Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ تفسير سورة المائدة : ٣٣ ورجله من خِلافٍ ثم صُلب. وإن خرج فقتّل ولم يأخذ المال ، قُتِل. وإن أخاف السبيل ولم يقْتُل ولم يأخذ المال ، نفى. ١١٨٤٣ - حدثنا ابن البرقى قال ، حدثنا ابن أبى مريم قال ، أخبرنا نافع ابن يزيد قال ، حدثنى أبو صخر، عن محمد بن كعب القرظى = وعن أبى معاوية ، عن سعيد بن جبير فى هذه الآية: ((إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فساداً))، قالا: إن أخاف المسلمين فقَطَع المال ولم يسفك، قُطِع. (١) وإذا سفك دماً ، قتل وصُلب . وإن جمعهما فاقتطع مالاً وسفك دماً ، قُطع ثُمّ قتل ثم صلب، كأن الصلب مُثْلَةٌ. وكأن القطع: ((السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما))، (٢) وكأن القتل: ((النفس بالنفس)). وإن امتنع، فإن من الحقّ على الإمام وعلى المسلمين أن يطلُبوه حتى يأخذوه، فيقيموا عليه حكم كتاب الله: ((أو ينفوا من الأرض )) ، من أرض الإسلام إلى أرضِ الكفر. * قال أبو جعفر : واعتلَّ قائلو هذه المقالة لقولهم هذا ، بأن قالوا: إن الله أوجب على القاتل القوّد ، وعلى السارق القطع. وقالوا : قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل دَمُ امرئ مسلم إلاّ بإحدى ثلاث خلال: رجل قتل فقتل ، ورجل زنى بعد إحصان فرُجم، ورجل كفر بعد إسلامه)). (٣) قالوا : فحظر النبيُّ صلى اللّه عليه وسلم قتل رجل مسلم إلاّ بإحدى هذه الخلال الثلاث . فأما أن يقتل من أجل إخافته السبيل من غير أن يقتل أو يأخذ مالاً ، فذلك تقدُّمٌّ على الله ورسوله بالخلاف عليهما فى الحكم. قالوا: ومعنى قول من قال: ((الإمام فيه بالخيار ، إذا قَتَّل وأخاف السبيل وأخذ المال))، فهنالك خيار الإمام فى قولهم بين (١) فى المطبوعة: ((فاقتطع المال))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهما بمعنى واحد. (٢) فى المخطوطة: ((وكان السارف والسارقة ... ))، والصواب ما فى المطبوعة. وهذا والذى بعده تضمين لآيتى الحكمين : فى السرقة وقتل النفس . (٣) هذا حديث صحيح متفق على معناه، رواه بغير إسناده. انظر مسلم ١١ : ١٦٤، ١٦٥. ٢٦٢ تفسير سورة المائدة : ٣٣ القتل ، أو القتل والصلب ، أو قطع اليد والرجل من خلاف . وأما صلبه باسم المحاربة ، من غير أن يفعل شيئاً من قتل أو أخذ مال ، فذلك ما لم يقله عالم . ٠ وقال آخرون : الإمام فيه بالخيار : أن يفعل أىَّ هذه الأشياء التى ذكرها الله فی کتابه . • ذكر من قال ذلك : ١١٨٤٤ - حدثنى يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا جويبر ، عن عطاء = وعن القاسم بن أبى بزة ، عن مجاهد فى المحارب : أن الإمام مخير فيه ، أىَّ ذلك شاءَ فعل . ١١٨٤٥ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم ، عن عبيدة ، عن إبراهيم : الإمام مخير فى المحارب ، أىَّ ذلك شاء فعل . إن شاء قتل ، وإن شاء قطع ، وإن شاء نفى ، وإن شاء صلب . ١١٨٤٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عاصم ، عن الحسن فى قوله: ((إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله))، إلى قوله: ((أوينفوا من الأرض))، قال : يأخذ الإمام بأيّها أحب . ١١٨٤٧ - حدثنا سفيان قال، حدثنا أبى ، عن سفيان، عن عاصم ، عن الحسن: ((إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله))، قال: الإمام مخيّرٌ فيها. ١١٨٤٨ -حدثنا ابن و کیع قال، حدثنا أبى، عن سفيان ، عن ابن جريج، عن عطاء، مثله . ١١٨٤٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن قيس بن سعد قال ، قال عطاء : يصنع الإمام فى ذلك ما شاء . إن شاء قتل ، أو قطع، أو نفىَ، لقول الله: ((أن يقتَّلوا أو يصلبوا أو تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض))، فذلك إلى الإمام الحاكم ، يصنع فيه ما شاء . ٢٦٣ تفسير سورة المائدة : ٣٣ ١١٨٥٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثنى معاوية ، عن على، عن ابن عباس قوله: (( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله))، الآية ، قال : من شَهْر السلاح فى قُبّة الإسلام، (١) وأخاف السبيل ، ثم ظُفِر به وقدر عليه ، فإمام المسلمين فيه بالخيار: إن شاء قتله، وإن شاء صلبه ، وإن شاء قطع يده ورجله . ١١٨٥١ - حدثنا, هناد قال، حدثنا أبو أسامة قال، أخبرنا أبو هلال قال ، أخبرنا قتادة ، عن سعيد بن المسيب: أنه قال فى المحارب: ذلك إلى الإمام ، إذا أخذه يصنع به ما شاء . ١١٨٥٢ -حدثنا هناد قال، حدثنا أبو أسامة، عن أبىهلال قال ، حدثنا هرون ، عن الحسن فى المحارب قال : ذاك إلى الإمام ، يصنع به ما شاء . ١١٨٥٣ - حدثنا هناد قال ، حدثنا حفص بن غياث، عن عاصم ، عن الحسن: ((إنما جزاءُ الذين يحاربون الله ورسوله))، قال: ذلك إلى الإمام. ٠ ٠ ٠ ١٣٩/٦ قال أبو جعفر: واعتلّ قائلو هذه المقالة بأن قالوا: وجدنا العطوف التى: ((أو)) فى القرآن بمعنى التخيير ، فى كل ما أوجب الله به فرضاً منها ، وذلك كقوله فى كفارة اليمين: ﴿ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَمُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيَكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [سورة المائدة: ٨٩]، وكقوله ﴿فَمَن كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذَى مِنْ رَأْسِهِ فَقَدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ﴾ (١) فى المطبوعة: ((فى فئة الإسلام))، ولا معنى لها، ولم يحسن قراءة المخطوطة، لأنها غير منقوطة والصواب ما قرأت. و((قبة الإسلام)) يعنى فى ظله، وحيث مستقر سلطانه. ولذلك سموا ((البصرة)): قبة الإسلام ، قال الشاعر : "بَتْ قُبَّةَ الْإِسْلاَمِ قَيٌْ لِأَهْلِهَ وَلَوْ لَمْ يُقِيُوهَاَ لَطَالَ الْتِوَاؤُهَاَ وأصل ((القبة)): خيمة من أدم مستديرة. وذلك كقولهم أيضاً: ((دار الإسلام)) بهذا المعنى الذى بينته . ٢٦٤ تفسير سورة المائدة : ٣٣ [سورة البقرة: ١٩٦]، وكقوله: ﴿ فَجَزَاء مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَاعَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيَا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَمُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامَاً﴾ [سورة المائدة: ٩٥]. قالوا: فإذا كانت العُطوفُ التى: ((أو)) فى القرآن ، فى كل ما أوجب الله به فرضاً منها فى سائر القرآن ، بمعنى التخيير ، فكذلك ذلك فى آية المحاربين = الإمام مخير فيما رأى الحكم به على المحارب إذا قَدَرَ عليه قبل التوبة . قال أبو جعفر : وأولى التأويلين بالصواب فى ذلك عندنا ، تأويلُ من أوجب على المحارب من العقوبة على قدر استحقاقه ، وجعل الحكم على المحاربين مختلفاً باختلاف أفعالهم. فأوجب على مخيف السبيل منهم = إذا قُدِر عليه قبل التوبة ، وقبل أخذ مال أو قتل = النفىَ من الأرض . وإذا قُدر عليه بعد أخذ المال وقتل النفس المحرم قتلها = الصلب ، لما ذكرت من العلة قبل لقائلى هذه المقالة . # فأما ما اعتلّ به القائلون: إنّ الإمام فيه بالخيار، من أن ((أو)) فى العطف تأتى بمعنى التخيير فى الفرض، فقولٌ لا معنى له، (١) لأن ((أو)) فى كلام العرب قد تأتى بضروب من المعانى ، لولا كراهة إطالة الكتاب بذكرها لذكرتها ، وقد بينت كثيراً من معانيها فيما مضى ، وسنأتى على باقيها فيما يستقبل فى أماكنها إن شاء الله. (٢) = فأما فى هذا الموضع، فإن معناها التعقيب، وذلك نظير قول القائل: ((إن (١) فى المطبوعة: ((فنقول: لا معنى له)). وهو كلام متهالك، صوابه ما فى المخطوطة. (٢) انظر ما سلف ١: ٣٣٦، ٢/٣٣٧: ٢٣٥ - ٤/٢٣٧: ٧٥، ٦/٧٦: ٥١٣/ ٧ : ٠١٩٤ ٢٦٥ تفسير سورة المائدة : ٣٣ جزاء المؤمنين عند الله يوم القيامة أن يدخلهم الجنة ، أو يرفع منازلهم فى علِّيين، أو يسكنهم مع الأنبياء والصديقين))، فمعلوم أن قائل ذلك غير قاصد بقيله إلى أن جزاء كل مؤمن آمن بالله ورسوله فهو فى مرتبة واحدة من هذه المراتب ، ومنزلة واحدة من هذه المنازل = بإيمانه ، بل المعقول عنه أن معناه : أن جزاء المؤمن لن يخلُو عند الله عز ذكره من بعض هذه المنازل . فالمقتصد منزلته دون منزلة السابق بالخيرات، والسابق بالخيرات أعلى منه منزلة، والظالم لنفسه دونها، (١) وكلٌّ فى الجنة كما قال جل ثناؤه (جَنَّاتُ عَدْنِ يَدْخُلُونَهاَ﴾ [ سورة فاطر: ٣٣]. فكذلك معنى المعطوف: ((أو)) فى قوله: ((إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله))، الآية، إنما هو التعقيب . فتأويله : إن الذى يحارب الله ورسوله ويسعى فى الأرض فساداً، لن يخلو من أن يستحق الجزاءَ بإحدى هذه الخلال الأربع التى ذكرها الله عز ذكره = لا أن الإمام محكم فيه ومخيَّرٌ فى أمره = كائنةً ما كانت حالته ، عظمت جريرته أو خفَّتْ، (٢) لأن ذلك لو كان كذلك ، لكان للإمام قتل من شهر السلاح مخيفاً السبيلَ وصلبه، وإن لم يأخذ مالاً ولا قتل أحداً، وكان له نفىُ من قَتَل وأخذَ المال وأخافَ السبيل . وذلك قولٌ إن قاله قائل، خلافُ ما صحّت به الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله: ((لا يحل دَمُ امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل قتل رجلاً فقتل به، أو زنى بعد إحصان فرجم، أوارتَدّ عن دينه))(٣)= وخلاف (١) اقرأ آية ((سورة فاطر)): ٣٢ (مُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَبَ الَّذِينَ أُصْطَفَيْنَاَ مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اُللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾. (٢) فى المطبوعة: ((وعظمت)) بواو لا مكان لها هنا. (٣) انظر تخرج هذا الخبر فيما سلف قريباً ص: ٢٦١، تعليق : ٣ ٢٦٦ تفسير سورة المائدة : ٣٣ قوله: ((القطعُ فى رُبْع دينارِ فصاعداً))، (١) وغيرُ المعروف من أحكامه. (٢) ٥ ٥ فإن قال قائل : فإن هذه الأحكام التى ذكرتَ ، كانت عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فى غير المحارب ، وللمحارب حكم غير ذلك منفرد به . قيل له : فما الحكم الذى انفرد به المحارب فى سننه ؟ فإن ادَّعى عنه صلى الله عليه وسلم حكماً خلاف الذى ذكرنا ، أكذبه جميعُ أهل العلم ، لأن ذلك غير موجود بنقلٍ واحدٍ ولا جماعة . وإن زعم أن ذلك الحكم هو ما فى ظاهر الكتاب ، قيل له : فإن أحسن حالاتك إن سُلِّم لك، (٣) أن ظاهر الآية قد يحتمل ما قلت وما قاله من خالفك = فما برهانك على أنّ تأويلك أولى بتأويل الآية من تأويله؟ وبعد، فإذا كان الإمام مخيّراً فى الحكم على المحارب، من أجل أنّ ((أو)) بمعنى التخيير فى هذا الموضع عندك ، أفله أن يصلبه حيًّا ، ويتركه على الخشبة مصلوباً حتى يموت من غير قتله . فإن قال: ((ذلك له))، خالف فى ذلك الأمة . وإن زعم أنَّ ذلك ليس له ، وإنما له قتله ثم صلبه ، أو صلبه ثم قتله = ترك ١٤٠/٦ علّته من أنّ الإمام إنما كان له الخيار فى الحكم على المحارب من أجل أن ((أو)) تأتى بمعنى التخيير . وقيل له : فكيف كان له الخيار فى القتل أو النفى أو القطع ، ولم يكن له الخيار فى الصلب وحده ، حتى تجمع إليه عقوبة أخرى ؟ (١) هذا خبر مجمع عليه فى الصحاح، انظر فتح البارى ١٢: ٨٩ - ٩١، وسيأتى تخريجه برقم : ٠١١٩١٢ (٢) قوله: ((وغير المعروف من أحكامه))، معطوف على ما سلف: ((وذلك قول إن قاله قائل: خلاف ما صححت به الآثار عن رسول الله ... )). (٣) فى المطبوعة: ((أن يسلم لك))، غير ما فى المخطوطة، وهو محض الصواب. ٢٦٧ تفسير سورة المائدة : ٣٣ وقيل له : هل بينك وبين من جعل الخيار حيث أبيت ، وأبى ذلك حيث جعلتَه له - فرقٌ من أصلٍ أو قياس؟ (١) فلن يقول فى أحدهما قولا إلا ألزم الآخر مثله . # وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتصحيح ما قلنا فى ذلك ، بما فى إسناده نظر ، وذلك ما :- ١١٨٥٤ - حدثنا به على بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم، عن ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبى حبيب: أنّ عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس بن مالك يسأله عن هذه الآية ، فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت فى أولئك النفر العرنيين ، وهم من بجيلة . قال أنس : فارتدوا عن الإسلام ، وقتلوا الراعى ، وساقوا الإبل ، وأخافوا السبيل، وأصابُوا الفرجَ الحرام . قال أنس: فسأل رسول الله صلى اللّه عليه وسلم جبريل عليه السلام عن القضاء فيمن حارب ، فقال: من سّرّق وأخاف السبيل فاقطع يده بسرقته ، ورجلَه بإخافته . ومن قتل فاقتله . ومن قتل وأخاف السبيل واستحلَّ الفرج الحرام، فاصلبه. (٢) (١) السياق: ((هل بينك وبين من جعل الخيار ..... فرق من أصل أو قياس)). (٢) الأثر: ١١٨٥٤ - ((الوليد بن مسلم الدمشقى القرشى))، ثقة حافظ متقن، من شيوخ أحمد سلفت ترجمة مراراً منها : ٢١٨٤، ٠٦٦١١ (ابن لهيعة)) هو: ((عبد اللّه بن لهيعة))، تكلموا فيه كثيراً، ووثقة أخى السيد أحمد فيما سلف رقم: ١٦٠، ٢٩٤١، وبعضهم يقول: ((لا يحتج بحديثه)). و ((يزيد بن أبى حبيب المصرى))، ثقة أخرج له الجماعة، مضى برقم: ٤٣٤٨، ٥٤١٨، ٥٤٩٣ ٠ : وعلة هذا الخبر ، ضعف ابن لهيعة، عند من يرى ضعفه وترك الاحتجاج بحديثه. ثم إن يزيد بن أبى حبيب لم يدرك أن يسمع من أنس ، ولم يذكر أنه سمع منه . وقد مضى صدر هذا الخبر فيما سلف برقم : ١١٨١٦، فانظر التعليق عليه هناك. وسيأتى فى الأثر: ١١٨٨٥، أن رواية يزيد بن أبى حبيب لهذا الخبر، عن كتاب أنس بن مالك إلى عبد الملك بن مروان. ٢٦٨ تفسير سورة المائدة : ٣٣ وأما قوله: (( أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ))، فإنه يعنى به جل ثناؤه: أنه تقطع أيديهم مخالفاً فى قطعها قَطْع أرجلهم . وذلك أن تقطع أيْمُن أيديهم، وأشمُلُ أرجلهم. فذلك ((الخلاف)) بينهما فى القطع . ولو كان مكان ((من)) فى هذا الموضع ((على)) أو ((الباء))، فقيل: (( أو تقطع أيديهم وأرجلهم على خلاف = أو: بخلاف))، لأدَّيا عما أدّت عنه ((من)) من المعنى. واختلف أهل التأويل فى معنى ((النفى)) الذى ذكر الله فى هذا الموضع. فقال بعضهم : هو أن يطلب حتى يقدر عليه ، أو يهرب من دار الإسلام . * ذكر من قال ذلك : ١١٨٥٥ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط، عن السدى قوله: ((أو ينفوا من الأرض))، قال : يطلبهم الإمام بالخيل والرّجال حتى يأخذهم فيقيم فيهم الحكم ، أو ينفوا من أرض المسلمين. ١١٨٥٦ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال ، حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : نفيُه ، أن يطلب . ١١٨٥٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله قال ، حدثنى معاوية ، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس: (( أو