فيما دعوك
إليه ، فإنك إن تطعهم ضللت ضلالهم ، وكنتَ مثلهم ، لأنهم لا يدعونك
إلى الهدى وقد أخطأوه . ثم أخبر جل ثناؤهعن حال الذین نَھی نبيهعن طاعتهم
فيما دعوه إليه فى أنفسهم، فقال: ((إن يتبعون إلاّ الظن))، فأخبر جل ثناؤه
أنهم من أمرهم على ظن عند أنفسهم ، وحسبان على صحة عزم عليه ،(١) وإن
« يتلوه القول فى تأويل قوله :
وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِى الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ
سَبِيلِ اللهِ إِن ◌َّبِعُونَ إِلَّ الظَّنَّوَ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُسُونَ
وصلى الله على محمد النبى وآله وصحبه وسلم كثيراً »
ثم يتلوما نصه :
(بِسم الله الرحمن الرحيم
رَبِّ وَقُّقْ وَأَعِنْ))
(١) هكذا فى المطبوعة والمخطوطة، وأنا فى شك من صوابه .

٦٥
تفسير سورة الأنعام : ١١٦ ، ١١٧
كان خطأ فى الحقيقة = ((وإن هم إلا يخرصون))، يقول: ما هم إلاّ متخرُّصون،
يظنون ويوقعون حَزْرًا، لا يقينَ علمٍ .(١)
يقال منه: ((خرّصَ يخرُصُ خَرْصاً وخروصاً))، (٢) أى كذب ، و ((تخرّص
بظن))، و(تخرّص بكذب))، و((خرصتُ النخل أخرُصه))، و ((خَرِ صَتْ إِبلك))،
أصابها البردُ والجوع .
القول فى تأويل قوله ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عن
سيِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم : يا محمد ،
إن ربك الذى نهاك أن تطيع هؤلاء العادلين باللّه الأوثان ، لئلا يُضِلوك عن سبيله،
هو أعلم منك ومن جميع خلقه أيُّ خلقه يضلّ عن سبيله بزخرف القول الذى
يوحى الشياطين بعضُهم إلى بعض، فيصدُّوا عن طاعته واتباع ما أمر به = ((وهو
أعلم بالمهتدين )) ، يقول : وهو أعلم أيضاً منك ومنهم بمن كان على استقامة
وسداد ، لا يخفى عليه منهم أحد. يقول: واتبع ، يا محمد ، ما أمرتك به ، وانته
عما نهيتك عنه من طاعة من نهيتك عن طاعته، فإنى أعلم بالهادى والمضلّ من خلقى،
منك .
واختلف أهل العربية فى موضع: ((مَن)) فى قوله: ((إن ربك هو أعلم من
يضل)) .
(١) انظر مجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ٢٠٦.
(٢) فى المطبوعة: ((خرصا وخرصا))، وأثبت ما فى المخطوطة، ولم أجد ((خروصاً))،
مصدراً لهذا الفعل ، فى شىء مما بين يدى من كتب اللغة، ولكن ذكره أبو حيان فى تفسيره أيضاً
٤ : ٢٠٥ .
ج ١٢ (٥)

٦٦
تفسير سورة الأنعام : ١١٧
فقال بعض نحوبى البصرة: موضعه خفض بنيّة ((الباء)). قال: ومعنى الكلام:
إن ربك هو أعلم بمن يضِلُ. (١)
٩/٨
وقال بعض نحوبى الكوفة: موضعه رفع، لأنه بمعنى ((أىّ))، والرافع له
(((يضل")).(٢)
٥
٥
قال أبو جعفر: والصواب من القول فى ذلك أنه رفع ؛ (( یضل ))،وهو فى معنى
((أىّ)). وغير معلوم فى كلام العرب اسم مخفوض بغير خافض، فيكون هذا له
نظيراً .
٠
٠
وقد زعم بعضهم أن قوله: ((أعلم))، فى هذا الموضع بمعنى ((يعلم))، واستشهد
لقيله ببيت حاتم الطائى :
فَحَالَفَتْ طَبِّ مِنْ دُونِنَ حِفاً وَالْهُ أَعْلَمُ مَا كُنَّا لَهُمْ خُذُلاَ (٣)
وبقول الخنساء :
القَوْمُ أَعْلَمُ أَنَّ ◌َقْنَتَهُ تَنْدُوْ غَدَاةَ الرِّيحِ أَوْ تَسرى(٤)
(١) انظر ما سلف ١١: ٥٦٠، تعليق: ١، وأن قائله هو الأخفش.
(٢) انظر تفصيل ذلك فى معانى القرآن للفراء ١: ٣٥٢، وهذا قول الفراء.
(٣) البيت ليس فى ديوان حاتم، وهو فى تفسير القرطبى ٧: ٧٢، عن هذا الموضع من تفسير
أبى جعفر: وقوله: ((حلف)» هو بكسر الحاء واللام، ألحق اللام كسرة الحاء لضرورة الشعر. ولو
قال (( حلفا )» (بفتح الحاءوكسر اللام) وهو مصدر ((حلف يحلف)) مثل ((الحلف)) (بكسر فسكون) ،
لكان صواباً، لأن ((الحلف)) الذى هو العهد، إنما سمى ((حلفاً)) بمصدر ((حلف)» بمعنى أقسم، لأن
العهد يوثق باليمين والقسم .
(٤) ديوانها: ١٠٤، فى رثاء أخيها صخر ، وبعده:
فَإِذَا أَضَاءِ وَجَاشَ مِرْجَلُهُ فَلَيْمَ رَبُ النّارِ وَالقِدْرِ
وقولها: ((تغدو))، أى تغدو على قومه وضيوفه. و((غداة الريح))، أى غدوة فى زمن الشتاء ، فى
زمان القحط وقلة الألبان، ((وتسرى)). يعنى فى الليل. وقولها: ((أضاء)»، أى أوقد ناره لتوضع عليها
القدور ، ويراها الضيفان .

