Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١
تفسير سورة الأنعام : ٩٦ ، ٩٧
الامتناع منه ممن أرادها.(١) يقول جل ثناؤه : فأخلصوا ، أيها الجهلة، عبادتكم
لفاعل هذه الأشياء ، ولا تشركوا فى عبادته شيئاً غيره .
٥
القول فى تأويل قوله ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْدُواْ
بِهَا فِ ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصْنَا الْأَيَتِ لِقَوْمٍ يَغْلُونَ) (١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : والله الذى جعل لكم ، أيها الناس ،
النجوم أدلةً فى البر والبحر إذا ضللتم الطريق ، أو تحيرتم فلم تهتدوا فيها ليلاً ،
تستدلون بها على المحجَّة ، فتهتدون بها إلى الطريق والحجة، فتسلكونه وتنجون بها
من ظلمات ذلك ، كما قال جل ثناؤه : ﴿وَعَلَاَمَاتٍ وَ بِالنّجْمِ مُمْ يَهْتَدُون﴾
[سورة النحل: ١٦]، أى: من ضلال الطريق فى البرّ والبحر = وعنى بالظلمات،
ظلمة الليل ، وظلمة الخطأ والضلال ، وظلمة الأرض أو الماء .
...
وقوله: ((قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون))، يقول: قد ميَّزنا الأدلة ، وفرّقنا
الحجج فيكم وبينّاها، أيها الناس، (٢) ليتدبّرها أولو العلم بالله منكم، ويفهمها
أولو الحجى منكم ، فينيبوا من جهلهم الذى هم مقيمون عليه ، وینزجروا عن
خطأ فعلهم الذى هم عليه ثابتون ، ولا يتمادوا عناداً لله = مع علمهم بأن ما هم
عليه مقيمون خطأ = فى غيّهم . (٣)
٥ ٥
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال جماعة من أهل التأويل .
(١) انظر تفسير ((العزيز))، و((العليم)) فيما سلف من فهارس اللغة.
(٢) انظر تفسير ((فصل)) فيما سلف ص: ٣٩٤ - ٣٩٦
(٣) فى المطبوعة: ((ولا يتمادوا فى عناد اللّه))، زاد ((فى))، فأقد الكلام غاية الإفساد،
وسياق العبارة ((ولا يمادوا عناداً للّه ... فى غيهم))، وفصلت الجملة المعترضة بخطين.
جـ١١ (٣٦)

٥٦٢
تفسير سورة الأنعام : ٩٧ ، ٩٨
• ذكر من قال ذلك :
١٣٦١٢ - حدثی محمد بن سعد قال، حدثی أبی قال ، حدثی عمى
قال ، حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: ((وهو الذى جعل لكم
النجوم لتهتدوا بها فى ظلمات البر والبحر))، قال : يضلّ الرجل وهو فى الظلمة
والجور عن الطريق .
٠
٠
القول فى تأويل قوله ﴿وَهُوَ الَّذِىَ أَنشَأْ كُمْ مِّن ◌ٍَّْ وَاحِدَةٍ
فَمُسْتَقَرٌ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا أَلْآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ﴾
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وإلهكم ، أيها العادلون باللّه غيره =
((الذى أنشأكم))، يعنى: الذى ابتدأ خلقكم من غير شىء ، فأوجدكم بعد أن
لم تكونوا شيئاً (١) = ((من نفس واحدة))، يعنى: من آدم كما :-
١٣٦١٣ - حدثنى محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((من نفس واحدة))، قال : آدم عليه السلام.
١٣٦١٤ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة قوله: ((وهو الذى أنشأكم من نفس واحدة))، من آدم عليه السلام.
...
وأما قوله: ((فمستقر ومستودع))، فإن أهل التأويل فى تأويله مختلفون .
فقال بعضهم: معنى ذلك: وهو الذى أنشأكم من نفس واحدة، فمنكم مستقير
فى الرحم ، ومنكم مستودع فى القبر حتى يبعثه الله لنَّشْر القيامة.
• ذكر من قال ذلك
١٣٦١٥ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو معاوية ، عن إسمعيل بن
أبى خالد، عن إبراهيم، عن عبد الله: ﴿ يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾، [سورة
هود: ٦]. قال: ((مستقرها))، فى الأرحام = ((ومستودعها))، حيث تموت.
(١) انظر تفسير ((أنشأ)) فيما سلف: ٢٦٣، ٢٦٤

٥٦٣
تفسير سورة الأنعام : ٩٨
١٣٦١٦ - حدثنى يعقوب قال، حدثنا هشيم، عن إسمعيل، عن إبراهيم ،
عن عبد الله أنه قال: ((المستودع)) حيث تموت، و((المستقر))، ما فى الرحم .
١٣٦١٧ - حدثت عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل ، عن السدى ،
عن مرة، عن عبد الله بن مسعود قال: ((المستقر))، الرحم، و((المستودع))،
المكان الذى تموت فيه .
١٣٦١٨ - حدثنى محمد بن عبيد المحاربى قال، حدثنا محمد بن فضيل ،
وعلى بن هاشم ، عن إسمعيل بن أبى خالد ، عن إبراهيم: ﴿ يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا
وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾، قال: ﴿مُسْتَقَرَّهَا)، فى الأرحام = ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾، فى الأرض ،
حیث تموت فيها .
١٣٦١٩ - حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا، حدثنا ابن إدريس ،
عن ليث، عن مقسم قال: (( مستقرها ))، فى الصلبحیثتأوىإليه = (( ومستودعها))،
حيث موت .
وقال آخرون: ((المستودع))، ما كان فى أصلاب الآباء = و((المستقر))،
ما كان فى بطون النساء ، وبطون الأرض ، أو على ظهورها .
* ذكر من قال ذلك :
١٣٦٢٠ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال ، حدثنا
كلثوم بن جبر ، عن سعيد بن جبير فى قوله: ((فمستقر ومستودع))، قال :
مستودعون ، ما كاذا فى أصلاب الرجال . فإذا قرّوا فى أرحام النساء أو
على ظهر الأرض أو فى بطنها ، فقد استقرّوا .
١٣٦٢١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا ابن علية، عن كلثوم بن جبر ،
عن سعيد بن جبير: ((فمستقر ومستودع))، قال: المستودعون ما كانوا فى أصلاب
الرجال . فإذا قرّوا فى أرحام النساء أو على ظهر الأرض ، فقد استقروا .
#
١٩١/٧

