Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
تفسير سورة الأنعام : ٢٧، ٢٨
كذلك، لا شك فى صحة إعرابه . ومعناه فى ذلك: أن تأويله إذا قرئ كذلك : لو
أنّا رددنا إلى الدنيا ما كذَّبنا بآيات ربِّنا، ولكُنَّا من المؤمنين. فإن يكن الذى
حكى من حكى عن العرب من السماع منهم الجواب بالواو، و((ثم)) كهيئة الجواب
بالفاء ، صحيحاً ، فلا شك فى صحّة قراءة من قرأ ذلك: ﴿ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ
◌ُكَذِّبَ بَآيَاتِ رَبِّا وَنَكُونَ﴾ نصباً على جواب التمنى بالواو ، على تأويل
قراءة عبد الله ذلك بالفاء. وإلافإن القراءة بذلك بعيدةُ المعنى من تأويل التنزيل .
ولستُ أعلم سماعَ ذلك من العرب صحيحاً، بل المعروف من كلامها: الجوابُ بالفاء ،
والصرفُ بالواو .
٥
القول فى تأويل قوله ﴿بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن
قَبْلُ وَلَوْ رُدُواْ لَعَدُواْ لِمَاَ تُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَّذِبُونَ))
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره : ما بهؤلاء العادلين بربهم ، (١) الجاحدين
نبوتك، يا محمد، فى قيلهم إذا وقفوا على النار: (( ياليتنا نردُ ولا نكذب بآبات
ربنا ونكون من المؤمنين)) = الأسىَ والندمُ على ترك الإيمان بالله والتصديق بك، (٢)
لكن بهم الإشفاق مما هو نازلٌ بهم من عقاب الله وأليم عذابه ، على معاصيهم
التى كانوا يخفونها عن أعين الناس ويسترونبها منهم ، فأبداها الله منهم يوم القيامة
وأظهرها على رؤوس الأشهاد ، ففضحهم بها، ثم جازاهم بها جزاء هم .
يقول : بل بد الحم ما كانوا يخفون من أعمالهم السيئة التى كانوا يخفونها من
قبل ذلك فى الدنيا، فظهرت = ((ولو رُدُّوا))، يقول: ولو ردّوا إلى الدنيا فأمنهلوا
(١) فى المطبوعة: ((ما قصد هؤلاء))، وهو لا شىء ولكن حمله عليه أنه فى المخطوطة
(( ما هؤلاء العادلين))، واستظهرت الصواب من قوله بعد: ((لكن بهم الإشفاق)).
(٢) السياق: ((ما بهؤلاء العادلين بربهم ... الأسى والندم ... )).
ج ١١ (٢١)

٣٢٢
تفسير سورة الأنعام : ٢٨، ٢٩
= ((لعادوا لما نهوا عنه))، يقول: لرجعوا إلى مثل العمل الذى كانوا يعملونه فى
الدنيا قبل ذلك ، من جحود آيات الله، والكفر به ، والعمل بما يسخط عليهم
ربّهم = (( وإنهم لكاذبون ))، فی قیلهم: «لو رددنا لم نکذب بآيات ربنا وكنا
من المؤمنين))، لأنهم قالوه حين قالوه خشية العذاب ، لا إيماناً بالله.
٥
٥
وبالذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
١٣١٨١ - حدثنى محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل))، يقول :
بدت لهم أعمالهم فى الآخرة ، التى أخفوها فى الدنيا .
١٣١٨٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: ((بل بدا لهمما كانوا يخفون من قبل))، قال: من أعمالهم.
١٣١٨٣ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة قوله: ((ولو ردُّوا لعادُوا لما نهوا عنه))، يقول: ولو وصل اللّه لهم دُنيا
كدنياهم، لعادوا إلى أعمالهم أعمالٍ السوء .
١١٢/٧
٠
القول فى تأويل قوله ﴿وَقَالُواْ إِنْ هِىَ إِلَّ حَيَتُنَاَ الدُّنْيَا
وَمَا تَحْنُ مَبْمُوِينَ ﴾﴾)
قال أبو جعفر : وهذا خبر من اللّه تعالى ذكره عن هؤلاء المشركين ، العادلين
به الأوثان والأصنام ، الذين ابتدأ هذه السورة بالخبر عنهم .

٣٢٣
تفسير سورة الأنعام : ٣٠،٢٩
يقول تعالى ذكره: ((وقالوا إنْ هى إلاّ حياتنا الدنيا))، يخبر عنهم أنهم
ينكرون أنّ اللّه يحيى خلقه بعد أن يميتهم، ويقولون: ((لا حياة بعد الممات، ولا
بعث ولا نشور بعد الفناء)). فهم بجحودهم ذلك ، وإنكارهم ثوابَ الله وعقابه فى
الدار الآخرة ، لا يبالون ما أتوا وما ركبوا من إثم ومعصية ، لأنهم لا يرجون ثواباً
على إيمان بالله وتصديق برسوله وعملٍ صالح بعد موت ، ولا يخافون عقاباً على كفرهم
بالله وبرسوله وسیءٍ من عمل يعملونه .(١).
. . .
وكان ابن زيد يقول: هذا خبر من اللّه تعالى ذكره عن هؤلاء الكفرة الذين
وقفوا على النار: أنهم لو ردُّوا إلى الدنيا لقالوا: (( ما هى إلا حياتنا الدنيا وما نحن
بمبعوثين)).
١٣١٨٤ - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: (( ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه))، وقالوا حين يردون: (( إن هى إلاّ حياتنا
الدنيا وما نحن بمبعوثين )).
القول فى تأويل قوله ﴿وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَبِمْ
قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْقِّ قَالُواْ بَى وَرَبَِّ قَالَ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَ
كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ (٥)
قال أبو جعفر : : يقول تعالى ذكره: ( لو تری ))، یا محمد ، هؤلاء
القائلين: ما هى إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين - ((إذ وقفوا))، يوم القيامة ،
(١) فى المطبوعة: ((وشىء من عمل))، وهى فى المخطوطة غير منقوطة، وصواب قرامها
ما أثبت .