٦٧
تفسير سورة الأنعام : ١١٧، ١١٨
وهذا الذى قاله قائل هذا التأويل ، وإن كان جائزاً فى كلام العرب ، فليس
قولُ الله تعالى ذكره: ((إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله))، منه. وذلك أنه
عطف عليه بقوله: ((وهو أعلم بالمهتدین ))،فأبان بدخول (( الباء )) فى (( المهتدین ))
أن ((أعلم)) ليس بمعنى ((يعلم)، لأن ذلك إذا كان بمعنى ((يفعل))، لم يوصل بالباء،
كما لا يقال: ((هو يعلم بزيد))، بمعنى: يعلم زيداً.
القول فى تأويل قوله ﴿ فَكُلُواْ مِمَاذُ كِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ إِن
كُنتُم بِأَ يُهِ مُؤْمِنِينَ) (١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وعباده
المؤمنين به وبآياته: (( فكلوا))، أيها المؤمنون، مما ذكّيتم من ذبائحكم وذبحتموه الذبح
الذى بينت لكم أنه تحلّ به الذبيحة لكم ، وذلك ما ذبحه المؤمنون بى من أهل
دينكم دين الحق ، أو ذبحه من دان بتوحيدى من أهل الكتاب ، دون ما ذبحه
أهل الأوثان ومن لا كتاب له من المجوس = ((إن كنتم بآياته مؤمنين))، يقول :
إن كنتم بحجج اللّه التى أنتكم وأعلامه، بإحلال ما أحللت لكم، وتحريم ما حرمت
عليكم من المطاعم والمآكل ، مصدّقين. ودَعوا عنكم زخرف ما توحيه الشياطين
بعضها إلى بعض من زخرف القول لكم ، وتلبيس دينكم عليكم غروراً .
٠
وكان عطاء يقول فى ذلك ما : -
١٣٧٩٠ - حدثنا به محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالا ، حدثنا أبو عاصم
قال، أخبرنا ابن جريج قال، قلت لعطاء قوله: ((فكلوا مما ذكر اسم الله عليه))، قال:
يأمر بذكر اسمه على الشراب والطعام والذبح. وكل شىء يدلّ على ذكره يأمر به.

