Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
تفسير سورة المائدة : ٢٣
﴿ مِنَ الَّذِينَ يَخَفُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا﴾، لإجماع قرأة الأمصار عليها = وأنّ
ما استفاضت به القراءة عنهم ، فحجة لا يجوز خلافها ، وما انفرد به الواحد ،
فجائز فيه الخطأ والسهو . ثم فى إجماع الحجةِ فى تأويلها على أنهما رجلان من
أصحاب موسى من بنى إسرائيل وأنهما يوشع وكلاب ، ما أغنى عن الاستشهاد
على صحة القراءة بفتح (( الياء )) فى ذلك ، وفساد غيره . وهو التأويل الصحيحُ
عندنا ، لما ذكرنا من إجماعها عليه .
٥
وأما قوله: ((أنعم الله عليهما))، فإنه يعنى: أنعم الله عليهما بطاعة الله فى
طاعة نبيه موسى صلى الله عليه ، وانتهائهم إلى أمره ، والانزجار عما زجرهما عنه
صلى الله عليه وسلم ، من إفشاء ما عاينا من عجيب أمر الجبارين إلى بنى إسرائيل،
الذى حدّث عنه أصحابهما الآخرون الذين كانوا معهما من النقباء . (١)
...
وقد قيل إن معنى ذلك: أنعم الله عليهما بالخوف.
* ذكر من قال ذلك :
١١٦٧٧ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا خلف بن تميم
قال، حدثنا إسحق بن القاسم ، عن سهل بن على قوله: (( قال رجلان من الذين
يخافون أنعم الله عليهما))، قال: أنعم الله عليهما بالخوف. (٢)
٥
(١) فى المطبوعة: ((الذى حذر عنه أصحابهما الآخرين ... ))، وفى المخطوطة: ((الذى
حول عنه أصحابهما الآخرون))، وصواب قراءة ذلك ما أثبت ، ولا معنى لتغيير ما غيره ناشر المطبوعة
الأولى .
(٢) الأثر: ١١٦٧٧ - ((خلف بن تميم بن أبى عتاب التميمى))، أبو عبد الرحمن،
ثقة عابد. مترجم فى التهذيب، والكبير ١٨٠/١/٢، وابن أبى حاتم ٣٧٠/٢/١.
و ((إسحق بن القاسم))، لم أجده .
وأما ((سهل بن على))، فلم أجد من يسمى بذلك إلا ((سهل بن على المروزى))، روى عن
المبارك . روى عنه المراوزة كلامه، وتأدبوا بورعه. مترجم فى ابن أبى حاتم ٢٠٣/١/٢.

١٨٢
تفسير سورة المائدة : ٢٣
وبنحو الذى قلنا فى ذلك كان الضحاك يقول ، وجماعة غيره .
١١٦٧٨ - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال ، حدثنى عبيد
ابن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((قال رجلان من الذين يخافون
أنعم الله عليهما))، بالهدى فهداهما، فكانا على دين موسى ، وكانا فى مدينة
الجبارين .
القول فى تأويل قوله جل ثناؤه (ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَبَ فَإِذَا
دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَلِبُونَ ﴾
قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله عز ذكره عن قول الرجلين اللذين يخافان
الله لبنى إسرائيل، إذ جبُنوا وخافوا من الدخول على الجبارين، لمَّا سمعوا خبرهم ،
وأخبرهم النقباء الذين أفشَوْا ما عاينوا من أمرهم فيهم، وقالوا: (١) ((إن فيها قومًا
١١٥/٦ جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها))، فقالا لهم : ادخلوا عليهم ، أيها القوم
باب مدینتهم، فإن الّ معکم،وهو ناصر کم، وإنکم إذا دخلتم الباب غلبتموهم، كما :-
١١٦٧٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق ، عن بعض
أهل العلم بالكتاب الأوَّل، قال: لما هم بنو إسرائيل بالانصراف إلى مصر، حين أخبرهم
النقباء بما أخبروهم من أمر الجبابرة ، خرَّ موسى وهرون على وجوههما سجوداً
قدَّام جماعة بنى إسرائيل ، وخرَّق يوشع بن نون وكالب بن يوفنا ثيابهما ، وكانا من
جواسيس الأرض، وقالا لجماعة بنى إسرائيل: ((إن الأرض مررنا بها وحسِسْناها
صالحةً، (٢) رضيها ربُّنالنافوهبها لنا، وإنها .. تفيض لبناً وعسلا"، (٣) ولكن افعلوا واحدة:
(١) السياق :... إذ جبنوا وخافوا ... وقالوا))، معطوفاً على ذلك.
(٢) ((حس منه خيراً وأحس))، رآه وعلمه.
(٣) فى المطبوعة والمخطوطة: ((وإنها لم تكن تفيض لبناً وعسلا))، وهو لا يستقيم، والذى

١٨٣
تفسير سورة المائدة : ٢٣
لا تعصُوا اللّه، ولا تخشوا الشعب الذين بها، فإنهم خُبْزُنا، ومُدَ فَّعون فى أيدينا،(١)
إن كبرياءهم ذهبت منهم ، (٢) وإن الله معنا فلا تخشوهم . فأراد الجماعة من
بنى إسرائيل أن يرجموهما بالحجارة .
١١٦٨٠ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة
قال: ذكرلنا أنهم بعثوا اثنى عشررجلاً، من كل سبط رجلاً، عيوناً لهم، وليأتوهم
بأخبار القوم. فأمَّا عشرة فجبّئُوا قومهم وكرَّهوا إليهم الدخول عليهم. وأما الرجلان
فأمرا قومهما أن يدخلوها ، وأن يتبعوا أمر الله ، ورغّبًا فى ذلك ، وأخبرا قومهما
أنهم غالبون إذا فعلوا ذلك .
١١٦٨١ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((عليهم الباب))، قرية
الجبَّارين.
٠ ٥
جاء فى كتاب القوم، فى سفر العدد، فى الإصحاح الثالث عشر: ((وحقاً إنها تفيض لبناً وعسلا))،
وفى الرابع عشر = وهو نص هذا الكلام بالعربية = (( ويعطينا إياها أرضاً تفيض لبناً وعسلا)).
فحذفت (( لم تكن))، ووضعت مكانها نقطاً، مخافة أن تكون الكلمة محرفة عن شىء لم أعرفه .
(١) فى المطبوعة: ((فإنهم جبناء مدفعون ... ))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو مطابق
لما فى كتاب القوم فى سفر العدد، الإصحاح الرابع عشر. ويعنى بقوله: ((خبرنا)»، أى هم
طعمة لنا وغنيمة ، كما نقول بالعربية .
(٢) فى المطبوعة: ((إن حاربناهم ذهبت منهم))، ولا أدرى ما هذا. وفى المخطوطة: ((إن
حرباهم ذهبت منهم)). ورأيت أن أقرأها كذلك، فإنى رأيت فى كتاب القوم: ((قد زال عنهم ظلهم ،
والرب معنا))، كأنه يعنى: قد ذهب عنهم ما كان ملازماً لهم من الجرأة والقوة والبطش والمهابة .
هذا ، ومن المفيد أن تقارن هذا المروى عن ابن إسحق ، بترجمة التوراة الموجودة فى أيدينا ،
فإن هذه الروايات عن ابن إسحق ، ترجمته قديمة التوراة بلا شك . ولعل متتبعاً يتتبع هذه الرواية
عن ابن إسحق وغيره ، ويقارنها بالترجمة الموجودة الآن ، فإن فى ذلك فوائد تاريخية عظيمة ، وفوائد
فى مناهج الترجمة قديماً وحديثاً .