٥٦٤
تفسير سورة الأنعام : ٩٨
١٣٦٢٢ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا
شعبة ، عن المغيرة بن النعمان ، عن سعيد بن جبير قال ، قال ابن عباس :
﴿يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوَدَعَهَاَ﴾، [سورة هود: ٦]. قال: ((المستودع)) فى
الصلب = و ((المستقر))، ما كان على وجه الأرض أو فى الأرض. (١)
٠ ٠
وقال آخرون : بل معنى ذلك : فمستقر فى الأرض على ظهورها ، ومستودع
عند الله .
* ذكر من قال ذلك :
١٣٦٢٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان ، عن سفيان ،
عن المغيرة ، عن أبى الجبر بن تميم بن حذلم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن
عباس: ((المستقر)) الأرض، ((والمستودع))، عند الرحمن. (٢)
(١) الأثر: ١٣٦٢٢ - ((المغيرة بن النعمان النخعى))، يروى عن سعيد بن جبير،
وروى عنه شعبة، والثورى، ومسعر، وغيرهم. ثقة. مترجم فى التهذيب، والكبير ٣٢٥/١/٤،
وابن أبى حاتم ٢٣١/١/٤.
(٢) الأثر: ١٣٦٢٣ - ((المغيرة)) فى هذا الإسناد، هو ((المغيرة بن مقسم الضبى))،
إمام مشهور ، مضى مراراً ، آخرها رقم : ٩٢٩٢.
و ((أبو الجبر بن تميم بن حذام))، كان فى المطبوعةهنا، وفى رقم: ١٣٦٣٧،١٣٦٢٩ « أبو الخير
تميم بن حذلم))، وفى المخطوطة: ((أبو الحر تميم بن حذام))، غير منقوطة وبإسقاط ((بن))،
وهو خطأ. فإن ((تميم بن حذلم الضبى)) كنيته ((أبو سلمة))، أو ((أبو حذلم))، وهو من أصحاب
عبد اللّه بن مسعود، وأدرك أبا بكر، فهو تابعى قديم، وليس يروى عنه ((مغيرة))، إنما يروى
عنه من طريق ابنه هذا، ومن طريق إبراهيم النخعى. وهو مترجم فى التهذيب، والكبير ١٥١/٢/١،
١٥٢، وابن أبى حاتم ٤٤٢/١/١.
وأما ابنه ((أبو الجبر بن تميم))، فاسمه ((عبد الرحمن بن تميم بن حذلم الضبى))، روى عنه
أبو إسحق الهمدانى، ومغيرة. فلذلك صححت ما كان فى المخطوطة، والمطبوعة، وزدت ((بن))،
وكذلك أشار إليه البخارى فى التاريخ وغيره فى ترجمة أبيه، الكبير ١٥١/٢/١، ١٥٢.
و((أبو الجبر)) بالجيم والباء، وهو مذكور فى أكثر الكتب ((أبو الخير))، وهو خطأ،
ضبطه عبد الغنى فى المؤتلف والمختلف ، وابن ماكولا ، والدولابى ، وكذلك ذكره ابن أبى حاتم فى
الكنى (٣٥٥/٢/٤) فى حرف الجيم، وهو مترجم أيضاً فيه ٢١٨/٢/٢. وانظر الأثرين
التاليين رقم : ١٣٦٢٩ ، ١٣٦٣٧ .

٥٦٥
تفسير سورة الأنعام : ٩٨
١٣٦٢٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله ، عن إسرائيل ، عن
ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: ((المستقر))، الأرض، و((المستودع))، عند
ربك .
١٣٦٢٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
ابن عيينة، عن إسمعيل بن أبى خالد، عن إبراهيم قال، قال عبد الله: ((مستقها))،
فى الدنيا، ((ومستودعها))، فى الآخرة = يعنى = ((فمستقر ومستودع)).
١٣٦٢٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال ، أخبرنا ابن
المبارك، عن شعبة، عن أبى بشر، عن سعيد بن جبير قال: ((المستودع))، فى
الصلب، و((المستقر))، فى الآخرة وعلى وجه الأرض.
...
وقال آخرون : معنى ذلك : فمستقر فى الرحم ، ومستودع فى الصلب .
• ذكر من قال ذلك :
١٣٦٢٧ - حدثنا هناد قال، حدثنا أبو الأحوص، عن أبى الحارث ، عن
عكرمة، عن ابن عباس فى قول الله: ((فمستقر ومستودع))، قال: مستقر فى
الرحم ، ومستودع فى صلب، لم يخلق سَيُخلق.(١)
١٣٦٢٨ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن يحيى الجابر ، عن
عكرمة: ((فمستقر ومستودع))، قال: ((المستقر))، الذى قد استقر فى الرحم ،
و ((المستودع))، الذى قد استودع فى الصلب. (٢)
١٣٦٢٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن أبى
الجبر بن تميم ، عن سعيد بن جبير، قال ابن عباس: سل! فقلت: ((مستقرّ
(١) فى المطبوعة: ((وسيخلق)) بزيادة الواو، ولا ضرورة لها .
(٢) الأثر: ١٣٦٢٨ - ((يحيى الجابر))، هو ((يحي بن المجبر)) منسوباً لحده، و((يحيى
ابن عبد الله بن الحارث بن المجبر التيمى))، مضى برقم: ١٠١٨٨ - ١٠١٩٠، وكان فى المطبوعة
هنا ((يحيى الجابرى))، وهو خطأ صرف .

