Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ تفسير سورة المائدة : ٦٠ قال أبو جعفر : وهذه قراءة لا معنى لها ، لأن الله تعالى ذكره ، إنما ابتدأ الخبر بذمّ أقوام، فكان فيما ذمَّهم به عبادُتهم الطاغوت . وأما الخبر عن أن الطاغوت قد عُبد ، فليس من نوع الخبر الذى ابتدأ به الآية ، ولا من جنس ما ختمها به ، فيكون له وجه يوجَّه إليه فى الصحة . (١) # وذكر أن بُريدة الأسلمى كان يقرأه: ﴿وَعَابِدَ الطَّاغُوتِ).(٢) ١٢٢٢٩ - حدثنى بذلك المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبدالرحمن قال ، حدثنا شيخ بصرى : أن بريدة كان يقرأه كذلك . ٠ ٠ ولو قرئ ذلك: ﴿ وَعَبَدَ الطَّاغُوتِ ﴾، بالكسر، كان له مخرج فى العربية صحيح، وإن لم أستجز اليوم القراءة بها، إذ كانت قراءة الحجة من القرأة بخلافها . ووجه جوازها فى العربية، أن يكون مراداً بها ((وعَبدة الطاغوت))، ثم حذفت ((الهاء)) للإضافة، كما قال الراجز: (٣). • قَمَ وُلَهَا فَتَقَوْهُ صَرْخَدَا.(٤) يريد: قام وُلاتها، فحذف ((التاء)) من ((ولاتها)) للإضافة. (٥) قال أبو جعفر : وأما قراءة القرأة ، فبأحد الوجهين اللذين بدأت بذكرهما ، (١) فى المطبوعة: ((من الصحة))، والصواب ما فى المخطوطة. (٢) فى المخطوطة: ((وعابد الشيطان))، وهو خطأ لا شك فيه، صحته المطبوعة، وانظر القراءات الشاذة لابن خالويه : ٣٤ . (٣) لم أعرف الراجز. (٤) معانى القرآن الفراء ١: ٣١٤، وقوله: ((صرخد)) جعلها الخمر الصرخدية نفسها. وأما أصحاب اللغة، فيقولون: ((صرخد)»، موضع بالشام، من عمل حوران؛ تنسب إليه الخمر الجيدة . (٥) انظر ما سلف جميعه فى معانى القرآن الفراء ١: ٣١٤، ٣١٥. ٤٤٢ تفسير سورة المائدة : ٦٠ وهو: (وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ)، بنصب ((الطاغوت)) وإعمال ((عبد)) فيه، وتوجيه ((عبد)) إلى أنه فعل ماض من ((العبادة)) . ! والآخر: ﴿وَعَبُدَ الطَّاغُوتِ)، على مثال ((فَعُلِ))، وخفض ((الطاغوت)) بإضافة (( عبد )» إليه . فإذا كانت قراءة القرأة بأحد هذين الوجهين دون غيرهما من الأوجه التى هى أصح مخرجاً فى العربية منهما ، فأولاهما بالصواب من القراءة ، قراءة من قرأ ذلك ١٩١/٦ ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ )، بمعنى: وجعل منهم القردة والخنازير ومن عبد الطاغوت، لأنه ذكر أن ذلك فى قراءة أبيّ بن كعب وابن مسعود: ﴿ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدُوا الطَّاغُوتَ)، بمعنى: والذين عبدوا الطاغوت- ففى ذلك دليل واضحٌ على صحة المعنى الذى ذكرنا من أنه مراد به: ومن عبد الطاغوت، وأن النصب بـ ((الطاغوت)) أولى ، على ما وصفت فى القراءة، لإعمال ((عبد)) فيه، إذ كان الوجه الآخر غير مستفيض فى العرب ولا معروف فى كلامها . على أن أهل العربية يستنكرون إعمال شىء فى ((مَنْ)) و((الذى)) المضمرين مع (( مِنْ)) و((فى)) إذا كفت ((مِنْ)) أو ((فى)) منهما ويستقبحونه ، حتى كان بعضهم يُحيل ذلك ولا يجيزه. وكان الذى يحيل ذلك يقرأه: ﴿وَعَبْدَ الطَّاغُوتِ﴾، فهو على قوله خطأ ولحن غير جائز . وكان آخرون منهم يستجيزونه على قبح . فالواجب على قولهم أن تكون القراءة بذلك قبيحة . وهم مع استقباحهم ذلك فى الكلام، قد اختاروا القراءة بها، وإعمال و ((جعل)) فى ((مَنْ))، وهى محذوفة مع ((مِن)). ولو كنا نستجيز مخالفة الجماعة فى شىء مما جاءت به مجمعة عليه ، لاخترنا القراءة بغير هاتين القراءتين، غير أن ما جاء به المسلمون مستفيضاً فيهم لايتنا كرونه، (١) فلا نستجيز الخروج منه إلى غيره. فلذلك لم نستجز القراءة بخلاف إحدى القراءتين (١) فى المطبوعة: ((فهم لا يتناكرونه))، وأثبت ما فى المخطوطة. ٤٤٣ تفسير سورة المائدة : ٦٠ اللتين ذكرنا أنهم لم يعدُ وهما . ٠ ٥ ٥ وإذا كانت القراءة عندنا ما ذكرنا ، فتأويل الآية : قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله، من لعنة الله وغضب عليه، وجعل منهم القردة والخنازير ، ومَن عبد الطاغوت . وقد بينا معنى (( الطاغوت )) فيما مضى بشواهده من الروايات وغيرها ، فأغنى ذلك عن إعادته ههنا . (١). # # وأما قوله: ((أولئك شر مكاناً وأضلُّ عن سواء السبيل))، فإنه يعنى بقوله : ((أولئك))، هؤلاء الذين ذكرهم تعالى ذكره، وهم الذين وصفَ صفتهم فقال: ((من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت))، وكل ذلك من صفة اليهود من بنى إسرائيل . يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه صفتهم = (( شر مكاناً))، فى عاجل الدنيا والآخرة عند الله ممن نَقَمتم عليهم، يا معشر اليهود، إيمانَهم بالله، وبما أنزل إليهم من عند الله من الكتاب، وبما أنزل إلى من قبلهم من الأنبياء = ((وأضل عن سواء السبيل))، يقول تعالى ذكره : وأنتم مع ذلك ، أيها اليهود ، أشد أخذاً على غير الطريق القويم ، وأجورُ عن سبيل الرشد والقصد منهم . (٢) . قال أبو جعفر: وهذا من لَحْنِ الكلام. (٣) وذلك أن الله تعالى ذكره إنما ٥ (١) انظر تفسير ((الطاغوت)) فيما سلف ٥: ٤١٦ - ٤١٩ /٨: ٤٦١ - ٤٦٥، ٥٠٧ - ٥١٣، ٥٤٦ ٠ (٢) انظر تفسير ((الضلال)) فيما سلف من فهارس اللغة. = وتفسير ((سواء السبيل)) فيما سلف ١٠: ١٢٤، تعليق: ٢، والمراجع هناك. (٣) ((اللحن)) هنا بمعنى التعريض والإيماء، عدولا عن تصريح القول. قال ابن برى: ((الحن ستة معان: الخطأ فى الإعراب، واللغة، والغناء، والفطنة، والتعريض، والمعنى)). ٤٤٤ تفسير سورة المائدة : ٦١،٦٠ قصد بهذا الخبر إخبارَ اليهود الذين وصف صفتهم فى الآيات قبل هذه ، بقبيح فعالهم وذميم أخلاقهم ، واستیجابهم سخطه بكثرة ذنوبهم ومعاصيهم ، حتى مسخ بعضهم قردة وبعضهم خنازير، خطاباً منه لهم بذلك، تعريضاً بالجميل من الخطاب، وَحَن لهم بما عَرَفُوا معناه من الكلام بأحسن اللحن، (١) وعلَّ نبيه صلى الله عليه وسلم من الأدب أحسنه فقال له : قل لهم ، يا محمد ، أهؤلاء المؤمنون بالله وبكتبه الذين تستهزئون منهم، شرٌّ ، أم من لعنه الله؟ وهو يعنى المقولَ ذلك لهم. القول فى تأويل قوله ﴿وَإِذَا جَاءَوَكُمْ قَالُواْ ءَامَنَّا وَقَدَ دَّخُلُواْ بِالْكُفْرٍ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ ه وَاللهُ أَعْلَمُ بَِ كَانُواْ بَيْتُمُونَ) ) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره : وإذا جاءكم ، أيها المؤمنون ، هؤلاء المنافقون من اليهود قالوا لكم: ((آمنا)»، أى صدّقنا بما جاء به نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم واتبعناه على دينه ، وهم مقيمون على كفرهم وضلالتهم ، قد دخلوا عليكم بكفرهم الذى يعتقدونه، بقلوبهم ويُضمرونه فى صدورهم ، وهم يبدون كذباً التصديق لكم بألسنتهم = «وقد خرجوا به»، يقول : وقد خرجوا بالكفر من عند کم کما دخلوا به عليكم ، لم يرجعوا بمجيئهم إليكم عن كفرهم وضلالتهم ، يظنون أن ذلك من فعلهم يخفى على اللّه، جهلاً منهم باللّه = ((والله أعلم بما كانوا يكتمون))، يقول: والله أعلم بما كانوا - عند قولهم لكم بألسنتهم: ((آمنا بالله وبمحمد وصدّقنا بما جاء (١) أى: عرض لهم بأحسن التعريض والإيماء. ٤٤٥ تفسير سورة المائدة : ٦١ به)) - يكتمون منهم ، بما يضمرونه من الكفر ، بأنفسهم . (١) وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . * ذكر من قال ذلك : ١٢٢٣٠ - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ((وإذا جاؤوكم قالوا آمنا )) الآية، أناسٌ من اليهود ، كانوا يدخلون على النبيّ صلى الله عليه وسلم فيخبرونه أنهم مؤمنون راضون بالذى جاء به، ١٩٢/٦ وهم متمسكون بضلالتهم والكفر . وكانوا يدخلون بذلك ويخرجون به من عند نبى الله صلى الله عليه وسلم. ١٢٢٣١ -حدثی محمد بنالحسین قال ،حدثنا أحمد بنمفضل قال،حدثنا أسباط، عن السدى: (( وإذا جاؤوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به ))، قال: هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يهود. يقول: دخلوا كفاراً، وخرجوا كفاراً . ١٢٢٣٢ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمی قال ، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (( وإذا جاؤوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفروهم قد خرجوا به )) ، وإنهم دخلوا وهم يتكلمون بالحق ، وتُسرُّ قلوبهم الكفر ، فقال: (( دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به)). ١٢٢٣٣ - حدثنى يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله: (( وإذا جاؤوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به)) = ﴿ وَقَالَتْ طَائَِةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ آَمِنُوا بِلَّذِى أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا (١) فى المطبوعة: ((مما يضمرونه))، والصواب من المخطوطة ((بما)). وسياق هذه الجملة بعد إسقاط الجمل المعترضة المفسرة: والله أعلم بما كانوا ... يكتمون منهم ... بأنفسهم)) أى: أعلم منهم بأنفسهم. وقوله: ((بما يضمرون من الكفر))، متعلق