Indexed OCR Text

Pages 501-520

٠٠١
تفسير سورة المائدة : ٨٢
عشر رجلاً من الحبشة ، سبعة قسيسين وخمسة رهباناً ، ينظرون إليه ويسألونه .
فلما لقوه فقرأ عليهم ما أنزل الله بكَوْا وآمنوا، فأنزل الله عليه فيهم: ((وأنهم لا
يستكبرون * وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا
من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين)) ، فآمنوا ثم رجعوا إلى النجاشى ،
فهاجر النجاشى معهم فمات فى الطريق ، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه
وسلم والمسلمون واستغفروا له .
١٢٣١٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين ، حدثنى حجاج ، عن ابن
جريج قال، قال عطاء فى قوله: ((ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا
إنا نصارى)) الآية، هم ناس من الحبشة آمنوا، إذا جاءتهم مهاجِرَةُ المؤمنين .
وقال آخرون : بل هذه صفة قوم كانوا على شريعة عيسى من أهل الإيمان،
فلما بعث الله تعالى ذكره نبيّه محمداً صلى الله عليه وسلم آمنوا به.
ذكر من قال ذلك :
#
١٢٣٢٠ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة قوله: ((ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا))، فقرأ حتى بلغ: (( فاكتبنا
مع الشاهدين))، أناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق مما جاء به
عيسى ، يؤمنون به وينتهون إليه . فلما بعث الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم ،
صدَّقَوا به وآمنوا به ، وعرفوا الذى جاء به أنه الحق ، فأثنى عليهم ما تسمعون .
٠ ٠٠
قال أبو جعفر: والصواب فى ذلك من القول عندى: أنّ اللّه تعالى وصف
صفة قوم قالوا: ((إنا نصارى))، أن نىّ اللّه صلى اللّه عليه وسلم يجدهم أقرب
الناس وداداً لأهل الإيمان بالله ورسوله ، ولم يسم ◌ّلنا أسماءهم. وقد يجوز أن يكون
أريد بذلك أصحابُ النجاشى = ويجوز أن يكون أريد به قومٌ كانوا على شريعة

٥٠٢
تفسير سورة المائدة : ٨٢
عيسى ، فأدركهم الإسلام فأسلموا لما سمعوا القرآن وعرفوا أنه الحق ، ولم يستكبروا
عنه .
٠ ٠
وأما قوله تعالى: ((ذلك بأنّ منهم قسيسين ورهباناً))، فإنه يقول: قَرُبت
مودّة هؤلاء الذين وصف اللّه صفتهم للمؤمنين، من أجل أنّ منهم قسيسين
ورهباناً .
٤/٧
. ..
و((القسيسون)) جمع ((قسيس)). وقد يجمع ((القسيس))، ((قسوساً))، (١)
لأن ((القَسّ)) و((القسيس))، بمعنى واحد.
٠ ٠
وكان ابن زيد يقول فى ((القسيس)) بما : -
١٢٣٢١ - حدثنا يونس قال، حدثنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: (( القسیس»،
عبَّادُهم.(٢)
*
وأما ((الرهبان))، فإنه يكون واحداً وجمعاً. فأما إذا كان جمعاً، فإن واحدهم
يكون ((راهباً))، ويكون ((الراهب))، حينئذ ((فاعلاً)) من قول القائل: ((رهب
الله فلان))، بمعنى خافه، ((يرهبه رَهَبَاً ورَهْباً))، ثم يجمع ((الراهب))، ((رهبان ))
مثل (( را کب )) و (( ر کبان )) و ( فارس )) و (( فرسان )) . ومن الدليل على أنه قد
يكون عند العرب جمعاً قول الشاعر : (٣)
رُهْبَنُ مَدْيَنَ لَوْ رَأَوْكِ تَنَزَّلُوا وَالْعُصْمُ مِنْ شَفِ الْعَقُولِ الفَدِرِ (٤)
(١) فى المطبوعة: ((قسوس))، والصواب من المخطوطة.
(٢) فى المطبوعة: ((القسيسين))، بالجمع، وأثبت ما فى المخطوطة، فهو صواب، ولا بأس
هنا بشرح المفرد بالجمع .
(٣) هو جرير، ونسبه ياقوت فى معجم البلدان لكثير عزة، وأدخله فى شعره جامع ديوانه
ص : ٢٤٠ ، والصواب أنه لجرير .
(٤) ديوانه: ٣٠٥، وسيأتى فى التفسير ٢٠: ٣٤ (بولاق) وديوان كثير ١ : ٢٤٠،
واللسان (رهب) ومعجم البلدان (مدين)، من قصيدة هجا فيها الأخطل والفرزدق، يقول قبله :

٥٠٣
تفسير سورة المائدة : ٨٢
وقد يكون ((الرهبان)) واحداً. وإذا كان واحداً كان جمعه (( رهابين )) مثل
((قربان)) و((قرابين))، و((جُرْدان)). و((جرادين)). (١) ويجوز جمعه أيضاً((رهابنة)»،
إذا كان كذلك. ومن الدليل على أنه قد يكون عند العرب واحداً قول الشاعر: (٢)
لَوْ عَيَغَتْ رُهْبَنَ دَيْرٍ فِى الْقُلَلْ لَأَنْحَدَرَ الرُّهْبَانُ تَمْشِى وَنَزْلُ (٣)
٠ ٠
يَا أُمَّ طَلْحَةَ ، مَا لَقَینَا مِثْلَكُمْ
فِىِ الْمُنْجِدِينَ ولا بغَوْرِ الغَائِرِ
و ((مدين)) مدينه شعيب عليه السلام ، على بحر القلزم ، تجاه تبوك ، بين المدينة والشام ،
ذكرها كثير أيضاً فى شعره فقال :
فى حُبّ عَزَّةَ ما وجدْتُ مَزِيدًا
اللهُ يَعْلَمُ لَوْ أَرَدْتُ زِيَادَةً
يَبْكُونَ مِنْ حَذَرِ العَذَابِ قُعُودَا
رُهْبَنُ مَدْيَنَ وَالَّذِينَ عَهِدْتَهُمْ
خَرُوا لِعَزَّةَ رُكَّمَاً وَسُجُودَا
لَوْ يَسْمَعُونَ كُمَا سَمِعْتُ كَلَامَها
و ((العقول)) عندى بفتح العين، من قولهم: ((عقل الوعل يعقل عقولا))، امتنع برأس الجبل،
فهو ((عاقل))، وبذلك سمى، والقياس يقبل أيضاً ((فهو عقول)) (بفتح العين). وفى الديوان ،
ضبط بالقلم ((العقول)) (بضم العين)، جمع ((عقل)) (يفتح فسكون): وهو المعقل والحصن .
ولست أرضى ذلك هنا، وروى صاحب المعجم ((والعصم فى شعف الجبال))، وهى موافقة فى المعنى
لمن ضبط ((العقول)) بضم العين، وأرجح أن صواب إنشاده فى المعجم ((من شعف الجبال)).
و ((الشعف)) جمع ((شعفة)) (بفتحتين): وهى رأس الجبل. و((الفادر)): الوعل العاقل
الممتنع فى رأس الجبل، وهو حينئذ مسن معتقل فى رأس جبله. و(العصم)) جمع ((أعصم)): وهو
الوعل. سمى بالصفة الغالبة، لأن فى إحدى يديه بياضاً. وذلك أن ((العصم)) و((العصمة)):
البياض فى الذراعين أو إحداهما .
ولما كان ((العصم)) جمعاً، أنفت أن أجعل ((الفادر)) من صفته، لو قرىء ((العقول))
( بضم العين) بمعنى: الحصون والملاجىء، بل جعلتها بفتح العين ، بمعنى أن العصم غير المسنة
تنزلت أيضاً من المعقل الذى يعقل إليه مسن الوعول امتناعاً من الصيد ، لقلة احتفاله بمفارقة معقله ،
كاحتفال شواب الوعول .
(١) ((الجردان)): ما يستحى من ذكره من الإنسان وغيره.
(٢) لم أعرف هذا الراجز.
(٣) تفسير القرطبى ٦: ٢٥٨، مع اختلاف شديد فى الرواية. ((عاين الشىء معاينة
وعياناً)): نظر إليه بعينيه مواجهة. ومنه قيل: ((رأيت فلاناً عياناً)) أى: مواجهة. وحق شرح
هذا اللفظ هنا أن يقال: لو رمتهم بعينيها مواجهة. و((القلل)): جمع ((قلة)): وهى رأس
الجبل، وإنما عنى بذلك صوامع الرهبان فى الجبال .

