Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
تفسير سورة الأنعام : ٥٢
بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة))، فقرأ حتى بلغ: ((وكذلك
نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين )) ، قال : لتعرفها .
٠
واختلف أهل التأويل فى الدعاء الذى كان هؤلاء الرَّهط ، الذين نهى اللّه
نبيه صلى الله عليه وسلم عن طردهم، يدعون ربهم به .
فقال بعضهم : هى الصلوات الخمس .(١)
* ذكر من قال ذلك :
١٣٢٦٦ - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنى معاوية
ابن صالح ،عنعلى بن أبىطلحة،عن ابن عباس قوله: ((ولا تطردالذین يدعون ربهم
بالغداة والعشيّ)، يعنى: يعبدون ربهم = ((بالغداة والعشيّ))، يعنى: الصلاة
المكتوبة .
١٣٢٦٧ -حدثنا المثنی قال، حدثنا الحجاج بن المهال قال ، حدثنا حماد ،
عن أبى حمزة ، عن إبراهيم فى قوله: ((يدعون ربهم بالغداة والعشی یریدون
وجهه))، قال: هى الصلوات الخمس الفرائض. ولو كان ما يقول القُصَّاص، (٢)
هلك من لم يجلس إليهم .
١٣٢٦٨ - حدثنا هناد بن السرى وابن وكيع قالا ، حدثنا ابن فضيل ،
(١) فى المطبوعة: ((الصلوات المكتوبة))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) كان فى المطبوعة والمخطوطة: ((ولو كان يقول القصاص)) باسقاط ((ما)) وهو خطأ.
((القصاص)) جمع ((قاص))، وهو الذى يتصدر فى مسجد أو غيره، ثم يأخذ يعظ الناس،
ويذكرهم بأخبار الماضين، فربما دخل قصصه الزيادة والنقصان، ولذلك جاء فى الحديث: ((القاص
ينتظر المقت)). وفى الحديث: ((إن بنى إسرائيل لما قصوا هلكوا))، يعنى: لما تزيدوا فى الخبر
والحديث وكذبوا ، وهذا من شر الفعل ، ولكن ما دخلت فيه بنو إسرائيل فعذبهم الله وأهلكهم به ،
دخلناه نحن سعياً ، فعاقبنا الله بشتات أمرنا، وضعف علمائنا ، وذهاب هيبتنا من صدور أعدائنا .
فاللهم اهدنا سواء سبيلك .
ثم انظر الأثر التالى رقم: ١٣٢٧٠، والأثر: ١٣٢٧٧٠، ١٣٢٨٢

٣٨٢
تفسير سورة الأنعام : ٥٢
عن الأعمش، عن إبراهيم: ((ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون
وجهه ))، قال : هى الصلاة .
١٣٢٦٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: ((ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى)) ،
الصلاة المفروضة ، الصبح والعصر .
١٣٢٧٠ - حدثی محمد بن موسى بنعبد الرحمن الکندی قال ، حدثنا
حسين الجعفى قال ، أخبرنى حمزة بن المغيرة ، عن حمزة بن عيسى قال : دخلت
على الحسن فسألته فقلت: يا أبا سعيد، أرأيت قول الله: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ
مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾، [سورة الكهف: ٢٨]، أهم هؤلاء
القُصّاص ؟ قال: لا ، ولكنهم المحافظون على الصلوات فى الجماعة . (١)
١٣٢٧١ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى = وحدثنى الحارث قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا ورقاء = جميعاً ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((الذين يدعون ربهم بالغداة والغشى))،
قال : الصلاة المكتوبة .
١٣٢٧٢ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرناعبيد
قال، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((يدعون ربهم بالغداة والعشى))، قال :
١٣٠/٧ يعبدون ربهم = ((بالغداة والعشى))، يعنى الصلاة المفروضة.
١٣٢٧٣ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن
(١) الأثر: ١٣٢٧٠ - ((محمد بن موسى بن عبد الرحمن الكندى))، شيخ الطبرى،
لم أجد له ذكراً. وكان فى المطبوعة هنا ((موسى بن عبد الرحمن الكندى))، غير ما فى المخطوطة،
وحذف ((محمد بن))، وهذا تصرف معيب قبيح .
و ((حسين الجعنى))، هو (( حسين بن على بن الوليد الجعنى))، مضى مراراً كثيرة، وكان فى
المطبوعة: ((حسن الجعنى))، وهو خطأ محض.
و ((حمزة بن المغيرة بن نشيط المخزومى)) العابد، مضى برقم : ١٨٤.
وأما («حمزة بن عيسى))، فلم أجد فى الرواة من يسمى بذلك، وأرجح أن الناسخ أخطأ،
فأعاد كتابة («حمزة))، فاختلط الاسم، فلا يصححه إلا أن يوجد فى مكان آخر .