بقوله: ((والله أعلم بما كانوا يكتمون)) تفسيراً لقوله: ((بما كانوا يكتمون)). وانظر تفسير ((الكتمان)» فيما سلف ٢: ٢٢٨، ٢٢٩. ٤٤٦ تفسير سورة المائدة : ٦١ ، ٦٢ وَجْهَ اُلَّهَرِ وَأَ كْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، [سورة آل عمران: ٧٢]. فإذا رجعوا إلى كفارهم من أهل الكتاب وشياطينهم ، رجعوا بكفرهم. وهؤلاء أهل الكتاب من ہہود . ١٢٢٣٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن ابن جریج ، عن عبد الله بن کثیر: « وقد دخلوا بالکفر وهم قد خرجوا به )» ، أى : إنه من عندهم . القول فى تأويل قوله ﴿وَتَرَى كَثِرًا مِنْهُمْ يُسْرِعُونَ فِى الْإِثْمِ وَالْمُدْوَّنِ وَأَ كَلِمُ السُّحْتَ لَبِْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) ) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ((وترى،)) يا محمد = ((كثيراً))، من هؤلاء اليهود الذين قصصت عليك نبأهم من بنى إسرائيل= ((يسارعون فى الإثم والعدوان))، يقول: يعجلون بمواقعة الإثم. (١) * # # وقيل: إن ((الإثم)) فى هذا الموضع، معنىّ به الكفر.(٢) ١٢٢٣٥ - حدثنى محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى فى قوله: ((وترى كثيراً منهم يسارعون فى الإثم والعدوان»، قال: ((الإثم))، الكفر . ١٢٢٣٦ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ((وترى كثيراً منهم يسارعون فى الإثم والعدوان))، وكان هذا فى حُكّام اليهود بين أيديكم. (٣) (١) انظر تفسير ((المسارعة)) فيما سلف ١٠: ٤٠٤، تعليق: ٣، والمراجع هناك. (٢) انظر تفسير ((الإثم)) فيما سلف ٩: ١٩٦، ١٩٧، ثم سائر فهارس اللغة. (٣) فى المطبوعة: ((فى أحكام اليهود))، والصواب من المخطوطة. ٤٤٧ تفسير سورة المائدة : ٦٢ ١٢٢٣٧ - حدثی يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله: ((يسارعون فى الإثم والعدوان))، قال: هؤلاء اليهود = ((لبئس ما كانو يعملون)) = ﴿لَوْلاَ يَنْهَهُمُ الرَّبًّا نِيُّونَ﴾، إلى قوله: ﴿لَبِثْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾، قال:((يصنعون)) و((يعملون)) واحد. قال: لهؤلاء حين لم ينهوا، كما قال لهؤلا حين عملوا . قال : وذلك الإدهان .(١) ٠ ٠٠ قال أبو جعفر : وهذا القول الذى ذكرناه عن السدى ، وإن كان قولاً غير مدفوع جوازُ صحته، فإن الذى هو أولى بتأويل الكلام: أن يكون القوم موصوفين بأنهم يسارعون فى جميع معاصى الله ، لا يتحاشون من شىء منها ، لا من كفر ولا من غيره . لأن الله تعالى ذكره عمَّ فى وصفهم بما وصفهم به من أنهم يسارعون فى الإثم والعدوان، من غير أن يخصّ بذلك إثماً دون إثم. ... وأما ((العدوان.))، فإنه مجاوزة الحدّ الذى حدّه اللّه لهم فى كل ما حدّه لهم. (٢) .. ٠ وتأويل ذلك : أن هؤلاء اليهود الذين وصفهم فى هذه الآيات بما وصفهم به تعالى ذكره ، يسارع كثير منهم فى معاصى الله وخلاف أمره ، ويتعدّون حدوده التى حدَّ لهم فيما أحلّ لهم وحرّم عليهم، فى أكلهم ((السحت)) = وذلك الرشوة التى يأخذونها من الناس على الحكم بخلاف حكم الله فيهم. (٣) يقول الله تعالى ذكره: ((لبئس ما كانوا يعملون))، يقول: أقسم لبئس العمل ما كان هؤلاء اليهود يعملون، فى مسارعتهم فى الإثم والعدوان، وأكلهم السحت. ٠ ٠ (١) قوله: ((وذلك الإدهان)) حذفت من المطبوعة، وهى فى المخطوطة سيئة الكتابة هكذا : ((قال: وذلك الإركان))، وصواب قراءته ما أثبت. و((الإدهان)): اللين والمصانعة، فى الدين وفى كل شىء، وفى التنزيل: ((ودوا لو تدهن فيدهنون)). (٢) انظر تفسير ((العدوان)) فيما سلف ٩: ٣٦٢، تعليق: ١، والمراجع هناك. (٣) انظر تفسير ((السحت)) فيما سلف ١٠: ٣١٧ - ٣٢٤. ٤٤٨ تفسير سورة المائدة : ٦٣ القول فى تأويل قوله ﴿لَوْلَا يَنْهَهُمُ الرَّبَّنِيُّونَ وَاَلْأَحْبَارُ عَنِ قَوْلِمُ الْإِثْمَ وَأَحْلِمُ السُّحْتَ لَبْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَمُونَ ﴾ (#) قال أبو جعفر :. يقول تعالى ذكره : هلاًّ ينهى هؤلاء الذين يسارعون فى الإثم والعدوان وأكل الرشى فى الحكم ، من اليهود من بنى إسرائيل ، (١) ربانيوهم = وهم أئمتهم المؤمنون ، وساستهم العلماء بسياستهم (٢) = وأحبارهم، وهم علماؤهم وقوادهم (٣) = ((عن قولهم الإثم)) يعنى: عن قول الكذب والزور، وذلك أنهم كانوا يحكمون ١٩٣/٦ فيهم بغير حكم الله، ويكتبون كتباً بأيديهم ثم يقولون: ((هذا من حكم الله، وهذا من كتبه)). يقول الله: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾. [سورة البقرة: ٧٩] * وأما قوله: (( وأكلهم السحت))، فإنه يعنى به الرشوة التى كانوا يأخذونها على حکمهم بغير كتاب اللّه لمن حكموا له به . # ٠٠ وقد بينا معنى ((الربانيين)) و((الأحبار)) ومعنى" ((السحت))، بشواهد ذلك فيما مضى ، بما أغنى عن إعادته فى هذا الموضع . (٤) . . = ((لبئس ما كانوا يصنعون))، وهذا قسم من الله أقسم به، يقول تعالى ذكره: أقسم : لبئس الصنيع كان يصنع هؤلاء الربانيون والأحبار ، فى تركهم نهى الذين يسارعون منهم فى الإثم والعدوان وأكل السحت ، عما كانوا يفعلون من ذلك . ٠٠ ٠ ٠ (١) انظر تفسير ((لولا)) بمعنى: ((هلا))، فيما سلف ٢: ٥٥٢، ٥٥٣. (٢) انظر تفسير ((الربانيون)) فيما سلف ٥: ٥٤٠ - ١٠/٥٤٤: ٣٤١ - ٣٤٣ (٣) انظر تفسير ((الأخبار)) فيما سلف ٦: ٥٤٣، ٥٤٤ /١٠: ٣٤١ - ٣٤٣ (٤) انظر التعليقات السالفة قريباً . ٤٤٩ تفسير سورة المائدة : ٦٣ وكان العلماء يقولون: ما فى القرآن آية أشدَّ توبيخاً للعلماء من هذه الآية ، ولا أخوفَ عليهم منها . ١٢٢٣٨ -حدثنا محمد بن بشار قال.، حدثنا عبد الله بن داود قال ، حدثنا سلمة بن نبيط، عن الضحاك بن مزاحم فى قوله: (( لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم))، قال: ما فى القرآن آية، أخوف عندى منها: أنَّا لا ننهى.(١) ١٢٢٣٩ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عطية قال، حدثنا قيس ، عن العلاء بن المسيب ، عن خالد بن دينار ، عن ابن عباس قال : ما فى القرآن آية أشدَّ توبيخاً من هذه الآية: ﴿لَوْلاَ يَنْهَهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَاْلْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْأَمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، قال: كذا قرأ .(٢) وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . * ذكر من قال ذلك : ١٢٢٤٠ -حدثنا هناد قال ، حدثنا و کیع = وحدثنا ابن و کیع قال،حدثنا أبى = عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك: (( لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت)) [قال: (الربانيون والأحبار))، فقها ؤهم وقراؤهم وعلماؤهم. قال : ثم يقول الضحاك: وما أخوفى من هذه الآية!]. (٣) (١) الأثر: ١٢٢٣٨ - ((عبد الله بن داود بن عامر بن الربيع الهمدانى)»، أبو عبد الرحمن الخريبى . كان ثقة عابداً ، وكان عسراً فى الرواية . مترجم فى التهذيب . (٢) الأثر: ١٢٢٣٩ - ((ابن عطية)) هو: ((الحسن بن عطية بن نجيح القرشى))، أبو على البزار مضى برقم : ١٩٣٩، ٤٩٦٢، ٧٥٣٥، ٨٩٦١، ٨٩٦٢. وهو الذى يروى عنه أبو كريب ويقول: ((ابن عطية))، وكان فى المطبوعة والمخطوطة: ((أبو عطية)). وهو خطأ. و((قيس))، هو ((قيس بن الربيع الأسدى))، مضى برقم: ١٥٩، ٤٨٤٢، ٥٤١٣، ٦٨٩٢، ٧٥٣٥ ٠ و ((العلاء بن المسيب بن رافع الأسدى))، مضى برقم: ٣٧٨٩. و ((خالد بن دينار التميمى السعدى)) مضى برقم : ٤٤، ولم يدرك ابن عباس . (٣) الأثر: ١٢٢٤٠ - كان فى المطبوعة (( ... وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون))، ج ١٠ (٢٩) ٤٥٠ تفسير سورة المائدة : ٦٤،٦٣ ١٢٢٤١ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس قوله: (( لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون ))، يعنى : الربانيين ، أنهم : لبئس ما كانوا يصنعون. القول فى تأويل قوله ﴿وَقَالَتِ الْيُهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُمِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يَنْفِقُ كَيْفَ يَشَاء) قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله تعالی ذ کره عن جرأة اليهود على ربهم ، ووصفهم إياه بما ليس من صفته ، توبيخاً لهم بذلك ، وتعريفاً منه نبيَّه صلى اللّه عليه وسلم قديمَ جهلهم واغترارهم به ، وإنكارهم جميع جميل أياديه عندهم ، وكثرة صفحه عنهم وعفوه عن عظيم إجرامهم = واحتجاجاً لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بأنه له نبيٌّ مبعوث ورسول مرسل: أنْ كانت هذه الأنباء التى أنبأهم بها كانت من خفىٍّ علومهم ومكنونها التى لا يعلمها إلاّ أحبارهم وعلماؤهم دون غيرهم من اليهود، فضلاً عن الأمة الأمية من العرب الذين لم يقرأوا كتاباً ، ولا وَعَوْا من علوم أهل الكتاب علماً ، فأطلع الله على ذلك نبيه محمداً صلى اللّه عليه وسلم، ليقرر عندهم صدقه ، ويقطع بذلك حجتهم . ٠ ٠ ٠ يقول تعالى ذكره: ((وقالت اليهود))، من بنى إسرائيل = ((يد الله مغلولة))، يعنون : أن خير اللّه ◌ُمْسَك وعطاؤه محبوس عن الاتساع عليهم، كما قال تعالى أتم الآية ، وليس للخبر تتمة . أما المخطوطة ، فليس فيها تتمة الآية ولا تتمة الخبر ، والذى أثبته من الدر المنثور ١: ٢٩٦ قال: ((وأخرج عبد بن حميد من طريق سلمة بن نبيط ... ))، وساق الأثر كما أثبته . ٤٥١ تفسير سورة المائدة : ٦٤ ذكره فى تأديب نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُوْلَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَ كُلَّ اُلْبَسْطِ﴾ [سورة الإسراء: ٢٩]. ٠ وإنما وصف تعالى ذكره ((اليد)) بذلك، والمعنى العَطاء، لأن عطاء الناس وبذلَ معروفهم الغالب بأيديهم . فجرى استعمال الناس فى وصف بعضهم بعضاً ، إذا وصفوه بجود وكرم ، أو ببخل وشحّ وضيق ، بإضافة ما كان من ذلك من صفة الموصوف إلى يديه ، كما قال الأعشى فى مدح رجل : يَدَاكَ يَدَا تَجْدٍ، فَكَفَّ مُفِيدَةٌ وَكَفٌ إِذَا مَا ضُنَّ بِالزَّادِ تُنْفِقُ(١) فأضاف ما كان صفة صاحب اليد من إنفاق وإفادة إلى ((اليد)). ومثل ذلك من كلام العرب فى أشعارها وأمثالها أكثر من أن يُحْصى. فخاطبهم اللّه بما يتعارفونه ويتحاورونه بينهم فى كلامهم فقال: ((وقالت اليهود يد الله مغلولة))، يعنى بذلك: أنهم قالوا: إن الله يبخل علينا، ويمنعنا فضله فلا يُفْضِل، كالمغلولة يده الذى ١٩٤/٦ لا يقدر أن يبسطها بعطاء ولا بذل معروف، تعالى الله عما قالوا، أعداءَ اللّه! (٢) (١) ديوانه: ١٥٠، وغيره. من قصيدته الغالية التى رفعت المحلق وطارت بذكره فى الآفاق، يقول له : إِلَى ضَوْءُ نارٍ فى يَقَعِ نُحَرَّقُ لَعَمْرِى لَقَدْ لاَحَتْ عُيُونٌ كَثِيرَةٌ وَبَتَ عَلَى النَّارِ النَّدَى والمحَلَّقُ تُشَبُّ لِمِقْرُورَيْنِ يَصْطَلِيَامِهَاَ بِأَسْحَمَ عَوْضَ الدَّهْرِ لَا نَتَفَرَّقُ رَضِيعَىْ لِبَنٍ قَدْىَ أُمْ تَحَلِفَ كَمَا زَانَ مَثْنَ الهُنْدُوَانِيِّ رَوْنَقُ تَرَى الجُودْ يَجْرِىِ ظَاهِرُفَوْقَ وَجْهِهِ وَكَفٌّ إِذَا مَا ضُنَّ بِلْعَالِ تُنْفِقُ يَدَاهُ يَدَا صِدْقٍ، فَكَفٌ مُفِيدَةٌ هذه رواية مخطوطة ديوانه التى صورتها حديثاً ، ورواية هذه المخطوطة تخالف الرواية المطبوعة فى أشياء كثيرة ، ولاسيما فى ترتيب أبيات الشعر . (٢) فى المطبوعة: ((عما قال أعداء الله))، وأثبت ما فى المخطوطة، وقوله: ((أعداء الله)) منصوب على الذم . ٤٥٢ تفسير سورة المائدة : ٦٤ فقال الله مکذ بهم ومخبر همبسخطه عليهم : ((غلت أيديهم )) ، يقول: أمسكت أيديهم عن الخيرات، وقُبِضت عن الانبساط بالعطيات = ((ولعنوا بما قالوا))، وأبعدوا من رحمة الله وفضله بالذى قالوا من الكفر ، وافتروا على الله ووصفوه به من الكذب والإفك (١) = ((بل يداه مبسوطتان))، يقول: بل يداه مبسوطتان بالبذل والإعطاء وأرزاق عباده وأقوات خلقه، غيرُ مغلولتين ولا مقبوضتين (٢) = (( ينفق کیفیشاء ))، يقول: يعطى هذا، ويمنع هذا فيقتِّر عليه. (٣) وبمثل الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . * ذكر من قال ذلك : ١٢٢٤٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله: (( وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا))، قال: ليس يعنون بذلك أن يد الله موثقةٌ، ولكنهم يقولون: إنه بخيل أمسك ما عنده، تعالى الله عما يقولون علوًّاً كبيراً. ١٢٢٤٣ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: (( يد الله مغلولة))، قالوا: لقد تَجَهَّدنا الله =أى: جهدنا الله = يا بنى إسرائيل، ((٤) حتى (١) انظر تفسير ((اللعنة)) فيما سلف ١٠: ٤٣٧، تعليق: ٣، والمراجع هناك. (٢) انظر تفسير ((البسط)» فيما سلف ٥: ٢٨٨، ٢٩٠، ٣١٣. (٣) انظر تفسير ((الإنفاق)) فيما سلف ٧: ١٣٤، تعليق: ٣، والمراجع هناك، ثم سائر فهارس اللغة . (٤) فى المطبوعة، حذف ما وضعته بين الخطين، وكان فى المخطوطة: ((لقد تجهدنا الله، أى تجهدنا الله يا بنى إسرائيل))، ورجحت أن صوابها كما أثبتها. ولم يذكر فى كتب اللغة ((تجهد)» (مشددة الهاء) بمعنى: ألح عليه فى السؤال حتى أفنى ما عنده ، وكأنه من أجل ذلك فسره بقوله (كما قرأته): ((أى جهدنا الله)) من قولهم ((جهد الرجل)) (ثلاثيا): إذا ألح عليه فى السؤال. هذا ما رأيته ، وفوق كل ذى على عليم . وانظر الأثر التالى . ٤٥٣ تفسير سورة المائدة : ٦٤ جعل الله يده إلى نحره ! وكذبوا ! ١٢٢٤٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((يد الله مغلولة))، قال: اليهود تقوله: (١) لقد تجهَّدنا الله يا بنى إسرائيل ويا أهل