Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
تفسير سورة المائدة : ٢٠
وجعلكم ملوكاً))، قال: كنا نحدَّثُ أنهم أول من ◌ُسَمِّر لهم الخدَم من بنى آدم
وملكوا .
٠
وقال آخرون: كل من ملك بيتاً وخادماً وامرأةً، فهو ((ملك))، كائناً من
کان من الناس .
* ذكر من قال ذلك :
١١٦٢٥ - حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال ، أخبرنا
أبو هانی :أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلىيقول : سمعت عبد الله بنعمرو بن العاص،
وسأله رجل فقال : ألسنا من فقراء المهاجرين ؟ فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوى
إليها؟ قال: نعم! قال ألك مسكن تسكُنُه؟ قال: نعم! قال: فأنت من الأغنياء !
فقال : إنّ لى خادماً. قال: فأنت من الملوك.(١)
١١٦٢٦ - حدثنا الزبير بن بكار قال، حدثنا أبو ضمرة أنسبن عياض
قال: سمعت زيد بن أسلم يقول: ((وجعلكم ملوكاً))، فلا أعلم إلاّ أنه قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان له بيتٌ وخادم فهو ملك. (٢)
١٠٩/٦
١١٦٢٧ - حدثنا سفيان بنو کیع قال،حدثنا العلاء بن عبد الجبار ، عن
(١) الأثر: ١١٦٢٥ - ((أبو هانى.))، هو: ((حميد بن هانىء الخولانى المصرى)) من
ثقات التابعين ، مضى : ٦٠٣٩ ، ٦٦٥٧ .
و((أبو عبد الرحمن الحبلى))، هو: ((عبد اللّه بن يزيد المعافرى))، تابعى ثقة، مضى برقم:
٦٦٥٧ ، ٩٤٨٣ .
وهذا حديث صحيح، رواه مسلم فى صحيحه ١٨: ١٠٩، ١١٠، من طريق أبي الطاهر
أحمد بن عمرو بن سرح ، عن ابن وهب ، بإسناده ، مطولا .
وقصر السيوطى فى الدر المنثور ١: ٢٧٠ فقال ((أخرجه سعيد بن منصور))، واقتصر عليه .
(٢) الأثر: ١١٦٢٦ - ((الزبير بن بكار)) شيخ الطبرى، مضى برقم: ٧٨٥٥.
((وأنس بن عياض بن ضمرة))، ثقة. مضى برقم: ٧، ١٦٧٩.
والحديث خرجه السيوطى فى الدر المنثور ١ : ٢٧٠، ولم ينسبه لابن جرير، ونسبه الزبير بن
بكار فى الموفقيات، ولأبى داود فى مراسيله. وذكره ابن كثير فى تفسيره ٣: ١١٢، ١١٣،
وقال: ((وهذا مرسل غريب)).
ج١٠ (١١)

١٦٢٠
تفسير سورة المائدة : ٢٠
حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن: أنه تلاهذه الآية: ((وجعلكم ملوكاً))،
فقال: وهل المُلْك إلاّ مركبٌ وخادمٌ ودار ؟
فقال قائلو هذه المقالة : إنما قال لهم موسى ذلك ، لأنهم كانوا يملكون الدّور
والخدم ، ولهم نساءٌ وأزواج.
• ذكر من قال ذلك :
١١٦٢٨ - حدثنا سفيان بن وكيع وابن حميد قالا ، حدثنا جرير، عن
منصور = قال: أراه عن الحكم =: ((وجعلكم ملوكاً))، قال: كانتبنو إسرائيل
إذا كان للرجل منهم بيتٌ وامرأة وخادم ، عُدَّ ملكاً .
