Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
تفسير سورة المائدة : ٥١
ذكر من قال بما قلنا من التأويل .
٠
١٢١٦١ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرُّؤَاسى ،
عن ابن أبى ليلى ، عن الحكم ، عن سعيد بن جبير قال : سئل ابن عباس عن
ذبائح نصارى العرب، فقرأ: (ومن یتولّهم منكم فإنه منهم )) .(١)
١٢١٦٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس فى هذه الآية :
(( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم
منكم فإنه منهم )) ، إنها فى الذبائح . من دخل فى دين قوم فهو منهم .
١٢١٦٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا حجاج قال ، حدثنا حماد ، عن
عطاء بن السائب ،عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : كلوا من ذبائح بنى تغلب،
وتزوّجوا من نسائهم، فإن الله يقول فى كتابه: (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا
اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم »،ولو لم يكونوا
منهم إلاّ بالولاية لكانوا منهم .
١٢١٦٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حسين بن على ،عن زائدة، عن
هشام قال : كان الحسن لا يرى بذبائح نصارى العرب ولا نكاح نسائهم بأساً ،
وكان يتلو هذه الآية: (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم
أولياء بعض ومن يتولّهم منكم فإنه منهم». (٢)
١٢١٦٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك ، عن
(١) الأثر: ١٢١٦١ - ((حميد بن عبد الرحمن الرؤاسى))؛ ثقة، مضى برقم: ١٧٨،
٨٨٦ ، ٥٣٤٧ .
(٢) الأثر: ١٢١٦٤ - ((حسين بن على بن الوليد الجعنى))، مضى مراراً، منها:
٢٩، ١٧٤، ٤٤١، ٤٤١٥، ٧٢٨٧، ٧٤٩٩، ١١٤٦٣، وكان فى المطبوعة (( حسن
ابن على))، وهو خطأ، وفى المخطوطة غير منقوط .
و((زائدة))، هو: ((زائدة بن قدامة الثقفى))، مضى برقم: ٢٩، ٤٨٩٧، ٧٢٨٧.
ج ١٠ (٢٦)

٤٠٢
تفسير سورة المائدة : ٠٫٥١ ٥٢
١٨٠/٦ هرون بن إبراهيم قال: سئل ابن سيرين عن رجل يبيع داره من نصارى يتخذونها
بيعَةً ، قال: فتلا هذه الآية: ((لا تتَّخذوا اليهود والنصارى أولياء)).
القول فى تأويل قوله ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِنَ) )
قال أبو جعفر : يعنى تعالى ذكره بذلك : إن الله لا يوفِّق من وضع الولاية
فى غير موضعها، فوالى اليهود والنصارى = مع عدواتهم الله ورسوله والمؤمنين = على
المؤمنين، وكان لهم ظهيراً ونصيراً، لأن من تولاهم فهو لله ولرسوله وللمؤمنين حَرْبٌ.
وقد بينا معنى (( الظلم )) فى غير هذا الموضع ، وأنه وضع الشىء فى غير موضعه،
بما أغنى عن إعادته .
#
القول فى تأويل قوله ﴿ فَتَرَى الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضْ يَسْرِعُونَ
فِيهِمْ يَقُولُونَ تَخَْىَ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ ﴾
اختلف أهل التأويل فيمن عنى بهذه الآية .
فقال بعضهم : عنى بها عبد الله بن أبى ابن سلول .
• ذكر من قال ذلك :
١٢١٦٦ -حدثنا أبو کریب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت أبى،
عن عطية بن سعد: (( فتری الذین فی قلوبهم مرض ))، عبدالله بن أبى= ( يسارعون
(١) انظر تفسير ((الظلم)) فيما سلف ١: ٥٢٣، ٥٢٤، ثم سائر فهارس اللغة فى الأجزاء
الماضية .

٤٠٣
تفسير سورة المائدة : ٥٢
فيهم))، فى ولايتهم= ((يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة))، إلى آخر الآية: (( فيصبحوا
على ما أسرُّوا فى أنفسهم نادمين)).
١٢١٦٧ - حدثنا هناد قال ، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا ابن إسحق
قال ، حدثنى والدى إسحق بن يسار، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت:
((فترى الذين فى قلوبهم مرض))، يعنى عبد الله بن أبى = ((يسارعون فيهم يقولون
نخشى أن تصيبنا دائرة))، لقوله: إنى أخشى دائرةً تُصِيبنى! (١)
. .
وقال آخرون: بل عنى بذلك قومٌ من المنافقين كانوا يُناصحون اليهود ويغشون
المؤمنين، ويقولون: ((نخشى أن تكون الدائرة لليهود على المؤمنين))! (٢)
• ذكر من قال ذلك :
١٢١٦٨ -حدثی محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله تعالى ذكره: (( فتری الذین
فى قلوبهم مرض يسارعون فيهم )) ، قال : المنافقون ، فى مصانعة يهود ، ومناجاتهم ،
واسترضاعهم أولاد هم إياهم = وقول الله تعالى ذكره: ((نخشى أن تصيبنا دائرة))،
قال يقول : نخشى أن تكون الدّاثرة لليهود .
١٢١٦٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح ، عن مجاهد ، مثله .
١٢١٧٠ -حدثنا بشر بن معاذ قال،حدثنا یزید بن زريع قال ، حدثنا
سعيد، عن قتادة قوله: ((فترى الذين فى قلوبهم مرض)) إلى قوله: ((نادمين))،
أُناسٌ من المنافقين كانوا يوادُّ ون اليهود ويناصحونهم دون المؤمنين.
١٢١٧١ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال،
(١) الأثر : ١٢١٦٧ - سيرة ابن هشام ٣: ٥٣، مختصراً وهو تابع الأثر السالف
رقم : ١٢١٥٨ ٠
(٢) فى المطبوعة: ((أن تكون دائرة))، وأثبت ما فى المخطوطة.