١٨٤
تفسير سورة المائدة : ٢٤،٢٣
القول فى تأويل قوله جل ثناؤه ﴿ وَعَى اللهِ فَتَوَكَلُواْ إِنَ
ـم
مُؤْمِنِينَ )
قال أبو جعفر : وهذا أيضاً خبر من اللّه جل وعزّ عن قول الرجلين اللذين
يخافان الله، أنهما قالا لقوم موسى يشجعانهم بذلك، ويرغُّبانهم فى المضىّ لأمر
اللّه بالدخول على الجبارين فى مدينتهم = توكلوا أيها القوم ، على اللّه فى دخولكم
عليهم ، فيقولان لهم: (١) ثقوا باللّه، (٢) فإنه معكم إن أطعتموه فيما أمركم من
جهاد عدوًّكم. وعنيا بقولهما: ((إن كنتم مؤمنين))، إن كنتم مصد ◌ّقى نبيكم صلى
الله عليه وسلم فيما أنبأكم عن ربّكم من النصرة والظفر عليهم ، وفى غير ذلك من
إخباره عن ربه = ومؤمنين بأن ربّكم قادر على الوفاء لكم بما وعدكم من تمكينكم فى
بلاد عدوّه وعدو کم .
#
القول فى تأويل قوله عز ذكره (قَالُواْ يُمُوسَىَّ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا
أَبَدّا مَّا دَامُواْ فِهاَ فَأَذْهَبْ أَنتَوَرَبَكَ فَقْتِلاَ إِنَّ هَهُنَ قَمِدُونَ) )
قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله جل ذكره عن قول الملأ من قوم موسى
لموسى، إذ رُغِّبوا فى جهاد عدوّهم، ووعدوا نصر الله إيّاهم إن هم ناهضوهم ودخلوا
عليهم باب مدينتهم ، أنهم قالوا له: ((إنا لن ندخلها أبداً))، يعنون: إنا لن ندخل
مدينتهم أبداً .
(١) فى المطبوعة: ((ويقولان))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) انظر تفسير ((التوكل)) فيما سلف ص: ١٠٨، تعليق: ٢، والمراجع هناك.

١٨٥
تفسير سورة المائدة : ٢٤
و((الهاء والألف)) فى قوله: ((إنا لن ندخلها))، من ذكر ((المدينة)).
٠ ٠
ويعنون بقولهم: ((أبداً ))، أيام، حياتنا(١) = (( ما داموا فيها))، يعنون: ما كان
الجبارُون مقيمين فى تلك المدينة التى كتبها الله لهم وأمروا بدخولها = ((فاذهب أنت
وربك فقاتلا إنَّا ههنا قاعدون))، لانجىء معك يا موسى إن ذهبت إليهم لقتالهم،
ولكن نتركك تذهب أنت وحدك وربُّك فتقاتلانهم .
وكان بعضهم يقول فى ذلك: ليس معنى الكلام : اذهب أنت ، وليذهب
معك ربك فقاتلا = ولكن معناه : اذهب أنت ، يا موسى ، وليعنك ربُّك .
وذلك أن الله عز ذكره لا يجوز عليه الذهاب. (٢)
وهذا إنما كان يحتاج إلى طلب المخرج له ، لو كان الخبر عن قوم مؤمنين .
فأمّا قومٌ أهلُ خلافٍ على اللّه عز ذكره ورسوله، فلاوجه لطلب المخرج لكلامهم
فيما قالوا فى اللّه عز وجل وافتروا عليه، إلاّ بما يشبه كفرهم وضلالتهم.
٠٠٠
وقد ذكر عن المقداد أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم، خلاف
ما قال قومُ موسى لموسى .
١١٦٨٢ - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبى = وحدثنا هناد قال،
حدثنا وكيع = عن سفيان ، عن مخارق ، عن طارق : أن المقداد بن الأسود قال
للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لا نقول كما قالت بنو إسرائيل: ((اذهب أنت
وربك فقاتلا إنّا ههنا قاعدون))، ولكن نقول : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا
معكم مقاتلون . (٣)
(١) انظر تفسير ((أبدا)) فيما سلف ٩ : ٢٢٧.
(٢) هذه مقالة أبى عبيدة فى مجاز القرآن ١: ١٦٠، بمعناه، وبغير لفظه.
(٣) الأثر: ١١٦٨٢ - ((مخارق))، هو: ((مخارق بن عبد الله بن جابر البجلى الأحمسى))،
ويقال: ((مخارق بن خليفة)). مترجم فى التهذيب .

١٨٦
تفسير سورة المائدة : ٢٤
١١٦٨٣ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قال : ذكر لنا أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم الحديبية ، حین
صَدّ المشركون الهدى وحيل بينهم وبين مناسكهم: إنى ذاهبٌ بالهَدْىِ فناحِرُه عند
١١٦/٦ البيت! فقال له المقداد بن الأسود: أما والله لا نكون کالملأ من بنى إسرائيل إذْ
قالوا لنبيهم: ((اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون))، ولكن : اذهب أنت
وربك فقاتِلا إنّا معكم مقاتلون! فلما سمعها أصحابُ نبيِّ اللّه صلى اللّه عليه وسلم
تتابعوا على ذلك .(١)
#
*
وكان ابن عباس والضحاك بن مزاحم وجماعة غيرهما يقولون : إنما قالوا هذا
القول لموسى عليه السلام ، حين تبينَّ لهم أمر الجبارين وشدّةُ بطشهم .
١١٦٨٤ - حدثت عن الحسين قال ، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال،
حدثنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول : أمر الله جل وعزّ بنى إسرائيل
أن يسيروا إلى الأرض المقدسة مع نبيهُم موسى عليه السلام ، فلما كانوا قريباً من
المدينة قال لهم موسى: ((ادخلوها))، فأبوا وجبُنوا ، وبعثوا اثنى عشر نقيباً لينظروا
و ((طارق)) هو ((طارق بن شهاب بن عبد شمس البجلى الأحمسى))، رأى النبى صلى الله عليه وسلم ،
وروى عنه مرسلا ، وروى عن الخلفاء الأربعة ، وهو من أصحاب عبد الله بن مسعود . مترجم فى
التهذيب . ومضى برقم : ٩٧٤٤ .
وهذا الخبر روى من طريق طارق، مطولا ومختصراً. رواه البخارى مختصراً ، مرسلا وموصولا فى صحيحه
٤
( الفتح ٨: ٢٠٥)، ورواه مطولا موصولا (الفتح ٧: ٢٢٣ - ٢٢٧)، ورواه أحمد مطولا
فى مسند ابن مسعود برقم: ٣٦٩٨، ٤٠٧٠ ، ٤٣٧٦ .
:
وهذا الخبر فى مشورة النبى صلى الله عليه وسلم أصحابه قبل بدر لما وصل الصفراء، وبلغه أن
قريشاً قصدت بدراً ، وأن أبا سفيان نجا بما معه ، فاستشار الناس . وانظر القصة مفصلة فى كتب
السير . ثم انظر الخبر التالى ، وأن ذلك كان يوم الحديبية .
(١) الأثر : ١١٦٨٣ - كرر فى المخطوطة هذا الأثر بإسناده ونصه، فى المرة الأولى
كتبه إلى قوله: ((إنا معكم مقاتلون))، ثم عاد فكتب الخبر نفسه بإسناده، وأتمه على وجهه إلى
آخره . والظاهر أنه وقف عند هذا الموضع ، ثم عاد يكتب ، وكان الخبر قبله ينتهى أيضاً بقوله :
(( إنا معكم مقاتلون))، فظن أن الذى كتب هو الخبر الأول، فعاد فكتب الخبر بإسناده من أوله
إلى تمامه .