٦٨
تفسير سورة الأنعام : ١١٩
القول فى تأويل قوله ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُواْ بِمَا ذُ كِرَ أَسْمُ
اللهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّ مَا أَضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾
قال أبو جعفر : اختلف أهل العلم بكلام العرب فى تأويل قوله: (( وما لكم
أن لا تأكلوا)).
فقال بعض نحوبى البصريين : معنى ذلك: وأى شىء لكم فى أن لا تأكلوا.
قال: وذلك نظير قوله: ﴿ وَمَا لَنَا أُنْ لَا نُقَاتِلَ ﴾، [سورة البقرة: ٢٤٦]. يقول:
أىّ شىء لنا فى ترك القتال؟ قال: ولو كانت ((لا))، زائدة لا يقع الفعل. (١)
ولو كانت فى معنى: ((وما لنا وكذا))، لكانت: وما لنا وأن لا نقاتل.
٠
#
وقال غيره: إنما دخلت ((لا)) للمنع، لأن تأويل ((مالك))، ((وما منعك))
واحد. (( ما منعك لا تفعل ذلك))، و((ما لك لا تفعل))، واحد. فلذلك دخلت
((لا)). قال: وهذا الموضع تكون فيه ((لا))، وتكون فيه ((أنْ))، مثل قوله:
﴿ُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾، [سورة النساء: ١٧٦]، و((أن لا تضلوا))، يمنعكم من
الضلال بالبيان . (٢)
#
قال أبو جعفر : وأولى القولين فى ذلك بالصواب عندى ، قولُ من قال :
معنى قوله: ((وما لكم))، فى هذا الموضع: وأيُّ شيء يمنعكم أن تأكلوا مما ذكر
اسم الله عليه. وذلك أنّ اللّه تعالى ذكره تقدّم إلى المؤمنين بتحليل ما ذكر اسم
الله علیه ، وإباحة أکل ما ذبح بدینه أو دین من کان یدین ببعض شرائع کتبه
(١) قوله: ((لا يقع الفعل))، أى لا يتعدى، ((الوقوع))، التعدى.
(٢) استوفى أبو جعفر بحث هذا فيما سلف ٥: ٣٠٠ - ٣٠٥، والفراء فى معانى القرآن
١ : ١٦٣ - ١٦٦، ولم يشر إلى ذلك أبو جعفر كعادته فيما سلف.

٦٩
تفسير سورة الأنعام : ١١٩
المعروفة، وتحريم ما أهلّ به لغيره ، من الحيوان = وزجرهم عن الإصغاء لما يوحى ١٠/٨
الشياطين بعضهم إلى بعض من زخرف القول فى الميتة والمنخنقة والمتردية ، وسائر
ما حرم الله من المطاعم . ثم قال : وما يمنعكم من أكل ما ذبح بدينى الذى
ارتضيته ، وقد فصّلت لكم الحلال من الحرام فيما تطعمون، وبينته لكم بقولى: (١)
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخِنْزِيرِ وَمَا أَهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾، إلى قوله:
﴿فَمَنِ اضْطَرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمِ﴾، [سورة المائدة: ٣]، فلا لبس عليكم
فى حرام ذلك من حلاله ، فتتمنعوا من أكل حلاله حذراً من مواقعة حرامه .
فإذا كان ذلك معناه، فلا وجه لقول متأوِّلى ذلك: (( وأى شىء لكم فى أن لا
تأكلوا))، لأن ذلك إنما يقال كذلك ، لمن كان كف عن أكله رجاء ثواب
بالكفّ عن أكله ، وذلك يكون ممن آمن بالكفّ فكف اتّباعاً لأمر الله وتسليماً
لحكمه . ولا نعلم أحداً من سلف هذه الأمة كفَّ عن أكل ما أحل الله من
الذبائح رجاء ثواب الله على تركه ذلك، واعتقاداً منه أن الله حرمه عليه. فبيّن
بذلك ، إذ كان الأمر كما وصفنا ، أن أولى التأويلين فى ذلك بالصواب ما قلنا .
٠
وقد بينا فيما مضى قبل أن معنى قوله: ((فصَّل))، و((فصلنا))، و((فُصِّل))
بيِّن أو بُيِّن، بما يغنى عن إعادته فى هذا الموضع (٢) كما : -
١٣٧٩١ - حدثنى محمد بنعبد الأعلى قال، حدثنامحمد بن ثور ، عنمعمر ،
عن قتادة: (( وقد فصل لكم ما حرم عليكم)) ، يقول : قد بين لكم ما حرم
عليكم.
١٣٧٩٢ - حدثنى يونس قال : أخبرنا ابن وهب، عن ابن زيد ، مثله .
#
(١) فى المطبوعة: ((بقوله))، وفى المخطوطة: ((بقول))، وصواب قراءتها ما أثبت.
(٢) انظر تفسير ((التفصيل)) فيما سلف ص: ٦٠، تعليق: ٢، والمراجع هناك، وانظر فهارس
اللغة (فصل)