٤٠٤
تفسير سورة المائدة : ٥٢
حدثنا أسباط، عن السدى: ((فترى الذين فى قلوبهم مرض ))، قال : شك
= ((يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة))، و((الدائرة))، ظهور المشركين عليهم.
٠٠٠
قال أبو جعفر: والصواب من القول فى ذلك عندنا أن يقال : إن ذلك من
الله خبر عن ناس من المنافقين كانوا يوالون اليهود والنصارى ويغشُّون المؤمنين،
ويقولون : نخشى أن تدور دوائر = إما لليهود والنصارى، وإما لأهل الشرك من
عبدة الأوثان ، أو غيرهم = على أهل الإسلام ، أو تنزل بهؤلاء المنافقين نازلةٌ ،
فیکون بنا إليهم حاجة .
وقد يجوز أن یکون ذلك کان من قول عبد الله بن أبى ، ويجوز أن یکون كان
من قول غيره ، غير أنه لاشك أنه من قول المنافقين .
٠٠٠
فتأويل الكلام إذاً: فترى، يا محمد، الذين فى قلوبهم شائٌّ، (١) ومرضُ
إيمانٍ بنبوتك وتصديق ماجئتهم به من عند ربك (٢) = (( يسارعون فيهم)) ، يعنى
فى اليهود والنصارى = ويعنى بمسارعتهم فيهم: مسارعتهم فى مُوالاتهم ومصانعتهم(٣)
= ((يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة))، يقول هؤلاء المنافقون : إنما نسارع فى
موالاة هؤلاء اليهود والنصارى ، خوفًا من دائرة تدور علينا من عدوّنا . (٤)
ويعنى بـ((الدائرة))، الدولة، كما قال الراجز : (٥)
تَرُدُّ عَنْكَ القَدَرَ الَقْدُورَا وَدَائِرَاتِ الدَّهْرِ أَنْ تَدُورًا(٦)
٥
(١) فى المطبوعة: ((فى قلوبهم مرض وشك إيمان))، غير ما فى المخطوطة وهو الصواب
المحض، لأنه يريد: أن المرض قد دخل إيمانهم وتصديقهم، بعد ذكر ((الشك)).
(٢) انظر تفسير ((المرض)) فيما سلف ١: ٢٧٨ - ٢٨١.
(٣) انظر تفسير ((المسارعة)) فيما سلف ٧: ٢٠٧،١٣٠،،٤١٨ / ٣٠١:١٠ وما بعدها.
(٤) انظر تفسير ((الإصابة)) فيما سلف ص: ١٣٩٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٥) هو خميد الأرقط .
(٦) مجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ١٦٩، ولم أجد سائر الرجز.

٤٠٥
تفسير سورة المائدة : ٥٢
يعنى : أن تدول للدهر دولة، فنحتاج إلى نصرتهم إيانا ، فنحن نواليهم لذلك.
فقال الله تعالى ذكره لهم: ((فعسى الله أن يأتى بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا
على ما أسرُّوا فى أنفسهم نادمين )).
٠
القول فى تأويل قوله ﴿فَعَسَى اللهُ أُن
١٨١/٦
أَوْ أَمْر ◌ِمِّنْ
تِى بَالْفَـ
عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىْ مَآ أَسَرُّواْ فِى أَنفُسِهِمْ تَدِمِينَ) )
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((فعسى الله أن يأتى بالفتح أو أمر
من عنده))، فلعل الله أن يأتى بالفتح. (١)
٠ ٠
ثم اختلفوا فى تأويل ((الفتح)) فى هذا الموضع.
فقال بعضهم : عُنى به ههنا ، القضاء.
• ذكر من قال ذلك :
١٢١٧٢ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة: ((فعسى الله أن يأتى بالفتح))، قال: بالقضاء.
٠
#
وقال آخرون : عی به فتح مكة .
ذكر من قال ذلك :
٠
١٢١٧٣ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: (( فعسى الله أن يأتى بالفتح))، قال: فتح مكة.
٠٠٠
(( الفتح)» فى، كلام العرب، هو القضاء، كما قال قتادة ، ومنه قول الله تعالى
(١) انظر تفسير ((عسى)) فيما سلف ٤: ٨/٢٩٨ : ٥٧٩.

٤٠٦
تفسير سورة المائدة : ٥٢
ذكره: ﴿رَبَّنَا أَفْتَحْ بَيْذَنَ وَبَيْنَ قَوْمِنَاَ بِالْحَقِّ﴾ [سورة الأعراف: ٨٩].
وقد يجوز أن يكون ذلك القضاء الذى وعدَ الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم
بقوله: ((فعسى الله أن يأتى بالفتح)) فتح، مكة، لأن ذلك كان من عظيم قضاءٍ
اللّه، وفَصْل حُكمه بين أهل الإيمان والكفر، ومقرّراً عند أهل الكفر والنفاق، (١)
أن الله معلی کلمته وموهن کید الکافرین. (٢)
وأما قوله: (( أو أمر من عنده))، فإن السدى كان يقول فى ذلك ، ما : -
١٢١٧٤ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((أو أمر من عنده))، قال: ((الأمر))، الجزية .
*
وقد يحتمل أن يكون ((الأمر)) الذى وعد الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم
أن يأتى به هو الجزية ، ويحتمل أن يكون غيرها . (٣) غير أنه أىّ ذلك كان،
فهو مما فيه إدالة المؤمنين على أهل الكفر بالله وبرسوله، ومما يسوء المنافقين ولا يسرُّهم.
وذلك أن الله تعالى ذكره قد أخبر عنهم أنّ ذلك الأمر إذا جاء ، أصبحوا على
ما أسرُّوا فى أنفسهم نادمين .
*
#
وأما قوله: ((فيصبحوا على ما أسرُّوا فى أنفسهم نادمين))، فإنه يعنى هؤلاء
المنافقين الذين كانوا يوالون اليهود والنصارى . يقول تعالى ذكره : لعل الله أن يأتى
بأمرٍ من عنده يُديل به المؤمنين على الكافرين من اليهود والنصارى وغيرهم من أهل
الكفر ، فيصبح هؤلاء المنافقون على ما أسرُّوا فى أنفسهم من محالّة اليهود والنصارى
ومودّهم، وبغْضَة المؤمنين ومُحَادّبهم، ((نادمين))، كما : -
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((ويقرر))، وكأن الصواب ما أثبت.
(٢) انظر تفسير ((الفتح)) فيما سلف ٢: ٢٥٤، ٩/٣٣٢: ٣٢٣، ٣٢٤.
(٣) فى المخطوطة: ((أن يكون إلى غيرها))، وكأنه خطأ من الناسخ.