٥٦٦
تفسير سورة الأنعام : ٩٨
ومستودع))؟ قال: ((المستقر))، فى الرحم، و((المستودع))، ما استودع فى الصلب.(١)
١٣٦٣٠ - حدثنا أبو کریب وأبو السائب قالا ، حدثنا ابن إدريس،
عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس فى قوله: (( فمستقر ومستودع))، قال :
:((المستقر)) الرحم، و((المستودع))، ما كان عند رب العالمين مما هو خالقه ولم
يخلق .
١٣٦٣١ - حدثنى يعقوب قال، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا أبو بشر ، عن
سعيد بن جبير ، عن ابن عباس فى قوله: ﴿يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوَدَعَهَاَ﴾،
[سورة هود: ٦]، قال: ((المستقر))، ما كان فى الرحم مما هوحىّ، ومما قد مات=
و ((المستودع))، ما فى الصلب .
١٣٦٣٢ - حدثنى يعقوب قال، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا أبو بشر ، عن
سعيد بن جبير قال: قال لى ابن عباس، وذلك قبل أن يُخْرُج وجهى (٢):
أتز وّجت يا ابن جبير؟ قال: قلت لا، وما أريد ذاك يومى هذا! قال فقال: أما
إنه مع ذلك سيخرج ما كان فى صلبك من المستودّعين .
١٣٦٣٣ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا
شعبة ، عن أبى بشر ، عن سعيد بن جبير قال : قال لى ابن عباس : تزوجت ؟
قلت : لا ! قال : فضرب ظهرى وقال: ما كان من مستودع فى ظهرك سيخرج .
١٣٦٣٤ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى
قال ، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((فمستقر ومستودع))،
قال: ((المستقر))، فى الأرحام، و((المستودع))، فى الصلب، لم يخلق وهو خالقه.
١٣٦٣٥ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
١٩٢/٧
(١) الأثر: ١٣٦٢٩ - ((أبو الجبر بن تميم))، انظر التعليق على رقم: ١٣٦٢٣،
وكان فى المطبوعة: ((أبو الخير تميم))، وفى المخطوطة: ((أبو الخير تميم)) غير منقوط، وهما خطأ.
(٢) قوله: ((وذلك قبل أن يخرج وجهى))، يعنى: قبل أن تنبت لحيته، وهذا تعبير
عزيز لا تجد تفسيره فى كتب اللغة والمجاز ، فقيده .

٥٦٧
تفسير سورة الأنعام : ٩٨
معاوية بن صالح، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس: ((فمستقر ومستودع))،
قال: ((المستقر))، فى الرحم، و((المستودع))، ما استودع فى أصلاب الرجال
والدواب .
١٣٦٣٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير ، عن ليث ، عن مجاهد
قال: ((المستقر))، ما استقرّ فى الرحم، و((المستودع))، ما استودع فى الصلب.
١٣٦٣٧ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير، عن مغيرة ، عن أبى
الجبر بن تميم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، بنحوه .(١)
١٣٦٣٨ - حدثنا هناد قال، حدثنا عبيدة بن حميد، عن عمار الدهنى ،
عن رجل ، عن كريب قال: دعانى ابن عباس فقال: اكتب: ((بسم الله
الرحمن الرحيم، من عبد الله بن عباس، إلى فلان حَبْر تَيْماء، سلامٌ عليك، فإنى
أحمد إليك اللّه الذى لا إله إلاّ هو ، أما بعد = قال ، فقلت : تبدؤه تقول :
السلام عليك ؟ فقال: إن الله هو السلام = ثم قال: اكتب: ((سلامٌ عليك ،
أما بعد، فحدثی عن: (( مستقر ومستودع )).قال : ثم بعثی بالكتاب إلى اليهودى،
فأعطيته إياه . فلما نظر إليه قال : مرحباً بكتاب خليلى من المسلمين ! فذهب
بى إلى بيته ، ففتح أسفاطاً له كبيرة ، (٢) فجعل يطرح تلك الأشياء لا يلتفت
إليها . قال قلت : ما شأنك ؟ قال : هذه أشياء كتبها اليهود ! حتى أخرج سفر
موسى عليه السلام، قال: فنظر إليه مرتين فقال: ((المستقر))، الرحم ، قال:
ثم قرأ: ﴿وَنَقْرُّ فِ الأرْحَامِ مَا أَشَاء} [سورة الحج: ٥] ،وقرأ: ﴿ وَلَكُمْ فِى الأرض
مُسْتَقَرٌ وَمَتَاعٌ﴾، [سورة البقرة: ٣٦]، [سورة الأعراف: ٢٤]. قال: مستقرُّه فوق
(١) الأثر: ١٣٦٣٧ - ((أبو الجبر بن تميم))، مضى برقم: ١٣٦٢٣، ١٣٦٢٩،
تصحيحه، وكان هنا أيضاً فى المطبوعة: ((أبو الخير تميم))، وفى المخطوطة: ((أبو الخير تميم))
غير منقوط .
(٢) ((الأسفاط)) جمع ((سفط)) (بفتحتين): وهو وعاء كالجوالق، وبين الخبر هنا
أنهم كانوا يستخدمونه فى حفظ الكتب والأسفار .