تفسير سورة المائدة : ٨٢
واختلف أهل التأويل فى المعنىِّ بقوله: ((ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً)).
فقال بعضهم : عنى بذلك قوم كانوا استجابوا لعيسى بن مريم حين دعاهم ،
واتّبعوه على شريعته .
• ذكر من قال ذلك :
١٢٣٢١ م -حدثی یعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم ، عن حصین،
عمن حدثه، عن ابن عباس فى قوله: ((ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً))، قال :
كانوا نَوَاتِىَّ فى البحر = يعنى: ملاحين(١) = قال: فمر بهم عيسى بن مريم ،
فدعاهم إلى الإسلام فأجابوه: قال: فذلك قوله: ((قسيسين ورهباناً )).
٠ ٠ ٠
وقال آخرون : بل عنى بذلك ، القوم الذين كان النجاشى بعثهم إلى رسول
اللّه صلى الله عليه وسلم .
* ذكر من قال ذلك :
١٢٣٢٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حکام بن سلم قال ، حدثنا
عنبسة ، عمن حدثه ، عن أبى صالحفى قوله:« ذلك بأن منهم قسیسین ورهباناً ))،
قال : ستة وستون ، أو سبعة وستون ، أو ثمان وستون ، (٢) من الحبشة ، كلهم
(١) فى ابن الأثير ثم فى لسان العرب ((كانوا نَوَاتِين، أى ملاحين - تفسيره فى
الحديث)) وكذلك نقله عنهما صاحب تاج العروس. وأنا أخشى أن يكون خطأ من النساخ، وأن صوابه
((كانوا نواتى، أى ملاحين))، كما جاء هناوفى المخطوطة أيضاً. ولم أجد أحداً ذكره كذلك: ((فواتا)) (بفتح
النون وتشديد الواو )، ولو كان كذلك لتعرض له أصحاب اللغة، ولكنهم لم يذكروه إلا فيما نقلوه
عن ابن الأثير، وواحد ((النواتى)) (بفتح النون والواو المفتوحة غير المشددة) ((فوق)) (بضم
النون ، آخره ياء مشددة) . والذى فى مخطوطة الطبرى يرجح أن الذى كتبه ابن الأثير، خطأ ،
أو سهو فى قراءة الحرف. وابن الأثير وحده ، لا يحتج برواية كتابه غير مقيدة مضبوطة بإسنادها
ومصدرها. ثم وجدته بعد أن كتبت هذا ، فى مجمع الزوائد ٧ : ١٧، كما جاء فى ابن الأثير
واللسان: ((نواتين، يعنى ملاحين)). وذكر هناك الخبر بطوله، وقال: ((رواه الطبرانى فى الأوسط
والكبير، وفية العباس بن الفضل الأنصارى، وهو ضعيف)). وهو إسناد غير إسناد أبى جعفر
بلا شك، وانظر أبن كثير ٣ : ٢١٢، ٢١٣.
(٢) هكذا فى المطبوعة: ((أو اثنان وستون))، وفى المخطوطة: ((اثنان وستون)) بغير

٥٠٥
تفسير سورة المائدة : ٨٢
صاحب صَوْمعة ، عليهم ثيابُ الصوف .
١٢٣٢٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدى ، عن
سفيان، عن سالم، عن سعيد بن جبير: ((ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً))،
قال : بعث النجاشىّ إلى النبى صلى الله عليه وسلم خمسين أو سبعين من خيارهم ،
فجعلوا ییکون ، فقال : هم هؤلاء !
١٢٣٢٤ -حدثی الحارث قال، حدثنا عبد العزیز قال،حدثنا قیس، عن
سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير: ((ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً))، قال:
هم رُسُل النجاشى الذين أرسل بإسلامه وإسلام قومه، كانوا سبعين رجلاً ، اختارهم
الخيّرَ فالخيِّرَ، فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأ عليهم: (يُس
وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [سورة يس: ١، ٢]، فبكوا وعرفوا الحق، فأنزل الله فيهم:
((ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون))، وأنزل فيهم: ﴿ الَّذِينَ
آتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِ يُؤْمِنُونَ) إلى قوله ﴿يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ
مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [سورة القصص: ٥٣، ٥٤].
...
قال أبو جعفر : والصواب فى ذلك من القول عندنا أن يقال : إن الله تعالى
ذكره أخبر عن النفر الذين أثنى عليهم من النصارى بقرب مودتهم لأهل الإيمان
بالله ورسوله ، أن ذلك إنما كان منهم لأن منهم أهلَ اجتهاد فى العبادة ، وترهُب فى
الديارات والصوامع ، (١) وأن منهم علماء بكتبهم وأهل تلاوة لها ، فهم لا يبعدون
من المؤمنين لتواضعهم للحق إذا عرفوه ، ولا يستكبرون عن قبوله إذا تبينوه ، لأنهم
((أو))، وغير منقوطة، فأرجح أن صواب قراءتها: ((أو ثمان وستون)) ... وهو الذى يدل
عليه السياق ، ولذلك أثبتها كذلك .
(١) فى المطبوعة: ((وترهيب))، وفى المخطوطة: ((ودرهب)) غير منقوطة، وصواب قراءتها
ما أثبت، فإنه لا يقال: ((رهب ترهيباً))، وإنما يقال: ((ترهب ترهباً))، إذا صار راهباً
يخشى الله، ويتعبد فى صومعته .