٤٠٧
تفسير سورة المائدة : ٥٢ ، ٥٣
١٢١٧٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
(((فيصبحوا على ما أسروا فى أنفسهم نادمين))، من موادّتهم اليهود، ومن غِشُهم
للإسلام وأهله .
القول فى تأويل قوله ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُوا أَهَنَوَّلَاءِ الَّذِينَ
أَفْسَمُوا بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَئِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَأَصْبَحُواْ
خَسِرِينَ) )
قال أبو جعفر: اختلفت القرأة فى قراءة قوله: ((ويقول الذين آمنوا)).
فقرأتها قرأة أهل المدينة: ﴿فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُوا فِى أَنْفُسِهِمْ نَدِمِينَ.
يَقُولُ اُلَّذِينَ آمَنُوا أَهْوُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ﴾، بغير ((واو)).
٥
وتأويل الكلام على هذه القراءة: فيصبح المنافقون، إذا أتى اللّه بالفتح أو أمرٍ من
عنده، على ما أسروا فى أنفسهم نادمين ، يقول المؤمنون تعجُباً منهم ومن نفاقهم
وكذبهم واجترائهم على الله فى أيمانهم الكاذبة باللّه: أهؤلاء الذين أقسمُوا لنا باللّه
إنهم لمعنا ، وهم كاذبون فى أيمانهم لنا ؟ وهذا المعنى قصد مجاهد فى تأويله ذلك،
الذى : -
١٢١٧٦ -حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسین قال، حدثی حجاج ، عن
ابن جريج، عن مجاهد: ((فعسى الله أن يأتى بالفتح أو أمر من عنده ))، حينئذ،
((يقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم
فأصبحوا خاسرين)).

٤٠٨
تفسير سورة المائدة : ٥٣
وكذلك ذلك فى مصاحف أهل المدينة بغير ((واو)). (١)
٠٠
وقرأ ذلك بعض البصريين: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا)، بالواو، ونصب ((يقول))
عطفاً به على ((فعسى الله أن يأتى بالفتح)). وذكر قارئ ذلك أنه كان يقول :
إنما أريد بذلك : فعسى الله أن يأتى بالفتح، وعسى أن يقول الذين آمنوا =
ومحالٌ غير ذلك، لأنه لا يجوز أن يقال: ((وعسى الله أن يقول الذين آمنوا))،
وكان يقول: ذلك نحو قولهم: ((أكلت خبزاً ولبناً))، كقول الشاعر:
وَرَأَيْتِ زَوْجَكِ فِى الوَغَى مُتَقَلِّدًا سَيْفَ وَرُمَا (٢)
فتأويل الكلام على هذه القراءة: فعسى الله أن يأتى بالفتح المؤمنين ، أو أمر
من عنده يُديلهم به على أهل الكفر من أعدائهم ، فيصبح المنافقون على ما أسرُّوا
فى أنفسهم نادمين= وعسى أن يقول الذين آمنوا حينئذ : أهؤلاء الذين أقسموا بالله
كذباً جهدَ أيمانهم إنهم لمعكم ؟
١٨٢/٦
وهى فى مصاحف أهل العراق بالواو : ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾
وقرأ ذلك قرأة الكوفيين ﴿ وَيَقُولُ الذِينَ آمَنُوا﴾ بالواو، ورفع ((يقول))،
بالاستقبال والسلامة من الجوازم والنواصب.
...
وتأويل من قرأ ذلك كذلك : فيصبحوا على ما أسروا فى أنفسهم يندمون ،
ويقول الذين آمنوا = فيبتدئ ((يقول)) فيرفعها .
قال أبو جعفر: وقراءتنا التى نحن عليها ﴿وَيَقُولُ) بإثبات ((الواو)) فى
(١) انظر معانى القرآن الفراء ١ : ٣١٣.
(٢) مضى تخريجه فى ١: ١٤٠، ٦/٢٩٥ : ٤٢٣.
.----

٤٠٩
تفسير سورة المائدة : ٥٣ ، ٥٤
((ويقول))، لأنها، كذلك هى فى مصاحفنا مصاحف أهل المشرق ، بالواو، وبرفع
((يقول)) على الابتداء .
فتأويل الكلام = إذْ كانت القراءة عندنا على ما وصفنا (١) = : فيصبحوا
على ما أسرُّوا فى أنفسهم نادمين، ويقولُ المؤمنون: أهؤلاء الذین حلفوا لنا بالله جهد
أيمانهم كذباً إنهم لمعنا؟
#
يقول الله تعالى ذكره ، مخبراً عن حالهم عنده بنفاقهم وخبث أعمالهم = (( حبطت
أعمالهم))، يقول: ذهبت أعمالهم التى عملوها فى الدنيا باطلاً لا ثواب لها ولا أجر ،
لأنهم عملوها على غير يقين منهم بأنها عليهم اللّه فرضٌ واجب، ولا على صحّة إيمان
بالله ورسوله، وإنما كانوا يعملونها ليدفعوا المؤمنين بها عن أنفسهم وأموالهم وذراريهم ،
فأحبط اللّه أجرَها، إذ لم تكن له (٢) = ((فأصبحوا خاسرين))، يقول: فأصبح
هؤلاء المنافقون، عند مجىء أمر الله بإدالة المؤمنين على أهل الكفر، قد وُكِسوا فى
شرائهم الدنيا بالآخرة ، وخابت صفقتهم، وهلكوا. (٣)
القول فى تأويل قوله ﴿ يَأَيّا الّذِينَ ءامَنُواْ مَن يَرْقَدْ مِنْكُمْ
عَنْ دِيِنِهِ فَسَوْفَ يَأْتِىِ اللهُ بِقِوْمٍ يُحِبُهُمْ وَيُحِبُّونَهُ,﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين بالله وبرسوله: (( يا أيها الذين
آمنوا)»، أى: صدّقوا الله ورسوله، وأقرُّوا بما جاءهم به نبيُهم محمد صلى الله عليه
وسلم = (( من يرتد منكم من دينه))، يقول: من يرجع منكم عن دينه الحق الذى
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((إذا كان القراءة))، والجيد ما أثبت.
(٢) انظر تفسير ((حبط)) فيما سلف ٩: ٥٩٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير ((خسر)) فيما سلف ص: ٢٢٤، تعليق: ١، والمراجع هناك.