٧٠
تفسير سورة الأنعام : ١١٩
واختلفت القرأة فى قول الله جل ثناؤه: ((وقد فصل لكم ما حرم عليكم)).
فقرأه بعضهم: بفتح أول الحرفين من: ﴿فَصِّلَ﴾و ﴿حَرَّم)، أى: فصّل
ما حرّمه من مطاعمكم ، فبيّنه لكم .
وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ) بفتح فاء(فصل)) وتشديد صاده،٦]
﴿مَا حُرِّم)، بضم حائه وتشديد رائه، بمعنى: وقد فصل الله لكم المحرَّم عليكم
من مطاعمكم .
وقرأ ذلك بعض المكيين وبعض البصريين: ﴿ وَقَدْ فُصِّلَ لَكُمْ﴾، بضم فائه
وتشديد صاده، ﴿مَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾، بضم حائه وتشديد رائه ، على وجه ما لم يسم
فاعله فى الحرفين كليهما .
.وروى عن عطية العوفى أنه كان يقرأ ذلك: ﴿وَقَدْ فَصَلَ ﴾، بتخفيف الصاد
وفتح الفاء ، بمعنى: وقد أتاكم حكم الله فيما حَرَّم عليكم .
قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك عندنا أن يقال : إن كل هذه
القراءات الثلاث التى ذكرناها، سوى القراءة التى ذكرنا عن عطية ، قراءات
معروفات مستفيضةٌ القراءةُ بها فى قرأة الأمصار، وهن متّفقات المعانى غير
مختلفات ، فبأىِّ ذلك قرأ القارئ فمصيبٌ فيه الصوابَ .
٠
وأما قوله: ((إلا ما اضطررتم إليه))، فإنه يعنى تعالى ذكره : أن ما اضطررنا
إليه من المطاعم المحرّمة التى بيَّن تحريمها لنا فى غير حال الضرورة ، لنا حلال
ما كنا إليه مضطرين ، حتى تزول الضرورة ، (١) كما : -
(١) انظر تفسير ((اضطر)) فيما سلف ٣: ٥٦، ٩/٣٢٢: ٥٣٢

٧١
تفسير سورة الأنعام : ١١٩
١٣٧٩٣ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
((إلا ما اضطر رتم إليه))، من الميتة .
#
القول فى تأويل قوله ﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا أَيُضِلُونَ بِأَهْوَّابِ بِغَيْرِ
عِلمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ) (١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: وإن كثيراً من الناس [الذين] يجادلونكم
فى أكل ما حرم الله عليكم، (١) أيها المؤمنون بالله، من الميتة، ليُضلون أتباعهم
بأهوائهم من غير علم منهم بصحة ما يقولون، ولا برهان عندهم بما فيه يجادلون ،
إلا ركوباً منهم لأهوائهم ، واتباعاً منهم لدواعى نفوسهم، اعتداءً وخلافاً لأمر
الله ونهيه، وطاعة للشياطين (٢) =((إن ربك هو أعلم بالمعتدين))، يقول: إن
ربك ، يا محمد ، الذى أحل لك ما أحل وحرم عليك ما حرم ، هو أعلم بمن
اعتدى حدوده فتجاوزها إلى خلافها ، وهو لهم بالمرصاد. (٣)
...
واختلفت القرأة فى قراءة قوله: ((ليضلون)).
فقرأته عامة أهل الكوفة: ﴿ لَيُضِلُّونَ﴾، بمعنى: أنهم يضلون غيرهم .
٠
وقرأ ذلك بعض البصريين والحجازيين: ﴿لَيَضِلُّونَ﴾، بمعنى: أنهم هم الذين
يضلون عن الحق فيجورون عنه .
١١/٨
(١) الزيادة بين القوسين، يقتضيها السياق.
(٢) انظر تفسير ((الأهواء)) فيما سلف من فهارس اللغة (هوى)
- وتفسير ((الضلال)» فى فهارس اللغة ( ضلل)
(٣) انظر تفسير (الاعتداء)) فيما سلف من فهارس اللغة (عدا)

٧٢
تفسير سورة الأنعام : ١١٩، ١٢٠
قال أبو جعفر: وأولى إِالقراءتين بالصواب فى ذلك، قراءةُ من قرأ:
﴿وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَاْهِمْ)، بمعنى: أنهم يضلون غيرهم. وذلك أن اللهجل
ثناؤه أُخبرَ نبيه صلى الله عليه وسلم عن إضلالهم من تبعهم ، ونهاه عن طاعتهم
واتباعهم إلى ما يدعونه إليه، فقال: ﴿ وَإنْ تُطِعْ أُ كْثَرَ مَنْ فِ الْأَرْضِ
يُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ ، ثم أخبر أصحابه عنهم بمثل الذى أخبره عنهم، ونها هم من
قبول قولهم عن مثل الذى نهاه عنه، فقال لهم: وإن كثيراً منهم ليضلونكم بأهوائهم
بغير علم = نظير الذى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ((وإن تطع أكثر من فى
الأرض يضلوك عن سبيل الله)).
القول فى تأويل قوله ﴿وَذَرُواْ ظَهِرَ أَلْإِثْمِ وَبَطِنَّهُوَّ﴾
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: ودعوا ، أيها الناس، (١) علانية الإثم،
وذلك ظاهره = وسرّه ، وذلك باطنه ، كذلك : -
١٣٧٩٤ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة: ((وذروا ظاهر الإثم وباطنه))، أى: قليله وكثيره ، وسرّه وعلانيته .
١٣٧٩٥ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر، عن قتادة: ((وذروا ظاهر الإثم وباطنه)) ، قال : سره وعلانيته .
١٣٧٩٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام ، عن أبى جعفر ، عن
الربيع بن أنس فى قوله: ((وذروا ظاهر الإثم وباطنه))، يقول: سره وعلانيته =
وقوله: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾، [سورة الأعراف: ٣٣]، قال: سره وعلانيته .
١٣٧٩٧ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبد الله بن أبى
(١) انظر تفسير ((ذر)) فيما سلف ص: ٥٧، تعليق: ١، والمراجع هناك.