١١٦٢٩ -حدثنا هناد قال ، حدثنا و کیع ، عن سفیان = ح، وحدثنا
سفيان قال ، حدثنا أبى ، عن سفيان = عن منصور، عن الحكم: ((وجعلكم
ملوكاً))، قال: الدار والمرأة، والخادم = قال سفيان: أواثنتين من الثلاثة.(١)
١١٦٣٠ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان ،
عن الأعمش، عن رجل، عن ابن عباس فى قوله: ((وجعلكم ملوكاً))، قال :
البيت والخادم .
. ١١٦٣١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
الثورى، عن منصور ، عن الحكم أو غيره ، عن ابن عباس فى قوله: (( وجعلكم
ملوكاً)) ، قال : الزوجة والخادم والبيت .
١١٦٣٢ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((وجعلكم ملوكاً))، قال :
جعل لكم أزواجاً وخدماً وبيوتاً .
١١٦٣٣ -حدثنا المثی قال، حدثنا على بن محمد الطنافسی قال، حدثنا
(١) فى المطبوعة: ((واثنتين)) بالواو، والصواب من المخطوطة.

١٦٣
تفسير سورة المائدة : ٢٠
أبو معاوية ، عن حجاج بن تميم ، عن ميمون بن مهران ، عن ابن عباس فى قول
الله: ((وجعلكم ملوكاً))، قال : كان الرجل من بنى إسرائيل إذا كانت له الزوجة
والخادم والدار يسمَّى مَلِكاً.(١)
١١٦٣٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: ((وجعلكم ملوكاً))، قال: مُلْكُهم الخدم = قال قتادة:
كانوا أوَّل من ملك الخدم .
١١٦٣٥ - حدثنى الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز بن أبان قال ،
حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد: ((وجعلكم ملوكاً )) ، قال : جعل
لكم أزواجاً وخدماً وبيوتاً .
٥
وقال آخرون: إنما عنى بقوله: ((وجعلكم ملوكاً))، أنهم يملكون أنفُسَهم
وأهليهم وأموالهم .
• ذكر من قال ذلك :
١١٦٣٦ - حدثی موسی بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا
أسباط، عن السدى: ((وجعلكم ملوكاً))، يملك الرجل منكم نفسه وأهله وماله.
٥
(١) الأثر: ١١٦٣٣ - ((على بن محمد بن إسحق الطنافسى))، روى عن أبى معاوية الضرير.
ثقة صدوق. مترجم فى التهذيب، وابن أبى حاتم ٢٠٢/١/٣. وكان فى المخطوطة ((الطيالسى))،
وهو خطأ من الناسخ .
و((أبو معاوية)) الضرير، هو: ((محمد بن حازم التميمى)). ثقة كثير الحديث ، كان
يدلس . مضى برقم : ٢٧٨٣ .
و ((حجاج بن تميم الجزرى)). روى عن ميمون بن مهران، وروى عنه أبو معاوية الضرير.
قال النسائى: ((ليس بثقة))، وقال الأزدى: ((ضعيف)). وقال العقيلى: ((روى عن ميمون بن مهران
أحاديث لا يتابع عليها)). وقال ابن حبان فى الثقات: ((روى عن ميمون بن مهران. روى عنه
أبو معاوية الضرير)). مترجم فى التهذيب، وكان فى المخطوطة والمطبوعة: ((حجاج بن نعيم))،
وهو خطأ محض كما ترى .

١٦٤
تفسير سورة المائدة : ٢٠
القول فى تأويل قوله عز ذكره ﴿ وَاتَمُم مَّالَمَ يُؤْتِ أَحَدًا
مِّنَ الْعَلَمِينَ)
قال أبو جعفر: اختلف فيمن عنوا بهذا الخطاب .
فقال بعضهم : عنى به أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
* ذكر من قال ذلك :
١١٦٣٧ - حدثنا سفيان بن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن يمان ، عن سفيان،
عن السدى، عن أبى مالك وسعيد بن جبير: ((وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين))،
قالا : أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم.
...
وقال آخرون : 'عنى به قوم موسى صلى الله عليه وسلم.