٣٢٤
تفسير سورة الأنعام : ٢٠، ٣١
أی : حیسوا ، (١) (علی ربهم)) ، یعنی علی حكم الله وقضائه فیهم = « قال أليس
هذا بالحق ))، يقول: فقيل لهم: أليس هذا البعثُ والنشر بعد الممات الذى كنتم
تنكرونه فى الدنيا، حقًّا؟ فأجابوا، فقالوا: بلى والله إنه لحقّ = (( قال فذوقوا
العذاب))، يقول : فقال الله تعالى ذكره لهم: فذوقوا العذاب الذى كنتم به فى
الدنيا تكذبون(٢) = (( بما كنتم تكفرون))، يقول : بتكذيبكم به وجحد كموه
الذى كان منكم فى الدنيا .
القول فى تأويل قوله ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِقَ
اللهِ حِّىَ إِذَا جَآَتْهُمُ السَّاعَةُ بَنْتَةً قَالُواْ يُصَسْرَتَنَاَ عَلَى مَا فَرَّطْنَ
فيها)
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: (( قد خسر الذين كذبوا بلقاء
اللّه))، قد هلك وُوُكس، فى بيعهم الإيمان بالكفر(٣) = ((الذين كذبوا
بلقاء الله))، يعنى: الذين أنكروا البعثَ بعد الممات، والثواب والعقابَ، والجنة"
والنارَ، من مشركي قريش وَمَنْ سلك سبيلهم فى ذلك = ((حتى إذا جاءَ تهم
الساعة)) ، يقول: حتى إذا جاءتهم السَّاعة التى يَبْعث اللّه فيها الموتى من قبورهم.
٠٠٠
وإنما أدخلت ((الألف واللام)) فى ((الساعة))، لأنها معروفة المعنى عند
المخاطبين بها ، وأنها مقصود بها قصِدُ الساعة التى وصفت .
(١) انظر تفسير ((وقف)) فيما سلف قريباً ص: ٣١٦
(٢) انظر تفسير ((ذاق العذاب)) فيما سلف ص: ٤٧، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير ((خسر)) فيما سلف ص: ٢٩٤، تعليق: ١، والمراجع هناك.

٣٢٥
تغير سورة الأنعام : ٣١
ويعنى بقوله: (( بغتة))، فجأةً، من غير علم من تفجؤه بوقت مفاجأتها إيّاه .
٠
٠
يقال منه: ((بغتُّه أبغته بَغْنةً))، إذا أخذته كذلك :
٠
٠
= ((قالوا يا حَسْرتَنا على ما فرّطنا فيها))، يقول تعالى ذكره: وكس الذين
كذبوا بلقاء الله ببيعهم منازلهم من الجنة بمنازل من اشتروا منازله من أهل الجنة
من النار، فإذا جاءتهم الساعة بغتةً قالوا إذا عاينوا ما باعوا وما اشتروا، وتبيَّنوا
خسارة صفقة بيعهم التى سلفت منهم فى الدنيا، تندُّماً وتلهُّفاً على عظيم الغَبْن
الذى غبنوه أنفسهم ، وجليلِ الخسران الذى لا خسران" أجلّ منه = (( يا حسرتنا
على ما فرطنا فيها))، يقول: يا ندامتنا على ما ضيّعنا فيها، يعنى: صفقتهم تلك.(١)
٥
و(«الهاء والألف)) فى قوله: ((فيها))، من ذكر ((الصفقة))، ولكن اكتفى بدلالة
قوله: (( قد خسر الذين كذبوا بلقاء اللّه)) عليها من ذكرها، إذ كان معلوماً أن
((الخسران)) لا يكون إلاّ فى صفقة بيع قد جرت. (٢)
٠ ٠٠
وإنما معنى الكلام : قد وُكس الذين كذبوا بلقاء الله، ببيعهم الإيمان الذى
يستوجبون به من الله رضوانَه وجنته، بالكفر الذى يستوجبون به منه سخطه وعقوبته،
ولا يشعرون ما عليهم من الخسران فى ذلك ، حتى تقوم الساعة ، فإذا جاءتهم
الساعة بغتةً فرأوا ما لحقهم من الخسران فى بيعهم، قالوا حينئذ، تندماً: ((ياحسرتنا
على ما فرطنا فيها )) .
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
(١) انظر تفسير ((الحسرة)) فيما سلف ٣: ٧/٢٩٥ : ٣٣٥.
(٢) فى المطبوعة: ((قد خسرت))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو الصواب.