٣٨٣
تفسير سورة الأنعام : ٥٢.
قتادة قوله: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِىِّ﴾
[ سورة الكهف: ٢٨]، هما الصلاتان: صلاة الصبح وصلاة العصر.
١٣٢٧٤ - حدثی ابن البرقی قال، حدثنا ابن أبى مريم قال ، حدثنا
يحيى بن أيوب قال ، حدثنا محمد بن عجلان ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر
فى هذه الآية: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِىِّ).
الآية ، إنهم الذين يشهدون الصلوات المكتوبة . (١)
١٣٢٧٥ -حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ،
عن منصور، عن مجاهد وإبراهيم: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبِّهُمْ
بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِىِّ)، قالا: الصلوات الخمس.
١٣٢٧٦ -حدثنا ابن بشار قال، حدثنا یحی ، عن سفيان، عن منصور ،
عن مجاهد ، مثله .
١٣٢٧٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ،
عن ابن جريج ، عن مجاهد: ((ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى))،
قال : المصلين المؤمنين ، بلال وابن أم عبد - قال ابن جريج ، وأخبرنى عبد الله
ابن كثير، عن مجاهد قال : صليت الصبح مع سعيد بن المسيب ، فلما سلّم
الإمام ابتدر الناس القاصَّ، فقال سعيد: ما أسرعَ بهم إلى هذا المجلس! (٢)
قال مجاهد: فقلت يتأولون ما قال الله تعالى ذكره. قال: وما قال؟ قلت: (( ولا
تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى))، قال: وفى هذا ذَا؟ إنما ذاك فى
الصلاة التى انصرفنا عنها الآن ، إنما ذاك فى الصلاة .
(١) الأثر: ١٣٢٧٤ - خرجه السيوطى فى الدر المنثور ٤: ٢١٩، وزاد نسبته إلى
ابن المنذر ، وابن أبى حاتم ، وابن مردويه .
وهذا إسناد صحيح .
(٢) فى المطبوعة: ((ما أسرعهم إلى هذا المجلس))، وفى المخطوطة: ((ما أسرع إلى هذا
المجلس))، فرأيت أن يكون الصواب ما أثبت .

٣٨٤
تفسير سورة الأنعام : ٥٢
١٣٢٧٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا وكيع ، عن
أبيه ، عن منصور ، عن عبد الرحمن بن أبى عمرة قال : الصلاة المكتوبة . (١)
١٣٢٧٩ - حدثنا المثنى قال ، حدثنا إسحق قال، حدثنا وكيع ، عن
إسرائيل ، عن جابر ، عن عامر قال : هى الصلاة .
١٣٢٨٠ - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا وكيع ، عن
أبيه ، عن إسرائيل ، عن عامر قال : هى الصلاة .
١٣٢٨١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه))، يقول :
صلاة الصبح وصلاة العصر .
١٣٢٨٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير ، عن منصور ، عن
مجاهد قال : صلى عبد الرحمن بن أبى عمرة فى مسجد الرسول ، فلما صلى قامَ
فاستند إلى حجرة النبى صلى الله عليه وسلم ، فانثال الناس عليه ، فقال : يا أيها
الناس ، إليكم! فقيل: يرحمك الله، إنما جاؤوا يريدون هذه الآية :
﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِىِّ﴾، [سورة الكهف: ٢٨].
فقال : وهذا ◌ُعنى بهذا! إنما هو فى الصلاة. (٢)
(١) الأثر: ١٣٢٧٨ - (عبد الرحمن بن أبى عمرة بن محصن بن ثعلبة الأنصارى)) ، ر وى عن أبيه،
وعثمان بن عفان، وعبادة بن الصامت. قال ابن سعد: ((كان ثقة كثير الحديث)) مترجم فى التهذيب .
وسيأتى هذا الأثر مطولا برقم : ١٣٢٨٢.
(٢) الأثر : ١٣٢٨٢ - هو مطول الأثر السالف رقم: ١٣٢٧٨. وقوله: ((انثال عليه
الناس)) : تتابعوا عليه وتقاطروا من كل ناحية .
وهذا الخبر ، دليل على صحة معرفة أئمتنا السالفين بحق دينهم ، وحق كتابهم المنزل عليهم من
ربهم = ودليل أيضاً على فساد ما وقع فيه علماؤنا وكتابنا، ومن تعرض منا لكتاب الله بالهوى، حتى
صار هذا المرفوض الذى رفضه الأئمة ، حجة يستدل بها الجهال من الصوفية وأهل الخرقة بالولايات
وأدعاء الكرامات . فاللهم باعد بيننا وبين الجهالة ، واحملنا على سواء السبيل .
٠٠٠
هذا وهذه الأخبار التى ذكرها هنا، وفسر فيها آية سورة الكهف: ٢٨، لم يروأكثره فى
تفسير ((سورة الكهف))، وهذا باب من أبواب اختصار أبى جعفر تفسيره هذا .

٣٨٥
تفسير سورة الأنعام : ٥٢
وقال آخرون: هى الصلاة ، ولكن القوم لم يسألوا رسولَ اللّه صلى الله عليه
وسلم طردَ هؤلاء الضعفاء عن مجلسه ، ولا تأخيرهم عن مجلسه ، وإنما سألوه تأخيرهم
عن الصفة الأول، حتى يكونوا وراءهم فى الصفّ.
* ذكر من قال ذلك :
١٣٢٨٣ -حدثی محمد بن سعد قال، حدثی أبى قال ، حدثی عمى
قال، حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: ((وكذلك فتنا بعضهم
ببعض)) الآية ، فهم أناس كانوا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم من الفقراء ، فقال
أناس من أشراف الناس : نؤمن لك، وإذا صلينا فأخِر هؤلاء الذين معك فليصلُّوا
خلفنا !
٠ ٠
وقال آخرون: بل معنى ((دعائهم)) كان، ذكرُهم الله تعالى ذكره .
* ذكر من قال ذلك :
١٣٢٨٤ -حدثنا ابن و کیع قال، حدثنا أبی۔ وحدثنا هناد قال ، حدثنا
وكيع = ، عن سفيان ، عن منصور، عن إبراهيم قوله: (( ولا تطرد الذين يدعون
ربهم بالغداة والعشى )) ، قال : أهل الذكر .
١٣٢٨٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن منصور: (( ولا تطرد
الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى))، قال : هم أهل الذكر.
١٣٢٨٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير ، عن منصور، عن ١٣١/٧
إبراهيم: (( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي))، قال : لا تطردهم
عن الذكر .
٠ ٠
وقال آخرون : بل كان ذلك ، تعدّمهم القرآن وقراءته .
• ذكر من قال ذلك :
ج ١١ (٢٥)