٥٦٨
تفسير سورة الأنعام : ٩٨
الأرض ، ومستقرَّه فى الرحم ، ومستقره تحت الأرض حتى يصير إلى الجنة أو
إلى النار .(١)
١٣٦٣٩ - حدثنا هناد قال، حدثنا قبيصة ، عن سفيان، عن ابن جريج ،
عن عطاء: ((فمستقر ومستودع))، قال: ((المستقر))، ما استقر فى أرحام النساء،
و ((المستودع))، ما استودع فى أصلاب الرجال.
١٣٦٤٠ - حدثنا ابن وکیع قال، حدثنا عبيد الله ، عن سفيان ، عن ابن
جريج، عن عطاء قال: ((المستقر))، الرحم، و((المستودع)) فى أصلاب
الرجال .
١٣٦٤١ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا روح بن عبادة، عن ابن جريج ،
عن عطاء = وعن ابن أبى نجيح، عن مجاهد = قال: ((المستقر))، الرحم،
و((المستودع))، فى الأصلاب .
١٣٦٤٢ - حدثی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((فمستقر))، ما استقر فى أرحام
النساء = ((ومستودع))، ما كان فى أصلاب الرجال .
١٣٦٤٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد ، بنحوه .
١٣٦٤٤ - حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا ، حدثنا جرير، عن ليث ،
عن مجاهد قال: ((المستقر))، ما استقر فى الرحم، و((المستودع))، ما استودع
فى الصلب .
١٣٦٤٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد قال: ((المستقر))، الرحم، ((والمستودع))، الصلب .
(١) الأثر: ١٣٦٣٨ - ((كريب)) هو ((كريب بن أبى مسلم الهاشمى)) مولى ابن عباس،
تابعى ثقة ، مضى برقم : ١٠٧٥ .

٥٦٩
تفسير سورة الأنعام : ٩٨
١٣٦٤٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا معاذ بن معاذ ، عن ابن عون
قال : أتينا إبراهيم عند المساء فأخبرونا أنه قد مات ، فقلنا: هل سأله أحدٌ عن
شىء ؟ قالوا: عبد الرحمن بن الأسود، عن ((المستقر)) و((المستودع))، فقال:
(((المستقر))، فى الرحم، و((المستودع))، فى الصلب.
١٣٦٤٧ - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال ،
حدثنا ابن عون قال : أتينا إبراهيم وقد مات ، قال : فحدثنى بعضهم : أنّ
عبد الرحمن بن الأسود سأله قبل أن يموت عن ((المستقر)) و((المستودع))، فقال:
((المستقر))، فى الرحم، ((والمستودع))، فى الصلب.
١٣٦٤٨ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا بن علية، عن ابن عون:
أتينا منزل إبراهيم ، فسألنا عنه فقالوا: قد توفى. وسأله عبد الرحمن بن الأسود ، ١٩٣/٧
فذكر نحوه .
١٣٦٤٩ - حدثنى به يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية ، عن ابن
عون : أنه بلغه : أنّ عبد الرحمن بن الأسود سأل إبراهيم عن ذلك ، فذكر
نحوه .
١٣٦٥٠ - حدثنا عبيد الله بن محمد الفریانی قال، حدثنا ضمرة بن ربيعة،
عن العلاء بن هرون قال : انتهيت إلى منزل إبراهيم حين قبض ، فقلت لهم :
هل سأله أحد عن شىء ؟ قالوا : سأله عبد الرحمن بن الأسود عن (( مستقر
ومستودع))، فقال: أما ((المستقر))، فما استقر فى أرحام النساء، و((المستودع))،
ما فى أصلاب الرجال .(١)
(١) الأثر: ١٣٦٥٠ - ((عبيد الله بن محمد بن هارون الفريابي))، شيخ الطبرى،
مضى برقم : ١٧ ، ٩٢٢٧ .
و ((ضمرة بن ربيعة الفلسطينى))، مضى برقم: ٧١٣٤، ١٢٨٦٨.
و((العلاء بن هارون الواسطى))، سكن الرملة. روى عن ابن عون. ثقة، مترجم فى التهذيب،
وابن أبى حاتم ٣٦٢/١/٣.
وأخشى أن يكون هذا الخبر ، عن العلاء بن هرون، عن ابن عون، بل أرجح أن يكون كذلك .

٥٧٠
تفسير سورة الأنعام : ٩٨
١٣٦٥١ - حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا، حدثنا ابن إدريس ،
عن ليث، عن مجاهد فى: ((فمستقر ومستودع))، قال: ((المستقر))، الرحم،
و ((المستودع))، الصلب .
١٣٦٥٢ - حدثنی یونس قال، حدثنى سفيان ، عن رجل حدَّثّه ، عن
سعيد بن جبير قال : قال لى ابن عباس : ألا تنكح ؟ ثم قال : أما إنى أقول لك
هذا، وإنى لأعلم أن الله مخرجٌ من صلبك ما كان فيه من مستودع.(١)
١٣٦٥٣ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال،
حدثنا أسباط، عن السدى قال: ((المستقر))، فى الحم، و((المستودع))، فى
الصلب .
١٣٦٥٤ - حدثنا بشربن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة، عن ابن عباس: ((فمستقر ومستودع))، قال: ((مستقر))، فى الرحم ،
و((مستودع)»، فى الصلب .
١٣٦٥٥ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر، عن قتادة: ((فمستقر ومستودع))، قال: ((مستقر))، فى الرحم، و((مستودع ))،
فى الصلب .
١٣٦٥٦ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ يقول ،
حدثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك: ((فمستقر ومستودع))، أما ((مستقر))،
فما استقر فى الرحم = وأما ((مستودع))، فما استودع فى الصلب.
١٣٦٥٧ - حدثی یونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى
قوله: ((فمستقر ومستودع))، قال: (مستقر))، فى الأرحام، ((ومستودع))؛ فى
الأصلاب .
١٣٦٥٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال ، حدثنا
(١) فى المطبوعة: ((ما كان فيه مستودعاً))، غير ما فى المخطوطة بلا طائل.