١٨٧
تفسير سورة المائدة : ٢٤، ٢٥
إليهم ، فانطلقوا فنظروا فجاؤوا بحبة فاكهة من فاكهتهم بوِقْر الرجل ، فقالوا :
اقدُرُوا قوّة قوم وبأسُهم هذه فاكهتهم! فعند ذلك قالوا لموسى: ((اذهب أنت
وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون )) .
١١٦٨٥ - حدثنى المثى قال، حدثنا عبد الله قال ، حدثنى معاوية ، عن
على ، عن ابن عباس ، نحوه .
٠
القول فى تأويل قوله جل ثناؤه ﴿ قَلَ رَبٍ إِ لَآَ أَمْلِكُ إِلا
◌َقْسِى وَأَخِى فَأَفْرُقْ بَيْنَوَ بَيْنَ اَلْقَوْمِ الْفُسِقِينَ)
قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل وعز عن قيل قوم موسى حين قال
له قومه ما قالوا ، من قولهم: (( إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت
وربك فقاتلاإنّا ههنا قاعدون » = أنه قال عند ذلك ، وغضبمن قیلهم له، (١)
داعياً : يا رب إنى لا أملك إلا نفسى وأخى - يعنى بذلك ، لا أقدر على أحد أن
أحمله على ما أحب وأريد من طاعتك واتّباع أمرك ونهيك ، إلا على نفسى
وعلی أخی .
= من قول القائل: ((ما أملك من الأمر شيئاً إلاّ كذا وكذا))، بمعنى: لا
أقدر على شىء غيره . (٢)
٠ ٠
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((من قيلهم لهم))، والسياق يقتضى ((له))، وسياق العبارة:
(( أنه قال عند ذلك ... داعياً: يا رب ... )).
(٢) انظر تفسير ((ملك)) فيما سلف قريباً ص: ١٠٥

١٨٨
تفسير سورة المائدة : ٢٥
ويعنى بقوله: ((فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين))، افصل بيننا وبينهم بقضاء
منك تقضيه فينا وفيهم ، فتبعِدُهم منّا .
٠ ٠٬
= من قول القائل: ((فَرَقت بين هذين الشيئين»، بمعنى: فصلت بينهما،
من قول الراجز : (١)
أَشَدَّ مَا فَرَّقْتَ بَيْنَ أَثْنَيْنِ(٣)
يَارَبِّ فَأَفْرُقْ بَيْنَهُ وَبَيْنِ
٠ ٠ ٠
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل
• ذكر من قال ذلك :
١١٦٨٦ - حدثنى محمد بن سعد قال ، حدثنى أبى قال ، حدثنى عى
(١) لعله: حبينة بن طريف العكلى. وانظر التعليق التالى. و((حبينة)) بالباء، والنون
وأخطأ من ظن أنه بنونين .
(٢) مجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ١٦٠، وهكذا جاء هناك وهنا. وفى المخطوطة: ((يارب
فارق))، وصححه فى المطبوعة، وجاء تصحيحه موافقاً لما فى مجاز القرآن. ولم أجد الرجز بهذا اللفظ،
وظنى أنه وجز حبينة بن طريف العكلى، له خبر طويل (انظر تهذيب إصلاح المنطق ١: ١٣٨)،
كان بينه وبين ليل الأخيلية كلام، فقال لها: «أما والله لو أن لى منك النصف، لسببتك سبأ
يدخل معك قبرك !! )) ثم راجزها وفضحها، فقال فى رجزء ذلك :
حَيَّاكَةٌ تَمْشِ بُعْطَتَيْنِ
جَارِيَّةٌ مِنْ شِعْب ذى رُعَيْنِ
قَدْ خَلَجَتْ بحاجِبٍ وَعَيْنٍ
وَذِى عِبَبٍ فَعِظِ الْعَصْرَيْنِ
أَشَدَّ مَاخُلِى بَيْنَ اثْنَيْنِ
خَلُّوا بَيْنَهَا وَبْيِى
یا قَوْم
لم يُلْقَ قَطُّ مِثْلَنَاَ سِيَّيْنِ
(((حياكة))، تحيك فى مشيتها، أى تتبختر، و((وتنشط بالعلمطحان))، قلادتان أو ودعتان
تكون فى أعناق الصبيان، ((خجلت المين)) واضطربت. يصفها بالغمز الرجال. ((سيين)):
مثلين. و((هب التيس حباباً وحبيباً))، حاج وقب السفاد
وقد هذا الشعر وغيره مفرقاً فى المؤتلف والمختلف للأمدى: ٩٧، وإصلاح المنطق : ٨٩،
وتهذيب إصلاح المنطق: ١٣٨، واللسان (خليج) (غلط) (نعظ) (عرك)، والمخصص ٢ : ٤٧.
والشعر بهذه الرواية لا شاهد فيه.