٥٠٦
تفسير سورة المائدة : ٨٣،٨٢
أهل دين واجتهاد فيه، ونصيحة لأنفسهم فى ذات الله ، وليسوا كاليهود الذين
قد دَرِبُوا بقتل الأنبياء والرسل، ومعاندة اللّه فى أمره ونهيه، وتحريف تنزيله الذى
أنزله فی کتبه . (١)
القول فى تأويل قوله (وَ إِذَا سَمِعُواْ مَّا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىّ
أَعْنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مَا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّاَ ء امَنَّا فَا كُتُبْنَاً
مَعَ الشَّاهِدِينَ) )
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإذا سمع هؤلاء الذين قالوا: (( إنا
نَصَارى)) = الذين وصفت لك، يا محمد، صفتهم أنك تجدهم أقرب الناس مودة
للذين آمنوا = (٢) ما أنزل إليك من الكتاب يُثْلى = ((ترى أعينهم تفيض مع الدمع)).
٠
٥/٧
(١) قال الجصاص فى أحكام القرآن ٢: ٤٥١: ((ومن الجهال من يظن أن فى هذه الآية
مدحاً للنصارى ، وإخباراً بأنهم خير من اليهود . وليس ذلك كذلك ، لأن ما فى الآية من ذلك إنما
هو صفة قوم قد آمنوا بالله وبالرسول . يدل عليه ما ذكر فى نسق التلاوة، من إخبارهم عن أنفسهم
بالإيمان بالله والرسول . ومعلوم عند كل ذى فطنة صحيحة أمعن النظر فى مقالتى هاتين الطائفتين ، أن
مقالة النصارى أقبح وأشد استحالة ، وأظهر فساداً من مقالة اليهود . لأن اليهود تقر بالتوحيد فى
الجملة، وإن كان فيها مشبهة تنقض ما اعتقدته فى الجملة من التوحيد بالتشبيه)).
ونقل هذا: أبوحيان فى تفسيره (٤: ٤، ٥)، ثم قال: ((والظاهر ما قاله المفسرون وغيرهم
من أن النصارى على الجملة أصلح حالا من اليهود . وقد ذكر المفسرون فيما تقدم ، ما فضل به النصارى
على اليهود من كرم الأخلاق ، والدخول فى الإسلام سريعاً . وليس الكلام وارداً بسبب العقائد ،
وإنما ورد بسبب الانفعال للمسلمين. وأما قوله: ((لأن ما فى الآية من ذلك، إنما هو صفة قوم
قد آمنوا بالله وبالرسول))، ليس كما ذكر، بل صدر الآية يقتضى العموم، لأنه قال: ((ولتجدن
أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى))، ثم أخبر أن من هذه الطائفة علماء وزهاداً
متواضعين، وسريعى استجابة للإسلام ، وكثيرى بكاء عند سماع القرآن . واليهود بخلاف ذلك.
والوجود يصدق قرب النصارى من المسلمين، وبعد اليهود)» .
وهذا كلام فيه نظر يطول ، ليس هذا موضع تفصيله ، وإنما نقلته لك لتتأمله وتتدبره .
ما أنزل إليك من الكتاب يتلى» ، وما بين
(٢) سياق- الكلام: ((إذا سمع هؤلاء.
الفعل ومفعوله فصل طويل .

٥٠٧
۔
تفسير سورة المائدة : ٨٣
و((فيض العين من الدمع))، امتلاؤها منه ، ثم سيلانه منها ، كفيض النهر
من الماء، وفيض الإناء، وذلك سيلانه عن شدة امتلائه، ومنه قول الأعشى :
فَفَضَتْ دُمُوعِى، فَظَلَّ الشُّؤُو نُ: إِمَّا وَكِيفَاً، وَإِمَّا أَنْحِدَارَا(١)
وقوله: ((مما عرفوا من الحق))، يقول: فيض دموعهم، لمعرفتهم بأنّ الذى
يتلى عليهم، من كتاب الله الذى أنزله إلى رسول الله حقّ، كما : -
١٢٣٢٥ -حدثنا هناد بن السری قال، حدثنا يونس بن بکیر قال، حدثنا
أسباط بن نصر الهمدانى، عن إسمعيل بن عبد الرحمن السدىّ قال: بعث النجاشى
إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم اثنى عشر رجلاً يسألونه ويأتونه بخبره ، فقرأ عليهم
رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن ، فيكوا . وكان منهم سبعة رهبان وخمسة
(١) ديوانه: ٣٥. من قصيدته فى قيس بن معد يكرب الكندى، وقبل البيت، وهو أولها:
وَشَطَّتْ عَلَى ذِى هَوَّى أن تُزَارَا
أَأَزْمَعْتَ مِنْ آلِ لَيْلَى أَبْشِكَارًا
وَبُدِّلْتُ شَوْقَاً بِهاَ وَأَدِّ كَارَا
وَبَنَتْ بِهَ غَرَبَتُ النََّى
فَقَضَتْ دُمُوعِى .
لَآلِيٍ مُنْحَدِرَاتٍ صِغَارًا
كَمَا أَسْلَمَ السِّلْكُ مِنْ نَظْمِهِ
وكان البيت فى المخطوطة والمطبوعة: ((ففاضت دموعى فطل الشئون داما حداراً))، وهو خطأ
محض. ((والشؤون)) جمع ((شأن))، وهو مجرى الدمع إلى العين، وهى عروقها . ورواية الديوان:
(كفيض الغروب)، و((الغروب)) جمع ((غرب)) (بفتح فسكون) ، وهو الدلو الكبير الذى
يستقى به على السانية. وقوله: ((فظل)) بالظاء المعجمة، لا بالطاء. وقد أفسد وأخطأ من جعله
بالطاء المهملة، وشرحه على ذلك. وهو غث جداً. و ((الوكيف)): أن يسيل الدمع قليلا قليلا ،
إنما يقطر قطراً. ((وكف الدمع يكف وكفاً ووكيفاً)). وأما ((انحدار الدمع))، فهو سيلانه متتابعاً،
كما ينصب الماء من حدور .