٣٨٦
تفسير سورة الأنعام : ٥٢
١٣٢٨٧ - حدثنى المثنى قال: حدثنا إسحق قال ، حدثنا وكيع ، عن
إسرائيل، عن جابر، عن أبى جعفر قوله: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ
بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِىَّ﴾ [سورة الكهف: ٢٨]، قال: كان يقربهم القرآن، من الذى يُقْصّ
على النبى صلى الله عليه وسلم ؟! (١)
وقال آخرون : بل عنى بدعائهم ربهم ، عبادتهم إياه .
• ذكر من قال ذلك :
١٣٢٨٨ - حدثت عن الحسين قال ، سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا عبيد
ابن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((يدعون ربهم بالغداة والعشى))،
قال : يعنى: يعبدون، ألا ترى أنه قال: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾،
[ سورة غافر: ٤٣]، يعنى: تعبدون. (٢)
#
(١) فى المطبوعة: ((قال كان يقرئهم القرآن النبى صلى الله عليه وسلم)) حذف من المخطوطة
ما أثبته: ((من الذى يقص على))، ثم وصل الكلام، فأساء وخان وأفسد !! وهذا الكلام جملتان
منفصلتان، الأولى: ((كان يقربهم القرآن)) والأخرى الاستفهام: ((من الذى يقص على النبى
صلى الله عليه وسلم))، وكلتاهما رد على من تأول الآية، على أنها مراد بها القصاص وهم الوعاظ،
كما يظهر من الآثار: ١٣٢٦٧، ١٣٢٧٠، ١٣٢٧٧، ١٣٢٨٢، وأن النبى صلى الله عليه وسلم
كان يقرىء هؤلاء القرآن، فأمر أن يصبر نفسه معهم. ولو كان مراداً بالآية القصاص ، لكان
النبى صلى الله عليه وسلم مأموراً أن يصبر نفسه مع من يجلس يعظه ويذكره باه - بأبى هو وأمى
صلى الله عليه وسلم! فلذلك قال: ((من الذى يقص على النبى صلى الله عليه وسلم!))، أى: من
هذا الذى يعظ رسول اللّه ويذكره بالله وبأيام الله ؟!
وهذه حجة مبينة فى فساد من تأول الآية على غير الوجه الصحيح الذى أجمعت عليه الحجة .
(٢) هكذا جاءت الآية فى المخطوطة والمطبوعة، وأنا أكاد أقطع بأن ذلك خطأ ، من.سمو
راو أو سهو من أبى جعفر نفسه، وأرجح أنه أراد آية ((سورة غافر)): ٦٦
((قُلْ إِنّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونَ للهِ))
أما الآية التى استبدل بها ، فلا يستقيم أن يكون الدعاء فيها بمعنى العبادة.

٣٨٧
- تفسير سورة الأنعام : ٥٢
قال أبو جعفر: والصواب من القول فى ذلك أن يقال: إن اللّه تعالى ذكره
نهى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يطرُد قوماً كانوا يدعون ربهم بالغداة والعشى،
و((الدعاء لله ))،یکون بذ کره وتمجيده والثناء عليه قولاً و کلاماً= وقد يكون بالعمل
له بالجوارح الأعمالَ التى كان عليهم فرضُها، وغيرها من النوافل التى ترضى عن
العامل له عابدَه بما هو عامل له . (١) وقد يجوز أن يكون القوم كانوا جامعين هذه
المعانى كلها ، فوصفهم الله بذلك بأنهم يدعونه بالغداة والعشى، لأن اللّه قد
سمى ((العبادة))، (دعاء))، فقال تعالى ذكره: " ﴿وَقَلِ رَبُّكَمُ أُدْعُونِى أُسْتَجِبْ
لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَدَِّ سَيَدْخُلُونَ جَهََّ دَاخِرِينَ﴾،
[سورة غافر: ٦٠]. وقد يجوز أن يكون ذلك على خاص" من الدعاء.
ولا قول أولى بذلك بالصحة ، من وصف القوم بما وصفهم الله به: من أنهم
كانوا يدعون ربهم بالغداة والعشى ، فيعمُّون بالصفة التى وصفهم بها ربهم ،
ولا یخصُّون منها بشىء دون شىء.
فتأويل الكلام إذاً: يا محمد، أنذر بالقرآن الذى أنزلته إليك ، الذين يعلمون
أنهم إلى ربهم محشورون - فهم من خوف ورودهم على الله الذى لا شفيع لهم
من دونه ولا نصير ، فى العمل له دائبون (٢) = إذ أعرض عن إنذارك واستماع
ما أنزل الله عليك المكذبون بالله واليوم الآخر من قومك ، استكباراً على اللّه = ولا
تطردهم ولا تُقْصِهم ، فتكون ممن وضع الإقصاء فى غير موضعه ، فأقصى وطرد
من لم یکنله طرده وإقصائه،وقرّبمن لم یکن له تقديمه بقربه وإدناؤه، فإن الذین
نهيتُك عن طردهم هم الذين يدعون ربهم فيسألونه عفوه ومغفرته بصالح أعمالهم ،
وأداء ما ألزمهم من فرائضه ، ونوافل تطوّعهم ، وذكرهم إياه بألسنتهم بالغداة
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((التى ترضى والعامل له عابده))، وهو لا يستقيم، وكأن
الصواب ما أثبت .
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((دائمون))، وأرجح أن الذى أثبت هو الصواب.