١٨٩
تفسير سورة المائدة : ٢٥
قال ، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: ((فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين))،
يقول : اقض بينى وبينهم .
١١٦٨٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله قال ، حدثنى معاوية ، عن
على ،عن ابن عباس: ((فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين))، يقول: اقض
بيننا وبينهم .
١١٦٨٨ -حدثی موسی بن هرون قال،حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا
أسباط، عن السدى، قال: غضب موسى صلى الله عليه وسلم حين قال له القوم: (( اذهب
أنت وربك فقاتلا إنّا ههنا قاعدون))، فدعا عليهم فقال: ((رب إنّ لا أملك
إلا نفسى وأخى فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين))، وكانت عَجْلَةً من موسى عجلها.(١)
١١٦٨٩ - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا عبيد
ابن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين»،
يقول : اقض بيننا وبينهم ، وافتح بيننا وبينهم = كلّ هذا يقول الرجل: ((اقض
بيننا))(٢) = فقضاء الله جل ثناؤه بينه وبينهم: أن سماهم ((فاسقين)). (٣)
٠ ٠
٥
وغنى بقوله: ((الفاسقين))، الخارجين عن الإيمان بالله وبه إلى الكفر بالله وبه.
٠٠٠
وقد دللنا على أن معنى ((الفسق))، الخروج من شىء إلى شىء، فيما مضى،
بما أغنى عن إعادته . (٤)
(١) ((عجلة)) مصدر الواحدة من قولهم: ((عجل))، إذا أسرع.
(٢) فى المطبوعة: ((كل هذا من قول الرجل))، وأثبت ما فى المخطوطة، وكأنه صواب،
وكأنه يقول ((افرق بينا)) و ((اقض بينا))، و((افتتح بيننا)) كل ذلك يقول الرجل بمعنى
((اقض بيننا)) .
(٣) فى المطبوعة والمخطوطة: ((فقضى اللّه))، وآثرت قراءتها كذلك لحسن سياقها، وهو
فى المخطوطة يكثر أن يكتب ((قضاء)) هكذا ((قضى))، كما سلف مراراً.
(٤) انظر تفسير ((الفسق)) فيما سلف ١: ٤٠٩، ٢/٤١٠: ١١٨/ ثم ٩ : ٥١٥،
تعليق: ٢، والمراجع هناك .

١٩٠
تفسير سورة المائدة : ٢٦
القول فى تأويل قوله جل ثناؤه ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ
أَرْبَعِينَ سَنَةً يَنِيهُونَ فى الأُرْضِ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فى الناصب لـ ((الأربعين)).
فقال بعضهم: الناصب له قوله: ((محرّمة))، وإنما حرم الله جل وعزّ على
القوم الذين عصوه وخالفوا أمره من قوم موسى وأبوا حَرْب الجبارين (١) = دخول"
مدينتهم أربعين سنة، (٢) ثم فتحها عليهم وأسكنهموها، (٣) وأهلك الجبارين بعد
حرب منهم لهم، بعد أن انقضت الأربعون سنة وخرجوا من التيه . (٤)
١١٦٩٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الله بن أبى
جعفر ، عن أبيه، عن الربيع قال: لما قال لهم القوم ما قالوا ، ودعا موسى عليهم،
أوحى الله إلى موسى: ((إنها محرمة عليهم أربعين سنةً يتيهون فى الأرض فلا تأس
على القوم الفاسقين))، وهم يومئذ، فيما ذكر، ستمئة ألف مقاتل. فجعلهم ((فاسقين))
بما عصوا . فلبثوا أربعين سنة فى فراسخ ستّة أو دون ذلك ، يسيرون كل يوم
جادّين لكى يخرجوا منها حتى سئموا ونزلوا، (٥) فإذا هم فى الدار التى منها ارتحلوا =
وأنهم اشتكوا إلى موسى ما فُعِل بهم، فأنزل عليهم المن والسلوى، وأعطوا من الكسوة
ما هى قائمة لهم، وينشأ الناشئ فتكون معه على هيئته . (٦) وسأل موسى ربه أن
١١٧/٦
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((وإنما حرم الله جل وعز القوم ... ))، والسياق يقتضى
ما أثبت، بزيادة ((على)).
(٢) قوله ((دخول)) منصوب، مفعول لقوله: ((حرم)). وكان فى المطبوعة: ((ودخول
مدينتهم))، وهو خطأ لا شك فيه ، والكلام لا يستقيم .
(٣) فى المطبوعة: ((وأسكنوها))، غير ما فى المخطوطة لغير علة.
(٤) فى المطبوعة: ((بعد أن قضيت الأربعون سنة))، غير ما فى المخطوطة لغير علة.
(٥) فى المطبوعة: ((حتى يمسوا وينزلوا))، وأثبت ما فى المخطوطة، فهو صواب.
(٦) قوله: ((ما هى قائمة لهم))، كأنه يعنى أن ثيابهم كانت لا تبلى، بل لا تزال قائمة.
وكان فى المطبوعة والمخطوطة: ((ينشأ)) بغير واو، فزدتها لاقتضاء السياق.

١٩١
تفسير سورة المائدة : ٢٦
يسقيهم، فأتى بحجر الطور، وهو حجر أبيض ، إذا ما نزل القوم ضربه بعصاه،
فيخرج منه اثنتا عشرة عيناً، لكل سبط منهم عَيْنٌ ، قد علم كل أناس مشربهم.
حتى إذا خَلَت أربعون سنة، وكانت عذاباً بما اعتدوا وعصوا ، أوحى إلى موسى:
أنْ مُرْهم أن يسيروا إلى الأرض المقدسة ، فإن الله قد كفاهم عدوّهم، وقل لهم إذا
أتوا المسجد: أنْ يأتوا الباب، ويسجدوا إذا دخلوا، ويقولوا: ((حطة)) = وإنما
قولهم: ((حطة))، أن يحطَّ عنهم خطاياهم - فأبى عامة القوم وعصوا ، وسجدوا على
خدّهم ، وقالوا: ((حنطة))، فقال الله جل ثناؤه: ﴿ فَبَدَّلَ اُلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً
غَيْرَ أُلَّذِى قِيلَ لَهُمْ﴾ إلى: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [ سورة البقرة: ٥٩].(١)
وقال آخرون: بل الناصب لـ ((الأربعين))، ((يتيهون فى الأرض)). قالوا: ومعنى
الكلام : قال فإنَّها محرمة عليهم أبداً، يتيهون فى الأرض أربعين سنة . قالوا : ولم
يدخُل مدينة الجبّارين أحد ممن قال: ((إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها فاذهب
أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون )) ، وذلك أن الله عز ذكره حرَّمها عليهم.
قالوا: وإنما دخلها من أولئك القوم يُوشع وكلاب، اللذان قالا لهم: ((ادخلوا
عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون))، وأولادُ الذين حرَّم الله عليهم دخولها
فتيَّههم اللّه فلم يدخلها منهم أحدٌ
• ذكر من قال ذلك :
١١٦٩١ -حدثنا محمد بن بشارقال ، حدثنا سليمان بن حرب قال ، حدثنا
أبو هلال، عن قتادة فى قول الله جل وعزّ: ((إنها محرمة عليهم))، قال : أبداً .
١١٦٩٢ -حدثنا ابن بشار قال، حدثنا سليمان بن حرب قال ، حدثنا
بو هلال، عن قتادة فى قول الله: ((يتيهون فى الأرض))، قال : أربعين سنة.
١١٦٩٣ - حدثنا المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال ، حدثنا هرون
(١) الأثر: ١١٦٩٠ - كأن هذا هو الأثر الذى ذكر أبو جعفر إسناده ولم يتمه فيما مضى
رقم : ٩٩٣ . فلا أدرى أفعل ذلك اختصارا ، أم سقط الخبر من هناك .