٧٣
تفسير سورة الأنعام : ١٢٠
جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس فى قوله: ((وذروا ظاهر الإثم وباطنه))،
قال : نهى اللّه عن ظاهر الإثم وباطنه، أن يعمل به سرًّا أو علانية، وذلك
ظاهره وباطنه .
/١٣٧٩ -حدثی المثنی قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد: (( وذروا ظاهر الإثم وباطنه)) ، معصية الله فى السر
والعلانية .
١٣٧٩٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، عن مجاهد: ((وذروا ظاهر الإثم وباطنه ))، قال : هو ما ينوى مما
هو عامل .
٠
ثم اختلف أهل التأويل فى المعنىِّ بالظاهر من الإثم والباطن منه ، فى هذا
الموضع .
فقال بعضهم: ((الظاهر منه))، ما حرم جل ثناؤه بقوله: ﴿ وَلَا تَنْكِحُوا
مَا نَكَحَ آبَاؤْكُمْ مِنَ النَّسَاءِ﴾، [سورة النساء: ٢٢]، وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ
أُمَّهَاتُكُمْ) الآية، [سورة النساء: ٢٣]، و((الباطن منه))، الزنا .
• ذكر من قال ذلك :
١٣٨٠٠ -حدثی المثی قال ، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد ، عن
عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير فى قوله: ((وذروا ظاهر الإثم وباطنه ))،
قال: الظاهر منه: ﴿وَلاَ تَفْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾
والأمهات والبنات والأخوات = و ((الباطن))، الزنا .
٠٠٠
وقال آخرون: ((الظاهر))، أولات الرايات من الزوانى، (١) ((والباطن))، ذوات الأخدان.
(١) ((أولات الرايات))، البغايا فى الجاهلية، كن ينصبن رايات عند خيامهن أو عند
بیھین ، یعرفن بها .

٧٤
تفسير سورة الأنعام : ١٢٠
• ذكر من قال ذلك :
١٣٨٠١ -حدثی محمد بن الحسین قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((وذروا ظاهر الإثم وباطنه)) أما ((ظاهره))،
فالزوانى فى الحوانيت، وأما ((باطنه))، فالصديقة يتخذها الرجل فيأتيها سرًّا.
١٣٨٠٢ -حدثتعن الحسین بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثی
عبيد بن سليمان قال : سمعت الضحاك يقول فى قوله: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا الفَوَاحِشَ
مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾، [سورة الأنعام: ١٥١]. كان أهل الجاهلية يستسرُّون
بالزنا، ويرون ذلك حلالاً ما كان سرًّا. فحرّم الله السر منه والعلانية =«ما ظهر
منها))، يعنى العلانية = ((وما بطن))، يعنى : السر.
١٣٨٠٣ -حدثنا ابن و کیع قال، حدثنا أبى، عن أبی مکین وأبيه ، عن
خصيف، عن مجاهد: ﴿لاَ تَقْرَبُوا الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾، قال:
((ما ظهر منها))، الجمع بين الأختين ، وتزويج الرجل امرأة أبيه من بعده =
(( وما بطن )) ، الزنا .
١٢/٨
#
ـو
وقال آخرون: ((الظاهر))، التعرّى والتجرد من الثياب، وما يستر العورة
فى الطواف = و((الباطن))، الزنا .
* ذكر من قال ذلك :
١٣٨٠٤ -حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾، قال: ظاهره العُرْيَة
التى كانوا يعملون بها حين يطوفون بالبيت، (١) وباطنه الزنا .
٠ ٥
(١) ((العربية)) (بضم العين وسكون الراء)، مصدر ((عرى من ثوبه يعرى عربياً وعرية))،
يقال: ((جارية حسنة العرية، وحسنة المعرى والمعراة))، أى حسنة عند تجريدها من ثيابها .