الكتاب، (٢) حتى إن يده إلى نحره = (( بل يداه مبسوطتان ، ينفق كيف يشاء)) . ١٢٢٤٥ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ((وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا)) إلى ((والله لا يحب المفسدين))، أما قوله: ((يد الله مغلولة))، قالوا: اللّه بخيل غير جواد! قال اللّه: (( بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء)). ١٢٢٤٦ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى: ((وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء))، قالوا : إن الله وضع يده على صدره ، فلا يبسطها حتى يردّ علينا ملكنا . = وأما قوله: ((ينفق كيف يشاء))، يقول: يرزق كيف يشاء. ١٢٢٤٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج قال، قال عكرمة: (( وقالت اليهود يد الله مغلولة)) الآية ، نزلت فى فنْحاص اليهودىّ . ١٢٢٤٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو تميلة ، عن عبيد بن سليمان، عن الضحاك بن مزاحم قوله: ((يد الله مغلولة))، يقولون: إنه (١) فى المطبوعة: ((اليهود تقول))، وأثبت ما فى المخطوطة. (٢) انظر التعليق السالف ص : ٤٥٢، رقم : ٠٤ ٤٥٤ تفسير سورة المائدة : ٦٤ يخيل ليس بجواد! قال الله: ((غلت أيديهم))، أمسكت أيديهم عن النفقة والخير. ثم قال يعنى نفسه: (( بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء)). وقال: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُفِكَ ﴾، [سورة الإسراء: ٢٩]، يقول: لا تمسك يدك عن النفقة. ٥ قال أبو جعفر: واختلف أهل الجدل فى تأويل قوله: ((بل يداه مبسوطتان)). (١) فقال بعضهم: عنى بذلك: نعمتاه. وقال: ذلك بمعنى: ((يد الله على خلقه))، وذلك نعمه عليهم. وقال: إن العرب تقول: ((لك عندى يد))، يعنون بذلك: نعمةٌ. ... وقال آخرون منهم : عنى بذلك القوة . وقالوا : ذلك نظير قول الله تعالى ذكره: ﴿وَأَذْ كُرْ عِبَدَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُولِ اْأَيْدِى). [سورة ص : ٤٥] وقال آخرون منهم: بل ((يده))، ملكه. وقال: معنى قوله: (( وقالت اليهود يد الله مغلولة )»، ملکه وخزائنه . قالوا: وذلك كقول العرب للملوك: ((هو ملك يمينه))، و((فلان بيده عُقدة نكاح فلانة))، أى يملك ذلك، وكقول الله تعالى ذكره: (فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَىْ ◌َجْوَاَكُمْ صَدَقَةٌ﴾، [سورة المجادلة: ١٢ . . وقال آخرون منهم: بل (( يد الله)) صفة من صفاته ، هى يد ، غير أنها ليست بجارحة كجوارح بنى آدم . قالوا : وذلك أنّ اللّه تعالى ذكره أخبر عن خصوصه آدم بما خصّه به من خلقه إياه بيده . (٢) (١) هذه أول مرة يذكر فيها أبو جعفر أصحاب الكلام ويسميهم ((أهل الجدل)). (٢) فى المطبوعة: ((عن خصوصية آدم))، وأعاد ((خصوصية)) بالنسب فى جميع ما سيأتى ، وهو عبث من المصحح ، وأثبت ما فى المخطوطة. ٤٥٥ تفسير سورة المائدة : ٦٤ قالوا: ولو كان [معنى ((اليد))، النعمة، أو القوة، أو الملك، ما كان لخصوصه] آدم بذلك وجه مفهوم، (١) إذا كان جميع خلقه مخلوقين بقدرته، ومشيئتُه فى خلقه نعمةٌ ، وهو لجميعهم مالك . قالوا : وإذ کان تعالی ذ کره قد خص آدم بذ کره خلقه إياه بیده دون غيره * بِيِّنَ عباده ، كان معلوماً أنه إنما خصه بذلك لمعنى به فارق غيره من سائر الخلق . قالوا: وإذا كان ذلك كذلك، بطل قول من قال: معنى (( اليد )) من الله ، القوة والنعمة أو الملك ، فى هذا الموضع. ١٩٥/٦ قالوا: وأحرى أن ذلك لو كان كما قال الزاعمون أن: (( يد الله)) فى قوله: ((وقالت اليهود يد الله مغلولة))، هى نعمته، لقيل: ((بل يده مبسوطة))، ولم يقل: ((بل يداه))، لأن نعمة الله لا تحصى كثرة. (٢) وبذلك جاء التنزيل ، يقول الله تعالى: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لاَ تَحْصُوهَا﴾ [ سورة إبراهيم: ٣٤ / وسورة النحل : ١٨ ] قالوا : ولو كانت نعمتين ، كانتا محصاتين . قالوا : فإن ظن ظانٌ أن النعمتين بمعنى النعم الكثيرة ، فذلك منه خطأ ، وذلك أنّ العرب قد تخرج الجميع بلفظ الواحد لأداء الواحد عن جميع جنسه ، وذلك كقول الله تعالى ذكره: ﴿وَاُلْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [سورة العصر: ٢،١] وكقوله ﴿لَقَدْ خَلَقْنَاَ الْإِنْسَانَ﴾، [سورة الحجر: ٢٦] وقوله: ﴿وَكَانَ اَلْكَافِرُ عَلَى رَبَّهِ ظَهِيراً} [سورة الفرقان: ٥٥]، قال: فلم يُرَدْ: ((الإنسان)) و((الكافر)) فى هذه الأماكن إنسان بعينه، ولا كافر مشار