٥٠٨
تفسير سورة المائدة : ٨٣
قسيسين(١) = أو: خمسة رهبان، وسبعة قسيسين (٢) = فأنزل الله فيهم: ((وإذا
سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع ))، إلى آخر الآية .
١٢٣٢٦ - حدثنا عمرو بن على قال، حدثنا عمر بن على بن مقدّم قال،
سمعت هشام بن عروة يحدث ، عن أبيه ، عن عبد الله بن الزبير قال : نزلت
فى النجاشى وأصحابه: ((وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع)). (٣).
١٢٣٢٧ - حدثنا هناد قال، حدثنا عبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة،
عن أبيه فى قوله: ((ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق))، قال :
ذلك فى النجاشى.
١٢٣٢٨ - حدثنا هناد وابن وكيع قالا، حدثنا أبو معاوية ، عن هشام بن
عروة، عن أبيه قال: كانوا يُرَوْن أن هذه الآية أنزلت فى النجاشى: ((وإذا
سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع )) .
١٢٣٢٩ - حدثنا هناد قال، حدثنا يونس بن بكير قال ، قال ابن إسحق :
سألت الزهرى عن الآيات: ( ذلك بأن منهم قسیسین ورهباناً وأنهم لا يستكبرون.
وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع )) الآية ، وقوله :
﴿وَإِذا خَطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاَمَا﴾ [سورة الفرقان: ٦٣] . قال: ما زلت
أسمع علماءنا يقولون : نزلت فى النجاشى وأصحابه . (٤)
...
(١) فى المطبوعة: ((وخمسة قسيسون))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو صواب محض.
(٢) فى المخطوطة: ((أو سبعة)) دون ذكر ((قسيسين))، ولكنها زيادة لا غنى عنها.
وصوابها أيضاً (وسبعة)) بالواو.
(٣) الأثر: ١٢٣٢٦ - ((عمر بن على بن مقدم))، هو: ((عمر بن على بن عطاء بن مقدم
المقدمى)). ثقة، ولكنه كان يدلس. قال ابن سعد: ((كان ثقة، وكان يدلس تدليساً شديداً،
يقول: سمعت، وحدثنا، ثم يسكت فيقول : هشام بن عروة، والأعمش . وقال : كان رجلا
صالحاً ، ولم يكونوا ينقمون عليه غير التدليس، وأما غير ذلك فلا ، ولم أكن أقبل منه حتى يقول
حدثنا)) . مترجم فى التهذيب .
(٤) الأثر: ١٢٣٢٩ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٣، ولكن ليس فيه ذكر آية سورة

٠٠٩
تفسير سورة المائدة : ٨٣
وأما قوله: ((يقولون))، فإنه لو كان بلفظ اسم، كان نصباً على الحال، لأن
معنى الكلام: وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا
من الحق، قائلين: ((ربنا آمنا)).
ويعنى بقوله تعالى ذكره: ((يقولون ربنا آمنا))، أنهم يقولون: يا ربنا،
صدَّقنا لما سمعنا ما أنزلته إلى نبيك محمد صلى الله عليه وسلم من كتابك، وأقررنا
به أنه من عندك ، وأنه الحق لا شك فيه .
٠٠٠
وأما قوله: « فا کتبنا مع الشاهدین )» ، فإنه روى عن ابن عباس وغيره فى
تأويله ، ما : -
١٢٣٣٠ - حدثنا به هناد قال، حدثنا وكيع = وحدثنا ابن وكيع قال،
حدثنا أبى وابن نمير = جميعاً ، عن إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن
عباس فى قوله: ((اكتبنا مع الشاهدين))، قال : أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
١٢٣٣١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ،
عن ابن جريج: ((فاكتبنا مع الشاهدين))، مع أمّة محمد صلى الله عليه وسلم .
١٢٣٣٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثی
معاوية، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس: ((فاكتبنا مع الشاهدين))،
يعنون بـ ((الشاهدين))، محمداً صلى الله عليه وسلم وأمَّه.
١٢٣٣٣ -حدثی الحارث قال، حدثنا عبد العزیز قال، حدثنا إسرائيل ،
عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس فى قوله: ((فاكتبنا مع الشاهدين))،
قال : محمد صلى الله عليه وسلم وأمته ، إنهم شهدوا أنه قد بلّغ، وشهدوا أن الرسل
قد بلغت .
الفرقان التى ذكرها أبو جعفر فى هذه الرواية عن ابن إسحق . ثم إن أبا جعفر لم يذكر هذا الخبر
فى تفسير الآية من سورة الفرقان ١٩: ٢١، ٢٢ (بولاق)، ولا أشار إلى أنها نزلت فى أحد،
لا النسائى وأصحابه ولا غيرهم .

٥١٠
تفسير سورة المائدة : ٨٣
١٢٣٣٤ - حدثنا الربيع١ قال ، حدثنا أسد بن موسى قال، حدثنا يحيى
ابن زكريا قال ، حدثنى إسرائيل، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ،
مثل حديث الحارث بن عبد العزيز = غير أنه قال : وشهدوا للرسل أنهم قد
بلَّغْوا. (١)
٠ ٠ ٠
قال أبو جعفر: فكأنّ متأوَّل هذا التأويل، قصد بتأويله هذا إلى معنى قول
الله تعالى ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ
وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾، [سورة البقرة: ١٤٣]. فذهب ابن عباس إلى أن
((الشاهدين))، هم ((الشهداء)) فى قوله: ((لتكونوا شهداء على الناس))، وهم أمة
محمد صلى الله عليه وسلم. (٢)
...
وإذا كان التأويل ذلك، كان معنى الكلام: (( يقولون ربنا آمنا فاكتبنا
مع الشاهدين))، الذين يشهدون لأنبيائك يوم القيامة، أنهم قد بلغوا أممهم رسالاتك .
. ..
ولو قال قائل: معنى ذلك: ((فاكتبنا مع الشاهدين))، الذين يشهدون أن
ما أنزلته إلى رسولك من الكتاب حق = كان صواباً. لأن ذلك خاتمة قوله: (( وإذا
سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون
ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين))، وذلك صفة من الله تعالى ذكره لهم بإيمانهم
لما سمعوا من كتاب الله، فتكون مسألتهم أيضاً الله أن يجعلهم ممن صحَّت عنده
٦/٧
(١) الآثار: ١٢٣٣٠ - ١٢٣٣٤ - رواه الحاكم فى المستدرك ٢: ٣١٣، من طريق
يحيى بن آدم عن إسرائيل، بمثله، ثم قال: ((هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)) ووافقه
الذهبى. وخرجه الهيشى فى مجمع الزوائد ٧: ١٨، وقال: ((رواه الطبرانى عن شيخه عبد الله
ابن أبى مريم، وهو ضعيف)»، ولكن هذه أسانيد صحاح ، رواها الطبرى وغيره .
(٢) انظر ما سلف من تفسير آية سورة البقرة ٣: ١٤١ - ١٥٥.