٤١٠
تفسير سورة المائدة : ٥٤
هو عليه اليوم ، فيبدِّلُه ويغيره بدخوله فى الكفر ، إما فى اليهودية أو النصرانية أو
غير ذلك من صنوف الكفر ، (١) فلن يضر الله شيئاً، وسيأتى الله بقوم يحبهم
ويحبونه ، يقول: فسوف يجىء اللّه بدلاً منهم، المؤمنين الذين لم يبدِّلوا ولم يغيروا
ولم يرتدوا ، بقومٍ خير من الذين ارتدُّوا وابدَّلوا دينهم، يحيهم الله ويحبون الله. (٢)
وكان هذا الوعيد من الله لمن سبق فى علمه أنه سيرتدُّ بعد وفاة نبيه محمد صلى
اللّه عليه وسلم. وكذلك وعدُهُ من وعدَ من المؤمنين ما وعدَه فى هذه الآية ، لمن
سبق له فى علمه أنه لا يبدّل ولا يغير دينه، ولا يرتدّ. فلما قَبَض اللّه نبيَّه صلى
اللّه عليه وسلم، ارتدّ أقوام من أهل الوبَرِ، وبعضُ أهل المَدَر، فأبدل الله المؤمنين
بخير منهم كما قال تعالى ذكره، ووفى للمؤمنين بوعده ، وأنفذ فيمن ارتدَّ منهم
وعيده .
.. .
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
. ذكر من قال ذلك ::
١٢١٧٧ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرنى عبد الله بن
عياش ، عن أبى صخر ، عن محمد بن كعب : أن عمر بن عبد العزيز أرسل إليه
يوماً ، وعمر أمير المدينة يومئذ ، فقال : يا أبا حمزة ، آية أسهرتنى البارحة ! قال
محمدٌ: وما هى، أيها الأمير؟ قال: قول الله ((يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم
عن دينه)) حتى بلغ ((ولا يخافون لومة لائم)). فقال محمد: أيها الأمير ، إنما عنى
اللّه بالذين آمنوا، الولاةَ من قريش، من يرتدَّ عن الحق. (٣)
(١) انظر تفسير ((ارتد)) فيما سلف ص: ١٧٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) سياق هذه العبارة: ((فسوف يجى الله ... المؤمنين ... بقوم ... )).
(٣) الأثر: ١٢١٧٧ - ((عبد الله بن عياش بن عباس القتبانى))، ليس بالمتين، وهو
ثقة . مترجم فى التهذيب .

٤١١
تفسير سورة المائدة : ٥٤
ثم اختلف أهل التأويل فى أعيان القوم الذين أتى الله بهم المؤمنين، وأبدل
المؤمنين مكانَ من ارتدَّ منهم .
فقال بعضهم : هو أبو بكر الصديق وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة حتى
أدخلوهم من الباب الذى خرجوا منه .
• ذكر من قال ذلك :
١٢١٧٨ - حدثنا هناد بن السرى قال، حدثنا حفص بن غياث ، عن
الفضل بن دلهم، عن الحسن فى قوله: (( يا أيها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن
دينه فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه))، قال: هذا والله أبو بكر وأصحابه.(١)
١٢١٧٩ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبى ، عن الفضل بن دلهم ،
عن الحسن ، مثله .
١٢١٨٠ - حدثنا هناد قال، حدثنا عبدة بن سليمان ، عن جويبر، عن
سهل، عن الحسن فى قوله: ((فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه))، قال :
أبو بكر وأصحابه .
١٢١٨١ -حدثنا ابن وکیغ قال، حدثنا حسین بن على، عن أبی موسی
قال: قرأ الحسن: ((فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه))، قال: هى والله لأبى
بكر وأصحابه . (٢).
١٨٣/٦
١٢١٨٢ - حدثنى نصر بن عبد الرحمن الأزدى قال، حدثنا أحمد بن بشير،
و((أبو صخر)) هو ((حميد بن زياد الخراط))، مضى مراراً، منها برقم: ٤٢٨٠، ٤٣٢٥،
٥٣٨٦، ٨٣٩١، ١١٨٦٧ ، ١١٨٩١ .
ثم انظر الأثر التالى برقم : ١٢١٩٩ .
(١) الأثر: ١٢١٧٨ - ((الفضل بن دلهم الواسطى القصاب)). مختلف فى أمره. مضى
برقم : ٤٩٢٨ .
(٢) الأثر: ١٢١٨١ - ((حسين بن على بن الوليد الجعنى))، مضى قريباً: ١٢١٦٤.
و((أبو موسى)»، هو: ((إسرائيل بن موسى البصرى))، نزيل الهند . روى عن الحسن
البصرى . ثقة لا بأس به . مترجم فى التهذيب .