٣٨٨
تفسير سورة الأنعام : ٥٢ ، ٥٣
والعشى، يلتمسون بذلك القربة إلى الله، والدنوّ من رضاه = ((ما عليك من
حسابهم من شىء))، يقول : ما عليك من حساب ما رزقتهم من الرزق من شىء
= وما عليهم من حساب ما رزقتك من الرزق من شىء = ((فتطردهم))، حذارَ
محاسبتى إياك بما خوّلتهم فى الدنيا من الرزق .
...
وقوله : (( فتطردهم)) ، جواب لقوله : « ما عليك من حسابهم من شىء وما
من حسابك عليهم من شىء) .
وقوله: ((فتكون من الظالمين)) جواب لقوله: ((ولا تطرد الذین يدعون ربهم)).
القول فى تأويل قوله ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبْضٍ
لِيَقُولُواْ أَهَوْلَاء مَنَّ اللهُ عَلَيْهِم مِّنْ يَبْنِآَ أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمّ
بالشّكِرِينَ)
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((وكذلك فتنا بعضهم ببعض))،
وكذلك اختبرنا وابتلينا، كالذى :-
١٣٢٨٩ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر = وحدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر =،
عن قتادة: ((وكذلك فتنا بعضهم ببعض))، يقول : ابتلينا بعضهم ببعض .
٠ ٠
وقد دللنا فيما مضى من كتابنا هذا على معنى ((الفتنة))، وأنها الاختبار
والابتلاء ، بما أغنى عن إعادته فى هذا الموضع.(١)
١٣٢/٧
٠
(١) انظر تفسير ((الفتنة)) فيما سلف ص: ٢٩٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك.

٣٨٩
تفسير سورة الأنعام : ٥٣
وإنما فتنة اللّه تعالى ذكره بعضَ خلقه ببعضٍ، مخالفتُه بينهم فيما قسم لحم
من الأرزاق والأخلاق ، فجعل بعضاً غنيًا وبعضاً فقيراً، وبعضاً قوياً، وبعضاً
ضعيفاً، فأحوج بعضهم إلى بعض ، اختباراً منه لهم بذلك .
٠
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال جماعة من أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
١٣٢٩٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثى معاوية
ابن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله: (( وكذلك فتنا بعضهم
ببعض))، يعنى أنه جعل بعضهم أغنياء وبعضهم فقراء ، فقال الأغنياء للفقراء :
(أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا))، يعنى: هداهم الله. وإنما قالوا ذلك استهزاء"
وسُخريًّا . (١)
٠ ٠
٠
وأما قوله: ((ليقولوا أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا))، يقول تعالى : اختبرنا
الناس بالغنى والفقر، والعزّ والذل، والقوة والضعف، والهدى والضلال، كى يقول
من أضلّه الله وأعماه عن سبيل الحق، الذين هداهم الله ووفقهم: ((أهؤلاء من"
الله عليهم))، بالهدى والرشد، وهم فقراء ضعفاء أذلاء (٢) = ((من بيننا))، ونحن
أغنياء أقوياء؟ استهزاء بهم، ومعاداةً للإسلام وأهله .
يقول تعالى ذكره: ((أليس الله بأعلم بالشاكرين))، وهذا منه تعالى ذكره
إجابة لهؤلاء المشركين الذين أنكروا أن يكون الله هدى أهل المسكنة والضعف
للحق، وخذطم عنه وهم أغنياء - وتقريرٌ لهم : أنا أعلم بمن كان من خلقى شاكراً
فعمتى ، ممن هولها كافر . فمىّ على من مَنَّنْتُ عليه منهم بالهداية ، جزاء شكره
(١) فى المطبوعة: ((مخرية))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) انظر تفسير (المن) فيما سلف ٧ : ٩/٣٦٩: ٧١.
٠٠٠
.... . ..
:

٣٩٠
تفسير سورة الأنعام : ٥٣ ، ٥٤
إیاى على نعمتى ، وتخذيلى من خذلت منهم عن سبيل الرشاد ، عقوبة كفرانه
إياى نعمتى ، لا لغنى الغنى منهم ولا لفقر الفقير ، لأن الثواب والعقاب لا يستحقه
أحدٌ إلا جزاءً على عمله الذى اكتسبه ، لا على غناه وفقره، لأن الغنى والفقر
والعجز والقوة ليس من أفعال خلقى .
٠ ٠
القول فى تأويل قوله ﴿وَإِذَا جَآَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ
بَّا يُقِنَ فَقُلْ سَلَمْ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ,
مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بَجَلَةٍ ثُمَّ تَبَ مِنْ بَعْدِهِى وَأَمْلَحَ
فَأَنَّهُ, عَقُودٌ رحيم )@)
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فى الذين عنى اللّه تعالى ذكره بهذه
الآية .
فقال بعضهم : عنى بها الذين نهى اللّه نبيَّه عن طردهم. وقد مضت الرواية
بذلك عن قائليه . (١)
٠ ٠
وقال آخرون : عنى بها قوماً استفتوا النبى صلى الله عليه وسلم فى ذنوب أصابوها
عظامٍ ، فلم يؤيسهم اللّه من التوبة .
• ذكر من قال ذلك :
١٣٢٩١ -حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا یحی بن سعيد قال، حدثنا
سفيان ، عن مجمع قال ، سمعت ما هان قال: جاء قوم إلى النبيّ صلى الله عليه
وسلم قد أصابوا ذنوباً عظاماً . قال ماهان: فما إخاله ردّ عليهم شيئاً . قال : فأنزل
(١) انظر ما سلف رقم : ١٣٢٥٨، وما بعده .