٧٥
تفسير سورة الأنعام : ١٢٠
قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى
ذكره تقدم إلى خلقه بترك ظاهر الإثم وباطنه ، وذلك سره وعلانيته. و((الإثم))
كل ما عُصِى اللّه به من محارمه، (١) وقد يدخل فى ذلك سرُّ الزنا وعلافيته ،
ومعاهرة أهل الرايات وأولات الأخدان منهن ، ونكاحُ حلائل الآباء والأمهات
والبنات ، والطواف بالبيت عرياناً ، وكل معصية لله ظهرت أو بطنت . وإذ
كان ذلك كذلك، وكان جميعُ ذلك ((إنماً))، وكان الله عمّ بقوله: ((وذروا ظاهر
الإثم وباطنه ))، جميع ما ظهر من الإثم وجميع ما بطن = لم يكن لأحد أن
يخصّ من ذلك شيئاً دون شىء ، إلا بحجة للعذر قاطعة .
غير أنه لوجاز أن يوجَّه ذلك إلى الخصوص بغير برهان ، كان توجيهه إلى
أنه عنى بظاهر الإثم وباطنه فى هذا الموضع ، ما حرم الله من المطاعم والمآكل
من الميتة والدم، وما بين اللّه تحريمه فى قوله: (( حرمت عليكم الميتة ))، إلى آخر
الآية ، أولى ، إذ كان ابتداء الآيات قبلها بذ کر تحريم ذلك جرى ، وهذه فى
سياقها . ولكنه غير مستنكر أن يكون عنى بها ذلك ، وأدخل فيها الأمر باجتناب
كل ما جانسه من معاصى الله، فخرج الأمر عامًا بالنهى عن كل ما ظهر أو
بطن من الإثم .
٠
القول فى تأويل قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِنْمَ سَيُجْزَوْنَ
بِمَ كَانُواْ يَشْتَرِفُونَ ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: إن الذين يعملون بما نَهاهم اللّه عنه ،
(١) انظر تفسير ((الإثم)) فيما سلف من فهارس اللغة (أثم)

٧٦
تفسير سورة الأنعام : ١٢٠ ، ١٢١
ويركبون معاصىَ اللّه، ويأتون ما حرَّم الله = ((سيجزون))، يقول: سيثيبهم الله يوم
القيامة بما كانوا فى الدنيا يعملون من معاصيه .(١)
#
القول فى تأويل قوله ﴿وَلَا تَأُْكُواْ مِمَا لَمْ يَذْ كَرِ اسْمُ اللهِ
عَلَيْهِ وَ إِنَّهُوَلَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيْطِيْنَ لَيُودُونَ إِلَىّ أَوْلِيَا بِهِمْ لِيُجْدِلُوكُمْ
وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ﴾ (١)
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: (( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه))،
لا تأكلوا، أيها المؤمنون، مما مات فلم تذبحوه أنتم، أو يذبحه موحّدٌ يدين للّه بشرائع
شَرّعها له فى كتاب منزل، فإنه حرام عليكم = ولا ما أهل به لغير اللّه مما ذبحه
المشركون الأوثانهم، فإن أكل ذلك ((فسق))، يعنى: معصية كفر.(٢)
...
فكنى بقوله: ((وإنه))، عن ((الأكل))، وإنما ذكر الفعل، (٣) كما قال:
﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِماناً﴾،
[سورة آل عمران ١٧٣] يراد به، فزاد قولهُم ذلك إيماناً، فكنى عن ((القول))، وإنما
جرى ذكره بفعلٍ . (٤)
...
(١) انظر تفسير ((كسب)) فيما سلف من فهارس اللغة (كسب)
= وتفسير ((الجزاء)) فيما سلف من فهارس اللغة ( جزا)
= وتفسير ((اقترف)) فيما سلف ص : ٥٩، ٦٠
(٢) انظر تفسير ((الفسق)) فيما سلف ١١: ٣٧٠؛ تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٣) ((الفعل))، هو المصدر.
(٤) انظر معانى القرآن للفراء ١ : ٣٥٢.