٤١٢
تفسير سورة المائدة : ٥٤
عن هشام، عن الحسن فى قوله: ((فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه))، قال :
نزلت فى أبى بكر وأصحابه .(١)
١٢١٨٣ -حدثی علی بن سعيد بن مسروق الکندی قال، حدثنا عبدالرحمن
ابن محمد المحاربى، عن جويبر، عن الضحاك فى قوله: ((فسوف يأتى الله بقوم
يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون فى سبيل الله ولا يخافون
لومة لائم ))، قال: هو أبو بكر وأصحابه . لما ارتد من ارتدَّ من العرب عن
الإسلام، جاهدهم أبو بكر وأصحابه حتى ردّهم إلى الإسلام .
١٢١٨٤ - حدثنابشر قال، حدثنا یزید بن زريع قال، حدثنا سعيد ،عن
قتادة: (( من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه))، إلى قوله:
((والله واسع عليم))، أنزل اللّه هذه الآية وقد علم أن سيرتدُ مرتدُّون من الناس،
فلما قبض اللّه نبيَّه محمداً صلى الله عليه وسلم، ارتدّ عامة العرب عن الإسلام = إلا
ثلاثة مساجد : أهل المدينة ، وأهل مكة ، وأهل البحرين من عبد القيس = قالوا:
نصلى ولا نزَكِّى، والله لا تُغصب أموالنا! (٢) فكُلِّم أبوبكر فى ذلك فقيل له :
إنهم لو قد فُقِّهوا لهذا أعطوها = أو: أدّوها = (٣) فقال: لا والله، لا أفرق بين
شىء جمع الله بينه، ولو منعوا عقالاً مما فرضَ الله ورسوله لقاتلناهم عليه! (٤)
(١) الأثر: ١٢١٨٢ - ((نصر بن عبد الرحمن الأزدى))، هكذا جاء هنا أيضاً فى المخطوطة
والمطبوعة: ((الأودى))، وقد سلف أن تكلم عليه أخى السيد أحمد، وصححه ((الأزدى)) كما أثبته
هنا، ولكنى فى شك من تصحيح ذلك كذلك، لكثرة إثباته فى التفسير فى كل مكان («الأودى)»
انظر ما سلف : ٤٢٣، ٨٧٥، ٢٨٥٩، ٨٧٨٣.
و((أحمد بن بشير القرشى المخزومى))، أبو بكر الكوفى. مضى برقم : ٧٨١٩.
و ((هشام)) هو: ((هشام بن عروة بن الزبير بن العوام))، مضى برقم: ٢٨٨٩، ٨٤٦١.
(٢) القائلون: ((نصلى ولا نزكى))، هم الذين ارتدوا من عامة العرب.
(٣) فى المطبوعة: ((أعطوها أو زادوها))، وهو تخليط فاحش، وصوابه من المخطوطة وقوله:
((أو: أدوها))، كأنه قال: روى بدل ((أعطوها))، ((أدوها)). و((الهاء)) فيهما راجعة إلى
(الزكاة)) التى منعوها.
(٤) ((العقال)) (بكسر العين): زكاة عام من الإبل والغنم. يقال: ((أخذ منهم عقال

٤١٣
تفسير سورة المائدة : ٥٤
فبعث اللّه عصابة مع أبى بكر، فقاتل على ما قاتل عليه نبيّ اللّه صلى اللّه عليه
وسلم ، حتى سبىَ وقتل وحرق بالنيران أناساً ارتدّوا عن الإسلام ومنعوا الزكاة ،
فقاتلهم حتى أقرّوا بالماعون = وهى الزكاة - صَغرةً أقمياء. (١) فأتته وفود العرب ،
فخيَّهم بين خُطَّة مخزية أو حرب ◌ُجْلية . فاختاروا الخطة المخزية ، وكانت أهون
عليهم أن يقرُّوا: أن قتلاهم فى النار، وأن قتلى المؤمنين فى الجنة، (٢) وأن ما أصابوا
من المسلمين من مال ردّوه عليهم، وما أصاب المسلمون لهم من مال فهو لهم حلال .
١٢١٨٥ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسین قال، حدثنى حجاج، عن
ابن جريج قوله: (( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتى الله
بقوم يحبهم ويحبونه)) ، قال ابن جريج: ارتدوا حين توفى رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، فقاتلهم أبو بكر.
١٢١٨٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبد الله بن هشام
هذا العام))، أى زكاته وصدقته . وقد فسره آخرون بأنه الحبل الذى كان تعقل به الفريضة التى
كانت تؤخذ فى الصدقة . وذلك أنه كان على صاحب الإبل أن يؤدى مع كل فريضة عقالا تعقل به ،
و((رواء)) أى: حبلا. ويروى الخبر ((لو منعونى عناقاً)). و((العناق)): الأنثى من أولاد
المعز ، إذا أتت عليها سنة .
(١) ((صغرة)) جمع ((صاغر)): وهو الراضى بالذل والضيم، و((أقمياء)) جمع ((قمىء)):
وهو الذليل الضارع المتضائل. والذى فى كتب اللغة من جمع ((قمىء)) ((قا.)) (بكسر القاف)
و ((قماء)) (بضمها). وقد مر فى الأثر رقم: ٤٢٢١ ((قمأة)) فى المخطوطة، وانظر التعليق عليه
هناك. و ((أقمياء)) جمع عزيز هنا، فإن ((فعيلا)) الصفة، يجمع قياساً على ((أفعلاء))، إذا
كان مضاعفاً، مثل ((شديد)) و((أشداء))، وكذلك إذا كان ناقصاً واوياً أو يائياً، نحو ((غنى))
و((أغنياء))، و((شق)) و((أشقياء)). أما الصحيح، فقليل جمعه على ((أفعلاء))، مثل ((صديق))
و ((أصدقاء)). فإذا صحت رواية ((أقمياء)) فى هذا الخبر، فهو صحيح فى العربية إن شاء الله،
لهذه العلة ولغيرها أيضاً .
(٢) فى المطبوعة: ((أن يستعدوا أن قتلاهم فى النار))، وفى المخطوطة مثلها غير منقوطة،
ولم أجد لها تحريفاً أقرب مما أثبت ، استظهرته من الخبر الذى رواه الشعبى ، عن ابن مسعود وهو :
قوله: ((فوالله ما رضى لهم إلا بالخطة المخزية، أو الحرب المجلية. فأما الخطة المخزية فأن أقروا بأن
من قتل منهم فى النار ، وأن ما أخذوا من أموالنا مردود علينا . وأما الحرب المجلية ، فأن يخرجوا
من ديارهم» ( فتوح البلدان البلاذرى : ١٠١).