٣٩١
تفسير سورة الأنعام : ٥٤
اللّه تعالى ذكره هذه الآية: ((وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم))،
الآية . (١)
١٣٢٩٢ - حدثنا هناد قال ، حدثنا قبيصة، عن سفيان ، عن مجمع ،
عن ماهان : أنّ قوماً جاؤوا إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد ،
إذا أصبنا ذنوباً عظاماً ! فما إخاله ردّ عليهم شيئاً، فانصرفوا فأنزل الله تعالى ذكره :
((وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة)).
قال : فدعاهم فقرأها عليهم .(١)
١٣٢٩٣ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال ، حدثنا سفيان ، عن
مجمّع التميمى قال ، سمعت ماهان يقول: فذكر نحوه .(١)
#
وقال آخرون : بل عُنى بها قومٌ من المؤمنين كانوا أشاروا على النبي صلى
اللّه عليه وسلم بطرد القوم الذين نهاه اللّه عن طردهم، فكان ذلك منهم خطيئة ،
فغفرها الله لهم وعفا عنهم، وأمر نبيَّه صلى اللّه عليه وسلم إذا أتوه أن يبشرهم بأن ١٣٣/٧
قد غفر لهم خطيئتهم التى سلفت منهم بمشورتهم على النبي صلى اللّه عليه وسلم
بطرد القوم الذين أشاروا عليه بطردهم . وذلك قول عكرمة وعبد الرحمن بن زيد ،
وقد ذكرنا الرواية عنهما بذلك قبل . (٢)
*
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال فى ذلك عندى بتأويل الآية ، قولُ من قال :
المعنيُّون بقوله: ((وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم))، غيرُ الذين
نهى اللّه النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن طردهم. لأن قوله: ((وإذا جاءك الذين
يؤمنون بآياتنا)»، خبر مستأنَفٌ بعد تقضَّى الخبر عن الذين نهى الله نبيه صلى الله
(١) الآثار : ١٣٢٩١ - ١٣٢٩٣ - ((سفيان)) هو: ابن عينية .
و ((مجمع))، هو ((مجمع بن صمعان)) أبو حمزة التميمى)، ثقة، مضى برقم: ١٢٧١٠.
و((مامان)) الحنفى، أبو سالم الأعور العابد، مضى برقم: ٢٠٢٢٦.
(٢) انظر ما سلف رقم : ١٣٢٦٤، ١٣٢٦٥.
:

٣٩٢
تفسير سورة الأنعام : ٥٤
عليه وسلم عن طردهم . ولو كانوا هم، لقيل: ((وإذا جاؤوك فقل سلام عليكم)).
وفى ابتداء اللّه الخبرَ عن قصة هؤلاء، وتركه وصلَ الكلام بالخبر عن الأولين ،
ما ينبئء عن أنهم غيرُهم .
فتأويل الكلام إذاً - إذا كان الأمر على ما وصفناه: وإذا جاءك، يا محمد، القومُ
الذين يصدّقُون بتنزيلنا وأدلتنا وحججنا، فيقرّون بذلك قولاً وعملاً، مسترشديك
عن ذنوبهم التى سلفت منهم بينى وبينهم ، هل لهم منها توبة ، فلا تؤيسهم منها ،
وقل لهم: ((سلام عليكم))، أمَنَةُ اللّه لكم من ذنوبكم، أن يعاقبكم عليها بعد
توبتكم منها (١) = ((كتب ربكم على نفسه الرحمة))، يقول: قضى ربكم الرحمة
بخلقه (٢) = (أنه من عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم)).
واختلفت القرأة فى قراءة ذلك :
فقرأته عامة قرأة المدنيين: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً﴾، فيجعلون ((أنّ)
منصوبةٌ عَلى الترجمة بها عن ((الرحمة)- (ثُمَّ تَبَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّهُ غَفُورٌ
رَحِيمٌ)، على ائتناف ((إنه)) بعد (الفاء)) فيكسرونها، ويجعلونها أداة لا موضع
لها ، بمعنى: فهو له غفور رحيم = أو: فله المغفرة والرحمة . (٣)
وقرأهما بعض الكوفيين بفتح ((الألف)) منهما جميعاً، ، بمعنى :
﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّْمَة)= ثم ترجم بقوله: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ
سُوءاً بِجَهَالَةٍ﴾، عن الرحمة، ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، فيعطف بـ ((أنه)) الثانية
على ((أنه)) الأولى، ويجعلهما اسمين منصوبين على ما بينت. (٤)
...
(١) انظر تفسير ((سلام)) فيما سلف ١٠: ١٤٥، ومادة (سم) فى فهارس اللغة.
(٢) انظر تفسير ((كتب)) فيما سلف ص: ٢٧٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٣) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٣٣٦، ٣٣٧.
(٤) انظر ما قاله أبو جعفر فى بيان هذه القراءة فيما سلف ص: ٢٧٨ - ٢٨٠

٣٩٣
تفسير سورة الأنعام : ٥٤
وقرأ ذلك بعض المكيين وعامة قرأة أهل العراق من الكوفة والبصرة: بكسر
((الألف)) من ((إنه)) و((إنه)) على الابتداء، وعلى أنهما أداتان لا موضع
#
قال أبو جعفر : وأولى القراءات فى ذلك عندى بالصواب ، قراءة من قرأهما
بالكسر: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ إِنَّهُ﴾، على ابتداء الكلام ، وأن
الخبرقد انتهى عند قوله: ((كتب ربكم على نفسه الرحمة))، ثم استؤنف الخبر
عما هو فاعل تعالی ذ کره بمن عمل سوءاً بجهالة ثم تاب وأصلح منه .
...
ومعنى قوله: (( إنه من عمل منكم سوءاً بجهالة))، إنه من اقترف منكم ذنباً
فجهل باقترافه إياه (٢) = ثم تاب وأصلح - ((فإنه غفورٌ))، لذنبه إذا تاب وأناب،
وراجع العمل بطاعة الله، وترك العود إلى مثله، مع الندم على ما فرط منه= (( رحيم ))،
بالتائب أن يعاقبه على ذقبه بعد توبته منه .
٠
٠ ٠
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال جماعة من أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
١٣٢٩٤ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن عثمان ،
عن مجاهد: ((من عمل منكم سوءاً بجهالة))، قال: من جهل: أنه لا يعلم حلالاً
من حرام ، ومن جهالته ركب الأمر .
١٣٢٩٥ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو خالد، عن جويبر ، عن
الضحاك ، مثله .
١٣٢٩٦ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير ، عن ليث، عن مجاهد :
(١) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٣٣٦، ٣٣٧.
(٢) انظر تفسير ((الجهالة)) فيما سلف ٨ : ٨٩ - ٩٣.، وهو بيان جيد جداً.