٥٧١
تفسير سورة الأنعام : ٩٨
حماد ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير = وأبى حمزة ، عن إبراهيم -
قالا: ((مستقر ومستودع))، ((المستقر))، فى الرحم، و((المستودع))، فى الصلب.
٠
وقال آخرون: ((المستقر))، فى القبر، (( والمستودع))، فى الدنيا .
• ذكر من قال ذلك :
١٣٦٥٩ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا یزید بن زريع قال ، حدثنا
سعيد، عن قتادة قال: كان الحسن يقول: ((مستقر))، فى القبر، ((ومستودع))
فى الدنيا ، وأوشك أن يلحق بصاحبه .
٥
قال أبو جعفر : وأولى التأويلات فى ذلك بالصواب أن يقال : إن الله جل
ثناؤه عمّ بقوله: ((فمستقر ومستودع))، كلَّ خلقه الذى أنشأ من نفس واحدة ،
مستقرًّا ومستودعاً ، ولم يخصص من ذلك معنى دون معنى . ولا شك أنّ من
بنى آدم مستقراً فى الرحم، ومستودعاً فى الصلب، ومنهم من هو مستقر على ظهر
الأرض أو بطنها ، ومستودع فى أصلاب الرجال ، ومنهم مستقر فى القبر، مستودع
على ظهر الأرض . فكلّ ((مستقر) أو ((مستودع)) بمعنى من هذه المعانى ،فداخل فى
عموم قوله: ((فمستقر ومستودع)) ومراد به، إلاّ أن يأتى خبرٌ يجب التسليم له
بأنه معنی به معنی دون معنی ، وخاص دون عام .
واختلفت القرأة فى قراءة قوله: ((فمستقر ومستودع)).
فقرأت ذلك عامة قرأة أهل المدينة والكوفة: ﴿فَمُسْتَقَرٌ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾، بمعنى:
فمنهم من استقرّه اللّه فى مقرّه، فهو مستقَرُّ = ومنهم من استودعه اللّه فيما استودعه
فیه ، فهو مستودع فيه .
٥
وقرأ ذلك بعض أهل المدينة وبعض أهل البصرة: ﴿فَمُسْتَقِرٌّ)، بكسر (القاف))

٥٧٢
تفسير سورة الأنعام : ٩٨
بمعنى : فمنهم من استقرّ فى مقرّه ، فهو مستقرّ به .
١٩٤/٧
وأولى القراءتين بالصواب عندى ، وإن كان لكليهما عندى وجه صحيح :
﴿فَمُسْتَقَرٌّ)، بمعنى: استقرّه الله فى مستقرّه، ليأتلف المعنى فيه وفى ((المستودّع))،
فى أن كل واحد منهما لم يسمَّ فاعله، وفى إضافة الخبر بذلك إلى اللّه فى أنه المستقِرُّ
هذا، والمستودع هذا. وذلك أن الجميع مجمعون على قراءة قوله: ((ومستودَع))
يفتح ((الدال)) على وجه ما لم يسمَّ فاعله، فإجراء الأوّل = أعنى قوله: ((فمستقر))
= عليه ، أشبه من عُدُوله عنه .
*
#
*
وأما قوله: ((قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون))، يقول تعالى: قد بينا الحجج،
وميزنا الأدلة والأعلام وأحكمناها (١) = ((لقوم يفقهون))، مواقعَ الحجج ومواضع
العبر، ويفهمون الآيات والذكر، (٢) فإنهم إذا اعتبروا بما نبهتهم عليه من إنشائى
من نفس واحدة ما عاينوا من البشر ، وخلقى ما خلقت منها من عجائب الألوان
والصور، علموا أنّ ذلك من فعل من ليس له مثل ولا شريك فيشركوه فى عبادتهم
إياه ، كما :-
١٣٦٦٠ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا یزید قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة: ((قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون)) ، يقول : قد بينا الآيات لقوم
يفقهون .
(١) انظر تفسير ((فصل)) فيما سلف ص: ٥٦١، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير (فقه)) فيما سلف ص: ٤٣٣، تعليق ٢، والمراجع هناك.

٥٧٣
تفسير سورة الأنعام : ٩٩
القول فى تأويل قوله ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَنْزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ
مَاءٍ فَأَخْرَجْنَ بِهِمِ نَبَتَ كُلِّ شَىْءٍ فَأَخْرَجْنَ مِنْهُ خَضِرًا مُخُرِجُ
مِنَّهُ حَبَّأَ مُتَرَاكِبًا)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: والله الذى له العبادة خالصة لا شريك
فيها لشىء سواه، (١) هو الإله الذى أنزل من السماء ماء = (( فأخرجنا به نبات كل
شىء))، فأخرجنا بالماء الذى أنزلناه من السماء من غذاء الأنعام والبهائم والطير والوحش
وأرزاق بنى آدم وأقواتهم ، ما يتغذون به ويأكلونه فينبُتون عليه وينمون . وإنما
معنى قوله: (( فأخرجنا به نبات كل شىء))، فأخرجنا به ما ينبت به كل شىء
وینمو علیه ويصلحُ .
ولو قیل : معناه : فأخرجنا به نبات جميع أنواع النبات،فیکون (( کل شیء))،
هو أصناف النبات = كان مذهباً، وإن كان الوجه الصحيح هو القول الأول. (٢)
#
وقوله: ((فأخرجنا منه خضراً))، يقول: ((فأخرجنا منه))، يعنى: من الماء
الذى أنزلناه من السماء = ((خَضِراً))، رطباً من الزرع .
#
((والخضر))، هو« الأخضر))، كقول العرب: ((أرِنِيهَا نَمرة، أرِكْها مطيرة)). (٣)
يقال: ((خَضِرَت الأرض خَضَراً. وختضارة)). (٤) و((الخضر)) رطب البقول،
(١) فى المطبوعة: ((لا شركة فيها لشىء سواء))، غير ما فى المخطوطة بسوء رأى !!
(٢) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٣٤٧.
(٣) هذا مثل، نسبه صاحب اللسان فى (نمر) إلى أبي ذؤيب الهذلى، ولم ينسبه فى ( خضر) ،
ورواه الميدانى فى الأمثال ١: ٢٥٨، وأبو هلال فى جمهرة الأمثال: ١٤، ولم ينسباه إليه ،
وأذكر أنى قرأت قصته ثم افتقدتها الآن فلم أجدها. وقوله: ((نمرة)) يعنى، محابة، وهو أن يكون
سواد وبياض ونمرة ، يضرب مثلا فى صحة مخيلة الشىء ، وصحة الدلالة عليه . وذلك إذا رأيت دليل
الشىء ، علمت ما يتبعه .
(٤) ((الخضارة)) مصدر، مثل ((الغضارة))، لم يذكر فى مادته من كتب اللغة.