٧٧
تفسير سورة الأنعام : ١٢١
= ((وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم)).(١)
اختلف أهل التأويل فى المعنىّ بقوله: ((وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم))،
فقال بعضهم : عنى بذلك شياطين فارسَ ومن على دينهم من المجوس =
(إلى أوليائهم))، من مردة مشركى قريش، يوحون إليهم زخرف القول، يجدال
نبى الله وأصحابه فى أكل الميتة. (٢)
• ذكر من قال ذلك :
١٣٨٠٥ - حدثی عبد الرحمن بن بشر بن الحکم النيسابوری قال، حدثنا
موسى بن عبد العزيز القنبارىّ قال ، حدثنا الحكم بن أبان ، عن عكرمة : لما
نزلت هذه الآية ، تحريم الميتة ، قال: أوحت فارس إلى أوليائها من قريشٍ أنْ
خاصموا محمداً = وكانت أولياءهم فى الجاهلية(٣) = وقولوا له: أوّ ما ذبحتَ فهو
حلال ، وما ذَبح اللّه (٤) = قال ابن عباس: بِشمْشَارٍ من ذهب (٥) = فهو
حرام !! فأنزل الله هذه الآية: ((وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم))، قال
الشياطين : فارس ، وأولياؤهم قريش.(٦)
١٣/٨
(١) انظر تفسير ((الوحى)) فيما سلف من فهارس اللغة (وحى)
(٢) فى المطبوعة: ((يوحون إليهم زخرف القول ليصل إلى ذبى اللّه وأصحابه فى أكل الميتة))، لم
يحسن قراءة المخطوطة ، فاجتهد اجتهاداً ضرب على الجملة فساداً لا تعرف له غاية . وكان فى المخطوطة:
(( ... زخرف القول يحد إلى ذبى اللّه))، غير منقوطة، وهذا صواب قراءتها.
(٣) يعنى: وكانت قريش أولياء فارس وأنصارهم فى الجاهلية، وهى جملة معترضة وضعتها بين
خطين .
(٤) فى المطبوعة والخطوطة: ((إن ما ذبحت))، كأنه خبر، وهو استفهام واستنكار أن تكون
ذبيحة الخلق حلالا ، وذبيحة الله - فيما يز عمون، وهى الميتة - حراماً.
(٥) ((شمشار))، وفى تفسير ابن كثير ٣: ٣٨٩: ((بشمشير))، وتفسيره فى خبر آخر
يدل على أن ((الشمشار)) أو ((الشمشير))، هو السكين أو النصل، انظر رقم: ١٣٨٠٦، وكأن هذا
كان من عقائد المجوس ، أن الميتة ذبيحة الله ، ذبحها بشمشار من ذهب ! !
(٦) الأثر: ١٣٨٠٥ - ((عبد الرحمن بن بشربن الحكم العبدى النيسابورى))، ثقة ، صدوق
من شيوخ البخارى وأبى حاتم. مترجم فى التهذيب، وابن أبى حاتم ٢١٥/٢/٢.
و («موسى بن عبد العزيز اليمانى العدنى القنبارى»، لا بأس به ، متكلم فيه . مترجم فى التهذيب،

٧٨
تفسير سورة الأنعام : ١٢١
١٣٨٠٦ -حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسین قال، حدثی حجاج ، عن
ابن جريج قال ، قال عمرو بن دينار ، عن عكرمة : إن مشرکی قریش کاتبوا
فارس على الروم وكاتبتهم فارس، وكتبت فارسُ إلى مشركى قريش: ((إن
محمداً وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله ، فما ذبح اللّه بسكين من ذهب فلا
يأكله محمد وأصحابه = الميتة = وأمّا ما ذبحوا هم يأكلون))! وكتب بذلك المشركون
إلى أصحاب محمد عليه السلام ، فوقع فى أنفس ناس من المسلمين من ذلك شىء ،
فنزلت: ((وإنه لفسقٌ وإن الشياطين ليوحون)) الآية، ونزلت: ﴿يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى
بَعْضِ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُوراً﴾، [سورة الأنعام: ١١٢].
٠ ٠ ٠
وقال آخرون : إنما عنى بالشياطين الذين يغرُون بنى آدم : أنهم أوحوا
إلى أوليائهم من قريش .
• ذكر من قال ذلك :
١٣٨٠٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة ، عن سماك ،
عن عكرمة قال : كان ممّا أوحى الشياطين إلى أوليائهم من الإنس : كيف تعبدون
شيئاً لا تأكلون مما قَتّل ، وتأكلون أنتم ما قتلتم ؟ فرُوِى الحديث حتى بلغ النبيّ
صلى الله عليه وسلم، فنزلت: ((ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه)).
١٣٨٠٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قال ، قال ابن عباس: قوله: (( وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم))،
قال : إبليسُ الذى يُوحى إلى مشركى قريش = قال ابن جريج ، عن عطاء
الخراسانى ، عن ابن عباس قال : شياطين الجن يوحون إلى شياطين الإنس:
((يوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم)) = قال ابن جريج ، عن عبد الله بن كثير
والكبير البخارى ٢٩٢/١/٤، ولم يذكر فيه جرحاً، وابن أبى حاتم ٤ / ١/ ١٥١.
و((القنبارى)) نسبة إلى ((القنبار)) وهى حبال تقتل من ليف شجر النارجيل، الذى يقال له :
الجوز الهندى ، وتجر بحبالإالقنبار السفن لقوته .