٣٩٤٠
تفسير سورة الأنعام : ٥٤ ،٠٥
يعملون السوء بجهالة ، قال : من عمل بمعصية اللّه ، فذاك منه جهل حتى
يرجع .
١٣٤/٧
١٣٢٩٧ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا بكر
ابن خنيس، عن ليث، عن مجاهد فى قوله: ((من عمل منكم سوءاً بجهالة » ،
قال : كل من عمل بخطيئة فهو بها جاهل .(١)
١٣٢٩٨ - حدثنى الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا خالد
ابن دينار أبو خلدة قال: كنا إذا دخلنا على أبى العالية قال: ((وإذا جاءك الذين
يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة » .(٢)
القول فى تأويل قوله ﴿وَكَذَّلِكَ تُصّلُ الْأَيْتِ وَلِتَسْفَبِيِنَ
سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ﴾
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((وكذلك نفصل الآيات))،
وكما فصلنا لك فى هذه السورة من ابتدائها وفاتحتها ، يا محمد ، إلى هذا الموضع ،
حجتنا على المشركين من عبدة الأوثان، وأدلتَنا ، وميَّزناها لك وبيَّنَاها، كذلك
نفصُّل لك أعلامنا وأدلتنا فى "كل حقّ ينكره أهل الباطل من سائر أهل الملل
(١) الأثر: ١٣٢٩٧ - ((بكر بن خنيس الكوفى)) العابد، يروى عن ليث بن أبى سليم،
وعبد الرحمن بن زياد، وإسماعيل بن أبى خالد، وعطاء بن أبي رباح. قال ابن عدى: ((وهو من
يكتب حديثه ، ويحدث بأحاديث مناكير عن قوم لابأس بهم ، وهو نفسه رجل صالح ، إلا أن
الصالحين يشبه عليهم الحديث ، وربما حدثوا بالتوهم ، وحديثه فى جملة الضعفاء ، وليس ممن يحتج
بحديثه))، وقيل فيه ما هو أشد . مترجم فى التهذيب .
(٢) الأثر: ١٣٢٩٨ - ((خالد بن دينار التميمى السعدى))، ((أبو خلدة))، ثقة،
مضى برقم : ٤٤، ٠١٢٢٣٩

٣٩٥
تفسير سورة الأنعام : ٥٥
غيرهم ، فنبينها لك ، حتى يبين حقه من باطله ، وصحيحهُ من سقيمه .
...
واختلفت القرأة فى قراءة قوله: ((ولتستبين سبيل المجرمين)).
فقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾ بالتاءُ ﴿سَبِيلَ الْمُجْرِمِينَ﴾
بنصب ((السبيل))، على أن ((تستبين))، خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، كأن
معناه عندهم : ولتستبين ، أنت يا محمد ، سبيلَ المجرمين .
...
وكان ابن زيد يتأول ذلك : ولتستبين ، أنت يا محمد ، سبيل المجرمين الذين
سألوك طرد النفر الذين سألوه طردهم عنه من أصحابه .
١٣٢٩٩ - حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد :
(((ولتستبين سبيلَ المجرمين))، قال : الذين يأمرونك بطرد هؤلاء.
٠
٠٠
وقرأ ذلك بعض المكيين وبعض البصريين: ﴿وَلِنَسْتَبِينَ﴾ بالتاء {سَبِيلُ
الْمُجْرِمِينَ) برفع ((السبيل))، على أن القصد السبيل، ولكنه يؤثثها = وكأن معنى
الكلام عندهم : وكذلك نفصل الآيات ، ولتتضح لك وللمؤمنين طريقُ المجرمين .
وقرأ ذلك عامة قرأة أهل الكوفة: ﴿وَلِيَسْتَبِينَ﴾ بالياءِ ﴿سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾
برفع ((السبيل)) على أن الفعل للسبيل ، ولكنهم يذكرونه = ومعنى هؤلاء فى هذا
الكلام، ومعنى من قرأ ذلك بالتاء فى: ((ولتستبين)) ورفع ((السبيل))، واحدٌ ،
وإنما الاختلاف بينهم فى تذكير (السبيل)) وتأنيها.(١)
...
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب عندى فى ((السبيل)) الرفع ، لأن
اللّه تعالى ذكره فصَّل آياته فى كتابه وتنزيله ، ليتبين الحقَّ بها من الباطل جميعُ
من خوطب بها ، لا بعضٌ دون بعض.
(١) انظر معانى القرآن الفراء ١ : ٣٣٧.