٤١٤
تفسير سورة المائدة : ٥٤
قال، أخبرنا سيف بنعمر ، عن أبىروق، عن الضحاك ، عن أبى أيوب، عن
على فى قوله: (( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه))، قال: عليم اللّه المؤمنين،
ووقع معنى السوء على الحَشْو الذى فيهم من المنافقين ومن فى علمه أن يرتدُّوا، (١)
قال: ((يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتى اللّه))، المرتدَّة فى
دورهم(٢) = ((بقوم يحبهم ويحبونه))، بأبى بكر وأصحابه. (٣)
*
وقال آخرون : يعنى بذلك قوماً من أهل اليمن . وقال بعض من قال ذلك
منهم : هم رهط أبى موسى الأشعرى ، عبد الله بن قيس . (٤)
ذكر من قال ذلك .
١٢١٨٨ -حدثنا محمد بن المثی قال، حدثنا محمد بن جعفر قال،حدثنا
شعبة ، عن سماك بن حرب، عن عياض الأشعرى قال : لما نزلت هذه الآية ،
((يا أيها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه))،
(١) فى المطبوعة: ((وأوقع معنى السوء))، وأثبت ما فى المخطوطة، وأنا فى شك من العبارة
كلها ، وإن كان لها وجه ومعنى .
(٢) فى المطبوعة: ((المرتدة عن دينهم))، وفى المخطوطة: ((فى دينهم))، والصواب ما أثبته
من الأثر التالى رقم : ١٢٢٠١ .
(٣) الأثر: ١٢١٨٦ - فى المطبوعة: ((سيف بن عمرو))، وهو خطأ، صوابه
ما أثبت من المخطوطة. وقد مضى مثل هذا الأثر برقم: ١٢١٢٨ وفيه ((عبد اللّه بن هشام)). وقد
ذكرت هنالك أنى لم أعرفه . وسقط من الترقيم ؛ رقم : ١٢١٨٧ سهواً .
(٤) عن هذا الموضع، انتهى جزء من تقسيم قديم ، وفى المخطوطة ما نصه :
« يتلوه : ذكر من قال ذلك .
وصلّى الله على محمد)».
ثم يتلوه ما نصه :
((بسم الله الرحمن الرحيم
رَبِّ يَسِّرْ برحمتك)).

٤١٥
تفسير سورة المائدة : ٥٤
قال: أومأ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبى موسى بشىء كان معه، فقال:
هم قومُ هذا !
١٢١٨٩ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا أبو الوليد قال، حدثنا شعبة ،
عن سماك بن حرب، قال : سمعت عياضاً بحدّث عن أبى موسى : أن النبى صلى
الله عليه وسلم قرأ هذه الآية: ((فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه))، قال:
یعنی قوم أبى موسى .
١٢١٩٠ - حدثنى أبو السائب سلم بن جنادة قال، حدثنا ابن إدريس ،
عن شعبة = قال أبو السائب: قال أصحابنا: هو: ((عن سماك بن حرب)) ،
وأنا لا أحفظ ((سماكاً)) = عن عياض الأشعرىّ، قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : هم قوم هذا = يعنى أبا موسى .
١٢١٩١ - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا ابن إدريس، عن شعبة ،
عن سماك ، عن عياض الأشعرى، قال النبى صلى الله عليه وسلم لأبى موسى :
هم قوم هذا = فى قوله: ((فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه)) .
١٢١٩٢ - حدثنا مجاهد بن موسى قال، حدثنا يزيد قال ، أخبرنا شعبة ،
عن سماك بن حرب قال: سمعت عياضاً الأشعرى يقول: لما نزلت: ((فسوف ١٨٤/٦
يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه))، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هم قومت
يا أبا موسى ! = أو قال: هم قوم هذا = يعنى أبا موسى.(١)
(١) الآثار: ١٢١٨٨ - ١٢١٩٢ - ((عياض الأشعرى))، هو ((عياض بن عمرو
الأشعرى))، تابعى، مختلف فى صحبته، روى عن النبى صلى الله عليه وسلم مرسلا. رأى أبا عبيدة
ابن الجراح، وعمر بن الخطاب، وأبا موسى الأشعرى، وغيرهم. قال ابن سعد ٦: ١٠٤: ((كان
قليل الحديث)). روى عنه الشعبى ، وسماك بن حرب . مترجم فى التهذيب ، وأسد الغابة، والإصابة،
والاستيعاب: ٤٩٨، والكبير للبخارى ١٩/١/٤.
وهذا الخبر رواه ابن سعد فى الطبقات ٤ / ١/ ٧٩، من طريق عبد الله بن إدريس ، وعفان
ابن مسهم، عن شعبة، عن سماك، عن عياض. والحاكم فى المستدرك ٢ : ٣١٣، من طريق وهب
ابن جرير، وسعيد بن عامر، عن شعبة، عن سماك، عن عياض، وقال: «هذا حديث صحيح