. ذكر من قال ذلك :
١١٦٣٨ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنـ
عيسى ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد قال : هم قوم موسى .
١١٦٣٩ - حدثنى الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز بن أبان قال ،
حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس: ((وآتاكم ما لم يؤت
أحداً من العالمين ))، قال: هم بين ظهرانيه يومئذ.(١)
٠ ٠٠
ثم اختلفوا فى الذى آتاهُ الله ما لم يؤت أحداً من العالمين .
(١) الأثر ١١٦٣٩ - هذا الخبر رواه الحاكم فى المستدرك ٢: ٣١١، ٣١٢، من
طريق مصعب بن المقدام، عن سفيان بن سعيد، عن الأعمش، مطولا. ونصه: (( الذين هم. بين
ظهرانيهم يومئذ)). وقال: ((هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه)). ووافقه الذهبي.
والذى فى نص الطبرى ((هم بين ظهرانيه يومئذ))، الضمير بالإفراد، كأنه يعنى ((العالم))
الذي هم بين ظهرانيه يومئذ .
والخبر خرجه السيوطى فى الدر المنثور ١: ٢٦٩، وزاد نسبته الفريابى، وابن المنذر،
والبيهقى فى شعب الإيمان .

١٦٥
تفسير سورة المائدة : ٢٠
فقال بعضهم : هوالمنّ والسلوى والحجر والغمام. (١)
• ذكر من قال ذلك :
١١٦٤٠ - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن سفيان ، عن
رجل، عن مجاهد: ((وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين))، قال: المنّ والسلوى
والحجر والغمام .
١١٦٤١ -حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين))،
يعنى : أهل ذلك الزمان، المنَّ والسلوى والحجر والغمام.
...
وقال آخرون : هو الدَّار والخادم والزوجة .
• ذكر من قال ذلك :
١١٦٤٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا بشر بن السرى ،
عن طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس: ((وآتاكم ما لم يؤت أحداً
من العالمين))، قال: الرجل يكون له الدار والخادم والزوجة. (٢)
١١٦٤٣ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا سفيان ،
عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عباس: (( وآتاكم ما لم يؤت أحداً من
العالمين))، المنّ والسلوى والحجر والغمام.
٥
٠
(١) ((الحجر))، يعنى الحجر الذى ضربه موسى بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً.
وانظر ما سلف ٢ : ١١٩ - ١٢٢ .
(٢) الأثر: ١١٦٤٢ - ((بشر بن السرى البصرى))، أبو عمرو الأفوه، ثقة كثير
الحديث . روى له الجماعة ، وهو من شيوخ أحمد . مترجم فى التهذيب.
و ((طلحة بن عمرو بن عثمان الحضرمى))، روى عن عطاء بن أبي رباح، وسعيد بن جهير
وغيرهما. ضعيف جداً، قال أحمد: ((لا شىء، متروك الحديث)). وقال ابن عدى: ((روى عنه قوم
ثقات، وعامة ما يرويه لا يتابع عليه)). وقال ابن حيان: (( لا يحلى كتب حديثه ولا الرواية عنه،
إلا على جهة التعجب)) . مترجم فى التهذيب .

١٦٦
تفسير سورة المائدة : ٢٠
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين فى ذلك عندى بالصواب ، قولُ من قال :
١١٠/٦ ((وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين))، فى سياق قوله: ((اذكروا نعمة الله عليكم))،
ومعطوفٌ عليه .(١)
ولا دلالة فى الكلام تدلّ على أن قوله: ((وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمین )»،
مصروف عن خطاب الذين ابتدىءَ بخطابهم فى أوّل الآية . فإذا كان ذلك كذلك،
فأنْ يكون خطاباً لهم ، أولى من أن يقال: هو مصروف عنهم إلى غيرهم .