٣٩٧
تفسير سورة الأنعام : ٥٥ ،٥٦
ومن قرأ (( السبيل)) بالنصب ، فإنما جعل تبيين ذلك محصوراً على النبى صلى
اللّه عليه وسلم .
وأما القراءة فى قوله: ((ولتستبين))، فسواء قرئت بالتاء أو بالياء ، لأن من
العرب من يذكر ((السبيل)) = وهى تميم وأهل نجد = ومنهم من يؤنث ((السبيل))
= وهم أهل الحجاز . وهما قراءتان مستفيضتان فى قرأة الأمصار ، ولغتان مشهورتان
من لغات العرب ، وليس فى قراءة ذلك بإحداهما خلافٌ لقراءته بالأخرى ، ولا
وجه لاختيار إحداهما على الأخرى= بعد أن يرفع ((السبيل)) = للعلة التى ذكرنا.(١)
٠ ٠
وبنحو الذى قلنا فى تأويل قوله: ((نفصل الآيات)) قال أهل التأويل.
١٣٣٠٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الرزاق
قال ، أخبرنا معمر، عن قتادة: (( وكذلك نفصل الآيات )) ، نبین الآيات .
١٣٣٠١ - حدثی یونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى :
((نفصل الآيات))، نبین .
#
#
#
القول فى تأويل قوله ﴿قُلْ إِنِى ◌ُّهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ
تَدْعُونَ مِن دُونِ أَثِ قُل لَّا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَ كُمَّ قَدْ ضَلْتُ إِذَا وَمَاً
أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾ ﴾)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل ،
يا محمد، لهؤلاء المشركين بربّهم من قومك ، العادلين به الأوثان والأنداد، الذين
يدعونك إلى موافقتهم على دينهم وعبادة الأوثان: إنّ اللّه نهانى أن أعبد الذين
١٣٥/٧
(١) انظر تفسير ((السبيل)) فيما سلف من فهارس اللغة (سبل) = وتفسير ((استبان)) فى
مادة ( بين) من فهارس اللغة .

تفسير سورة الأنعام : ٥٦ ، ٥٧
٣٩٧
(٢) رمنه
منها رارة ملك
تدعون من دونه ، فلن أتبعكم على ما تدعونى إليه من ذلك ، ولا أوافقكم عليه؟
ولا أعطيكم محبتكم وهواكم فيه. وإن فعلت ذلك ، فقد تركت محجة الحق،
وسلكت على غير الهدى، فصرت ضالاً مثلكم على غير استقامة.(١)
ن" والغرب فى ((ضالات)) لغتان: فتح اللام) وكسرها واللغة القضيحة المشهورة
هى: فتحها، وبها قرأ عامة قرأة الأمضار، وبها نقرأ لشهرتها فى الغرب جلة وأنه
الكبير فليس بالغالب فى كلامها، والقرأة بها قليلون ،فق قال إ ضلاته
قالٍ: (أصل ٣٠° (من قال: (صَلِلتُ، قال فى المستقبل (الْتَضَل ◌ُ)) وكذلك:
القراءة عندنا فى سائر القرآن: ﴿وَقَالُوا أَئِذَاْ ضَلَنَا﴾ بفتح اللام، [سورة السجدة : ١٠].
باق، مقصارة :
لا: شير ا قلي حوا تل ويجاء مع باسواء بيننا 6 بالق=
القول فى تأويل قوله ﴿ قُلْ إِنّى عَلَى بَيْنَةٍ مِّن رَّبِى.
وَكَذْبْتَ بِهَ مَا عِنْدِى مَا تَسْتَمْعِلُونَ بِهِ ، إِنِ الْمَكْمُ إِلََّ شْرِه
يَقُصُ الحقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَّصِلِينَ﴾ (
٧
شعاع فيالحل ٢٠٠ مبالغة
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: (( قل ))، یا مجيد، .. ]
لهؤلاء العادلين بربهم، الداعين لك إلى الإشراك يربك= (( إنىّ على بينة من ربى))،
أی إنې على بیان قلب تبينته ، وبرهان قد وضح لى = (( من ربى اله، يقول: من
توحيدى، (٢) وما أنا عليه من إخلاص عُبُودته(٣) من غير إشراك شىء ابة٢٠٦
وكذلك تقول العرب: ((فلان على بينة من هذا الأمر))، إذا كان على بيان
(١) انظر تفسير ((الضلال)) فيما سلف من فهارس اللغة (ضلل).
(٢) فى المطبوعة: ((توحيده))، وأثبت ما فى المخطوطة
(٣) فى المطبوعة: ((عبوديته))، وأثبت ما فى المخطوطة.

٣٩٨
تفسير سورة الأنعام : ٥٧
منه، (١) ومن ذلك قول الشاعر: (٢)
أَبَيَِّةَ تَبْغُونَ بَعْدَ اعْتِرَافِ وَقَوْلِ سُوَيْدٍ: قَدْ كَفَيْتُكُمُ بِشْرًا(٣)
٠ ٥
((وكذبتم به )) يقول: وكذبتم أتم بربكم = و(«الهاء» فى قوله (( به )) من ذ کر
الرب جلّ وعز = ((ما عندى ما تستعجلون به))، يقول : ما الذى تستعجلون من
نقم الله وعذابه بيدى، ولا أنا على ذلك بقادر. وذلك أنهم قالوا حين بعث اللّه
نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بتوحيده ، فدعاهم إلى الله ، وأخبرهم أنه رسوله
إليهم: ﴿عَلْ هُذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السَّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾
[سورة الأنبياء: ٣]. وقالوا للقرآن: هو أضغاث أحلام . وقال بعضهم : بل هو
اختلاق اختلقه . وقال آخرون : بل محمد شاعر ، فليأتنا بآية كما أرسل الأولون
= فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: أجبهم بأن الآيات بيد الله لا بيدك ، وإنما
أنت رسول ، وليس عليك إلا البلاغ لما أرسلت به، وأنّ اللّه يقضى الحق فيهم
وفيك ، ويفصل به بينك وبينهم ، فيتبين المحقّ منكم والمبطل (٤) = (( وهو خير
الفاصلين))، أى: وهو خير من بين وميّز بين المحق والمبطل وأعدلهم، لأنه لا
يقع فى حكمه وقضائه حَيْف إلى أحد لوسيلة له إليه ولا لقرابة ولا مناسبة ، ولا فى
قضائه جور ، لأنه لا يأخذ الرشوة فى الأحكام فيجور ، فهو أعدل الحكام وخيرُ
الفاصلين .
وقد ذكر لنا فى قراءة عبد الله: ﴿ وَهُو أَسْرَعُ الْفَصِلِينَ﴾.
١٣٣٠٢ - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا
شعبة ، عن أبى بشر ، عن سعيد بن جبير : أنه قال : فى قراءة عبد الله:
(١) انظر تفسير ((البينة)) فيما سلف من فهارس اللغة (بين).
(٢) لم أعرف قائله .
(٣) مجاز القرآن لأبى عبيدة ١ : ١٩٣.
(٤) انظر تفسير ((الفصل)) فيما سلف ٥ : ٣٣٨.