٥١١
تفسير سورة المائدة : ٨٣، ٨٤
شهادتهم بذلك ، ويُلْحقهم، فى الثوابِ والجزاء منازلَهُم.
...
ومعنى ((الكتاب،)) فى هذا الموضع: الجَعْل.(١)
٠ ٠
٥
يقول : فاجعلنا مع الشاهدين ، وأثبتنا معهم فى عِدَادهم .
...
القول فى تأويل قوله ﴿ وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِللهِ وَمَا جَاءَنَ مِنَ
الْقٌ وَنَطْنَعُ أَنْ يُدْخِنَ رَ بُنَ مَعَ الْقَوْمِ الصَّلِحِينَ ﴾ (١)
قال أبو جعفر : وهذا خبرٌ من الله تعالى ذكره عن هؤلاء القوم الذين وصف
صفتهم فى هذه الآيات ، أنهم إذا سمعوا ما أنزل إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم
من كتابه، آمنوا به وصدّقوا كتاب الله، وقالوا: ((ما لنا لا نؤمن بالله))، يقول:
لا نقرّ بوحدانية الله = ((وما جاءنا من الحق))، يقول: وما جاءنا من عند الله من
كتابه وآى تنزيله، ونحن نطمعُ بإيماننا بذلك أن يدخلنا ربُّنا مع القوم الصالحين .
٠ ٥
يعنى بـ ((القوم الصالحين))، المؤمنين بالله، المطيعين له، الذين استحقُّوا
من الله الجنة بطاعتهم إياه . (٢)
وإنما معنى ذلك: ونحن نطمعُ أن يدخلنا ربُّنا مع أهل طاعته مداخلهم من
جنته يوم القيامة، ويلحق منازلنا بمنازلهم، ودرجاتنا بدرجاتهم فى جنَّاته .
. .
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك :
٠
١٢٣٣٥ - حدثنى يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال
(١) انظر تفسير ((الكتاب)) فيما سلف من فهارس اللغة، (كتب).
(٢) انظر تفسير ((الصالح)) فيما سلف ٨: ٥٣٢، تعليق: ٢، والمراجع هناك.

٥١٢
تفسير سورة المائدة : ٨٤، ٨٥
ابن زيد فى قولها: ((وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا
مع القوم الصالحين))، قال: ((القومُ الصالحون))، رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم
وأصحابُه .
القول فى تأويل قوله ﴿فَأَثْبَهُمُ اللهُ بِمَ قَالُواْ خَنْتٍ تَجْرِى مِنْ
تَْتِها الأَنْهَرُ خْلِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءِ الْمُحْسِنِينَ) )
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره : فجزاهم اللّه بقولهم: ((ربنا آمنا فاكتبنا
مع الشاهدين. وما لنا لا نؤمن باللّه وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربُّنا مع
القوم الصالحين)) = ((جنات تجرى من تحتها الأنهار ))، يعنى : بساتين تجرى
من تحت أشجارها الأنهار = ((خالدين فيها))، يقول: دائماً فيها مكثهم، لا يخرجون
منها ولا يحوَّلون عنها = ((وذلك جزاء المحسنين))، يقول: وهذا الذى جَزَيتُ هؤلاء
القائلين بما وصفتُ عنهم من قيلهم على ما قالوا، من الجنات التى هم فيها خالدون،
جزاءُ كل محسنٍ فى قيله وفعله .
٠ ٥
و((إحسان المحسن)) فى ذلك، أن يوحِّد الله توحيداً خالصاً محضاً لا شرك فيه،
ويقرّ بأنبياء الله وما جاءت به من عند الله من الكتب ، ويؤدِّى فرائضه، ويجتنب
معاصيه.(١) فذلك كمال إحسان المحسنين الذين قال الله تعالى ذكره: ((جنات
تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها )) . (٢)
...
(١) انظر تفسير ((الإحسان)) فيما سلف ٨: ٣٣٤، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٢) أخشى أن يكون صواب العبارة: ((الذين قال الله تعالى ذكره أنه أثابهم بما قالوا
جنات ... ))، ولكنى تركت ما فى المخطوطة والمطبوعة على حاله .

٥١٣
تفسير سورة المائدة : ٨٦، ٨٧
القول فى تأويل قوله (وَلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَشِنَآَ أُوْلَّكَ
أَصْحَبُ الْحِيمِ)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وأما الذين جَحَدوا توحيد الله، وأنكروا
نبوّةَ محمد صلى اللّه عليه وسلم، وكذبوا بآيات كتابه، فإن أولئك (أصحاب الجحيم)).
يقول : هم سكّانها واللابثون فيها .(١)
٠
و((الجحيم)): ما اشتدّ حرُّه من النار، وهو ((الجَاحِمِ)) ((والجحيم)). (٢)
#
القول فى تأويل قوله ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ
مَآَ أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلَا تَمْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُمْتَدِينَ) (٨)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره : يا أيها الذين صدَّقُوا اللّه ورسوله ، وأقرُّوا
بما جاءهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم أنه حق من عند الله = (لا تحرّموا طيبات
ما أحل الله لكم))، يعنى ؛ ((الطيبات))، اللذيذات التى تشتهيها النفوس ، وتميل
إليها القلوب، (٣) فتمنعوها إيّاها، كالذى فعله القسِيسون والرُّهبان، فحرَّموا على
أنفسهم النساءَ والمطاعمَ الطيِّبة، والمشاربَ اللذيذة، وحبس فى الصَّوامع بعضُهم
أنفسَهم ، وساحَ فى الأرض بعضهم . يقول تعالى ذكره : فلا تفعلوا أُبها المؤمنون،
كما فعل أولئك، ولا تعتدُّوا حدَّ اللّه الذى حدَّ لكم فيما أحلَّ لكم وفيما حرم عليكم،
(١) انظر تفسير ((أصحاب النار)) فيما سلف ص: ٢١٧ تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير («الجحيم)) فيما سلف ٢ : ٥٦٢ .
(٣) انظر تفسير ((الطيبات)) فيما سلف ص: ٨٤، تعليق: ١ والمراجع هناك.
ج ١٠ (٣٣)