فإن ظن ظان أن قوله: ((وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين)) ، لا يجوز أن
يكون لهم خطاباً، (٢) إذا كانت أمة محمَّد قد أوتيت من كرامة الله جلّ وعزّ بنبيِّها
عليه السلام محمّدٍ ، ما لم يُؤْتَّ أحدٌ غيرهم، (٣) = وهم من العالمين = (٤) فقد ظنّ غير
الصواب. وذلك أن قوله: ((وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين )) ، خطاب من
موسى صلى اللّه عليه وسلم لقومه يومئذٍ ، وعنى بذلك عالمى زمانه، لا عالى كل
زمان . ولم يكن أوتى فى ذلك الزمان من نعم الله وكرامته ، ما أوتى قومُه صلى اللّه
عليه وسلم ، أحد من العالمين. (٥) فخرج الكلام منه صلى الله عليه على ذلك ،
لا على جميع [عالم] كلِّ زمان . (٦)
(١) لم يفهم ناشر المطبوعة عربية أبى جعفر، فجعل الكلام هكذا: ((وآتاكم ما لم يوت
أحداً من العالمين، خطاب لبنى إسرائيل حيث جاء فى سياق قوله: اذكروا نعمة الله عليكم =
ومعطوفاً عليه))، فغير وزاد وأساء وخان الأمانة !!
(٢) فى المطبوعة: ((لا يجوز أن تكون خطاباً لبنى إسرائيل)) بزيادة ((لبنى إسرائيل))،
وفى المخطوطة: ((أن تكون له خطاباً))، وصواب قراءتها ما أثبت .
(٣) فى المطبوعة والمخطوطة: ((من كرامة اللّه نبيها عليه السلام محمداً ما لم يؤت أحداً غيرهم))،
فأثبت زيادة المخطوطة، وجعلت ((نبيها)) ((بنبيها))، بزيادة الباء فى أوله، وجعلت ((أحداً))
((أحد))، وذلك الصواب المحض.
(٤) السياق: ((فإن ظن ظان ... فقد ظن غير الصواب)).
(٥) السياق: ((ولم يكن أوقى فى ذلك الزمان ... أحد من العالمين)).
(٦) انظر تفسير ((العالمين)) فيما سلف ١ : ١٤٣ - ٢/١٤٦: ٢٣ - ٥/٢٦:
٦/٣٧٥ : ٣٩٣ .

١٦٧
تفسير سورة المائدة : ٢١
القول فى تأويل قوله جل ثناؤه ﴿يَقَوْمِ ادْخُلُواْ الْأَرْضَ
الَقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾
قال أبو جعفر : وهذا خبر من اللّه عز ذكره عن قول موسى صلى الله عليه
وسلم لقومه من بنى إسرائيل ، وأمرِه إياهم = عن أمر الله إياه - بأمرهم بدخول
الأرض المقدسة .
#
ثم اختلف أهل التأويل فى الأرض التى عناها : ((الأرض المقدَّسة)).
#
*
فقال بعضهم : عنى بذلك الطورَ وما حوله .
* ذكر من قال ذلك :
١١٦٤٤ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((الأرض المقدسة))، الطور وما
حوله .
١١٦٤٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح ، عن مجاهد ، مثله .
١١٦٤٦ - حدثی الحارث بن محمد قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا
سفيان، عن الأعمش ، عن مجاهد، عن ابن عباس: ((ادخلوا الأرض المقدسة))،
قال : الطور وما حوله .
وقال آخرون : هو الشأم .
#
* ذكر من قال ذلك :
١١٦٤٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: ((الأرض المقدسة))، قال : هى الشأم .

١٦٨
تفسير سورة المائدة : ٢١
وقال آخرون : هى أرض أريحا .
• ذكر من قال ذلك :
١١٦٤٨ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((ادخلوا الأرض المقدسة التى كتب الله لكم))، قال : أريحا .
١١٦٤٩ -حدثی یوسف بن هرون قال ،حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا
أسباط ، عن السدی قال : هى أريحا .