٣٩٩
تفسير سورة الأنعام : ٥٧
﴿يَقْضِىَ الْحَقَّ وَهُوَ أَسْرَعُ الفَصِلِينَ﴾.
٥
٠
واختلفت القرأة فى قراءة قوله: ((يقصّ الحق)).(١)
فقرأ عامة قرأة الحجاز والمدينة وبعض قرأة أهل الكوفة والبصرة: ﴿ إِنِ الْحُكْمُ
إلا ◌ِدِ يَقُصُّ الْحَقَّ)، بالصاد، بمعنى ((القصص))، وتأوّلوا فى ذلك قول الله تعالى
ذكره: ﴿نَحْنُ نَعُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾، [سورة يوسف: ٣]. وذكر
ذلك عن ابن عباس .
١٣٣٠٣ -حدثنا ابن و کیع قال، حدثنا ابنعيينة ، عن عمرو بن دينار ،
عن عطاء، عن ابن عباس قال: ((يقص الحق))، وقال: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ
عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾
وقرأ ذلك جماعة من قرأة الكوفة والبصرة: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إلا لِهِ يَقْضِ الْحَقِّ)
بالضاد، من ((القضاء))، بمعنى الحكم والفصل بالقضاء، (٢) واعتبروا صحة ذلك
بقوله: ((وهو خير الفاصلين))، وأن ((الفصل)) بين المختلفين إنما يكون بالقضاء
لا بالقَصَص .
١٣٦/٧
٠
وهذه القراءة عندنا أولى القراء تين بالصواب ، لما ذكرنا لأهلها من العلّة.
...
فمعنى الكلام إذاً : ما الحكم فيما تستعجلون به ، أيها المشركون ، من عذاب
اللّه وفيما بينى وبينكم، إلاّ اللّه الذى لا يجور فى حكمه، وبيده الخلق والأمر،
يقضى الحق بينى وبينكم ، وهو خير الفاصلين بيننا بقضائه وحكمه .
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((يقضى الحق))، وهو سهو هنا، والصواب ما أثبته.
(٢) انظر تفسير ((قضى)) فيما سلف ٢: ٥٤٢، ٥٤٣، وسائر فهارس اللغة.
٠ ٠

٤٠٠
تفسير سورة الأنعام : ٥٨
القول فى تأويل قوله ﴿ قُل لَّوْ أَنَّ عِندِى مَا تَسْتَسْجِلُونَ
بِهِ م لَقُّفِىَ الْأَثْرُ بَيْنِى وَيْنَكُمُ وَاللهُ أَعْلَمُ بِالَّلِينَ ) (٥)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يامحمد،
لهؤلاء العادلين بربهم الآلهة والأوثان ، المكذبيك فيما جئتهم به ، السائليك أن
تأتيهم بآية استعجالاً منهم بالعذاب : لو أنّ بيدى ما تستعجلون به من العذاب
=((لقضى الأمر بينى وبينكم))، ففصل ذلك أسرع الفصل، بتعجيلى لكم ما تسألونى
من ذلك وتستعجلونه ، ولكن ذلك بيد الله ، الذى هو أعلم بوقت إرساله على
الظالمين ، الذين يضعون عبادتهم التى لا تنبغى أن تكون إلاّ اللّه فى غير موضعها ،
فيعبدون من دونه الآلهة والأصنام ، وهو أعلم بوقت الانتقام منهم ، وحالِ القضاء
بینی وبينهم .
. ..
وقد قيل: معنى قوله: ((لقضى الأمر بينى وبينكم))، بذبح الموت. (١)
١٣٣٠٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن ابن جريج
قال: بلغنى فى قوله: ((لقضى الأمر))، قال: ذبح الموت .
٥ ٥
وأحسب أن قائل هذا القول، نزع لقوله (٢): ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ
قُضِىَ الأَمْرُ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ﴾، [ سورة مريم. ٣٩]، فإنه روى عن النبى صلى الله عليه
وسلم فى ذلك قصة تدل على معنى ما قاله هذا القائل فى (( قضاء الأمر))، (٣) وليس
(١) فى المطبوعة ((الذبح الموت))، وفى المخطوطة ((الذبح الموت))، وآثرت قرلمتها
کما أثبتها
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة ((أن قائل هذا النوع نزع))، وهو كلام عجب، لا أظن
أبا جعفر يتدانى إلى مثله والصواب ما أثبته بلا شك
(٣) رواه أبو جعفر فى تفسيره ١٦ ٢٦ (بولاق)، وهو الخبر الذى جاء فيه أنه يجاء
يوم القيامة بالموت كأنه كبش أملح ، فيوقع بير الجنة والنار ، ثم ينادى فى أهل الجنة والنار هل