٣٢٦
تفسير سورة الأنعام : ٣١
١٣١٨٥ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: قوله: (( يا حسرتنا على ما فرطنا فيها))، أمّا
((يا حسرتنا)»، فندامتنا = ((على ما فرطنا فيها»، فضيعنا من عمل الجنة.
١١٤/٧
١٣١٨٦ - حدثنا محمد بن عمارة الأسدى قال، حدثنا يزيد بن مهران
قال ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن الأعمش ، عن أبى صالح ، عن أبى
سعيد، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم فى قوله: ((يا حسرتنا))، قال: يرى أهلُ
النار منازلهم من الجنة فيقولون: ((يا حسرتنا)).(١)
٠ ٠
القول فى تأويل قوله ﴿وَهُمْ يَحْيِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى
◌ُهُورِ هِمْ أَلَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ) )
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وهؤلاء الذين كذَّبوا بلقاء الله، ((يحملون
أوزارهم على ظهورهم)). وقوله: ((وهم)) من ذكرهم = ((يحملون أوزارهم))، يقول:
آثامهم وذنوبهم .
٠
واحدها ((وِزْر))، يقال منه: ((وَزَر الرجل يزِر))، إذا أثم، قال اللّه:
((ألا ساء ما يزرون)). (٢) فإن أريد أنهم أنمُّوا، (٣) قيل: ((قد وُزِر القوم فهم
يُوُزّرُون، وهم موزرون)) .
(١) الأثر: ١٣١٨٦ - ((يزيد بن مهران الأسدى))، الخباز، أبو خالد. صدوق ،
وذكره ابن حبان فى الثقات وقال: ((يغرب)). مترجم فى التهذيب، وابن أبى حاتم ٤ / ٢٩٠/٢.
وهذا الخبر خرجه السيوطى فى الدر المنثور ٣: ٩، وقال: ((أخرج ابن جرير ، وابن أبى حاتم ،
والطبرانى، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والخطيب بسند صحيح، عن أبى سعيد الخدرى))، وذكر الخبر .
(٢) فى المطبوعة، حذف قوله: ((قال الله: ألا ساء مايزرون)).
(٣) ((أثموا)) بضم الهمزة وتشديد الثاء المكسورة، بالبناء للمجهول أى: وموا بالإثم.

تفسير سورة الأنعام :٠ ٣١
قد زعم بعضهم أن ((الوزْر)) الثقل والحمل. ولست أعرف ذلك كذلك فى
شاهد ، ولا من رواية ثقة عن العرب .
راضبا حين بذله راج نء
وقال تعالى ذكره: ((على ظهورهم))، لأن الحمل قد يكون على الرأس
والمنكيب وغير ذلك، فبيّن موضع حملهم ما يحملون من ذلك. كلجم رحمة.
٠
٠
وذكر أنّ حملهم أوزارهم يومئذ على ظهورهم، نحو الذى بلدة"
٠ ١٣١٨٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا الحكم ابن بشير بن سلمان قال"
حدثنا عمرو بن قيس الملائى قال : إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن
شىءٍ صورة وأطيبُهُ ريحاً، (١) فيقول له: هل تعرفى ؟ فيقول: لا، إلاّ أن الله قد
طيِّب ريحك وحسَّن صورتك! فيقول : كذلك كنت فى الدنيا، أنا عملك
الصالح ، طالما ركبتك فى الدنيا ، فاركبنى أنت اليوم ! = وتلا: ﴿ يَوْمَ تَخْشُرُ.
اُلْمُتَّقِينَ إلَى الرْحَنِ وَفْدًا﴾، [سورة مريم: ٨٥]. وإن الكافر يستقبله أقبح شىء
م .
صورة وأنتتُه ريحاً ، فيقول، هل تعرفنى؟ فيقول: لا، إلاّ أن الله قد قَبّح
صورتك وأنتن ريحك! فيقول : كذلك كنتُ فى الدنيا، أنا عملك السىء، طالما
ركبتنى فى الدنيا، فأنا اليوم أركبك = وتلا: ((وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم
ألا ساء ما يزرون )) . (٢)
(١) فى المطبوعة: ((استقبله عمله فى أحسن صورة وأطيبه ريحاً))، وهو كلام غث غير
مستقيم، وكان فى المخطوطة: ((استقبله أحسن صورة وأطيبه ريحاً))، سقط من الناسخ ما أثبته
((شىء)، واستظهرته من قوله بعد: ((يستقبله أقبح شىء صورة وأنتنه ريحاً)).
(٢) الأثر: ١٣١٨٧ - ((الحكم بن بشير بن سلمان النهدى))، ثقة، مضى مراراً،
رقم: ١٤٩٧، ٢٨٧٢، ٣٠١٤، ٦١٧١، ٩٦٤٦. وكان فى المطبوعة هنا («سليمان))
وهو خطأ، صمحته فى المخطوطة، والمراجع ، كما سلف أيضاً .
و((عمرو بن قيس الملائى))، مضى مراراً، رقم : ٨٨٦، ١٤٩٧، ٣٩٥٦، ٦١٧١، ٩٦٤٦.
وهذا الخبر خرجه السيوطى فى الدر المنثور ٣: ٩، وزاد نسبته لابن أبى حاتم، وإسناد أبى حاتم
فيما رواه ابن كثير فى تفسيره ٣: ٣٠٣: ((حدثنا أبو سعيد الأشج، قال حدثنا أبو خالد الأحمر،
عن عمرو بن قيس، عن أبى مرزوق))، وساق الخبر مختصراً بغير هذا اللفظ٠ ٢ /٢١: مخطط
-

٣٢٨
تفسير سورة الأنعام : ٣١
١٣١٨٨ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: (( وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم )) ، فإنه ليس
من رجل ظالم، يموت فيدخل قبره، (١) إلا جاءه رجل قبيح الوجه ، أسودُ اللون ،
مُنتن الريح، عليه ثياب دنِسة ، حتى يدخل معه قبره، فإذا رآه قال له : ما
أقبح وجهك ! قال : كذلك كان عملك قبيحاً! قال : ما أنتن ريحك ! قال :
کذلك كان عملك منتناً ! قال : ما أُدْنس ثيابك ! قال فيقول: إنعملك كان
دنساً . قال: من أنت؟ قال : أنا عملك! قال : فيكون معه فى قبره ، فإذا بعث
يوم القيامة قال له : إنى كنت أحملك فى الدنيا باللذَّات والشهوات ، فأنت اليوم
تحملنى . قال : فيركب على ظهره فيسوقه حتى يدخلَه النار ، فذلك قوله :
((يحملون أوزارهم على ظهورهم)).
...
وأما قوله تعالى ذكره: ((ألاساء ما يزرون))، فإنه يعنى: ألا ساء الوزر
الذى يزرون - أى: الإثم الذى يأتمونه بربهم، (٢) كما : -
١٣١٨٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: ((ألاساء ما يزرون))، قال : ساء ما يعملون .
(١) فى المطبوعة: ((قال ليس من رجل ظالم يموت))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) كان فى المطبوعة: ((الذى يأثمونه كفرهم بربهم))، زاد ((كفرهم))، وأفسد الكلام.
وأثبت ما فى المخطوطة، وهو الصواب المحض. وقد بينت آنفاً معنى قوله ((أثم فلان بربه)) ٤: ٥٣٠،
تعليق:٠ ٦/٣ : ١١/١٢: ١٨٠، تعليق: ٣.