١٩٢
تفسير سورة المائدة : ٢٦
النحوى قال، حدثنى الزبير بن الخرّيت، عن عكرمة فى قوله: ((فإنها محرّمة
عليهم أربعين سنة يتيهون فى الأرض))، قال: التحريم، التيهاءُ.(١)
١١٦٩٤ -حدثنا موسى بن هرون قال ،حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا
أسباط ، عن السدى قال: غضب موسى على قومه فدعا عليهم فقال: (( رب إنى
لا أملك إلاّ نفسى وأخى)) الآية، فقال الله جل وعز: ((فإنها محرمة عليهم أربعين
سنة يتيهون فى الأرض)). فلما ضُرِب عليهم التيه ، ندم موسى. وأتاه قومه الذين
كانوا [معه] يطيعونه، (٢) فقالوا له: ما صنعت بنا يا موسى ! فمكثوا فى التيه . فلما
خرجوا من التيه، رُفِع المنُّ والسلوى وأكلُوا من البقول. والتقى موسى وعاج، (٣)
فنزا موسى فى السماء عشرة أذرع (٤) = وكانت عصاه عشرة أذرع ، وكان طوله
عشرة أذرع = فأصاب كعب عاج فقتله . (٥) ولم يبق [أحد] ممن أبى أن يدخل قرية
الجبّارين مع موسى، إلاّ مات ولم يشهد الفتح. (٦) ثم إن الله جل وعز لما انقضت
الأربعون سنة ، بعث يوشع بن النون نبياً ، (٧) فأخبرهم أنه نبيّ، وأن الله قد أمره
أن يقاتل الجبّارين، فبايعوه وصدَّقوه، فهزم الجبارين واقتحمُوا عليهم يقتُلونهم، (٨)
(١) الأثر: ١١٦٩٣ - ((مسلم بن إبراهيم الأزدى الفراهيدى)).
و ((هرون النحوى))، هو: ((هرون بن موسى الأزدى)»، الأعور .
و ((الزبير بن الحزيت)). ثقات مضوا جميعاً برقم: ٤٩٨٥.
وهذا الخبر، رواه أبو جعفر فى تاريخه ١ : ٢٢٥، ٢٢٦ .
وكان فى المطبوعة هنا: ((التحريم، لا منتهى له))، وهو تصرف معيب بالغ العيب . وفى
المخطوطة: ((التحريم، المنتهى))، فآثرت قراءتها (التيهاء)) يقال: ((أرض تيه، وتيهاء))،
ويقال: ((تيه)) جمع ((تيهاء))، وهى المفازة يتاه فيها. وفى تاريخ الطبرى ١: ٢٢٦ ((التحريم: التيه)).
(٢) هذه الزيادة بين القوسين مما مضى فى ٢ : ٩٨، رقم : ٩٩١ .
(٣) فى المطبوعة: ((عوج)) فى هذا المكان، وكل ما سيأتى، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٤) فى المطبوعة: ((فوثب))، ولم يحسن قراءة المخطوطة، لأنها غير منقوطة. و.((نزا
ينزو نزواً))، وثب. وهى كما أثبتها فى تاريخ الطبرى ٢ : ٢٢٣.
(٥) عند هذا الموضع انتهى ما رواه أبو جعفر فى تاريخه ١ : ٢٢٣.
(٦) زدت ما بين القوسين من تاريخ الطبرى ، ولا يستقيم الكلام إلا بها .
(٧) فى المطبوعة: ((بن نون)).
(٨) فى المطبوعة: ((يقاتلونهم))، وأثبت ما فى المخطوطة. وفى تاريخ الطبرى: ((فقتلوهم)).

١٩٣
تفسير سورة المائدة : ٢٦
فكانت العصابة من بنى إسرائيل يجتمعون على عُنُق الرجل يضربونها لا يقطعونها. (١)
١١٦٩٥ - حدثنى عبد الكريم بن الهيثم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال ،
حدثنا سفيان قال ، قال أبو سعيد، (٢)عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال اللّه
جل وعز: لما دعا موسى = ((فإنها محرّمة عليهم أربعين سنة يتيهون فى الأرض)). (٣)
قال: فدخلوا التيه، فكلّ من دخل التيه ممن جاوز العشرين سنةً مات فى التيه. (٤)
قال: فمات موسى فى التيه، ومات هرون قبله . قال: فلبثوا فى تيههم أربعين سنة،
فناهض يوشع بمن بقى معه مدينةَ الجبارين ، فافتتح يوشع المدينة . (٥)
١١٦٩٦ - حدثنا بشرقال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ،
قال الله جل وعزّ: (( إنها محرّمة عليهم أربعين سنة))، حرمت عليهم [القُرَى]، (٦)
فكانوا لا يهبطون قرية ولا يقدرون على ذلك، إنما يتبعون الأطواء أربعين سنة، (٧)
= وذكر لنا أن موسى صلى الله عليه مات فى الأربعين سنة، وأنه لم يدخل بيت
المقدس منهم إلا أبناؤهم والرجلان اللذان قالا ما قالا . (٨)
١١٦٩٧ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق قال ،
حدثنى بعض أهل العلم بالكتاب الأوّل قال: لما فعلت بنو إسرائيل ما فعلت = من ١١٨/٦
(١) الأثر: ١١٦٩٤ - هذا الأثر رواه أبو جعفر مفرقاً بين تاريخه وتفسيره، كما مر عليك
فى التعليقات السالفة. ومن عند ذلك الموضع الذى أشرت إليه فى ص: ١٩٢ التعليق رقم: ٥، إلى
هذا الموضع رواه أبو جعفر فى التاريخ ١ : ٢٢٥.
(٢) فى المخطوطة: ((أبو سعد))، وهو خطأ، وانظر الأثر السالف رقم: ١١٦٦٨.
(٣) فى المطبوعة: ((قال لما دعا موسى قال اللّه فإنها محرمة ... ))، غير ما فى المخطوطة، مع
أنه مطابق لما فى تاريخ الطبرى .
(٤) فى المخطوطة؛ ((جاز العشرين))، وما فى المطبوعة مطابق لما فى التاريخ.
(٥) الأثر: ١١٦٩٥ - هذا الأثر، رواه أبو جعفر فى تاريخه ١: ٢٢٥.
(٦) الزيادة بين القوسين من تاريخ الطبرى، وهى زيادة لا بد منها. وكان فى المطبوعة والمخطوطة
بعد ((وكانوا)) بالواو ، والصواب من التاريخ .
(٧) ((الأطواء)) جمع ((طوى)) (بفتح الطاء، وكسر الواو، وتشديد الياء ): وهو البئر
المطوية بالحجارة، وهو صفة على ((فعيل)) بمعنى ((مفعول)) انتقل إلى الأسماء، فلذلك جمعوه على ((أفعال))
كما قالوا: ((شريف)) و((أشراف))، و((يتيم))، و((أيتام)).
(٨) الأثر: ١١٦٩٦ - رواه أبو جعفرفى التاريخ ٢٢٥:١، إلا قوله: ((إنما يتتبعون الأطواء)).
ج ١٠ (١٣)