٥٧٤
تفسير سورة الأنعام : ٩٩
ويقال: (( نخلة خضيرة ))،إذا كانت ترمبیسرها أخضر قبل أن ينضج. و« قد
اختُضِير الرجل)) و((اغْتُضِر))، إذا مات شابًّا مُصَحَّحاً. ويقال: ((هولك
خَضِيرًا مَضِرًاً))، أى هنيئاً مريئاً.(١)
٠ ٠
قوله: ((نخرج منه حبًّاً متراكباً)، يقول: نخرج من الخضر حبًّا = يعنى:
ما فى السنبل ، سنبل الحنطة والشعير والأرز، (٢) وما أشبه ذلك من السنابل
التى حبُّها يركب بعضه بعضاً .
*
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال جماعة أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
١٣٦٦١ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى قوله: ((منه خضرًا نخرج منه حبًّاً متراكباً))،
فهذا السنبل .
٠ ٠ ٠
القول فى تأويل قوله ﴿ وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلِهَاَ قِنْوَانٌ
ذَانِيةٌ ﴾
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ومن النخل من طلعها قنوانه دانية، (٣)
= ولذلك رفعت ((القِنوان)).
(١) ذكره صاحب اللسان فى (خضر)، ولم يذكره فى (مضر). و((المضر)) الغض الطرى.
(٢) انظر تفسير ((الحب)» فيما سلف ص : ٥٥٠
(٣) فى المطبوعة والمخطوطة: ((ومن النخل من طلعها قنوان دانية))، وهو نص الآية،
وهو بيان لا يستقيم، وإنما الصواب ما أثبت، استظهرته من معانى القرآن الفراء ١ : ٣٤٧.

٥٧٥
تفسير سورة الأنعام : ٩٩
و ((القنوان)) جمع ((قِشْو))، كما ((الصنوان)) جمع (((صِنْو)، وهو العِذْق، (١)
يقال الواحد هو ((قِنْو))، و((قُنْو)) و((قَنَا))، يثنى ((قِنوانٍ))، ويجمع ((قنوانٌ))
و((قُنوانٌ)).(٢) قالوا فى جمع قليله: ((ثلاثة أقْناء)). و((القنوان)) من لغة الحجاز،
و ((القُنْوان))، من لغة قيس، وقال امرؤ القيس:
فَأَنَّتْ أَعَالِيهِ، وَآَدَتْ أُصُولُهُ وَمَالَ بِقِنْوانِ مِنَ البُسْرِ أَحْمَرَا(٣)
و((قِنْيان))، جميعاً، وقال آخر: (٤)
١٩٥/٧
لَهَ ذَنَبُّ كَالْقِنْوٍ قَدْ مَذِلَتْ بِهِ وَأَسْحَمَ لِتَّخْطَارِ بَعْدَ التَّهَذُّرِ (٥)
(١) ((العذق)) (بكسر فسكون): كباسة النخل وعراجينها.
(٢) انظر مجاز القرآن لأبى عبيدة ١ : ٢٠٢.
(٣) ديوانه: ٦٧، واللسان (قنا)، وغيرها كثير. من قصيدته المستجادة، وهو من
أولها ، يصف ظعن الحى يشبهها بالنخل، يقول قبله :
لَدَى جَانِبِ الأُفْلَاَجِ مِنْ جَنْبٍ تَيْرًا
بَعْيْنَىَّ ظُمْنُ الحىِّ لَمَّا تَحَمَّلُوا
حَدَائِقَ دَوْمٍ، أَوْ سَفِيْنَاً مُقَيِّرًا
فَشَبِّهْتُمْ فِى الْآلِ لَمَّا تَكَمِّنُوا
دُوَيْنَ الصَّفَ اللَّائِىِ يَلِينَ المُشقّرا
أَوِ الْمُكْرِعَتٍ مِن تَّخِلِ أَبْنِ يَامِنٍ
وَعَالَيْنَ قِنْوَانًا مِنَ الُسْرِ أْخَرَا
سَوَامِقَ جَبَّارٍ أَثِيِتٍ فُرُوعُهُ
فهذه رواية أخرى غير التى رواها أبو جعفر وغيره. وقوله: ((فأثت أعاليه)): أى: عظمت
والتفت من ثقل حملها. وقوله: ((آدت))، أى تثنت ومالت.
(٤) لم أعرف قائله .
(٥) رواه أبو زيد فى نوادره: ١٨٢، بيتاً مفرداً، وقال فى تفسيره: ((التشذر))،
إذا لقحت الناقة عقدت ذنبها ونصبته على عجزها من التخيل، فذاك التشذر. و((المذل)) (بفتحتين):
أن لا تحرك ذنيها. ولم أعرف لقوله ((أم)) فى هذا البيت معنى، ورواية أبى زيد: ((وأسمح))،
وهو حق المعنى فيما أرجح، و ((التخطار))، مصدر ((خطر الفحل بذنبه خطراً وخطراناً وخطيراً ))،
رفعه مرة بعد مرة ، وضرب به حاذيه ، وهما ما ظهر من فخذيه حيث يقع شعر الذنب . وهذا المصدر
لم يذكر فى شىء من معاجم اللغة. والمعنى: أنها أقرت ذفبها، ثم أسمح لها بعد نشاطها وتبخترها فاسترخى.
هكذا ظننت معناه .