٥١٤
تفسير سورة المائدة : ٨٧
فتجاوزوا حدّ، الذی حدّه ، فتخالفوا بذلك طاعته، فإن الله لا يحبُّ من اعتدى
حدّه الذى حدّه لخلقه، فيما أحل لهم وحرّم عليهم.
٠
٥
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
٧/٧
١٢٣٣٦ -حدثی أبو حصین عبد الله بن أحمد بن یونس قال ، حدثنا
عبثر أبو زبيد قال ، حدثنا حصين، عن أبى مالك فى هذه الآية: (( يا أيها
الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم)) الآية ، قال: عثمان بن مظعون
وأناسٌ من المسلمين، حرَّموا عليهم النساءَ، وامتنعوا من الطَّعام الطيّب، وأراد
بعضهم أن يقطع ذكره ، فنزلت هذه الآية . (١)
١٢٣٣٧ - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال ،
حدثنى خالد الحذاء ، عن عكرمة قال : كان أناسٌ من أصحاب النبي صلى اللّه
عليه وسلم هُّوا بالخصاء وتَرْك اللحم والنساء، فنزلت هذه الآية: (( يا أيها الذين
آمنوا لا تحرموا طيّباتِ ما أحلّ اللّه لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)).
١٢٣٣٨ - حدثنى يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن خالد، عن عكرمة:
أن رجالاً أرادوا كذا وكذا، وأرادوا كذا وكذا، وأن يختَصُوا، فنزلت: (( يا أيها
الذين آمنوا لا تحرّموا طيّبات ما أحلّ اللّه لكم)) إلى قوله: ((الذى أنتم به مؤمنون)).
١٢٣٣٩ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير ، عن مغيرة، عن إبراهيم:
(( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيِّبات ما أحل الله لكم))، قال: كانوا حَرَّموا
(١) الأثر: ١٢٣٣٦ - ((أبو حصين)): ((عبد الله بن أحمد بن يونس)) هو: ((عبد الله
ابن أحمد بن عبد الله بن يونس الير بوعى)»، شيخ الطبرى، روى عن أبيه، وروى هو وأبوه عن عبثر
ابن القاسم. روى عنه الترمذى والنسائى وأبو حاتم، وغيرهم، ثقة صدوق . مترجم فى التهذيب .
و(عبشر بن القاسم الزبيدى))،((أبو زبيد)). ثقة صدوق. وقال ابن معين: ((ثقة سنى)).
مترجم فى التهذيب، والكبير ٩٤/١/٤، وابن أبى حاتم ٤٣/٢/٣. وكان فى المخطوطة وحدها:
((عبتر بن زبيدة))، وهو خطأ محض.
و((حصين))، هو ((حصين بن عبد الرحمن السلمى))، مضى برقم: ٥٧٩، ٢٩٨٦.

٥١.٥
تفسير سورة المائدة : ٨٧
الطِّيب واللحمَ ، فأنزل الله تعالى هذا فيهم.
١٢٣٤٠ -حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الوهاب الثقفى قال، حدثنا
خالد ، عن عكرمة: أن أناساً قالوا: ((لانتزوَّج، ولا نأكل، ولا نفعل كذا وكذا))!
فأنزل الله تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا لاتحرِّموا طيِّبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا
إنّ الله لا يحب المعتدين)).
١٢٣٤١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا
معمر ، عن أيوب ، عن أبى قلابة ، قال : أراد أناس من أصحاب النبي صلى اللّه
عليه وسلم أن يرفُضُوا الدنيا، ويتركوا النساء، ويترهَّبوا، فقام رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم فغَلَّظ فيهم المقالة، ثم قال : إنما هلك من كان قبلكم بالتشديد،
شدَّدوا على أنفسهم فشدَّد الله عليهم، فأولئك بقايَاهم فى الدّيار والصوامع! (١)
اعبدُوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وحجُّوا، واعتمروا، واستقيموا يَسْتَقِيمٍ لكم. قال :
ونزلت فيهم: ((يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا طيبات ما أحل الله لكم)) ، الآية .
١٢٣٤٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: ((لا تحرّموا طيبات ما أحل الله لكم))، قال : نزلت
فى أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أرادوا أن يتخلَّا من الدُّنيا، (٢)
ويتركوا النساء ويتزهدوا ، منهم على بن أبى طالب وعثمان بن مظعون .
١٢٣٤٣ -حدثنا ابن و کیع قال، حدثنا أبى ، عن سفيان، عن زياد بن
فياض ، عن أبى عبد الرحمن قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لا آمرُكم أن
تكونُوا قسيسين ورهباناً .
(١) ((الديار)) جمع ((دير))، والذى ذكره أصحاب معاجم اللغة أن جمعه ((أديار))،
واقتصروا على هذا الجمع ، وذكر ياقوت فى معجم البلدان (دير) ، جموعاً كثيراً ، ليس هذا منها ،
ولكنه نقل أن الجوهرى قال: (( دير النصارى أصله الدار)) فإن كان ذلك كذاك ، فجمعه على (( ديار))
لا شك فى صحته وقياسه. وانظر ((الدور)) أيضاً فى الأثر رقم: ١٢٣٤٤. ص: ٥١٦، تعليق : ٢.
(٢) فى المطبوعة: ((أن يتخلوا من اللباس))، وهو كلام ملفق، وفى المخطوطة: ((ويتحلوا
من الليسا))، غير مبينة، صوابها ما أثبت من الدر المنثور ٢: ٣٠٨.