١١٦٥٠ - حدثنى عبد الكريم بن الهيثم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال ،
حدثنا سفيان ، عن أبى سعيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : هى أرْيحا .
٠
وقيل: إن ((الأرض المقدسة))، دمشق وفلسطين وبعض الأرْدُنّ.
٥
٥
وعنى بقوله: ((المقدسة))، المطهرة المباركة، (١) كما :-
١١٦٥١ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((الأرض المقدسة))، قال: المباركة .
١١٦٥٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح ، عن مجاهد، بمثله .
.. .
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب أن يقال : هى الأرض
المقدّسة ، كما قال نبي الله موسى صلى اللّه عليه، لأن القول فى ذلك بأنها أرض
دون أرض ، لا تُدرك حقيقةُ صحته إلا بالخبر، ولا خبر بذلك يجوز قطع الشهادة
به . غير أنها لن تخرج من أن تكون من الأرض التى ما بين الفرات وعريش مصر،
الإجماع جميع أهل التأويل والسِّير والعلماء بالأخبار على ذلك .
٠
٠
(١) انظر تفسير ((التقديس)) فيما سلف ١: ٤٧٥، ٢/٤٧٦ : ٣٢٢.

١٦٩
تفسير سورة المائدة : ٢١
ويعنى بقوله: ((التى كتب الله لكم))، التى أثبت فى اللوح المحفوظ أنها لكم
مساکن ومنازل، دون الجبابرة التى فيها . (١).
...
فإن قال قائل: فكيف قال: ((التى كتب الله لكم))، وقد علمت أنَّهم
لم يدخلوها بقوله: ((فإنها محرَّمة عليهم)) ؟ فكيف يكون مثبتاً فى اللوح المحفوظ
أنها مساكن لهم ، ومحرماً عليهم سكناها ؟
قيل : إنها كتبت لبنى إسرائيل داراً ومساكن ، وقد سكنوها ونزلوها وصارت
لهم، كما قال الله جل وعز. وإنما قال لهم موسى: ((ادخلوا الأرض المقدسة التى
كتب الله لكم))، يعنى بها : كتبها اللّه لبنى إسرائيل ، = وكان الذين أمرهم موسى
بدخولها من بنى إسرائيل = ولم يعن صلى اللّه عليه أن الله تعالى ذكره كتبها للذين
أمرهم بدخولها بأعيانهم .
ولو قال قائل : قد كانت مكتوبة لبعضهم ولخاص منهم = فأخرج الكلام
على العموم ، والمراد منه الخاص، إذ كان يُوشع وكالب قد دخلا، (٢) وكانا ١١١/٦
ممن خوطب بهذا القول = كان أيضاً وجهاً صحيحاً .
...
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال ابن إسحق .
١١٦٥٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحق ،
((التى كتب الله لكم))، التى وهب الله لكم.
٠
٠ ٠
وكان السدى يقول: معنى ((كتب))، فى هذا الموضع ، بمعنى: أمر.
١١٦٥٤ -حدثنا بذلك موسى بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال،
حدثنا أسباط ، عن السدى: ((ادخلوا الأرض المقدسة التى كتب الله لكم)) ،
التى أمركم الله بها .
...
(١) انظر تفسير ((كتب)) فيما سلف ٩: ٢٦٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) فى المطبوعة: ((يوشع وكلاب))، وانظر ما سلف ص: ١١٣ تعليق: ٢.

١٧٠
تفسير سورة المائدة : ٢١
القول فى تأويل قوله جل ثناؤه (وَلَا تَرْتَدُواْ عَلَىَ أَدْبَارِ كُمْ
فَتَقَلِبُواْ خَسِرِينَ) )
قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله عز ذكره عن قيل موسى عليه السلام
لقومه من بنى إسرائيل، إذ أمرهم عن أمر الله عزّ ذكره إيّاه بدخول الأرض المقدسة،
أنه قال لهم: امضُوا ، أيها القوم ، لأمر الله الذى أمركم به من دخول الأرض
المقدسة = ((ولا تريدوا))، يقول: لا ترجعوا القهقرى مرتدّين(١) = ((على أدباركم))،
يعنى: إلى ورائكم، (٢) ولكن امضوا قُدُماً لأمر الله الذى أمركم به ، من الدخول
على القوم الذين أمركم الله بقتالهم والهجوم عليهم فى أرضهم ، وإنّ اللّه عز ذكره
قد كتبها لكم مسكناً وقراراً .