٥٧٦
تفسير سورة الأنعام : ٩٩
وتميم تقول: ((قُنْيان)) بالياء.
٥
ويعنى بقوله: ((دانية))، قريبة متهدّلة .
...
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك :
٠
١٣٦٦٢ - حدثنا المثنى قال، "حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس: ((قنوان دانية))،
يعنى؛ ((القنوان الدانية))، قصار النخل، لاصقة عنُدُوقها بالأرض.
١٣٦٦٣ - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ،
عن قتادة قوله: (( من طلعها قنوان دانية ))، قال : عذوق متهدلة .
١٣٦٦٤ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر، عن قتادة: ((قنوان دانية))، يقول : متهدلة .
١٣٦٦٥ - حدثنا هناد قال، حدثنا و کیع = وحد ثنا ابن و کیع قال ، حدثنا
أبى= عن سفيان، عن أبى إسحق، عن البراء فى قوله: ((قنوان دانية))، قال: قريبة.
١٣٦٦٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
الثورى، عن أبى إسحق، عن البراء بن عازب: ((قنوان دانية))، قال : قريبة .
١٣٦٦٧ -حدثی محمد بن سعد قال ، حدثی أبی قال ، حدثی عمى
قال ، حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: (( ومن النخل من طلعها
قنوان دانية))، قال : الدانية ، لتهدُّل العُذوق من الطلع .
١٣٦٦٨ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا
عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((ومن النخل من طلعها
قنوان دانية))، يعنى النخل القصارَ الملتزقة بالأرض، و((القنوان)) طلعه.
٥

٥٧٧
تفسير سورة الأنعام : ٩٩
القول فى تأويل قوله ﴿وَجَنّتٍ مِنْ أَعْنَبٍ وَالزَّيْتُونَ
وَأَلُّمَانَ مُشْتَبِهَا وَغَيْرَ مُقَصَِّهٍ ﴾
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وأخرجنا أيضاً جنات من أعناب =
يعنى : بساتينَ من أعناب. (١)
٠
٠
واختلف القرأة فى قراءة ذلك .
فقرأه عامة القرأة: ﴿وَجَنَّاتٍ﴾ نصباً، غير أن ((التاء)) كسرت، لأنها ((تاء))
جمع المؤنث ، وهى تخفض فى موضع النصب . (٢)
٥
وقد :-
١٣٦٦٩ - حدثنى الحارث قال، حدثنا القاسم بن سلام ، عن الكسائى
قال، أخبرنا حمزة، عن الأعمش أنه قرأ: ﴿وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ﴾.
٠ ٠
= بالرفع، فرفع ((جنات)) على إتباعها ((القنوان)) فى الإعراب، وإن لم تكن
من جنسها ، كما قال الشاعر :
وَرَأَيْتِ زَوْجَكِ فِىِ الوَغَى مُتَقَلِّداً سَيْفَاً وَرُمْحَا(٣)
٥
٠
قال أبو جعفر: والقراءة التى لا أستجيز أن يقرأ ذلك إلاّ بها ، النصبُ:
﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَبٍ)، لإجماع الحجة من القرأة على تصويبها والقراءة بها ،
ورفضهم ما عداها ، وبُعْدٍ معنى ذلك من الصواب إذا قرئ رفعاً .
٠
٥
(١) انظر تفسير ((الجنات)) فيما سلف من فهارس اللغة (جنن).
(٢) فى المطبوعة، أسقط ((فى)) من الكلام سهواً.
(٣) مضى البيت وتخريجه مراراً ١: ٦/١٤٠: ١٠/٤٢٣ : ٤٠٨ .
ج١١ (٣٧)

٥٧٨
تفسير سورة الأنعام : ٩٩
وقوله: ((والزيتون والرمان))، عطف: ((الزيتون)) على ((الجنات))، بمعنى:
وأخرجنا الزيتونَ والرمان مشتبهاً وغير متشابه .
٠
٠ ٠
وكان قتادة يقول فى معنى: ((مشتبهاً وغير متشابه ،، ما : -
١٣٦٧٠ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد،
عن قتادة قوله: (( وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبهاً وغير متشابه » ،
قال: مشتبهاً ورقه ، مختلفاً ثمرُه .
وجائز أن يكون مراداً به: مشتبهاً فى الخلق ، مختلفاً فى الطعم. (١)
٥
٠٠٠
قال أبو جعفر : ومعنى الكلام : وشجر الزيتون والرمان، فاكتفى من ذكر
((الشجر)) بذكر ثمره، كما قيل: ﴿وَأُسْلِ الْقَرْيَةَ﴾، [سورة يوسف: ٨٢]، فاكتفى
بذكر ((القرية)) من ذكر ((أهلها))، لمعرفة المخاطبين بذلك بمعناه.
٥
٥
القول فى تأويل قوله ﴿أَنْظُرُوَاْ إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَ
وَيَتْعِهِلـَ)
قال أبو جعفر : اختلفت القرأة فى قراءة ذلك .
١٩٦/٧
فقرأته عامة قرأة أهل المدينة وبعض أهل البصرة: ﴿انْظُرُوا إِلَى قَمَرَهٍ)، بفتح
(((الثاء)) و((الميم)).
وقرأه بعض قرأة أهل مكة وعامة قرأة الكوفيين: ﴿ إِلَى ثُمُرُهِ﴾،بضم ((الثاء))
و((الميم)).
(١) انظر تفسير ((متشابه)) فيما سلف ١: ٣٨٥ - ٦/٣٩٤ : ١٧٣.