٥١٦
تفسير سورة المائدة : ٨٧
١٢٣٤٤ - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا جامع بن حماد قال ،
حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة فى قوله: (( يا أيها الذين آمنوا
لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم))، الآية، ذكرلنا أنّ رجالاً من أصحاب النبي
صلى الله عليه وسلم رَفّضوا النساء واللحم، وأرادوا أن يتخذوا الصوامع. فلما بلغ
ذلك رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم قال: ليس فى دينى تركُ النساء واللحم، ولا اتّخاذُ
الصوامع = وخُبُّرنا أن ثلاثة نفرٍ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم اتَّفقوا،
فقال أحدهم : أمَّا أنا فأقوم الليل لا أنام! وقال أحدهم : أمَّا أنا فأصوم النهار
فلا أفطر ! وقال الآخر : أما أنا فلا آتى النساء! فبعث رسول الله صلى الله عليه
وسلم إليهم فقال: ألم ٦نبأ أنكم اتفقتم علی کذا؟قالوا: بلى !يا رسول الله، وما أردنا
إلاّ الخير! قال: لكنى أقومُ وأنامَ، وأصوم وأفطر، وآتى النساء ، فمن رغب
عن سُنَّتِى فليس منِى = وكان فى بعض القراءة: ﴿مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِكَ
فَلَيْسَ مِنْ أُمَّنِك وَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ). (١) وذكر لنا أن نبى الله صلى الله
عليه وسلم قال لأناسٍ من أصحابه: إن مَنْ قبلكم شدَّدوا على أنفسهم فشدَّد
الله عليهم، فهؤلاء إخوانهم فى الدُّورِ والصوامع! (٢) اعبدوا الله ولا تشركوا به
شيئاً ، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة ، وصوموا رمضان ، وحُجُّوا واعتمروا ،
واستقيموا يستقم لكم. (٣)
(١) فى المطبوعة: ((عن سواء السبيل))، بزيادة ((عن))، وليست فى المخطوطة.
(٢) ((الدور))، يعنى جمع ((دير))، وقد ذكرت القول فيه فى ص: ٥١٥، تعليق: ١.
(٣) الأثر: ١٢٣٤٤ - ((بشر بن معاذ العقدى)) مضى برقم: ٣٥٢، ٢٦١٦.
أما ((جامع بن حماد))، فلم أجد له ترجمة فيما بين يدى من المراجع. وهذه أول مرة يأتى
إسناد بشر بن معاذ فى روايته عن يزيد بن زريع بواسطة ((جامع بن حماد)). أما إسناد: ((بشر
بن معاذ، عن يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة))، فهو إسناد دار فى التفسير من أوله
إلى هذا الموضع، برواية ((بشر بن معاذ)) عن ((يزيد بن زريع)) مباشرة.
وسيأتى هذا الإسناد الجديد بعد هذا مراراً، برقم : ١٢٣٦٧، ١٢٤٢٣، ١٢٥٠٧،
١٢٥٢٤. وفى هذا الإسناد الأخير، نص صريح على أنه روى الخبر مرة بواسطة ((جامع بن حماد))
هذا، ثم رواه مرة أخرى عن ((يزيد بن زيع)» مباشرة.

٥١٧
اتفسير سورة المائدة : ٨٧
٨/٧
١٢٣٤٥ -حدثنى محمد بن الحسین قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((يا أيها الذين آمنوا لا تحرّموا طيبات ما أحل الله
لكم ولا تعتدوا إنّ الله لا يحب المعتدين))، وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه
وسلم جلس يوماً فذكّر الناس، ثم قام ولم يزدهم على التَّخويف. فقال أناسٌ من
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا عشرة، منهم على بن أبى طالب وعثمان
ابن مظعون: ماخِفْنا إن لم نُحْدِث عملاً!(١) فإنّ النصارى قدحرَّموا على أنفسهم،
فنحن نحرُّم! فحرَّم بعضهم أكل اللَّحم والوَدَك، وأن يأكل بالنهار، (٢) وحرَّم
بعضهم النوم، وحرَّم بعضهم النساء . فكان عثمان بن مظعون ممّن حرم النساءَ ،
وكان لا يدنو من أهله ولا يدنون منه. فأتت امرأتُه عائشةَ، وكان يقال لها (الحولاء))،
فقالت لها عائشة ومن عندها من نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم: ما بالُك، يا حولاءُ
متغيِّرةَ اللون لا تمتشطين ولا تطيّبِين؟ فقالت: وكيف أتطيّب وأمتشط ، وما وقع
علىّ زوجى، ولا رفع عنى ثوباً، منذ كذا وكذا ! فجعلن يضحكن من كلامها .
فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهنّ يضحكن ، فقال : ما يضحككن ؟
قالت: يا رسول الله، الحولاءُ، سألتها عن أمرها فقالت: ((ما رفع عنى زوجى
ثوباً منذ كذا وكذا)) ! فأرسل إليه فدعاه فقال : ما بالك يا عمّان ؟ قال : إنى
تركته لله لكى أتخلَّى للعبادة ! وقَصَّ عليه أمره. وكان عثمان قد أراد أن يَجُبَّ
نفسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقسمتُ عليك إلاّ رجعت فواقعتَ
أهلك! فقال: يا رسول الله، إنى صائم! قال: أفطر! فأفطر، وأتى أهله . فرجعت
الحولاءُ إلى عائشة قد اكتحلت وامتشطت وتطيَّبت، فضحكت عائشة، فقالت :
ما بالك يا حولاء ؟ فقالت : إنه أتاها أمس ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(١) فى المطبوعة: ((ما حقنا))، وفى المخطوطة: ((ما حفنا))، وصواب قراءته ما أثبت.
وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خوفهم عقاب الله، فقالوا: لم نبلغ من الخوف مبلغاً يرضاه
ربنا ، إن لم نعمل عملا يدل على شدة المخافة .
(٢) ((الودك)) (بفتحتين): دسم اللحم ودهنه الذى يستخرج منه .
%

: ٥١٨
تفسير سورة المائدة : ٨٧
ما بالُ أقوامٍ حرَّموا النساء، والطعام، والنوم؟ ألا إنى أنام وأقوم، وأفطر وأصوم،
وأنكح النساء، فمن رغب عن سُنَّى فليس منى! فنزلت: (( يا أيها الذين آمنوا
لا تحرِّموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا))، يقول لعثمان: لا تَجُبَّ نفسَك.
فإن هذا هو الاعتداء = وأمرهم أن يكفِّروا أيْمانهم، فقال: ((لا يؤاخذكم الله
باللّغو فى أيمانكم ولكن يُؤَاخذكم بما عقدتم الأيمان)» .
١٢٣٤٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية، عن على ، عن ابن عباس قوله: (( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات
ما أحل الله لكم))، قال : هم رهطٌ من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم قالوا :
نقطَعُ مذاكيرنا ، ونترك شهوات الدنيا ، ونسيح فى الأرض كما تفعل الرهبان !
فبلغ ذلك النبيَّ صلى اللّه عليه وسلم فأرسل، إليهم، فذكر ذلك لهم فقالوا: نعم!
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لكنىّ أصوم وأفطر، وأصلّى وأنام، وأنكح
النساء ، فمن أخذ بسنتى فهو منى ، ومن لم يأخذ بسنتى فليس مِنِى .
١٢٣٤٧ -حدثی محمد بن سعد قال، حدثی ابی قال، حدثی عمی
قال، حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: (( يا أيها الذين آمنوا لا
تحرموا طيبات ما أحل الله لكم))، وذلك أن رجالاً من أصحاب محمد صلى اللّه عليه
وسلم ، منهم عثمان بن مظعون، حرَّموا النساء واللحمّ على أنفسهم، وأخذوا الشَّفَار
ليقطعوا مذاكيرهم ، لكى تنقطع الشهوة ويتفرَّغوا لعبادة ربهم . فأخبر بذلك النبيُّ
صلى الله عليه وسلم فقال: ما أردتم؟ فقالوا: أردنا أن تنقطع الشهوة عنا، (١) ونتفرغ
لعبادة ربنا ، ونلهو عن النساء ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لم أومر بذلك،
ولكنى أمرت فى دينى أن أتزوَّج النساء ! فقالوا ، نطيعُ رسول الله صلى الله عليه
وسلم. فأنزل الله تعالى ذكره: (( يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا طيبات ما أحل الله
لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين))، إلى قوله: ((الذى أنتم به مؤمنون)).
(١) فى المطبوعة: ((أن نقطع))، وأثبت ما فى المخطوطة.