ينفوا من الأرض))، يقول: أو يهربوا حتى يخرجوا من دار الإسلام إلى دار الحرب . ١١٨٥٨ - حدثنى على بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال ، أخبرنى عبد الله بن لهيعة ، عن يزيد بن أبى حبيب ، عن كتاب أنس بن مالك إلى عبد الملك بن مروان: أنه كتب إليه: ((ونفيه ، أن يطلبه الإمام حتى يأخذه ، فإذا أخذه أقام عليه إحدى هذه المنازل التى ذكر الله جل وعز بما استحل)). (١) (١) الأثر: ١١٨٥٨ - انظر التعليق السالف على الأثر: ١١٨٥٤. ٢٦٩٠ تفسير سورة المائدة : ٣٣ ١١٨٥٩ - حدثنى على بن سهل قال، حدثنا الوليد قال : فذكرت ذلك الليث بن سعد فقال : نفيُه، طلبُه من بلد إلى بلد حتى يؤخذ ، أو يخرجه طلبُهُ من دار الإسلام إلى دار الشرك والحرب، إذا كان محارباً مرتدًّا عن الإسلام = قال الوليد : وسألت مالك بن أنس ، فقال مثله . ١١٨٦٠ - حدثنى على قال، حدثنا الوليد قال: قلت لمالك بن أنس والليث ابن سعد : وكذلك يطلب المحاربُ المقيم على إسلامه ، يضطرّه بطلبه من بلد إلى إلى بلد حتى يصير إلى ثغر من ثغور المسلمين أو أقصى حَوْزِ المسلمين، (١) فإن هم طلبوه دخل دار الشرك ؟ قالا: لا يُضْطَرّ مسلم إلى ذلك. ١١٨٦١ - حدثنا هناد بن السرى قال ، حدثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك: ((أو ينفوا من الأرض))، قال : أن يطلبوه حتى يعجزوا . ١١٨٦٢ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ يقول : حدثنى عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول ، فذكر نحوه . ١١٨٦٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حفص بن غياث، عن عاصم ، عن الحسن: ((أو ينفوا من الأرض ))، قال : ينفى حتى لا يُقْدَرَ عليه . ١١٨٦٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد اللّه ، عن أبيه، عن الربيع بن أنس فى قوله: ((أوينفوا من الأرض ))، قال : أخرجوا من الأرض . أينما أدركوا أخرجوا حتى يلحقوا بأرض العدوّ. ١١٨٦٥ - حدثنا الحسن قال، حدثنا عبد الرزاق قال ، حدثنا معمر ، (١) فى المطبوعة: ((حق يصير إلى ثغر من ثغور المسلمين أو أقصى جوار المسلمين)) وصواب ذلك ((حتى))، و((أو أقصى حوز المسلمين))، كما فى المخطوطة. و((الحوز)) من الأرض (بفتح فسكون) : أن يتخذها رجل ، ويبين حدودها فيستحقها ، فلا يكون لأحد حق معه، فذلك ((الحوز)). ومنه ((حوز الدار))، ومنه أيضاً ((حوزة الإسلام))، أى حدوده ونواحيه، وفى الحديث: ((فحمى حوزة الإسلام)). ٢٧٠ تفسير سورة المائدة : ٣٣ عن الزهرى فى قوله: ((أو ينفوا من الأرض))، قال: نفيه، أن يُطلب فلا يُقْدر ١٤١/٦ عليه، كلَّما سُمع به فى أرض طُلِب. ١١٨٦٦ - حدثنى على بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، أخبرنى سعيد، عن قتادة: (( أو ينفوا من الأرض))، قال: إذا لم يَقْتُل ولم يأخذ مالاً، طُلب حتى يُعْجِزِ . ١١٨٦٧ - حدثنى ابن البرقى قال، حدثنا ابن أبى مريم قال، أخبرنى نافع ابن يزيد قال ، حدثنى أبو صخر، عن محمد بن كعب القرظى = وعن أبى معاوية ، عن سعيد بن جبير: ((أو ينفوامن الأرض))، من أرض الإسلام إلى أرض الكفر. ٠ ٠ وقال آخرون: معنى ((النفى)) فى هذا الموضع : أن الإمام إذا قدر عليه نفاه من بلدته إلى بلدة أخرى غيرها . * ذكر من قال ذلك : ١١٨٦٨ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبى نجيح، عن قيس بن سعد، عن سعيد بن جبير: (( أو ينفوا من الأرض))، قال : من أخاف سبيل المسلمين ، نُفى من بلده إلى غيره ، لقول الله جل وعز : ((أو ينفوا من الأرض)). ١١٨٦٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنى الليث قال ، حدثی یزید بن أبى حبيب وغيره ، عن حیان بن سُريج : أنه کتبإلى عمر بن عبد العزيز فى اللصوص ، ووصف له لصوصيتهم ، وحبسهم فى السجون ، قال : قال الله فى كتابه: ((إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف))، وترك: (( أو ينفوا من الأرض)). فكتب إليه عمر بن عبد العزيز، ((أما بعد ، فإنك كتبت إلىّ تذكر قول الله جل وعزّ: ((إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فساداً ٢٧١ تفسير سورة المائدة : ٣٣ أن یقتلوا أويصلبوا أو تقطعأيديهم وأرجلهم من خلاف ))،وترکت قول الله: ((أو ينفوا من الأرض))، فنىٌّ أنت، يا حيّان !! لا تحرّك الأشياء عن مواضعها، أتجرَّدت للقتل والصَّب كأنك عبدُ بنى عقيل، (١) من غير ما أُشبِّهك به ؟ إذا (١) ((تجرد للأمر)): جد فيه جدا بالغاً، وتفرغ له وشمر فيه، كما يتجرد المرء من ثيابه وينضوها عنه لكيلا تعوقه. يقال: ((تجرد فلان للعبادة))، وقال الأخطل : وَأَْقَأْتُ عَّى نَرَ نُعَْنَ بَعْدَمَا أَعَدَّ لِأُمْرٍ فَاجِرٍ وَتَجَرَّدَا وقال ابن قيس الرقيات : تَجَرَّدُوا يَضْرِبُونَ بَاطِلَّهُمْ بِالحقِّ حَتَّى تَبَيْنَ الْكَذِبُ و ((عبد بنى عقيل))، الصواب أن يقال ((عبد بنى أبى عقيل))، فإن أبا عقيل، هوجد ((الحجاج ابن يوسف بن الحكم بن أبى عقيل بن مسعود الثقفى)). وذلك أن ثقيفاً جد الحجاج الأعلى ، كان في) يقولون، هو: ((قسى ( ثقيف) بن منبه بن النبيت بن منصور بن يقدم بن أفصى بن دعمى بن إياد بن نزار))، وأنه ليس كما جاء فى نسب ثقيف أنه من ((مضر بن نزار))، وأن ثقيفاً، فيما يروى عن ابن عباس: كان عبداً لامرأة نبى الله صالح، فوهبته لصالح، وأنه هو ((أبو رغال)) الذى يرجم قبره. يقول حسان بن ثابت فى هجاء ثقيف ( ديوانه: ٣٤١، ٣٤٢): إِذَا الَّقَفِيُّ فَخَرَكُمْ فَقُولُوا: هَلُمَّ نَمُدُّ أُمَّ أَبِى رِغَلٍ مُشْيِهُوَهُ عَلَى مِثَلِ وَأُنْتُمْ أَبُوَكُمْ أَخْبَثُ اْلْآبَاءِ طُرًا وفى هذا الشعر زعم حسان أن ثقيفاً كان عبداً للفزر ، وهو سعد بن زيد مناة بن تميم، فقال: عَبِيدُ الْفِزْرِ أَوْرَّتَهُمْ بَنِيهِ وَآَلَى لاَ يَبِيعُهُمُ بِمَلٍ أُرَادَ هَوَانَهُمْ أُخْرَى اللََّالِى وَمَاَ لِكَرَامَةٍ حُبِسُوا، وَلَكِنْ وأما هجاء الحجاج بأنه ((عبد من إياد))، فيقول مالك بن الريب ( الكامل ١: ٣٠٢): إِذَا نَحْنُ جَاوَزْنَاَ حَفِيرَ زِيادٍ فَذَا تَرَى الحجَّاجَ يَبْلُغُ جُهْدُهُ كَمَا كَانَ، عَبْدًا مِنْ عَبِيدِ إِیَادِ فَلَوْلاَ بَنُو مَرْوَانَ كَانَ أَبْنُ يُوسُفٍ يُرَاوِحُ صِفْيَنَ الْقُرَى وَيُغَادِى زَمَانَ هُوَ الْعَبْدُ الْمُقِرُّ بِذِلَّةٍ ٢٧٢ تفسير سورة المائدة : ٣٣ أتاك كتابى هذا ، فانفهم إلى شَغْبٍ». ١١٨٧٠ - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثنى الليث ، عن يزيدَ وغيره، بنحو هذا الحديث= غير أن يونس قال فى حديثه: (( كأنك عبد بنى أبى عقال، (١) من غير أن أشبهك به )). ١١٨٧١ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرنى ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبى حبيب : أن الصَّت، كاتب حيَّان بن سُرَيَج ، أخبرهم : أن حيّان كتب إلى عمر بن عبد العزيز: (( أن ناساً من القبط قامت عليهم البيئة بأنهم حاربوا الله ورسوله وسعوا فى الأرض فساداً))، وأن الله يقول: ((إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فساداً))، فقرأ حتى بلغ، ((وأرجلهم من خلاف))، وسكت عن النفى. وكتب إليه: ((فإن رأى أمير المؤمنين أن يُمْضى قضاء الله فيهم، فليكتب بذلك)). فلما قرأ عمر بن عبد العزيز كتابه قال : لقد اجتزأ حيان ! ثم كتب إليه: (( إنه قد بلغنى كتابك وفهمته ، ولقد اجتزأتَ ، كأنما كتبتَ بكتاب يزيد بن أبى مسلم ، أو عِلْج صاحبِ العراق ، (٢) من غير أن أشبهك بهما ، فكتبت فإن الحجاج كان معلماً بالطائف، وكان يهجى بذلك. فهذا تفسير ((عبد بنى أبى عقيل)). وكان الحجاج ، كما تعلم ، مسرفاً فى القتل ، فلذلك قال عمر رضى الله عنه ما قال . (١) لم أجد وجها لقوله: ((عبد بن أبى عقال))، فإن جده الذى ينسب إليه هو ((أبو عقيل)) كما سلف فى الأثر الماضى . (٢) ((يزيد بن أبى مسلم))، و((يزيد بن دينار))، من موالى ثقيف، وليس مولى عتاقة، وكان أخا الحجاج من الرضاعة . وكان من أصحاب الحجاج وولاته ، وكان يتشبه به فى سيرته ، وولى العراق وإفريقية. قال ابن عبد الحكم فى سيرة عمر بن عبد العزيز: ٣٤، ٣٥: ((وكان يظهر التأله، والنفاذ لكل ما أمر به السلطان، مما جل أو صغر، من السيرة بالجور، والمخالفة للحق . وكان فى هذا يكثر الذكر والتسبيح ، ويأمر بالقوم فيكونون بين يديه يعذبون، وهو يقول: سبحان الله والحمد لله، شد يا غلام موضع كذا وكذا - لبعض مواضيع العذاب - وهو يقول: لا إله إلا الله والله أكبر، شد يا غلام موضع كذا وكذا . فكانت حالتة شر تلك الحالات)). وكان يزيد يوم استخلف عمر بن عبد العزيز ، والياً على إفريقية ، فلم يكد عمر يوارى جثة سليمان ابن عبد الملك ، حتى عجل ودعا بقرطاس ودواة ، فكتب ثلاثة كتب ، لم يسعه فيما بينه وبين الله عز وجل ٢٧٣ تفسير سورة المائدة : ٣٣ بأوّل الآية، ثم سكتَّ عن آخرها، وإن اللّه يقول: ((أوينفوا من الأرض))، فإن كانت قامت عليهم البينة بما كتبتَ به ، فاعقد فى أعناقهم حديداً ، ثم غيّبهم إلى شَغْبٍ وبدا.))(١) : قال أبو جعفر: ((شَغْبٌ و((بَدَا))، موضعان. (٢) أن يؤخرها ، فأمضاها من فوره. فأخذ الناس يهمزون عمر بن عبد العزيز، لما رأور من عجلته ، فقالوا : (( ما هذه العجلة ؟ أما كان يصبر إلى أن يرجع إلى منزله ؟ هذا حب السلطان ! هذا الذى يكره ما دخل فيه !! )). ولم يكن بعمر عجلة، ولا محبة لما صار إليه، ولكنه حاسب نفسه، ورأى أن تأخير ذلك لا يسعه . فكان أحد هذه الكتب الثلاثة كتابه بعزل يزيد بن أبى مسلم . ( سيرة عمر بن عبد العزيز : ٣٤، ٣٥/ والوزراء للجهشيارى : ٤٢). وأما ((علج صاحب العراق)) = و((العلج)) الرجل من كفار العجم وغيرهم = فإنه يعنى الحجاج نفسه. وكان والياً على العراق، وجعله ((علجاً))، كأنه مولى من الموالى غليظ، كما سماه عبداً فى الأثر السالف . (١) الآثار: ١١٨٦٩ - ١١٨٧١ - ((يزيد بن أبى حبيب المصرى))، مضى قريباً فى الأثر رقم : ١١٨٥٤ . وأما ((الصلت))، فهو: ((الصلت بن أبى عاصم))، ولم أعثر له على ترجمة، ورأيت ذكره فى كتاب فتوح مصر لابن عبد الحكم ص : ٩٠ . وأما ((حيان بن سريج المصرى))، فكان عاملا لعمر بن عبد العزيز على مصر . ترجم له ابن أبى حاتم ٢٤٧/٢/١، والكبير للبخارى ٠٥٢/١/٢ وضبط ((سريج)) بالسين غير معجمة، والجيم. فى المؤتلف لعبد الغنى بن سعيد الأزدى المصرى ص: ٧٦، وقال ناشر التاريخ الكبير فى تعليقه: ((وكذا ضبطه ابن ماكولا فى الإكمال .... ووقع هنا فى الأصل: ((شريح)). وكذلك يقع فى كثير من الكتب ((شريح))، وكذلك كان هنا فى المطبوعة فى سائر المواضع ، أما المخطوطة ، فهى غير منقوطة . وتبعت ضبط الحافظ عبد الغنى ، لأنه مصرى ، وهو أعلم بأنساب المصريين. وكان فى المطبوعة ((حبان)) بالباء الموحدة، وهو خطأ محض. (٢) ((شغب)) (بفتح فسكون): منهل بين طريق مصر والشام، و((بدا)): واد قرب أيلة، من ساحل البحر ، وهما من ديار بنى عذرة ، يقول كثير :. وَأَنْتِ الَِّ حَبََّتِ شَغْباً إِلَى بَدَا إِلَىَّ، وَأَوْطَانِى بِلاَدٌ سِوَاهُمَاً ويقول عبد الله بن السائب : تَقَطَّعَ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ عَلَئِى فَلَمَّا عَلَوْا شَغْبَا تَبَيَّنْتُ أَنَّهُ فقال ابنه : . فَلاَ زِلْنَ حَسْرَى ظُلَّاً، لِمْ حَمَلْتَنَاَ إِلَى بَِّ نَ قَلِيلِ الْأَصَدِقِ !! ج١٠ (١٨) ٢٧٤ تفسير سورة المائدة : ٣٣ وقال آخرون: معنى: ((النفى من الأرض))، فى هذا الموضع : الحبس . • ذكر من روى ذلك عنه : وهو قول أبو حنيفة وأصحابه . ... قال أبو جعفر: وأولى الأقوال فى ذلك عندى بالصواب ، قولُ من قال : معنى ((النفى من الأرض))، فى هذا الموضع، هو نفيه من بلد إلى بلد غيره، وحبْسُه فى السجن فى البلد الذى نفى إليه، حتى تظهر توبته من فسوقه، ونُزُوعه عن معصيته ربّه . وإنما قلتُ ذلك أولى الأقوال بالصحة ، لأن أهل التأويل اختلفوا فى معنى ذلك على أحد الأوجه الثلاثة التى ذكرت . وإذْ كان ذلك كذلك = وكان معلوماً أن الله جل ثناؤه إنما جعل جزاء المحارب: القتل أو الصلب أو قطعَ اليد والرجل من خلافٍ ،أ بعد القدرة عليه ، لا فى حال امتناعه = كان معلوماً أنّ النّفى أيضاً إنما هو جزاؤه بعد القُدرة عليه، لا قبلها . ولو كان هَرَبه من الطلب نفياً له من الأرض ، (١) کان قطع يده ورجله من خلافٍ فی حال امتناعه وحربه على وجه ١٤٢/٦ القتال، بمعنى إقامة الحدِّ عليه بعد القدرة عليه. وفى إجماع الجميع أن ذلك لا يقوم مقام نفيه الذى جعله الله عز وجل حدًّاً له بعد القدرة عليه، [بطل أن يكون نفيُهُ من الأرض، هربَهُ من الطلب] . (٢) وإذْ كان كذلك ، فمعلوم أنه لم يبق إلاّ الوجهان الآخران ، وهو النفى من بلدة إلى أخرى غيرها ، أو السَّجْن . فإذْ كان ذلك كذلك ، فلا شك أنه إذا فهذا يؤيد أنها منفى بعيد لأهل الحجاز والشام ، كما جاء فى هذا الخبر . (١) فى المطبوعة: ((هروبه))، وفى المخطوطة: ((هو به))، و((الهروب)) ليس مصدراً عربياً، وإن كان قد كثر استعماله فى زماننا هذا، وإنما المصدر ((الهرب)) (بفتحتين)، فالصواب («هر به)) کما أثبت (٢) هذه الزيادة بين القوسين، ريادة لا بد منها حتى يستقيم الكلام. وقد استظهرتها من كلام أبى جعفر فیما سلف ، وما سيأتى بعده ٢٧٥ تفسير سورة المائدة : ٣٣ نُفی من بلدة إلى أخرى غيرها،فلم ینفمن الأرض ، بل إنما نفی من أرض دون أرض . وإذ كان ذلك كذلك = وكان الله جل ثناؤه إنما أمر بنفيه من الأرض = كان معلوماً أنه لاسبيل إلى نفيه من الأرض إلا بحبسه فى بُقْعة منها عن سائرها ، فيكون منفيًّا حينئذ عن جميعها ، إلاّ مما لاسبيل إلى نفیه منه . ٠٠ وأما معنى ((النفى ))، فى كلام العرب ، فهو الطرد ، ومن ذلك قول أوس ابن حجر : يُنْفَوْنَ عَنْ طُرُقِ الكِرَامِ كَمَا تَغْفِى الْمَطَرِقُ مَاَلِى الْقَرَدُ(١) ومنه قيل للدراهم الرديئة وغيرها من كل شىء: ((النُّفاية)). (٢) وأما المصدر من (نفيت))، فإنه ((النفى)) ((والنِّفَاية))، (٣) ويقال: ((الدلو ينفى الماء))، ويقال لما تطاير من الماء من الدلو: ((النّفِىُّ))، ومنه قول الراجز: (٤) (١) شرح المفضليات: ٨٢٧، وليس فى ديوان أوس، وهو من شعره، من القصيدة الخامسة التى أولها : أَبَنِ كُبَيَنَى لَسْتُمُ بِيَدٍ إِلاَّ يَدٌ لَيْسَتْ لَهَ عَضُدُ ويهجوهم، ورواية المفضليات ((من طرق الكرام)). و((المطارق)) جمع ((مطرقة)) و((مطرق)) وهو القضيب الذى يضرب به الصوف أو القطن لينتفش، وينفى منه القرد. و((القرد)) ( بفتحتين) : ما تمعط من الوبر والصوف وتلبد وانعقدت أطرافه ، وهو نفاية الصوف ، ثم استعمل فيما سواه من الوبر والشعر والكتان . وقوله: (( ما یلی القرد )) ، أى: ما وليه القرد ، من قولهم ( وليه یلیه »، أى : قار به ودنا منه . يعنى : ما قار به القرد وباشره ولصق به تعقده . وكان فى المطبوعة: ((ما يلى الفرد ا))، وهو خطأ، ومخالفة المخطوطة، وهى فيها منقوطة، على خلاف العادة فى مثلها . (٢) ((النفاية)) هنا (بضم النون)، لا شك فى ذلك. انظر التعليق التالى. (٣) و((النفاية)) هنا (بكسر النون)، لأنه عدها مصدراً، مثل: ((رعت الماشية رعياً ورعاية)) (بكسر الراء). هكذا استظهرته. وأما كتب اللغة فلم تذكر فى مصادر ((نفى)) إلا ((نفياً)) و((نفياناً)) فهذا مصدر يزاد عليها إن صح له شاهد من الشعر أو الآثار. (٤) هو الأخيل الطائى . ٢٧٦ تفسير سورة المائدة : ٣٣ كَأَنَّ مَنْغَيْهِ مِنَ النَّفِيِّ مَوَاقِعُ الطَّيْرِ عَلَى الصُّفِىِّ(١) ومنه قيل: ((نَفِىَ شَعَرُه))، إذا سقط، يقال: ((حَال لونُك، ونَفى شعرُك)).(٢) القول فى تأويل قوله عزذكره ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِ الدُّنْيَ وَلَهُمْ فِى اْأَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) ) قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((ذلك))، هذا الجزاء الذى جازيت به الذين حاربوا الله ورسوله، وسعوا فى الأرض فساداً فى الدنيا ، من قتلٍ أو صلبٍ أو قطع يد ورجل من خلاف = ((لهم))، يعنى: لهؤلاء المحاربين = ((خزى فى الدنيا))، يقول: هو لهم شرٌّ وعار وذلةٌ ونكال وعقوبة فى عاجل الدنيا قبل الآخرة. # * يقال منه: ((أخزيتُ فلاناً، فَخَزِى هو خِزْياً)). (٣) * * وقوله: ((ولهم فى الآخرة عذاب عظيم))، يقول عز ذكره : لهؤلاء الذين حاربوا الله ورسوله وسعوا فى الأرض فساداً، فلم يتوبوا من فعلهم ذلك حتى هلكوا = فى (١) سلف البيت وشرحه وتخريجه فى ٣: ٥/٢٢٥: ٥٢٣، ولم أشر هناك إلى مجيئه فى هذا المكان من التفسير ، فأثبته هناك . (٢) هذا فى خبر محمد بن كعب القرظى وعمر بن عبد العزيز لما استخلف فرآه شعثاً قال : (( ... وكان عهدنا به بالمدينة أميراً علينا ، حسن الجسم، ممتلىء البضعة ، فجعلت أنظر إليه نظراً ، لا أكاد أصرف بصرى عنه ، فقال : يا ابن كعب ، مالك تنظر إلى نظراً ما كنت تنظره إلى قبل ؟ قال فقلت : لعجبى ! قال : وما عجبك ؟ فقلت : لما نحل من جسمك ، ونفى من شعرك ، وتغير من لونك ؟ قال : وكيف لورأيتنى بعد ثلاث فى قبرى ، حين تقع عيناي على وجنى، ويسيل منخرى وفى دوداً وصديداً، لكنت لى أشد نكرة منك اليوم!)). ((نفى الشعر)): ثار وذهب وشعث وتساقط. (٣) انظر تفسير ((الخزى)) فيما سلف ٢: ٣١٤، ٧/٥٢٥: ٤٧٩. ٢٧٧ تفسير سورة المائدة : ٣٣، ٣٤ الآخرة ، (١) مع الخزى الذى جازيتهم به فى الدنيا، والعقوبة التى عاقبتهم بها فيها = ((عذاب عظيم))، يعنى: عذاب جهنم. (٢) ٠ القول فى تأويل قوله عز ذكره ﴿إِلَّ الّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )(٦) قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك . فقال بعضهم : معنى ذلك : إلاّ الذين تابوا من شركهم ومناصّبتهم الحربَ لله ولرسوله والسَّعى فى الأرض بالفساد ، بالإسلام والدخول فى الإيمان ، من قبل قُدرة المؤمنين عليهم ، فإنه لاسبيل للمؤمنين عليهم بشىء من العقوبات التى جعلها الله جزاء ◌ِمَنْ حارَبه ورسوله وسَعَى فى الأرض فساداً، من قتلٍ ، أو صلب، أو قطع يد ورجل من خلاف، أو نفى من الأرض = فلاتِباعَةَ قِبَلَه لأحدٍ فيما كان أصاب فى حال كفره وحربه المؤمنين ، (٣) فى مال ولادم ولا حرمة . قالوا : فأما المسلم إذا حارب المسلمين أو المعاهدين ، وأتى بعض ما يجب عليه العقوبة ، فلن تضع توبته عنه عقوبةَ ذنبه، بل توبته فيما بينه وبين الله، وعلى الإمام إقامةُ الحدّ الذى أوجبه اللّه عليه ، وأخذُه بحقوق الناس. ذكر من قال ذلك : ١١٨٧٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن يزيد النحوى، عن عكرمة والحسن البصرى قالا: قوله: ((إنما جزاء (١) السياق: ((لهؤلاء الذين حاربوا الله ورسوله .... فى الآخرة ... )) (٢) انظر تفسير ((عذاب عظيم)) فيما سلف من فهارس اللغة (عذب) (عظم). (٣) ((التبعة)) (بفتح التاء وكسر الباء)، و((التباعة)) (بكسر التاء ): ما فيه إثم يتبع له مرتكبه. يقال: ((ما عليه من اللّه فى هذا تبعة، ولا تباعة)). ٢٧٨ تفسير سورة المائدة : ٣٤ الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض)) إلى قوله: ((فاعلموا أن الله غفور رحيم))، نزلت هذه الآية فى المشركين ، فمن تاب منهم من قبل أن يُقدر عليه ، لم يكن عليه سبيل. وليس تُحْرِز هذه الآية الرجل المسلم من الحدّ إن قتل، أو أفسد فى الأرض ، أو حارب الله ورسوله ، ثم لحق بالكفار قبل أن يُقْدر عليه . ذلك يقام عليه الحدّ الذى أصاب.