٣٢٩
تفسير سورة الأنعام : ٣٢
القول فى تأويل قوله ﴿وَمَا الحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ
وَلَدَّارُ أُلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلّذِينَ يَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ))
قال أبو جعفر : وهذا تكذيب من اللّه تعالى ذكره هؤلاء الكفار المنكرين
البعثَ بعد الممات فى قولهم: ﴿ إِنْ هِىَ إِلَّ حَيَتُنَ الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوْنِينَ﴾
[سورة المائدة: ٢٩]
يقول تعالى ذكره، مكذباً لهم فى قيلهم ذلك: ((ما الحياة الدنيا))، أيها
الناس = ((إلاّ لعب ولهو))، يقول: ما باغى لذات الحياة التى أدْنيت لكم وقرَّبت
منكم فى داركم هذه، (١) ونعيمها وسرورَها، فيها، (٢) والمتلذذُ بها، والمنافسُ
عليها إلا فى لعب ولهو، لأنها عما قليل تزول عن المستمتع بها والمتلذذ فيها بملاذّها ،
أو تأتيه الأيام بفجائعها وصروفها، فَتُمِرُّ عليه وتكدُر، (٣) كاللاعب اللاهی
الذى يسرع اضمحلال لهوه ولعبه عنه ، ثم يعقبه منه ندماً ، ويُورثه منه تَرحاً .
يقول: لا تغتروا، أيها الناس، بها، فإن المغتر بها عمّا قليل يندم = ((والدار الآخرة
خير للذين يتقون))، يقول: وللعمل بطاعته، والاستعدادُ للدار الآخرة بالصالح
من الأعمال التى تَبقى منافعها لأهلها ، ويدوم سرورُ أهلها فيها ، خيرٌ من الدار
التى ثفنى وشيكاً ، (٤) فلا يبقى لعمالها فيها سرور ، ولا يدوم لهم فيها نعيم = ((للذين
(١) انظر تفسير ((الحياة الدنيا)) فيما سلف ١: ٢٤٥.
(٢) سياق الجملة: ((ما باغى لذات الحياة ... ونعيمها وسرورها))، بالعطف ثم قوله:
(((فيها))، سياقه: ((ما باغى لذات الحياة ... فيها)). وقوله بعد: ((والمتلذذ بها)) مرفوع معطوف
على قوله: ((ما باغى لذات الحياة)).
(٣) فى المطبوعة: (فتمر عليه وكر)) غير ما فى المخطوطة، وهو ما أثبته، وهو الصواب
((تمر)) من ((المرارة))، أى: تصير مرة بعد حلاوتها، وكدرة بعد صفائها.
(٤) فى المطبوعة، حذف قوله ((وشيكا))، كأنه لم يحسن قراءتها. ((وشيكا)): سريعاً.

٣٣٠
تفسير سورة الأنعام : ٣٣،٣٢
يتقون))، يقول : الذين يخشون الله فيتقونه بطاعته واجتناب معاصيه، والمسارعة
إلى رضاه = ((أفلا تعقلون))، يقول: أفلا يعقل هؤلاء المكذّبون بالبعث حقيقة"
ما نخبرهم به، من أن الحياة الدنيا لعب ولهوٌ، وهم يرون من يُخْتَرم منهم، (١) ومن
١١٥/٧ هلك فيموت، ومن تنوبه فيها النوائب وتصيبُه المصائب وتفجعه الفجائع. ففى
ذلك لمن عقل مدَّكر ومزدجر عن الركون إليها ، واستعباد النفس لها = ودليلٌ
واضح على أن لها مدبِّراً ومصرفاً يلزم الخلقَ إخلاص العبادة له ، بغير إشراك
شىءٍ سواه معه .
القول فى تأويل قوله ﴿قَدْ تَعْلَمُ إِنَّهُ، لَيَحْزُنُكَ الَّذِىِ يَقُولُونَ
فَإِنَّهُمْلَا يَكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الْطَّلِنَ بَّايَتِ اللهِ يَحْحَدُونَ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ((قد
نعلم))، يا محمد، إنه ليحزنك الذى يقول المشركون ، وذلك قولهم له: إنه كذّاب =
((فإنهم لا يكذبونك )) .
واختلفت القرأة فى قراءة ذلك
[فقرأة جماعة من أهل الكوفة: ﴿فَإنَّهُمْ لاَ يُكْذِ بونَكَ) بالتخفيف]،(٢)
بمعنى: إنهم لا يُكْذ بونك فيما أتيتهم به من وحى الله، ولا يدفعون أن يكون ذلك
صحیحاً ، بل یعلمون صحته، ولكنهم يجحدون حقيقته قولاً فلا يؤمنون به .
(١) ((اخترم الرجل)) (بالبناء للمجهول) و((اخترمته المنية من بين أصحابه))، أخذته
من بينهم وخلا منه مكانه ، كأن مكانه صار خرماً فى صفوفهم .
(٢) هذه الزيادة بين القوسين، ساقطة من المخطوطة والمطبوعة، ولكن زيادتها لا بد منها،
واستظهرتها من نسبة هذه القراءة، فهى قراءة على ونافع والكسائى. انظر معانى القرآن الفراء ١: ٣٣١،
وتغير أبى حيان ٤ : ١١١، وغيرهما .