٧٩
تفسير سورة الأنعام : ١٢١
قال : سمعت أنَّ الشياطين يوحون إلى أهل الشرك، يأمرونهم أن يقولوا: ما الذى
يموتُ، وما الذى تذبحون إلاّ سواء! يأمر ونهم أن يخاصِمُوا بذلك محمداً صلى الله
عليه وسلم = ((وإن أطعتموهم إنكم لمشركون))، قال: قولُ المشركين أمّا ما ذبح
اللّه، للميتة ، فلا تأكلون ، وأمّا ما ذبحتم بأيديكم فحلال !
١٣٨٠٩ -حدثنا محمد بن عمار الرازی قال، حدثنا سعيد بن سليمان قال ،
حدثنا شريك، عن سماك بن حرب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : إن المشركين
قالوا للمسلمين : ما قتل ربّكم فلا تأكلون ، وما قتلتم أنتم تأكلونه ! فأوحى الله
إلى نبيه صلى الله عليه وسلم: ((ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه)).(١)
١٣٨١٠ -حدثی محمد بن سعد قال، حدثی أبی قال ، حدثی عمى
قال ، حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : لما حرم الله الميتة ، أمر
الشيطان أولياءَه فقال لهم: ما قتل الله لكم، خيرٌ مما تذبحون أنتم بسكا كينكم !
فقال الله: (( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه)).
١٣٨١١ - حدثنا يحيى بن داود الواسطى قال ، حدثنا إسحق بن يوسف
الأزرق ، عن سفيان ، عن هرون بن عنترة ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال :
جادل المشركون المسلمين فقالوا: ما بال ما قتلَ اللّه لا تأكلونه ، وما قتلتم أنتم
أكلتموه! وأنتم تتبعون أمر الله! فأنزل الله: ((ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه
وإنه لفسق))، إلى آخر الآية .
١٣٨١٢ - حدثنا أبو کریب قال ، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن
سماك، عن عكرمة ، عن ابن عباس فى قوله: ((وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم))،
(١) الأثر: ١٣٨٠٩ - ((محمد بن عمار بن الحارث الرازى))، أبو جعفر، روى عن إسحق
ابن سليمان والسندى بن عبدويه، ومؤمل بن إسماعيل، وكتب عنه ابن أبى حاتم، وقال: ((وهو صدوق
ثقة)). مترجم فى ابن أبى حاتم ٤ / ١ / ٤٣.
((سعيد بن سليمان))، لم أعرف من يكون فيمن يسمى بذلك، وأخشى أن يكون صوابه: (( إسحق بن
سليمان الرازى))، الذى ذكر ابن حبان أن ((محمد بن عمار يروى عنه)).

٨٠
تفسير سورة الأنعام : ١٢١
يقولون: ما ذبح الله فلا تأكلوه، وما ذبحتم أنتم فكلوه! فأنزل الله: ((ولا تأكلوا
مما لم يذكر اسم الله عليه )) .
١٣٨١٣ -حدثنا ابن حميد قال، حدثنا یحیی بن واضح قال ، حدثنا
الحسين بن واقد ، عن يزيد ، عن عكرمة : إن ناساً من المشركين دخلُوا على
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أخبرنا عن الشاة إذا ماتت، من قَتّلها ؟
فقال: اللّهُ قتلها. قالوا: فتزعم أن ما قتلتَ أنت وأصحابُك حلالٌ ، وما قتله اللّه
١٤/٨ حرام! فأنزل الله: ((ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه)).
١٣٨١٤ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان ،
عن أبيه ، عن الحضرمىّ : أن ناساً من المشركين قالوا: أما ما قتل الصقر والكلب
فتأ کلونه ، وأما ما قتل الله فلا تأكلونه !
١٣٨١٥ - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله: (( فكلوا مما
ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين))، قال: قالوا: يا محمد، أمّا ما قتلتم
وذبحتم فتأكلونه، وأمّا ما قتل ربُّكم فتحرِّمونه! فأنزل الله: ((ولا تأكلوا مما لم يذكر
اسم الله عليه وإنه لفسق وإنّ الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم
إنكم لمشركون))، وإن أطعتموهم فى أكل ما نهيتكم عنه ، إنكم إذاً لمشركون.
١٣٨١٦ - حدثنا المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم ،
عن جويبر ، عن الضحاك قال : قال المشركون : ما قتلتم فتأكلونه ، وما قتل
ربكم لا تأكلونه! فنزلت: ((ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه)).
١٣٨١٧ -حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: ((وإن أطعتموهم إنكم لمشركون)) ،
قول المشركين : أما ما ذبح اللّه = للميتة = فلا تأكلون منه، وأما ما ذبحتم
بأیدیکم فهو حلال !