١٩٤
تفسير سورة المائدة : ٢٦
معصيتهم نبيّهم، وهمّهم بكالب ويوشع، إذْ أمرًاهم بدخول مدينة الجبارين، وقالا
لهم ما قالا= ظهرت عظمة الله بالغمام على باب قُبّة الزُّمَرٍ على كل بنى إسرائيل، (١)
فقال جل ثناؤه لموسى : إلى متى يعصينى هذا الشعب ؟ وإلى متى لا يصدّقون
بالآيات كلِّها التى وضَعتُ بينهم ؟ أضربهم بالموت فأهلكهم، (٢) وأجعل لك
شعباً أشد وأكبر منهم . فقال موسى : يسمع أهلُ المصر الذين أخرجتَ هذا
الشعب بقوّتك من بينهم ، (٣) ويقول ساكن هذه البلاد الذين قد سمعوا أنك أنت
اللّه فى هذا الشعب، (٤) فلو أنك قتلت هذا الشعب كلهم كرجل واحد ، لقالت
الأمم الذين سمعوا باسمك: (( إنما قتل هذا الشعب من أجل الذين لا يستطيع أن
يدخلهم الأرض التى خلق لهم ، فقتلهم فى البرّية ))، ولكن لترتفع أياديك ويعظم
جزاؤك، يا رَبِّ، كما كنت تكلَّمت وقلتَ لهم، فإنه طويلٌ صبرك ، كثيرة
نعمك ، وأنت تغفر الذنوب فلا توبق، (٥) وإنك تحفظ [ ذنب] الآباء على الأبناء
وأبناء الأبناء إلى ثلاثة أحقاب وأربعة. (٦) فاغفر، أيْ ربِّ، آثام هذا الشعب بكثرة
(١) كان فى المطبوعة: ((على ذار فيه الرمز))، وهو لا معنى له، وفى المخطوطة ((على دافه
الرمز" كل ذلك غير منقوط، وصواب قراءته كما أثبت، فإنى أشك فى كلمة ((فار)) التى كانت فى المطبوعة،
والتى فى المخطوطة غير منقوطة، فرجحت قراءتها ((باب))، لأنه يكثر فى كتاب القوم: ((باب خيمة
الاجتماع)) كما فى سفر العدد، الإصحاح العاشر مثلا. و((خيمة الاجتماع))، هى التى جاءت فى خبر
ابن إسحق ((قبة الزمر))، و((الزمر)) جمع ((زمرة)) وهى الجماعة. ويقابل ما رواه ابن إسحق هنا فى سفر
العدد، الإصحاح الرابع عشر، ((ثم ظهر مجد الرب فى خيمة الاجتماع))، فثبت بهذا أن ((خيمة الاجتماع))
- هى ((قبة الزمر)). و ((القبة)) عند العرب. هى خيمة من أدم مستديرة .
هذا ، وخبر ابن إسحق هذا بطوله ، هو ترجمة أخرى للإصحاح الرابع عشر من سفر العدد . فمن
المفيد مراجعته ، كما أسلفت فى ص : ١٨٣، تعليق ٢ . وسأجتهد فى بيان بعض خلاف الترجمة هنا .
(٢) هكذا فى المخطوطة والمطبوعة: ((أضربهم بالموت))، وفى كتاب القوم ((بالوباً))، وغير
بعيد أن يكون لفظ ((الموت)) مصحفاً عن ((الوبأ)).
(٣) فى كتاب القوم: ((فيسمع المصريون ... )).
(٤) فى المطبوعة: ((ساكنو هذه البلاد))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٥) من الحسن أن تقرأ هذا النص فى كتاب القوم، فإنه هناك: ((فالآن لتعظم قدرة سيدى كما
تكلمت قائلا. الرب طويل الروح، كثير الإحسان ، يغفر الذنب والسيئة)).
(٦) فى المطبوعة: ((إلى ثلاثة أجيال وأربعة))، وأثبت ما فى المخطوطة. و((الأحقاب)) جمع

١٩٥
تفسير سورة المائدة : ٢٦
نعمك، وكما غفرت لهم منذ أخرجتهم من أرض مصر إلى الآن. فقال الله جل ثناؤه
لموسى صلى الله عليه: قد غفرت لهم بكلمتك، ولكن حىٍّ أنا ، (١)وقد ملأت
الأرض محمدتى كلها ، لا يرى القوم الذين قد رأوا محمدتى وآياتى التى فعلت فى
أرض مصر وفى القفار ، (٢) وابتلونى عشر مرات ولم يطيعونى، (٣) لا يرون الأرض
التى حلفت لآبائهم ، (٤) ولا يراها من أغضبنى، فأما عبدى كالب الذى كان
روحه معى واتبع هواى، (٥) فإنى مدخله الأرض التى دخلها ويراها خَلَّفه .
= وكان العماليق والكفْعانيون جلوساً فى الجبال، ثم غدوا فارتحلوا إلى القفارفى
طريق بحر سوف، (٦) وكلم الله عز وجل موسى وهرون وقال لهما: إلى متى توسوس
علىّ هذه الجماعة جماعة السوء ؟ قد سمعتُ وسوسة بنى إسرائيل. (٧) وقال :
((حقب)) (بضم فسكون، أو بضمتين ):، وهى الدهر، قيل: ثمانون سنة، وقيل أكثر. وأما
ما بين القوسين فقد استظهرته من كتاب القوم، فإن الكلام بغيره غير مستقيم. وهو فى كتابهم: ((بل
يجعل ذنب الآباء على الأبناء إلى الجيل الثالث والرابع)).
(١) فى المطبوعة: ((ولكن قد أتى أنى أنا الله))، غير ما فى المخطوطة، إذ لم يحسن قراءته،
وهو كما أثبته، وهو فى كتاب القوم أيضاً: ((ولكن حى أنا فتملأ كل الأرض من مجد الرب)).
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((ألا ترى القوم))، والسياق يقتضى ما أثبت، وهو بمعناه فى كتاب
القوم .
(٣) فى المطبوعة: ((وسلونى عشر مرات))، و((ابتلاه)): اختبره، وفى كتاب القوم: ((وجربوفى
عشر مرات)» .
(٤) فى المطبوعة: ((التى خلقت))، وهو ليس صحيح المعنى، بل هو باطل. وهى فى المخطوطة
غير منقوطة، وهى فى كتاب القوم ((حلفت)) كما هى فى رسم المخطوطة، وكما أثبتها، اتفقت على ذلك
الترجمة القديمة، وهذه الترجمة التى بين أيدينا. والمعنى فى ذلك: الأرض التى أقسمت لآبائهم بعزتى وجلالى
أن أجعلها لأبنائهم .
(٥) فى ترجمة القوم: ((وأما عبدى كالب، فمن أجل أنه كانت معه روح أخرى. وقد اتبعنى
تماماً » .
(٦) فى المطبوعة والمخطوطة: ((فى طريق يحرسون))، وهو تصحيف وتحريف. والصواب ما أثبته
و ((بحرسوف)) هو المعروف باسم ((البحر الأحمر))، وكان العرب يعرفونه باسم ((بحر القلزم))،
و ((القلزم)): مدنية قديمة كانت قرب أيلة والطور. و((السوف)) لعلها نطق قديم لقول العرب
((السيف)) ( بكسر السين )، وهو ساحل البحر، ولعله قد سمى به موضع هناك ، فنسب إليه البحر .
(٧) ((وسوس عليه))، و((الوسوسة))، مضت فى الأثر رقم: ١١٦٦٣، ولم أشرحها هناك.