(١) ١١٨٧٣ - حدثنا، بشار قال، حدثنا روح بن عبادة قال، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: (( إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم ))، قال: هذا لأهل الشرك، إذا فعلوا شيئاً فى شركهم، فإن الله غفور رحيمٌ" ، إذا تابوا وأسْلموا. ١١٨٧٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: ((إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى ١٤٣/٦ الأرض فساداً))، الزنا، (٢) والسرقة، وقتل النفس، وإهلاك الحرث والنسل = ((إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم))، على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم. ١١٨٧٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم ، عن جويبر ، عن الضحاك قال: كان قوم بينهم وبين الرَّسول صلى الله عليه وسلم ميثاقٌ، فنقضوا العهدَ وقطعوا السبيل، وأفسدوا فى الأرض، فخيرَّ اللّه نبيه صلى الله عليه وسلم فيهم : فإن شاء قتل ، وإن شاء صلب ، وإن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف . فمن تاب من قبل أن تقدروا عليه ، قُبِلَ ذلك منه . ١١٨٧٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية، عن على، عن ابن عباس قوله: ((إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله))، (١) الأثر ١١٨٧٢ - مضى برقم: ١١٨٠٦، وانظر التعليق عليه. (٢) فى المطبوعة: ((بالزنا))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو الصواب. ٠ ٢٧٩ تفسير سورة المائدة : ٣٤ الآية = فذكر نحو قول الضحاك، إلاّ أنه قال: فإن جاء تائباً فدخل فى الإسلام، قُبل منه ، ولم يؤاخذ بما سلف . ١١٨٧٧ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة : ((إلاّ الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم))، قال: هذا لأهل الشرك ، إذا فعلوا شيئاً من هذا فى شركهم ، ثم تابوا وأسلموا ، فإن الله غفور رحيم . ١١٨٧٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا أبو سفيان ، عن معمر، عن عطاء الخراسانى وقتادة: أما قوله: (( إلاّ الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم )) ، فهذه لأهل الشرك . فمن أصاب من المشركين شيئاً من المسلمين وهو لهم حَرْب، فأخذ مالاً وأصاب دماً ، ثم تاب قبل أن تقدروا عليه، أُهْدِر عنه ما مَضَى . وقال آخرون: بل هذه الآية معنى بالحكم بها، المحاربون الله ورسوله: الحُرَّابُ من أهل الإسلام، (١) من قطع منهم الطريق وهو مقيم على إسلامه، ثم استأمن فأُومن على جناياته التى جناها ، وهو للمسلمين حرب = ومن فعل ذلك منهم مرتدًّاً عن الإسلام، (٢) ثم لحق بدار الحرب، ثم استأمن فأومن. قالوا: فإذا أمَّنه الإمام علىجنایاته التی سلفت،لم یکن قبله لأحد تبعة فى دم ولا مال أصابه قبل توبته، وقبلَ أمان الإمام إِيَّاه .. * ذكر من قال ذلك : ١١٨٧٩ - حدثنى على بن سهل قال، حدثنا الوليد قال، أخبرنى أبو أسامة، (١) ((الحراب)) جمع ((حارب))، و((الحارب)): هو الغاصب الناهب الذى يعرى الناس ثيابهم. وكأنه عنى به هنا: صفة ((المحارب الله ورسوله))، وإفساده فى الأرض. وانظر ما سيأتى ص: ٢٨٢، تعليق : ٢ . (٢) قوله: ((ومن فعل ... )) معطوف على قوله: ((الحراب من أهل الإسلام ... )) يعنى: هذا وهذا . ٢٨٠ تفسير سورة المائدة : ٣٤ عن أشعث بن سوار ، عن عامر الشعبى : أن حارثة بن بَدْرٍ خرج محارباً ، فأخاف السبيل، وسفك الدمَ، وأخذ الأموال، ثم جاء تائباً من قبل أن يُقْدرَ عليه، فقبل على بن أبى طالب عليه السلام توبته ، وجعل له أماناً منشوراً على ما كان أصاب من دم أو مال . ١١٨٨٠ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال ، أخبرنا هشيم، عن مجالد ، عن الشعبى : أن حارثة بن بدرٍ حاربَ فى عهد على بن أبى طالب ، فأتى الحسن بن على رضوان الله عليهما، فطلب إليه أن يستأمن له من علىّ، فأبى . ثم أتى ابن جعفر، فأبى عليه. (١) فأتى سعيد بن قيس الهمدانى ، فأمَّنه وضمّه إليه، وقال له: استأمِنْ لِى أميرَ المؤمنين على بن أبى طالب. (٢) قال: فلما صلى علىّ الغداة، (٣) أتاه سعيد بن قيس فقال: يا أمير المؤمنين، ما جزاء الذين يحارِبون الله ورسوله؟ قال: أن يقتَّلوا، أو يصلبوا، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الأرض. قال: ثم قال: ((إلاّ الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم)). قال سعيد : وإن كان حارثة بن بدر؟ قال: وإن كان حارثة بن بدر! قال : فهذا حارثة بن بدر قد جاء تائباً ، فهو آمن ؟ قال : نعم ! قال : فجاء به فبايعه ، وقبل ذلك منه ، وكتب له أماناً . ١١٨٨١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبد الرحمن بن مغراء ، عن مجالد ، عن الشعبى قال : كان حارثة بن بدر قد أفسد فى الأرض وحارب، ثم تاب. وكُلِّم له علىّ فلم يُؤْمنه . فأتى سعيد بن قيس فكلّمه، فانطلق سعيد بن قيس إلى على فقال: يا أمير المؤمنين ، ما تقولُ فيمن حارب الله ورسوله ؟ = فقرأ الآية كلها - فقال : أرأيت من تابَ من قبل أن تقدر عليه ؟ (١) يعنى عبد الله بن جعفر بن أبى طالب (٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((استأمن إلى))، والصواب ما أثبت. (٣) ((الغداة))، يعنى صلاة الفجر.