ويعنى بقوله: ((فتنقلبوا خاسرين))، أى: تنصرفوا خائبين هُلَّكاً. (٣)
وقد بينا معنى ((الخسارة)) فى غير هذا الموضع، بشواهده المغنية عن إعادته
فى هذا الموضع . (٤)
٠ ٠
فإن قال قائل: وما كان وجه قيل موسى لقومه، إذْ أمرهم بدخول الأرض المقدسة:
:((لا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين)»، أوَ يستوجب الخسارة من لم يدخل
أرضاً جعلت له ؟
(١) انظر تفسير ((ارتد)) فيما سلف ٣: ٤/١٦٣: ٣١٦.
(٢) انظر تفسير ((الأدبار)) فيما سلف ٧: ١٠٩ .
(٣) انظر تفسير ((انقلب)) فيما سلف ٣: ٧/١٦٣: ٤١٤. وكانت هذه العبارة فى
المخطوطة والمطبوعة: ((أفتكم تنصرفوا خائبين هكذا))، ورجحت أن صواب قراءتها ما أثبت.
و((هلك)) جمع ((هالك)). وقد مر تفسيره ((الخسارة)) بمعنى ((الهلاك)).
(٤) انظر تفسير ((الخسارة)) فيما سلف ٩: ٢٢٤، تعليق: ٣، والمراجع هناك.

١٧١
تفسير سورة المائدة : ٢٢،٢١
قيل: إن الله عز ذكره كان أمرهم بقتال من فيها من أهل الكفر به وفرض
عليهم دخولها ، (١) فاستوجب القوم الخسارة بتركهم إذا فرضَ الله عليهم من وجهين:
أحدُهما : تضييع فرض الجهاد الذى كان الله عز ذكره فرضه عليهم = والثانى :
خلافهم أمر الله فى تركهم دخول الأرض ، وقولهم لنبيهم موسى صلى الله عليه وسلم
إذ قال لهم: ((ادخلوا الأرض المقدسة)): ((إنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا
منها فإنا داخلون )) .
#
وكان قتادة يقول فى ذلك بما : -
١١٦٥٥ - حدثنا بشرقال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التى كتب الله لكم))، أمروا بها ، كما
أمروا بالصلاة والزكاة والحجِّ والعُمْرة.
القول فى تأويل قوله عز ذكره ﴿قَالُواْ يَمُوسَىَّ إِنَّ فِيهَاَ قَوْمًا
جَبَّارِينَ﴾
قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن جواب قوم موسى عليه
السلام ، إذ أمرهم بدخول الأرض المقدسة : أنهم أبوا عليه إجابته إلى ما أمرهم
به من ذلك، (٢) واعتلّوا عليه فى ذلك بأن قالوا، إن فى الأرض المقدسة التى تأمرنا
بدخولها، قوماً جبارين لا طاقة لنا بحربهم، ولا قوة لنا بهم. وسموهم ((جبّارین))،
لأنهم كانوا لشدة بطشهم وعظيم خلقهم ، (٣) فيما ذكر لنا ، قد قهروا سائر
الأمم غيرهم .
(١) فى المطبوعة: ((كان أمره))، والصواب من المخطوطة.
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((إجابة إلى ما أمرهم))، والسياق يقتضى ما أثبت.
(٣) فى المطبوعة والمخطوطة: ((بشدة بطشهم))، والسياق يقتضى ما أثبت.