٠٥١٩
تفسير سورة المائدة : ٨٧
١٢٣٤٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ،
عن ابن جريج، عن مجاهد قال: أراد رجالٌ ، منهم عثمان بن مظعون وعبد الله
ابن عمرو، أن يتبتَّلوا، ويخصُوا أنفسهم، ويلبسوا المُسُوح، (١) فنزلت هذه الآية
إلى قوله: ((واتقوا الله الذى أنتم به مؤمنون)) - قال ابن جريج ، عن عكرمة :
أن عثمان بن مظعون ، وعلى بن أبى طالب ، وابن مسعود ، والمقداد بن الأسود ،
وسالماً مولى أبي حذيفة فى أصحابٍ، تبتَّلوا، فجلسوا فى البيوت ، واعتزلوا النساء ،
وليسوا المسوحَ، وحرَّموا طيبات الطعام واللَّباس إلاّ ما أكل ولبس أهل السِّيّاحة من
بنى إسرائيل، وهمُّوا بالإخصاء ، (٢) وأجمعُوا لقيام الليل وصيام النهار، فنزلت:
((يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب ٩/٧
المعتدين))، يقول: لا تَسيروا بغير سُنّة المسلمين، (٣) يريد: ما حرموا من النساء
والطعام واللباس ، وما أجمعوا له من صيام النهار وقيامِ الليل ، وما همُّوا به من
الإخصاء . (٤) فلما نزلت فيهم ، بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :
إنّ لأنفسكم حقًّاً، وإنّ لأعيُنِكم حقًّا! صوموا وأفطروا، وصلّوا وناموا،
فليس منا من ترك سُنَّتنا ! فقالوا: اللهم أسلمنا واتَّبعنا ما أنزلت !
١٢٣٤٩ -حدثی یوتس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب، عن ابن
زيد فى قوله : ( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ))، قال، قال
أبى: ضَافَ عبدَ الله بن رواحة ضيفٌ، فانقلب ابن رواحة ولم يتعشّ، فقال
(١) ((المسوح)) جمع (مح)) (يكسر فسكون): وهو كساء من شعر يلبسه الرهبان.
(٢): ((الإخصاء))، يعنى الخصاء، وانظر ما كتبته آنفاً فى ٩: ٢١٥، تعليق: ١،
وإنكار أهل اللغة لها، وإتيانها فى آثار كثيرة ، يضم إليها هذا الأثر فى موضعين . وكأن فى المطبوعة
هنا ((بالاختصاء))، وأثبت ما فى المخطوطة، ولكن ستأتى مرة أخرى، وتتفق فيها المطبوعة والمخطوطة:
((الاختصاء».
(٣) فى المطبوعة: ((لا تستنوا بغير سنة المسلمين))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهى غير منقوطة.
وهذا صواب قراءتها .
(٤) فى المطبوعة والمخطوطة: ((هموا له))، وكأن الصواب ما أثبت.

٥٢٠ .
تفسير سورة المائدة : ٨٧
لأهله: ما عَشَّيْتِه؟ فقالت: كان الطعام قليلاً، فانتظرت أن تأتى! قال: فحبست
ضيفى من أجلى! فطعامُك علىَّ حرام إن ذُقْته! فقالت هى: وهو علىّ حرام إن
ذقته إن لم تذقه! وقال الضيف: هو علىَّ حرامٌ إن ذقتُه إن لم تذُ وقوه! فلما رأى
ذلك قال ابن رواحة: قرِّبى طعامَكٍ، كلوا بسم الله! وغدا إلى النبى صلى الله عليه
وسلم فأخبره ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أحسنتَ! فنزلت هذه
الآية: ((يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا طيبات ما أحلَّ اللّه لكم))، وقرأ حتى بلغ:
((لا يؤاخذكم الله باللغوفى أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقَّدتم الأيمان))، إذا قلت:
(( والله لا أذوقه))، فذلك العقد .
١٢٣٥٠ -حدثنا عمرو بن علی قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عثمان
بن سَعْد قال، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس: أنّ رجلاً أتى النبي صلى اللّه
عليه وسلم فقال : يا رسول الله، إنىّ إذا أصبتُ من اللحم انتشرتُ، وأخذتنى
شهوتى، فحرَّمت اللحم؟ فأنزل الله تعالى ذكره: ((يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا
طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدُوا إن الله لا يحبُّ المعتدين)).(١)
١٢٣٥١ -حدثنا عمرو بن علی قال، حدثنا یزید بن زريع قال، حدثنا
خالد الحذاء، عن عكرمة قال: هَمَّ أناسٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
(١) الأثر: ١٢٣٥٠ - هذا الأثر أخرجه الترمذى فى كتاب التفسير بإسناده ولفظه، ثم
قال : ((هذا حديث حسن غريب . ورواه بعضهم من غير حديث عثمان بن سعد مرسلا ، ليس
فيه: عن ابن عباس، ورواه خالد الحذاء، عن عكرمة، مرسلا))، يعنى الترمذى الأثر التالى :
١٢٣٥١ ٠
و («عثمان بن سعد التميمى، الكاتب المعلم)»، ثقة. مضى برقم: ٢١٥٥. وكان فى المطبوعة
هنا (عثمان بن سعيد))، وهو خطأ محض، وكان فى المخطوطة مثله، إلا أنه ضرب على نقطتى الياء،
وأراد وصل العين بالدال ، فأخطأ الناشر فى قراءة ذلك .
٠٠٠
هذا، وانظر ما جاء من الأخبار فى الخصاء والتبتل فى صحيح البخارى (الفتح ٩: ١٠٠ - ١٠٣)،
وما علق عليه الحافظ بن حجر. ثم ما جاء فيه أيضاً (الفتح ٨ : ٢٠٧)، وتفسير ابن كثير
٣: ٢١٣ - ٢٠١٧، وطبقات ابن سعد ٢٨٦/١/٣ - ٢٨٨ فى ترجمة ((عثمان بن مظعون)).
٠%