٣٣١
تفسير سورة الأنعام : ٣٣
وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يحكى عن العرب أنهم يقولون: ((أكذبت
الرجل ))، إذا أخبرت أنه جاءَ بالكذب ورواه. قال: ويقولون: ((كذَّبْتُه))،
إذا أخبرت أنه كاذبٌ .(١)
وقرأته جماعة من قرأة المدينة والعراقين والكوفة والبصرة: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾
بمعنى : أنهم لا يكذّبونك علماً، بل يعلمون أنك صادق = ولكنهم يكذبونك
قولا ، عناداً وحسداً
٥
#
قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك عندى أن يقال : إنهما قراءتان
مشهورتان ، قد قرأ بكل واحدة منهما جماعة من القرأة ، ولكل واحدة منهما فى
الصحة مخرج مفهوم .
وذلك أن المشركين لاشكَّ أنه كان منهم قوم يكذبون رسولَ اللّه صلى الله
عليه وسلم ، ويدفعونه عما كان اللّه تعالى ذكره خصه به من النبوّة ، فكان بعضهم
يقول: ((هو شاعر))، وبعضهم يقول: ((هو كاهن))، وبعضهم يقول: ((هو
مجنون )) ، وینفی جمیعُهم أن یکون الذى أتاهم به من وحى السماء ، ومن تنزيل
رب العالمين، قولاً . وكان بعضهم قد تبين أمرَه وعلم صحة نبوّته ، وهو فى ذلك
يعاند ويححد نبوته حسداً له وبغیاً .
٠
٥
فالقارئ: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكْذِبُونَكَ) - بمعنى (٢): أن الذين كانوا يعرفون
(١) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٣٣١.
(٢) فى المطبوعة: ((يعنى به))، وفى المخطوطة: ((معنى أن الذين ... ))، وصواب
قراءتها ما أثبت.

٣٣٢
تفسير سورة الأنعام : ٣٣
حقيقة نبوّتك وصدق قولك فيما تقول ، يجحدون أن یکون ما تتلوه عليهم من تنزيل
اللّه ومن عند اللّه، قولاً - وهم يعملون أن ذلك من عند الله علماً صحيحاً = مصيبٌ، (١)
لما ذ کرنا من أنه قد کان فيهم من هذه صفته .
وفى قول الله تعالى فى هذه السورة: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَهُ الْكِتَبَ يَعْرِ فُونَهُ كَمَا
يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [سورة المائدة: ٢٠]، أوضح الدليل على أنه قد كان فيهم
المعاند فى جحود نبوّته صلى الله عليه وسلم، مع علم منه به وبصحة نبوته. (٢)
#
وكذلك القارىء: ﴿فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ)= (٣) بمعنى : أنهم لا يكذبون
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عناداً، لا جهلاً بنبوته وصدق لَهْجته = مصيب، (٤)
لما ذ کرنا من أنه قد کان فیہم من هذه صفته.
وقد ذهب إلى كل واحد من هذين التأويلين جماعة من أهل والتأيل .
٠
• ذكر من قال : معنى ذلك : فإنهم لا يكذبونك ولكنهم يجحدون
الحقّ على علم منهم بأنك نبيَّاللّه صادق.
١٣١٩٠ - حدثنا هناد قال، حدثنا أبو معاوية ، عن إسمعيل بن أبى خالد ،
عن أبى صالح فى قوله: ((قد نعلم إنه ليحزنك الذى يقولون فإنهم لا يكذبونك »،
قال: جاء جبريل إلى النبى صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو جالس حزينٌ،
فقال له : ما يُحزنك ؟ فقال: كذَّبنى هؤلاء ! قال فقال له جبريل : إنهم لا
يكذبونك، هم يعلمون أنك صادق، ((ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون)).
١٣١٩١ -حدثنا ابن و کیع قال، حدثنا أبو معاوية، عن إسمعیل ، عن
(١) السياق: ((فالقارىء ... مصيب)).
(٢) فى المطبوعة: (( ... على أنه قد كان فيهم العناد فى جحود نبوته ... مع علم منهم
به وصحة نبوته))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو صواب، إلا أنه فى المخطوطة أيضاً ((به ومصة فيوته))،
فرأيت السياق يقتضى أن تكون ((وبصحة))، فأثبتها .
(٣) فى المطبوعة: ((يعنى أنهم ... )، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٤) السياق: ((وكذلك القارىء ... مصيب)).