١٩٦
تفسير سورة المائدة : ٢٦
لأفعلن بكم كما قلت لكم ، (١) ولتلقينَّ جِيفكم فى هذه القفار، وكحسابكم، (٢)
من بنى عشرين سنة فما فوق ذلك، من أجل أنكم وسوستم علىّ ، (٣) فلا تدخلوا
الأرض التى رفعت [ يدى] إليها ، (٤) ولا ينزل فيها أحد منكم غير كالب بن يوفنا
ويوشع بن نون ، وتكون أثقالكم كما كنتم الغنيمة، وأما بنُوكم اليوم الذين لم يعلموا
ما بين الخير والشر، فإنهم يدخلون الأرض، وإنى بهم عارف ، لهم الأرض التى
أردت لهم ، وتسقط جيفكم فى هذه القفار ، وتتيهون فى هذه القفار على حساب
الأيَّام التى حَسَستم الأرض أربعين يوماً، مكان كل يوم سنةً، وتقتلون بخطاياكم
أربعين سنة، وتعلمون أنكم وسوستم قُدَّامى. إنى أنا الله فاعل بهذه الجماعة- جماعة
بنى إسرائيل الذين وعدوا قدامى = بأن يتيهوا فى القفار ، (٥) فيها يموتون .
= فأما الرهط الذين كان موسى بعثهم ليتحسسوا الأرض، ثم حرَّشوا الجماعة
فأفشوا فيهم خبرَ الشرّ، فماتوا كلهم بغتةً، وعاش يوشع وكالب بن يوفنا من الرهط
الذين انطلقوا يتحسسون الأرض .
= فلما قال موسى عليه السلام هذا الكلام كلَّه لبنى إسرائيل ، حزن الشعب
وأصل ((الوسوسة)): الصوت من الريح، أو صوت الحلى والقصب وغيرها. و((الوسوسة)) أيضاً: كلام
خفى مختلط لا يستبين. ((وسوس الرجل)): إذا تكلم بكلام لم يبينه . وهذه ترجمة بلا شك، يراد بها
الإكثار من الكلام الخفى المبهم ، يتناقله القوم بينهم متذمرين. ويقابله فى ترجمة القوم، فى الكتاب
الذى بين أيدينا: ((قد سمعت تذمر بنى إسرائيل ... )»
(١) فى كتاب القوم هكذا: ((لأفعلن بكم كما تكلمتم فى أذنى)).
(٢) فى المطبوعة: ((وحسابكم))، وأثبت ما فى المخطوطة، يعنى: مثل عددكم، أى جميعاً.
وفى كتاب القوم: ((جميع المعدودين منكم حسب عدد كم)).
(٣) انظر تفسير ((الوسوسة)) آنفاً ص ١٩٥، رقم: ٧.
(٤) فى المطبوعة والمخطوطة: ((التى دفعت إليها))، وليس له معنى، فجعلتها ((رفعت)) وزدت
((يدى)) بين القوسين استظهاراً من نص كتاب القوم، وفيه: ((التى رفعت يدى لأسكننكم فيها)).
. الذين وعدوا بأن يتيهوا .... ))،
(٥) فى المطبوعة: ((قد أتى أنى أنا الله.
وأثبتت ما فى المخطوطة . وفى كتاب القوم: (( ..
... فتعرفون ابتعادى . أنا الرب قد تكلمت ، لأفعلن
هذا بكل هذه الجماعة الشريرة المتفقة على. فى هذا القفر يفنون وفيه يموتون)) .

١٩٧
تفسير سورة المائدة : ٢٦
حزناً شديداً ، وغدوا فارتفعوا ، إلى رأس الجبل، (١) وقالوا: نرتقى الأرض التى قال
جل ثناؤه ، من أجل أنا قد أخطأنا . فقال لهم موسى: (( لم تعتدون فى كلام الله ؟
من أجل ذلك لا يصلح لكم عمل ، ولا تصعدوا من أجل أنَّ اللّه ليس معكم ،
فالآن تنكسرون من قدّام أعدائكم، من أجل العمالقة والكنعانيين أمامكم ، فلا
تقعوا فى الحرب من أجل أنكم انقلبتم على اللّه، فلم يكن اللّه معكم)). فأخذوا يَرْقَوْنَ
فى الجبل ، ولم يبرح التابوت الذى فيه مواثيق الله جل ذكره وموسى من المحلة =
يعنى من الخيمة(٢) = حتى هبط العماليق والكنعانيون فى ذلك الحائط ، فحرقوهم
وطردوهم وقتلوهم. (٣) فتيههم الله عز ذكره فى التيه أربعين سنةً بالمعصية، حتى
هلك من كان استوجب المعصية من اللّه فى ذلك .
= قال: فلما شَبّ النواشئ من ذراريهم وهلك آباؤهم، وانقضت الأربعون سنة
التى تُيُّهوا فيها ، (٤)وساربهم موسى ومعه يوشع بن نون وكالب بن يوفنا، وكان
- فيما يزعمون - على مريم ابنة عمران أخت موسى وهرون، وكان لهما صهرًا، (٥) قدَّم
يوشع بن نون إلى أريحا ، فى بنى إسرائيل ، فدخلها بهم، وقتل بها الجبابرة الذين
١١٩/٦
(١) فى المطبوعة: ((على رأس الجبل))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) فى المطبوعة: ((يعنى من الحكمة))، والصواب ما أثبت، لأن ((التابوت)) كان فى خيمة.
والفظة فى المخطوطة غير بينة الكتابة. وانظر صفة ((الخيمة)) التى كان فيها التابوت فى قاموس كتابهم.
(٣) إلى هذا الموضع انتهى الإصحاح الرابع عشر من سفر العدد. وقد تبين أن ما رواه ابن إسحق ،
هو ترجمة أخرى لهذا الإصحاح . ولغة ترجمة إبن إسحق تخالف كل المخالفة ، عبارة ابن إسحق فى سائر
ما كتب من السير، وفيها عبارات وجمل وألفاظ، لا أشك فى أنها من عمل مترجم قديم. ومحمد بن إسحق
مات فى نحو سنة ١٥٠ من الهجرة، فهذه الترجمة التى رواها عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول ، قد
تولاها بلا ريب رجال قبل هذا التاريخ، أى فى القرن الأول من الهجرة . وهذا أمر مهم ، أرجو أن أتتبعه
فيما بعد حتى أضع له تاريخاً يمكن أن يكشف من أمر هذه الترجمة العتيقة.
(٤) فى المطبوعة: ((التى تتهوا)) بتامين، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو مطابق لما فى تاريخ الطبرى
١ : ٢٢٦ .
(٥) من أول قوله: ((فلما شب النواشىء))، إلى هذا الموضع، مروى فى تاريخ الطبرى ١: ٢٢٦.