١٧٢
تفسير سورة المائدة : ٢٢
وأصل ((الجبار))، المصلح أمر نفسه وأمرَ غيره، ثم استعمل فى كل من اجترّ
نفعاً إلى نفسه بحق أو باطل طلب الإصلاح لها ، حتى قيل للمتعدّى إلى ما ليس
له = بغياً على الناس، وقهراً لهم، وعتوًّا على ربه = ((جبار))، وإنما هو ((فعّال))
من قولهم : (( جبر فلان هذا الکسر )، إذا أصلحه ولأمه ، ومنه قول الراجز: (١)
قَدْ جَبَرَ الدِّينَ الإِلْهُ فَجَبَرْ وَعَوَّرَ الرَّحْنُ مَنْ وَلَّى الْعَوَرِ(٣)
يريد: قد أصلح الدين الإله فصاح. ومن أسماء الله تعالى ذكره ((الجبار))،
لأنه المصاحُ أمرَ عباده ، القاهرُ لهم بقدرته.
٠٠٠
ومما ذكرته من عظم خلقهم ما : -
١١٦٥٦ - حدثنى به موسى بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى فى قصة ذكرها من أمر مُوسى وبنى إسرائيل ، قال :
ثم أمرهم بالسير إلى أريحا = وهى أرض بيت المقدس = فساروا ، حتى إذا كانوا
قريباً منهم ، بعث موسى اثنى عشر نقيباً من جميع أسباط بنى إسرائيل ، فساروا
يريدون أن يأتوه بخبر الجبَّارين، فلقيهم رجل من الجبارين يقال له ((عاج))، (٣)
فأخذ الاثنى عشر فجعلهم فى حُجْزَته، وعلى رأسه حَمْلة حطب، (٤) وانطلق بهم
(١) هو العجاج .
(٢) ديوانه: ١٥، واللسان (جبر) (عور)، وهو أول أرجوزته التى ملح بها عمر
ابن عبيد الله بن معمر التيمى، وقد مضت منها أبيات ، وذكرنا خبرها فيما سلف ، انظر ١ :
٢/١٩٠ : ٣/١٥٧: ٤/٢٢٩: ٣٢١. وقوله: ((قد جبر الدين الإله))، من قولهم :
((جبرت العظم)) متعدياً، ((فجبر))، لازماً، أى: انجبر العظم نفسه. و((العور))، فى
هذا الشعر ، هو قبح الأمر وفساده، وترك الحق فيه، وليس من حور العين . و ((عور الشىء))
قبحه. يدعو فيقول: قبح اللّه من اتبع الفساد واستقبله بوجهه. من قولهم ((ولى الشىء وتولاه)).،
أى اتبعه وفى التنزيل: ((ولكل وجة هو موليها)»، أى مستقبلها ومتبعها، فهذا تفسير البيت بلا خلط
فى تفسيره .
(٣) فى المطبوعة: ((عوج))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو موافق لما سلف رقم : ١١٥٧٢،
وتاريخ الطبرى .
(٤) انظر ما سلف ص١١٢ تعليق: ٢،١، وما غيره، مصحح المطبوعة السالفة هناك.

١٧٣
تفسير سورة المائدة : ٢٢
إلى امرأته فقال، انظرى إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يريدون أن يقاتلونا !!