٣٣٣
تسعير سورة الأنعام : ٣٣
أبى صالح قال : جاء جبريل إلى النبى صلى الله عليه وسلم وهو جالس حزين،
فقال له : ما يحزنك؟. فقال: كذَّبنى هؤلاء! فقال له جبريل: إنهم لا
يكذبونك، إنهم ليعلمون أنك صادق، ((ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون)).
١٣١٩٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: ((ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون))، قال:
يعلمون أنك رسول الله ويجحدون .
١٣١٩٣ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى فى قوله: ((قد نعلم إنه ليحزنك الذى يقولون فإنهم
لا یکذبونك ولکن الظالمين بآيات الله يجحدون )) ، لما کان یوم بدر قال الأخنس
ابن شريق لبنى زهرة: يا بنى زهرة، إن محمداً ابن أختكم، فأنتم أحقُ مَنْ كفَّ ١١٦/٧
عنه، (١) فإنه إن كان نبياً لم تقاتلوهُ اليوم، وإن كان كاذباً كنتم أحق من كف
عن ابن أخته! قفوا ههنا حتى ألقى أبا الحكم فإن غُلب محمدٌ [صلى الله عليه وسلم]،
رجعتم سالمين، وإن غَلَب محمدٌ فإن قومكم لا يصنعون بكم شيئاً = فيومئذ سمىّ
(الأخنس ))، وكان اسمه «أبى)) =(٢) فالتقىالأخنس وأبو جهل ، فخلا الأخنس
بأبى جهل فقال : يا أبا الحكم ، أخبرنى عن محمد ، أصادق هو أم كاذب ؟
فإنه ليس ههنا من قريش أحد غيرى وغيرك يسمع كلامنا ! فقال أبو جهل :
وَيَْحك، والله إن محمدًاً لصادق ، وما كذب محمّد قط ، ولكن إذا ذهب بنو
قُصَىِّ باللواء والحجابة والسقاية والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش ؟ فذلك قوله :
((فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون))، ((فآيات الله )) ، محمد
صلى الله عليه وسلم .
(١) فى تفسير ابن كثير ٣: ٣٠٥، فى هذا الموضع: ((فأنتم أحق من ذب عنه)).
(٢) مسمى ((الأخنس))، لأنه من ((خنس يجنس خنوساً))، إذا انقبض عن الشىء وتأخر
ورجع .

٣٣٤
تفسير سورة الأنعام : ٣٣
١٣١٩٤ -حدثی الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا
قيس، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير: ((فإنهم لا يكذبونك))، قال :
ليس يكذّبون محمداً ، ولكنهم بآيات الله يجحدون.
٠
· ذکر من قال: ذلك بمعنى : فإنهم لا یکذ بونك ، ولکنھم یکذِّبون
ما جئت به .
١٣١٩٥ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدى قال ،
حدثنا سفيان ، عن أبى إسحق ، عن ناجية قال : قال أبو جهل للنبى صلى الله
عليه وسلم : ما نتهمك، ولكن نتَّهم الذى جئت به ! فأنزل الله تعالى ذكره :
((فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون)).
١٣١٩٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم ، عن سفيان ، عن
أبي إسحق ، عن ناجية بن كعب: أنّ أبا جهل قال للنبي صلى الله عليه وسلم:
إنّا لا نكذبك، ولكن نكذب الذى جئت به! فأنزل الله تعالى ذكره: ((فإنهم
لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون)).
وقال آخرون : معنى ذلك ، فإنهم لا يبطلون ما جئتهم به .
ذكر من قال ذلك :
٠
١٣١٩٧ -حدثنا ابن و کیع قال، حدثنا إسحق بنسلیمان ، عن أبى معشر،
عن محمد بن كعب: ((فإنهم لا يكذبونك))، قال : لا يبطلون ما فى يديك .
وأما قوله: ((ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون))، فإنه يقول: ولكن المشركين
بالله، بحجج اللّه وآى كتابه ورسوله يجحدون، فينكرون صحَّة ذلك كله .
وكان السدى يقول: ((الآيات)) فى هذا الموضع، معنىٌّ بها محمّد صلى اللّه
عليه وسلم . وقد ذكرنا الرواية بذلك عنه قبلُ .(١)
٠٠٠
(١) انظر آخر الأثر السالف رقم : ١٣١٩٣.

٣٣٥
تفسير سورة الأنعام : ٣٤
القول فى تأويل قوله ﴿ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ
فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىَ أَتْهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ
لِكَلِمَتِ اُللهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَبَإِى الْمُرْسَلِينَ ﴾
قال أبو جعفر: وهذا تسلية من الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه
وسلم، وتعزيةٌ له عما ناله من المساءة بتكذيب قومه إيّاه على ما جاءهم به من الحق
من عند الله.
يقول تعالى ذكره : إن يكذبك ، يا محمد ، هؤلاء المشركون من قومك ،
فيجحدوا نبوّتك، وينكروا آيات الله أنّها من عنده، فلا يحزنك ذلك ، واصبر
على تكذيبهم إياك وما تلقى منهم من المكروه فى ذات الله، حتى يأتى نصر الله، (١)
فقد كُذبت رسلٌ من قبلك أرسلتهم إلى أمهم ، فتالوهم بمكروه ، فصبروا على
تكذيب قومهم إياهم ، ولم يثهم ذلك من المضىّ لأمر الله الذى أمرهم به من دعاء
قومهم إليه ، حتى حكم الله بينهم وبينهم = (( ولا مبدّل لكلمات اللّه))، يقول:
ولا مغيِّر لكلمات اللّه = و((كلماته)) تعالى ذكره: ما أنزل اللّه إلى نبيه محمد صلى الله
عليه وسلم ، من وعده إياه النصر على من خَالفه وضادّه، والظفرَ على من تولىّ
عنه وأدبر = ((ولقد جاءك من نبأ المرسلين))، يقول: ولقد جاءك، يا محمد، من خبر
من كان قبلك من الرسل ، (٢) وخبر أممهم وما صنعتُ بهم = حين جحدوا آياتى
وتمادّوا فى غيهم وضلالهم = أنباء = وترك ذكر (أنباء))، لدلالة ((مِنْ)) عليها.
يقول تعالى ذكره : فانتظر أنت أيضاً من النصرة والظفر مثل الذى كان منی فیمن
(١) انفى المخطوطة: ((حتى أتاهم قصر اللّه))، وهو سهومن الناسخ، صوابه ما فى المطبوعة.
(٢) انظر تفسير ((النبأ)) فيما سلف ص: ٢٦٢، تعليق: ٣، والمراجع.