١٩٨
تفسير سورة المائدة : ٢٦
كانوا فيها ، ثم دخلها موسى ببنى إسرائيل، فأقام فيها ما شاء الله أن يُقيم ، ثم
قبضه الله إليه ، لا يعلم قبره أجد من الخلائق .
٠٠٠
قال أبو جعفر: وأولى القولين فى ذلك عندى بالصواب ، قولُ من قال : إن
((الأربعين)) منصوبةب (التحريم)) = وأنّ قوله: ((محرمة عليهم أربعين سنة))، معنى
به جميع قوم موسى، لا بعض دون بعض منهم . لأن الله عز ذكره عمّ بذلك القوم
ولم يخصص منهم بعضاً دون بعض. وقد وفى الله جل ثناؤه بما وعدهم به من العقوبة،
فتيَّههم أربعين سنة، وحرَّم على جميعهم، فى الأربعين سنة التى مكثوا فيها تائهين ،
دخولَ الأرض المقدَّسة، فلم يدخلها منهم أحد، لا صغير ولا كبير ، ولا صالح
ولا طالح، حتى انقضت السنون التى حرَّم الله عز وجل عليهم فيها دخولها . ثم
أذن لمن بقى منهم وذراريهم بدُخولها مع نبي الله موسى والرجلين اللذين أنعم الله عليهما،
وافتتح قرية الجبارين، إن شاء الله، نبي الله موسى صلى الله عليه وسلم، وعلى مقدّمته
يوشع، وذلك لإجماع أهل العلم بأخبار الأوَّلين أن عوج بن عناق قتله موسى صلى
اللّه عليه وسلم. (١) فلو كان قتلُه إياه قبل مصيره فى التيه، وهو من أعظم الجبارين
خلقاً ، لم تكن بنو إسرائيل تجزّع من الجبارين الجزعَ الذى ظهر منها . ولكن
ذلك كان، إن شاء الله، بعد فناء الأمة التى جزعت وعصت ربها ، وأبت الدخول
على الجبارين مدينتهم .
وبعدُ، فإن أهل العلم بأخبار الأوّلين مجمعون على أن بلعم بن باعور ، (٢)
كان ممن أعان الجبارين بالدعاء على موسى. ومحالٌ أن يكون ذلك كان وقوم
موسى ممتنعون من حربهم وجهادهم ، لأن المعونة إنما يحتاج إليها من كان مطلوباً ،
فأما ولا طالب ، فلا وجه للحاجة إليها .
(١) فى المطبوعة: ((عوج بن عنق))، وأثبت ما فى المخطوطة. وانظر ما سلف أنه روى فى اسمه
((عاج)) ص: ١٩٢، تعليق: ٢.
(٢) فى المطبوعة: ((باعوراء))، وأثبت ما فى المخطوطة.
:

١٩٩
تفسير سورة المائد ٢٠
١١٦٩٨ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا مؤمل قال ، حدثنا سفيان ، عن
أی إسحق، عن نوف قال : کان سرير عوج ثمانمئة ذراع ، وکان طول موسى
عشر أذرع، وعصاه عشر أذرع ، ووثب فى السماء عشر أذرع ، (١) فضرب
عوجاً فأصاب كعبه، فسقط ميتاً ، فكان جسراً للناس يمرُّون عليه . (٢)
١١٦٩٩ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عطية قال ، حدثنا قيس ،
عن أبى إسحق، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : كانت عصا موسى
عشر أذرع ، ووثبته عشر أذرع ، وطوله عشر أذرع، (١) فوثب فأصاب كعب
عوج فقتله ، فكانَ جسرًا لأهل النيل سنة . (٣)
ومعنى: (( يتيهون فى الأرض))، يحارون فيها ويضلُّون = ومن ذلك قيل للرجل
الضال عن سبيل الحق: ((تائه)). وكان تيههم ذلك: أنهم كانوا يصبحون أربعين سنة
كل يوم جادًّين فى قدرستة فراسخ للخروج منه، فيمسون فى الموضع الذى ابتدأوا
السير منه .
١١٧٠٠ - حدثنى بذلك المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الله بن
أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع . (٤).
١١٧٠١ -حدثی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا
(١) فى المطبوعة ((عشرة أذرع)) فى المواضع الثلاثة، وأثبت ما فى المخطوطة، وكلاهما صواب
فإن ((الذراع)»، مؤنثة، وقد تذكر.
(٢) الأثر: ١١٦٩٨ - رواه أبو جعفر فى تاريخه ١ : ٢٢٣.
(٣) الأثر: ١١٦٩٩ - رواه أبو جعفر فى تاريخه ١: ٢٢٣.
هذا ، وكل ما رواه أبو جعفر من أخبار وج ، وما شابهه مما مضى فى ذكر ضخامة خلق هؤلاء
الجبارين ، إنما هى مبالغات كانوا يتلقونها من أهل الكتاب الأول ، لا يرون بروايتها بأساً. وهى
أخبار زيوف لا يعتمد عليها .
(٤) الأثر: ١١٧٠٠ - انظر الأثر السالف رقم: ١١٦٩٠.

٢٠٠
تفسير سورة المائدة : ٢٦
عيسى ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد قال : تاهت بنو إسرائيل أربعين سنة ،
يصبحون حيث أمسوا ، ويمسون حيث أصبحوا فى تيههم .
القول فى تأويل قوله جل ثناؤه ﴿ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ اُلْفَسِقِينَ﴾
٢٦
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((فلا تأس )) ، فلا تحزن .
٠٠٠
يقال منه: ((أسيَ فلان على كذا يأسىَ أسىّ)) و((قد أسيت من كذا))، أى
حزنت ، ومنه قول امرئ القيس :
يَقُولُونَ: لاَ تَهْلِكْ أَسَّى وَتَجَمَّل(١)
وُقُوفَا بِهَا صَحْبِ عَلَىَّ مَطِيّهُمْ
يعنى : لا تهلك حزناً .
٠ ٠
وبالذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
.. ذكر من قال ذلك :
١١٧٠٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله قال ، حدثنى معاوية ، عن
على، عن ابن عباس: ((فلا. تأس)) ، يقول : فلا تحزن .
١١٧٠٣ -حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال حدثنا أسباط ، عن السدى:
(( فلا تأس على القوم الفاسقين))، قال : لما ضُرب عليهم التّيه ، ندم موسی صلى
اللّه عليه وسلم، فلما نَديم أوحى الله إليه: ((فلا تأس على القوم الفاسقين))، لا
تحزن على القوم الذين سمّيتهم (( فاسقين))، فلم يحزن.(٢)
...
(١) ديوانه: ١٢٥، من معلقته المشهورة.
(٢) الأثر : ١١٧٠٣ - هو بعض الأثر السالف قديماً رقم: ٩٩١ . وأسقط ناشر المطبوعة