٤١٦
تفسير سورة المائدة : ٥٤
١٢١٩٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو سفيان الحميرى، عن حصين،
عن عياض = أو: ابن عياض = ((فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه))، قال:
قال : هم أهل اليمن . (١)
١٢١٩٤ - حدثنا محمد بن عوف قال، حدثنا أبو المغيرة قال ، حدثنا
صفوان قال، حدثنا عبد الرحمن بن جبير، عن شريح بن عبيد قال: لما أنزل الله:
((يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه)) إلى آخر الآية، قال عمر : أنا وقومى
هم، يا رسول الله؟ قال: لا، بل هذا وقومه ! = يعنى أبا موسى الأشعرى. (٢)
#
على شرط مسلم، ولم يخرجاه))، ووافقه الذهبي. وخرجه الهيثمى فى مجمع الزوائد ٧ : ١٦، وقال:
((رواه الطبرانى، ورجاله رجال الصحيح)). وخرجه السيوطى فى الدر المنثور ٢: ٢٩٢، وزاد
نسبته لابن أبى شيبة فى مسنده ، وعبد بن حميد ، والحكيم الترمذى ، وابن المنذر ، وابن أبى حاتم ،
وأبى الشيخ، وابن مردويه، والبيهقى فى الدلائل. وذكره ابن كثير فى تفسيره ٣: ١٧٩، ١٨٠،
عن ابن أبى حاتم ، عن عمر بن شبة ، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن شعبة .
(١) الأثر: ١٢١٩٣ - ((أبو سفيان الحميرى))، هو ((سعيد بن يحيى بن مهدى الحميرى))
الحذاء، الواسطى. صدوق، وقال الدارقطنى: ((متوسط الحال ليس بالقوى)). مترجم فى التهذيب ،
والكبير للبخارى ٤٧٧/١/٢، وابن أبى حاتم ٧٤/١/٢.
و((حصين)) هو («حصين بن عبد الرحمن السلمى))، ثقة، من كبار الأئمة . مضى برقم:
٥٧٩، ٢٩٨٦ .
و((عياض)) هو الأشعرى، كما سلف فى الآثار السابقة. وأما ((ابن عياض))، فلم أجد
من ذكر ذلك ، وكأنه شك من أبى سفيان الحميرى ، أو سفيان بن وكيع .
وانظر تخريج الآثار السالفة .
(٢) الأثر: ١٢١٩٤ - ((محمد بن عوف بن سفيان الطائى))، شيخ الطبرى، ثقة حافظ،
مضى برقم : ٥٤٤٥ .
و ((أبو المغيرة)) هو: ((عبد القدوس بن الحجاج الخولانى))، ((أبو المغيرة الحمصى))
ثقة ، صدوق . مضى برقم : ١٠٣٧١ .
و ((صفوان))، هو: ((صفوان بن عمرو بن هرم السكسكى))، سمع عبد الرحمن بن جبير،
مضى برقم: ٧٠٠٩. وهو مترجم فى التهذيب، والكبير البخارى ٣٠٩/٢/٢، وابن أبي حاتم
٤٢٢/١/٢، وفى ترجمته فى التهذيب خطأ بين، ذكر أنه مات سنة (١٠٠) والصواب سنة
(١٥٥)، كما فى التاريخ الكبير وغيره.
و ((عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمى))، تابعى ثقة. مضى برقم: ١٨٧،١٨٦.
و ((شريح بن عبيد بن شريح الحضرى)) تابعى ثقة، مضى برقم: ٥٤٤٥. و «صفوان
ابن عمرو)» يروى عن شريح مباشرة، ولكنه روى هنا عنه بواسطة ((عبد الرحمن بن جبير)).

٤١٧
تفسير سورة المائدة : ٥٤
إوقال آخرون منهم : بل هم أهل اليمن جميعاً .
• ذكر من قال ذلك :
١٢١٩٥ -حدثی محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((يحبهم ويحبونه))، قال:
أناسٌ من أهل اليمن .
١٢١٩٦ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن
ابن أبی نجیح ، عن مجاهد ، مثله .
١٢١٩٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن إدريس، عن ليث ، عن
مجاهد قال : هم قوم سبأ .
١٢١٩٨ - حدثنا مطر بن محمد الضبى قال، حدثنا أبو داود قال، أخبرنا
شعبة قال ، أخبرنى من سمع شهر بن حوشب قال : هم أهل اليمن . (١)
١٢١٩٩ -حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، أخبرنى عبد الله بن
عياش ، عن أبى صخر ، عن محمد بن كعب القرظى : أن عمر بن عبد العزيز
أرسل إليه يوماً ، وهو أمير المدينة، يسأله عن ذلك: فقال محمد: ((يأتى الله بقوم))،
وهم أهل اليمن ! قال عمر: يا ليتنى منهم ! قال : آمين! (٢)
وقال آخرون : هم أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* ذكر من قال ذلك :
١٢٢٠٠ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال،
وهذا الأثر خرجه السيوطى فى الدر المنثور ٢ : ٢٩٢، ولم ينسبه لغير ابن جرير .
(١) الأثر: ١٢١٩٨ - ((مطر بن محمد الضبى))، شيخ الطبرى، لم أجد له ترجمة
ولا ذكراً. وفيمن اسمه ((مطر)): ((مطر بن محمد بن نصر التميمى الهروى))، مترجم فى تاريخ
بغداد ٣: ٢٧٥. و((مطر بن محمد بن الضحاك السكرى))، يروى عن يزيد بن هارون . مترجم
فى لسان الميزان ٦: ٤٩. ولا أظنه أحدهما، وأخشى أن يكون دخل اسمه بعض التحريف.
(٢) الأثر: ١٢١٩٩ - انظر الأثر السالف رقم: ١٢١٧٧، والتعليق عليه .
ج ١٠ (٢٧)

٤١٨
تفسير سورة المائدة : ٥٤
حدثنا أسباط ، عن السدى: (( يا أيها الذين آمنوا من يرتدَّ منكم عن دينه فسوف
يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه ))، يزعم أنهم الأنصار.
٠
وتأويل الآية على قول من قال: عنى الله بقوله: ((فسوف يأتى الله بقوم
يحبهم ويحبونه))، أبا بكر وأصحابه فى قتالهم أهل الرِّدَّة بعد رسول الله صلى الله عليه
وسلم =: يا أيها الذين آمنوا، من يرتدَّ منكم عن دينه فلن يضر الله شيئاً، وسيأتى
اللّه من ارتد منكم عن دينه بقوم يحبهم ويحبونه ، ينتقم بهم منهم على أيديهم.
وبذلك جاء الخبر والرواية عن بعض من تأول ذلك كذلك :
١٢٢٠١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الله بن هشام
قال، أخبرنا سيف بن عمر ، عن أبى روق، عن أبى أيوب ، عن على فى قوله :
((يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتى الله بقوم يحبهم))، قال
يقول: فسوف يأتى اللّه المرتدَّةَ فى دورهم (١) = ((بقوم يحبهم ويحبونه))، بأبى
بكر وأصحابه . (٢)
٠ ٠
وأما على قول من قال : عنى الله بذلك أهل اليمن ، فإن تأويله : يا أيها
الذين آمنوا، من يرتد منكم عن دينه، فسوف يأتى الله المؤمنين الذين لم يرتدوا، بقوم
يحبهم ويحبونه ، أعواناً لهم وأنصاراً. وبذلك جاءت الرواية عن بعض من كان
يتأول ذلك كذلك .
١٢٢٠٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية بن صالح، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس: (( يا أيها الذين
(١) قوله: ((فى دورهم))، هو الصواب، وقد كان فى المخطوطة والمطبوعة، فى الأثر السالف
رقم: ١٢١٨٦ ((فى دينهم)) و ((عن دينهم))، والصواب هو الذى هنا. انظر التعليق السالف
ص : ٤١٤ تعليق : ٢ .
(٢) الأثر : ١٠٢٠١ - هو بعض الأثر السالف رقم :
الموضع أيضاً ((سيف بن عمرو))، وهو خطأ، كما بينته هناك.
١٢١٨٦، وكان فى هذا