٣٣٦
تفسير سورة الأنعام : ٣٠،٣٤
كان قبلك من الرسل إذ كذبهم قومهم، واقتد بهم فى صبرهم على ما لَقُوا من
قومهم .
...
وبنحو ذلك تأوَّل من تأوَّل هذه الآية من أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
١٣١٩٨ -حدثنا بشر بنمعاذ قال ،حدثنا یزید بن زريع قال ، حدثنا
سعيد، عن قتادة قوله: (( ولقد كُذّبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا))،
يعزّى نبيه صلى الله عليه وسلم كما تسمعون، ويخبره أن الرسل قد كُذّبت قبله ،
١١٧/٧ فصبروا على ما كذبوا، حتى حكم الله وهو خير الحاكمين.
١٣١٩٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا أبو زهير ،
عن جويبر، عن الضحاك: ((ولقد كذبت رسل من قبلك))، قال: يعزّي
نبيه صلى الله عليه وسلم.
١٣٢٠٠ -حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسین قال، حدثی حجاج ، عن
ابن جريح: ((ولقد كذبت رسل من قبلك)»، الآية ، قال : یعزِّی نبیه صلى
اللّه عليه وسلم .
القول فى تأويل قوله ﴿ وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَامُهُمْ
فَإِنِ اُسْتَطَمْتَ أَنْ تَبْتَفِى ◌َا فِى الْأَرْضِ أَوْ سُلَّا فِى السَّماءِ
فَأَهُ بَايَةٍ ﴾
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : إن کان عظم علیك ، یا محمد ، إعراض
هؤلاء المشركين عنك ، وانصرافهم عن تصديقك فيما جمتهم به من الحق الذى

٣٣٧
تفسير سورة الأنعام : ٣٥
بعثتُك به، فشقَّ ذلك عليك، ولم تصبر لمكروه ما ينالك منهم (١) = (( فإن استطعت
أن تبتغى نفقاً فى الأرض))، يقول: فإن استطعت أن تتَّخذ سَرَبّاً فى الأرض
مثلَ نَافِقاء اليَرْبُوعِ، وهى أحد جِحَرَتِه فتذهب فيه(٢) = ((أوسُلماً فى السماء))،
يقول: أو مصعداً تصعد فيه ، كالدَّرَج وما أشبهها ، كما قال الشاعر (٣):
لَا تُحْرِزُ الْمَرْءِ أَحْجَاهِ البِلَادِ، وَلَا يُبْنَى لَهُ فِ السَّمَوَاتِ السَّلَاَلِيمِ(٤)
= (( فتأتيهم بآية))، منها = يعنى بعلامة وبرهان على صحة قولك ، (٥) غير
الذى أتيتك = فافعل . (٦)
٥
٠
وبنحو الذى قلنا فى ذلك : قال بعض أهل التأويل
• ذكر من قال ذلك :
١٣٢٠١ - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
(١) انظر تفسير ((الإعراض)) فيما سلف ص: ٢٦٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((ابتغى)) فيما سلف ١٠: ٣٩٤، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٣) هو تميم بن أبى بن مقبل .
(٤) من قصيدة له جيدة، نقلتها قديماً، والبيت فى مجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ١٩٠،
وشرح شواهد المغنى : ٢٢٧، واللسان (سهم) ( حجا)، وغيرها ، وقبل البيت ، وهى أبيات حسان :
لِلدَّهْرِ، من عَوْدِهِ وَافٍ وَمَثْلُومُ
إِنْ يَنْقُصِ الدّعْرُمِنِى، فالفَتَىغَرَضٌ
فَسِيرَةَ الدَّهْرِ تَمْوِيجٌ وَقْويمُ
وَإِنْ بَكُنَّ ذَاكَ مِقْدَاراً أُصِبْتُ بِهِ
مَ أَلْيَبَ الْغَيْشَ لَوَ أَنْ الْفَتَى حَجَرٌ تَنْبُو الْحَادِثَ عَنْهُ وَهو مَلْمُومُ
تَأْبَى الهَوَانَ إذَا عُدَّ الْجَرَاثِيمُ
لا يمنع المرء أنصارٌ وَرَابِيةٌ
لا يُخْرِزُ المَرْء .. .
و((أحجاء البلاد)): نواحيها وأطرافها. ويروى ((أعناء البلاد))، وهو مثله فى المعنى.
(٥) انظر تفسير ((آية)) فيما سلف فى فهرس اللغة (أيي).
(٦) قوله: ((فاضل))، أى: ((إن استطعت أن تبتغى نفقاً ... فافعل)).
ج ١١ (٢٢)

٣٣٨
تفسير سورة الأنعام : ٣٥
معاوية بنصالح، عن علىبن أبى طلحة،عن ابنعباس قوله: (( وإن كان كبر عليك
إعراضهم. فإن استطعت أن تبتغى نفقاً فى الأرض أو سلماًفى السماء))، و(النفق)) السَّرب،
فتذهب فيه = ((فتأتيهم بآية))، أو تجعل لك سلَّماً فى السماء ، (١) فتصعد عليه،
فتأتيهم بآية أفضل مما أتيناهم به ، فافعل .
١٣٢٠٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: (( فإن استطعت أن تبتغى نفقاً فى الأرض))، قال:
سَرَبّاً = ((أو سلماً فى السماء))، قال: يعنى الدَّرَج.
١٣٢٠٣ - حدثنى محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت
أن تبتغى نفقاً فى الأرض أو سلماً فى السماء))، أما ((النفق)) فالسرب، وأما ((السلم))
فالمصعد .
١٣٢٠٤ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، عن عطاء الخراسانى، عن ابن عباس قوله: ((نفقاً فى الأرض))،
قال : سرباً .
٠ ٠
وتُرِك جواب الجزاء فلم يذكر ، لدلالة الكلام عليه، ومعرفة السامعين بمعناه.
وقد تفعل العرب ذلك فيما كان يُفهم معناه عند المخاطبين به، فيقول الرجل منهم
للرجل : ((إن استطعت أن تنهض معنا فى حاجتنا، إن قدرت على مَعُونتنا))،
ويحذف الجواب ، وهو يريد : إن قدرت على معونتنا فافعل . فأما إذا لم يعرف
المخاطب والسامع معنى الكلام إلاّ بإظهار الجواب، لم يحذفوه. لا يقال: ((إن
تقم ))، فتسكت وتحذف الجواب، لأن المقول ذلك له لا يعرف جوابه إلا بإظهاره،
(١) فى المخطوطة: ((تجعل لهم سلماً))، والجيد ما فى المطبوعة.