إليه حاضر، بل عنى به جميع الإنس وجميع الكفار، ولكن الواحد أدّى عن جنسه ، كما تقول العرب : (١) هذه الزيادة بين القوسين زيادة يقتضيها الكلام، استظهرتها من سياق هذه الحجج ما استطعت ، وإسقاطها مفسد الكلام . (٢) فى المطبوعة: ((لا تحصى بكثرة))، وأثبت ما فى المخطوطة ٤٥٦ تفسير سورة المائدة : ٦٤ (((ما أكثر الدرهم فى أيدى الناس))، وكذلك قوله: ﴿ وَكَانَ الْكَافِرُ﴾، معناه: وكان الذين كفروا . قالوا : فأما إذا ثنّى الاسم ، فلا يؤدى عن الجنس ، ولا يؤدّى إلا عن اثنين بأعيانهما دون الجميع ودون غيرهما . (١) قالوا : وخطأ فی کلام العرب أن يقال: ((ما أکثر الدرهمین فی أیدی الناس ))، بمعنى : ما أكثر الدراهم فى أيديهم . قالوا : وذلك أن الدرهم إذا ثنّى لا يؤدى فى كلامها إلاّ عن اثنين بأعيانهما . قالوا: وغيرُ محال: ((ما أكثر الدرهم فى أيدى الناس))، و((ما أكثر الدراهم فى أيديهم )) ، لأن الواحد يؤدى عن الجميع . قالوا: ففى قول الله تعالى: ((بل بداه مبسوطتان))، مع إعلامه عبادَه أن نعمه لا تحصى ، مع ما وصفنا من أنه غير معقول فى كلام العرب أنّ اثنين يؤديان عن الجميع - ما ينبئ عن خطأ قول من قال: معنى ((اليد))، فى هذا الموضع، النعمة = وصحة قول من قال: إن ((يد الله))، هى له صفة. قالوا : وبذلك تظاهرت الأخبار عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقال به العلماء وأهل التأويل . القول فى تأويل قوله ﴿وَلَيَزِ يدَنْ كَثِيرًا مِنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْنَا وَكُفْرَا﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : إن هذا الذى أطلعناك عليه من مخفى أمور هؤلاء اليهود، مما لا يعلمه إلا علماؤهم وأحبارهم، (١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((فلا يؤدى إلا عن اثنين))، وهو لا يستقم بالفاء، إنما يستقيم بالواو كما أثبته . : ٤٥٧ تفسير سورة المائدة : ٦٤ احتجاجاً عليهم لصحة نبوتك، وقطعاً لعذر قائلٍ منهم أن يقول: (( ما جاءنا من بشير ولا نذير)) =: (( ليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً ». يعنى بـ ((الطغيان)): الغلو فى إنكارما قد علموا صحته من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والتمادى فى ذلك = ((وكفراً » ، يقول: ويزيدهم مع غلوُّهم فى إنكار ذلك ، جحود هم عظمة اللّه ووصفهم إياه بغير صفته، بأن ينسبوه إلى البخل ، ويقولوا: ((يد الله مغلولة)). وإنما أعلم تعالى ذكره نبيَّه صلى اللّه عليه وسلم أنهم أهل عتوّ وتمرُّد على ربهم ، وأنهم لا يذعنون لحق" وإن علموا صحته ، ولكنهم بعاندونه، يسلّى بذلك نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم عن الموجدة بهم فى ذهابهم عن اللّه ، وتکذیهم إياه . ٠ ٠ وقد بينت معنى ((الطغيان)) فيما مضى بشواهده، بما أغنى عن إعادته . (١) . .. وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . • ذكر من قال ذلك : ١٢٢٤٩ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : ((ولیزیدن کثیراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً)، حملهم حسدُ محمد صلى الله عليه وسلم والعرب على أن كفروا به ، وهم يجدونه مكتوباً عندهم. ٠ (١) انظر تفسير ((الطغيان)) فيما سلف ١: ٣٠٨، ٥/٣٠٩: ٤١٩. ٤٥٨ تفسير سورة المائدة : ٦٤ القول فى تأويل قوله ﴿ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدُوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيْمَةِ ﴾ قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة )) ، بين اليهود والنصارى ، كما :- ١٢٢٥٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة))، اليهود والنصارى . # فإن قال قائل: وكيف قيل: ((وألقينا بينهم العداوة والبغضاء))، جعلت ((الهاء والميم)) فى قوله: ((بينهم))، كناية عن اليهود والنصارى ، ولم يجر لليهود والنصارى ذكر ؟ قيل: قد جرى لهم ذكر ، وذلك قوله: ﴿لاَ تَتَّخِذُوا أَلْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءِ بَعْض﴾، [سورة المائدة: ٥١]، جرى الخبر فى بعض الآى عن ١٩٦/٦ الفريقين، وفى بعض عن أحدهما، إلى أن انتهى إلى قوله: ((وألقينا بينهم العداوة والبغضاء))، ثم قصد بقوله: ((ألقينا بينهم))، الخبرَ عن الفريقين. # القول فى تأويل قوله (كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَرَاً لِلْحَرْبِ أَطْفَأْهَا اللهُ﴾ قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : كلما جمع أمرهم على شىء فاستقام واستوى، فأرادوا مناهضة من ناوأهم ، شتته الله عليهم وأفسده، لسوء فعالهم وحُبْتٍ نیاتهم ، (١) کالذى :- (١) انظر تفسير ((أوقد)) فيما سلف ١: ٣٢٠، ٦/٣٨٠ : ٢٢٢. ٤٥٩ تفسير سورة المائدة : ٦٤ ١٢٢٥١ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبد الله بن أبى جعفر، عن أبيه، عن الربيع فى قوله: ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِى الْأَرْضِ مَرَّتَيْنٍ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُ،ا بَعَنْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِى بَأْسِ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالِ الدِّيَّرِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولاً. ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة الإسراء: ٤ - ٦]، قال: کان الفساد الأول،فبعث الله عليهم عدوًّا فاستباحوا الديار، واستنكحوا النساء، واستعبدوا الولدان، وخرَّبوا المسجد. فغَبَرُوا زماناً، (١) ثم بعث الله فيهم نبيًّا وعاد أمرهم إلى أحسن ما كان . ثم كان الفساد الثانى بقتلهم الأنبياء، حتى قتلوا يحيى بن زكريا، فبعث الله عليهم بُخْت نصَّر، فقتل من قتل منهم، وسبى من سبى، وخرب المسجد. فكان بخت نصر الفسادَ الثانى = قال: و(( الفساد))، المعصية = ثم قال، ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لَيَسُوهُواوُ جُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ عُدْتَمْ عُدْنَا﴾ [سورة الإسراء: ٧، ٨]. فبعث الله لهم عُزَيْرًا، وقد كان علم التوراة وحفظها فى صدره وكتبها لهم . فقام بها ذلك القرن ، ولبثوا فنسوا. (٢) ومات عزير، وكانت أحداثٌ، ونسوا العهد وبَخَّلوا ربهم، وقالوا: ((يد الله مغلولة غُلَّت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق کیف یشاء))، وقالوا فى عزير: ((إن الله اتخذه ولداً)) ، و کانوا یعیبون ذلك على النصارى فى قولهم فىالمسيح ، فخالفوا ما نهوا عنه، وعملوا بما كانوا يكفِّرون علیه، فسبق من الله كلمة عند ذلك أنهم لن يظهروا على عدوّ آخر الدهر، (٣) فقال: « كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ويسعون فى الأرض فساداً والله لا يحب المفسدين))، فبعث الله عليهم المجوس الثالثةَ أرباباً، (٤) فلم يزالوا كذلك والمجوس (١) فى المطبوعة: ((فغيروا)) بالياء، وهو خطأ. ((غبروا زمانا)): لبثوا زماناً (٢) فى المطبوعة: ((ونسوا))، وأثبت ما فى المخطوطة. (٣) فى المطبوعة والمخطوطة: ((لم يظهروا))، والسياق يقتضى ما أثبت. (٤) فى المطبوعة: ((المجوس الثلاثة أرباباً))، والصواب ما فى المخطوطة، ويعنى وعد الآخرة، وهى المرة الثالثة . ٤٦٠ تفسير سورة المائدة : ٦٤ على رقابهم، وهم يقولون: ((يا ليتنا أدركنا هذا النبى الذى نجده مكتوباً عندنا ، عسى الله أن يفكَّنا به من المجوس. والعذاب الهون))! فبعث محمداً صلى الله عليه وسلم = واسمه ((محمد))، واسمه فى الإنجيل ((أحمد)) = فلما جاءهم وعرفوا، (١). كفروا به، قال: ﴿ فَلَعْنَة اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [سورة البقرة: ٨٩]، وقال : ﴿فَبَاؤُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾، [سورة البقرة: ٩٠].(٢) ١٢٢٥٢ - حدثی المثی قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله))، هم اليهود. ١٢٢٥٣ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : ((كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ويسعون فى الأرض فساداً))، أولئك أعداء الله اليهود، كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله، فلن تلقى اليهود ببلد إلاّ وجدتهم من أذلّ أهله . لقد جاء الإسلام حين جاء ، وهم تحت أيدى المجوس أبغضٍ خلقه إليه . ١٢٢٥٤ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى قوله: ((كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله))، قال: كلما أجمعوا أمرهم على شىء فرَّقه اللّه، وأطفأ حَدَّهم ونارهم، (٣) وقذف فى قلوبهم الرعب . (١) فى المطبوعة: ((فلما جذهم ما عرفوا ... )) كنص آية البقرة: ٨٩، وأثبت ما فى المخطوطة، فهو صواب أيضاً ، لا يريد الآية ، بل أراد معناها . (٢) الأثر: ١٢٢٥١ - هذا الأثر، لم يذكره أبو جعفر فى تفسير آيات ((سورة الإسراء: ٤ - ٨))، فى تفسيره ١٥: ١٧ - ٣٥ (بولاق). وهذا أحد الأدلة على اختصار التفسير . (٣) ((الحد)): البأس والنفاذ. و((حد الظهيرة)»: شدة توقدها.