٤١٩
تفسير سورة المائدة : ٥٤
آمنوا من يرتد منكم عن دينه )) الآية، وعيدٌ من اللّه أنه من ارتدّ منكم، أنه
سيستبدل خيراً منهم .
#
وأما على قول من قال : عنى بذلك الأنصار ، فإن تأويله فى ذلك نظير تأويل
من تأوَّله أنه عُنِى به أبو بكر وأصحابه .
...
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال فى ذلك عندنا بالصواب ، ما رُوى به الخبر
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنهم أهل اليمن ، قوم أبى موسى الأشعرى.
ولولا الخبر الذى روى فى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخبر الذی روی
عنه، ما كان القول عندى فى ذلك إلاّ قول من قال: ((هم أبو بكر وأصحابه)) .
وذلك أنه لم يقاتل قوماً كانوا أظهروا الإسلام على عهد رسول الله صلى الله عليه
وسلم ثم ارتدوا على أعقابهم كفاراً ، غير أبى بكر ومن كان معه ممن قاتل أهل الردة
معه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكنا تركنا القول فى ذلك للخبر الذى رُوُى
فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنْ كان صلى الله عليه وسلم مَعْدِن البيان
عن تأويل ما أنزل الله من وحیه وآی كتابه. (١)
١٨٥/٦
٠ ٠
فإن قال لنا قائل : فإن كان القومُ الذين ذكر الله أنه سيأتى بهم = عند
ارتداد من ارتد عن دينه ، ممن كان قد أسلم على عهد رسول الله صلى الله عليه
وسلم = هم أهل اليمن، فهل كان أهل اليمن أيام قتال أبى بكر رضى الله عنه أهل الردة
أعوان أبى بكر على قتالهم، فتستجيز أن توجُّه تأويل الآية إلى ما وجَّهت إليه ؟ (٢)
(١) ((المعدن)) (بفتح الميم، وسكون العين، وكسر الدال): مكان كل شىء يكون فيه
أصله ومبدؤه، ومنه قيل: ((معدن الذهب والفضة))، وهو الذى نسميه اليوم ((المنجم))، حيث
أنبت الله سبحانه وتعالى جوهرهما، وأثبتهما فيه. ومنه فى المجاز، ما جاء فى الخبر: ((فعن معادن العرب
تسألونى؟ قالوا: نعم)) يعنى: أصولها التى ينسبون إليها ، ويتفاخرون بها.
(٢) فى المطبوعة: ((حتى تستجيز))، وفى المخطوطة: ((تستجير)) بغير ((حتى))، فآثرت
قرامتها كما أثبتها .

٤٢٠
تفسير سورة المائدة : ٥٤
أم لم يكونوا أعواناً له عليهم ، فكيف استجزت أن توجه تأويل الآية إلى ذلك،
وقد علمت أنه لا خُلْفَ لوعد اللّه ؟
قيل له: إن الله تعالی ذکره لم يعد المؤمنین أن یبدلهم بالمرتدِین منهم يومئذ،
خيراً من المرتدين لقتال المرتدين، وإنما أخبر أنه سيأتيهم بخيرٍ منهم بدلاً منهم ،
فقد فعل ذلك بهم قريباً غير بعيد، (١) فجاء بهم على عهد عمر ، فكان موقعهم
من الإسلام وأهله أحسن موقع، وكانوا أعوان أهل الإسلام ، وأنفع لهم ممن كان
ارتدَّ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من طَغَام الأعراب وجُفاة أهل البوادى
الذين كانوا على أهل الإسلام كلاً لا نفعاً ؟(٢)
قال أبو جعفر: واختلفت القرأة فى قراءة قوله: ((يا أيها الذين آمنوا من
یرتد منکم عن دينه» .
فقرأته قرأة أهل المدينة: ﴿يَا أَيُّها الّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ}،
بإظهار التضعيف، بدالين، مجزومةً ((الدال)) الآخرة . وكذلك ذلك فى
مصاحفهم .
٠
وأما قرأة أهل العراق، فإنهم قرأوا ذلك: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾،
بالإدغام، بدال واحدة، وتحريكها إلى الفتح، بناء على التثنية، لأن المجزوم الذى يظهر
تضعيفه فى الواحد، إذا ثنىّ أدغم. ويقال للواحد: ((اردُد" يا فلان إلى فلان حقه ))،
فإذا ثنى قيل: ((ردًّا إليه حقه))، ولا يقال: ((ارددا))، وكذلك فى الجمع :
((ردّوا))، ولا يقال: ((ارددوا))، فتبنى العرب أحياناً الواحد على الاثنين، وتظهر
(١) فى المطبوعة: ((يعد فعل ذلك))، وهو لا معنى له، والصواب ما فى المخطوطة.
(٢) ((الطعام)) (بفتح الطاء): أوغاد الناس وأراذلهم. و((الكل)) (بفتح الكاف):
العيال والثقل على صاحبه أو من يتولى أمره .