٥٧٩
تفسير سورة الأنعام : ٩٩.
= فكأنّ" من فتح ((الثاء)) و((الميم) من ذلك، وجدّه معنى الكلام: انظروا إلى
ثمر هذه الأشجار التى سمينا من النخل والأعناب والزيتون والرمان إذا أثمرَ = وأن
((الثمر)) جمع ((ثمرة))، كما ((القصب))، جمع ((قصبة))، و((الخشب)) جمع
(( خشبة)).
= وكأن" من ضم ((الثاء)) و((الميم))، وجَّه ذلك إلى أنه جمع (( ثمار))، كما
((أُخْمُرُ)) جمع ((حمار))، و((الجُرُّب)) جمع ((جراب))، وقد : -
١٣٦٧١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الرحمن
ابن أبى حماد ، عن ابن إدريس ، عن الأعمش، عن يحيى بن وثاب: أنه كان
يقرأ: ﴿ إِلَى ثُمْرِهِ﴾ ، يقول : هو أصناف المال.
١٣٦٧٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى حماد
قال ، حدثنا محمد بن عبيد الله، عن قيس بن سعد، عن مجاهد قال: ((الثُّمُر))،
هو المال = و((الثمر))، ثَمَرَ النخل. (١)
٠٠٠
وأولى القراءتين فى ذلك عندى بالصواب، قراءة من قرأ: ﴿أُنْظُرُوا إِلَى ثُرِهٍ﴾
بضم ((الثاء)) و((الميم))، لأن الله جل ثناؤه وصفَ أصنافاً من المال كما قال يحيى
ابن وثاب ، وكذلك حبّ الزرع المتراكب ، وقنوان النخل الدانية ، والجنات من
الأعناب والزيتون والرمان، فكان ذلك أنواعاً من الثمر، فجمعت ((الثمرة)) ((ثمرًا))،
ثم جمع ((الثمر)) ((ثماراً))، ثم جمع ذلك فقيل: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثُمُرِهٍ﴾، فكان ذلك
جمع (((الثمار)) و((الثمار)) جمع (الثمر)) = و ((إثماره))، عقدُ الثمر.
...
وأما قوله: ((وَيَنْعِه))، فإنه قُضجه وبلوغُه حين يبلغ .
#
٠
(١) روى عن مجاهد أبين من هذا إذ قال: ((هو الذهب والفضة))، كما حكاه الفارسى عنه.

٥٨٠
تفسير سورة الأنعام : ٩٩
وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة يقول فى ((يَنْه)) إذا
فتحت ياؤه ، هو جمع ((یانع ))، کما ((التَّجْر)) جمع (( تاجر))، و((الصحب ))
جمع ((صاحب)). (١)
٥
وكان بعض أهل الكوفة ينكر ذلك، ويرى أنه مصدر من قولهم: (( ينع
الثمر فهو يَبْنعِ يَنْعاً))، ويحكى فى مصدره عن العرب لغات ثلاثاً: ((يَنْع)) و((يُنْع))،
و((يَنَعَ))، وكذلك فى ((النَّضْج)) ((النُّضج)) و((النَّضِج)). (٢)
٥
وأما فى قراءة من قرأ ذلك: ﴿وَيَانِهِ ﴾، فإنه يعنى به : وناضجه ، وبالغه .
٠٠ ٠
وقد يجوز فى مصدره: ((يُنُوعَاً))، ومسموع من العرب: ((أينعت الثمرة تُوفِع
إيناعاً))، ومن لغة الذين قالوا: ((ينع))، قول الشاعر: (٣)
فِى قِبَابٍ عِنْدَ دَسْكَرَةٍ حَوْلَهَاَ الزَّيْتُونُ قَدْ يَنَعَ(٤)
(١) هو أبو عبيدة فى مجاز القرآن ١: ٢٠٢، وهو منسوب أيضاً إلى ابن كيسان، كما
جاء فى لسان العرب ( ينع) .
(٢) ذكر أبو جعفر فى ((بنع)) و((نضج)) مصدراً ثالثاً غير الذى ذكره أصحاب المعاجم،
فإنهم اقتصروا فى ( ينع) على فتح الياء وسكون النون ، وضمها وسكون النون = واقتصروا فى (نضح)
على فتح النون وسكون الضاد ، وضمها وسكون الضاد . وأما هذا المصدر الثالث الذى رواه أبو جعفر
ولم يضبطه ، فلم أجده فى شىء من المعاجم ، وهو مما يزاد عليها ، إلا أنى استظهرت ضبطه فى الحرفين
بفتح الياء والنون فى ((ينع))، ويفتح النون والضاد فى ((نضج)). وسيذكر أبو جعفر مصدراً آخر
بعد قليل وهو ((ينوع)).
(٣) هذا شعر مختلف فيه من شعر يزيد بن معاوية، ونسبه المبرد إلى الأحوص، ونسبه
الجاحظ إلى أبى دهبل . وينسب إلى الأخطل خطأ .
(٤) الحيوان٤: ١٠، الكامل ١: ٢٢٦، أنساب الأشراف ٢/٢/٤، مجاز القرآن
لأبى عبيدة ١ : ٢٠٢، تاريخ ابن كثير ٨: ٢٣٤، تاريخ الخلفاء السيوطى: ١٤٠، معجم
ياقوت (الماطرون)، الخزانة ٣: ٢٧٩، العينى (هامش الخزانة ١: ١٤٩)، واللسان (ينع)
وغيرها . من شعر يقال إن يزيد قاله فى نصرانية ترهبت فى دير خرب عند الماطرون ، وهو موضع
بالشأم . وهذا هو الشعر ، مع اختلاف الرواية فيه :
آبَ هَذَا الَهَمُّ فَاكْتَنَعَا وَأَرَّ النَّوْمَ كَأَمْتَتَمَا