٢٣٩
تفسير سورة الأنعام : ٣٥
حتى يقال: ((إن تقم تصب خيراً))، أو: ((إن تقم فحسن))، وما أشبه ذلك. (١)
ونظيرُ ما فى الآية مما حذف جَوَابه وهو مراد، لفهم المخاطب لمعنى الكلام قول
الشاعر : (٢)
فَبِحَظٍ مِمَّا نَعِيشُ ، وَلَّا تَذْ هَبْ بِكِ التَّرَّمَاتُ فِى الأَهْوَالِ(٣)
والمعنى: فيحظً مما نعيش فعیشی. (٤)
٠
القول فى تأويل قوله ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىْ
فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجُمِلِينَ ﴾﴾)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذ کره : إن الذين يكذبونك من هؤلاء الكفار ،
يا محمد ، فيحزنك تكذيبهم إياك، لو أشاء أن أجمعهم على استقامة من الدِّين ،
وصوابٍ من محجة الإسلام ، حتى تكون كلمة جميعكم واحدة ، وملتكم وملتهم
واحدة، لجمعتهم على ذلك، ولم يكن بعيداً علىّ، لأنىّ القادرُ على ذلك بلطفى،
ولكنى لم أفعل ذلك لسابق علمى فى خلقى ، ونافذ قضائى فيهم من قبل أن
أخلقهم وأصوَّر أجسامهم = ((فلاتكونن))، يا محمد، ((من الجاهلين )) ، يقول:
(١) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٣٣١، ٣٣٢.
(٢) هو عبيد بن الأبرص .
(٣) مضى البيت وتخريجه فيما سلف ٣: ٢٨٤ . وكان البيت فى المخطوطة على الصواب
كما أثبته ، وإن كان غير منقوط . أما المطبوعة ، فكان فيها هكذا .
فتحطْ مما يش ولا تذهب بك التُرحّات فى الأهوال
أساء قراءة المخطوطة ، وحرفه .
(٤) فى المطبوعة: ((والمعنى: فتحط مما يعش فعيشى))، وهو خطأ، صوابه فى المخطوطة.

٣٤٠
تفسير سورة الانعام : ٣٥
فلا تكونن ممن لا يعلم أن اللّه لوشاء لجمع على الهدى جميع خلقه بلطفه، (١)
وأنّ من يكفربه من خلقه إنما يكفر به لسابق علم اللّه فيه ، ونافذ قضائه بأنه كائنٌ"
١١٨/٧ من الكافرين به اختيارًا لا اضطرارًا، فإنك إذا علمت صحة ذلك ، لم يكبر عليك
إعراضُ من أعرض من المشركين عما تدعُوه إليه من الحق ، وتكذيبُ من
كذَّبك منهم .
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال بعض أهل التأويل .
*
*
* ذكر من قال ذلك :
١٣٢٠٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس: يقول اللّه سبحانه:
لو شئتُ لجمعتهم على الهدى أجمعين .
قال أبو جعفر: وفى هذا الخبر من اللّه تعالى ذكره، الدلالةُ الواضحة على خطأ ما
قال أهل التَّفْويض من القدريّه، (٢) المنكرون أن يكون عند الله لطائف لمن شاء توفيقه
من خلقه، يلطفُ بها له حتى يهتدىَ للحقّ فينقاد له، وينيبَ إلى الرشاد فيذعن به
ويؤثره على الضلال والكفر بالله . وذلك أنه تعالى ذكره أخبر أنه لو شاءَ الهداية
لجميع من كفر به ، حتى يجتمعوا على الهدى ، فعلَ . ولا شك أنه لو فعل ذلك
بهم، كانوا مهتدين لاضلالاً . وهم لو كانوا مهتدين، كان لاشك أنّ كونهم
مهتدين كان خيرًا لهم . وفى تركه تعالى ذكره أن يجمعهم على الهدى ، تركٌ منه
أن يفعل بهم فى دينهم بعض ما هو خيرٌ لهم فيه ، مما هو قادر على فعله بهم ، وقد
(١) انظر تفسير ((الجاهل)) فيما سلف ٢: ١٨٣، وتفسير ((جهالة)) ٨: ٨٨ - ٩٢".
(٢) ((أهل التفويض)): هم الذى يقولون: إن الأمر فوض إلى الإنسان، فإرادته كافية
فى إيجاد فعله ، طاعة كان أو معصية، وهو خالق لأفعاله، والاختيار بيده . انظر ما سلف
١ : ١٦٢، تعليق : ١ .
وأما ((القدرية)، و((أهل القدر))، فهم الذين ينفون القدر. وأما الذين يثبتون القدر،
وهم أهل الحق، فهم: ((أهل الإثبات)). وانظر ما سلف ١ : ١٦٢، تعليق: ١.