فطرحهم بين يديها، فقال : ألا أطحنهم برجلى ؟ فقالت امرأته : لا ، بل خلِّ
عنهم حتى يُخْبروا قومهم بما رأوا! ففعل ذلك.(١)
١١٦٥٧ - حدثنى عبد الكريم بن الهيثم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال، ١١٢/٦
حدثنا سفيان قال، قال أبو سعيد ، قال عكرمة ، عن ابن عباس قال : أمر
موسى أن يدخل مدينة الجبَّارين . قال : فسار موسى بمن معه حتى نزل قريباً
من المدينة = وهى أريحا = فبعث إليهم اثنى عشر عيناً، من كل سبط منهم عيناً،
ليأتوه بخبر القوم. قال: فدخلوا المدينة، فرأوا أمراً عظيماً من هيئتهم وجثثهم وعظمهم،
فدخلوا حائطاً لبعضهم، فجاء صاحب الحائط ليجتنى الثمار من حائطه ، فجعل
يحتنى الثمار وينظر إلى آثارهم ، وتتبعهم . فكلما أصاب واحداً منهم أخذه فجعله
فى كمه مع الفاكهة ، وذهب إلى ملكهم فنثرهم بين يديه . فقال الملك: قد رأيتم
شأننا وأمرنا، اذهبوا فأخبروا صاحبكم . قال: فرجعوا إلى موسى فأخبروه بما عايَنُوا
من أمرهم.
١١٦٥٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
فى قوله: ((إن فيها قوماً جبَّارين))، ذكر لنا أنهم كانت لهم أجسام وخِلَقٌ ليست لغيرهم.
١١٦٥٩ -حدثی المثی قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، ،
عن أبيه ، عن الربيع قال: إن موسى عليه السلام قال لقومه: (( إنى سأبعث
رجالاً يأتونى بخبرهم)) = وإنه أخذ من كل سبط رجلاً ، فكانوا اثنى عشر نقيباً ،
فقال: ((سيروا إليهم وحدً ثُونى حديثهم وما أمرهم، ولا تخافوا، إن اللّه معكم
ما أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنثم برُسله وعز رتموهم وأقرضُتْ اللّه قرضاً حسناً)=
وإنّ القوم ساروا حتى هجموا عليهم، (٢) فرأوا أقواماً لهم أجسام عجبٌ عظماً
(١) الأثر: ١١٦٥٦ - مضى مطولا برقم: ١١٥٧٢، وهو فى تاريخ الطبرى ١ :
٢٢١، ٢٢٢ ٠
(٢) فى المطبوعة: ((ثم إن القوم))، وأثبت ما فى المخطوطة.

١٧٤
تفسير سورة المائدة : ٢٢
وقوة ، وإنه =فيما ذكر = أبصرهم أحد الجبّارين ، وهم لا يألون أن يخفُوا أنفسهم
حين رأوا العجب. فأخذ ذلك الجبّار منهم رجالاً ، فأتى رئيسَهم فألقاهم قدّامه ،
فعجبوا وضحكوا منهم. فقال قائل منهم: ((فإن هؤلاء زعموا أنهم أرادوا غزوكم)) !! (١)
وأنه لولا ما دفع الله عنهم لقُتلوا، وأنهم رجعوا إلى موسى عليه السلام فحدّ ثوه العجب.
١١٦٦٠ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عیسی ، عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد فی قول الله: (( اثنى عشر نقيباً ))، من
كل سبط من بنى إسرائيل رجل، أرسلهم موسى إلى الجبارين ، فوجد وهم يدخل
فى كُمُّ أحدهم اثنان منهم؛ يلقونهم إلقاء، ولا يحمل عنقود عنبهم إلاّ خمسة أنفُسٍ
بينهم فى خشبة، ويدخُل فى شطر الرمانة إذا نزع حبها خمسة أنفس، أو أربعة. (٢)
١١٦٦١ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبی نجیح، عن مجاهد، نحوه .
١١٦٦٢ -حدثنى محمد بن وزیر بن قیس ، عن أبيه، عن جویبر ، عن
الضحاك: ((إن فيها قوماً جبارين))، قال: سِفْلة لا خَلاقَ لهم. (٣)
(١) فى المطبوعة: ((إن هؤلاء))، بحذف الفاء، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) الأثر: ١١٦٦٠ - مضى هذا الأثر برقم: ١١٥٧٣، ١١٥٧٤.
(٣) الأثر: ١١٦٦٢ - ((محمد بن وزير بن قيس الواسطى))، روى عن أبيه، وابن
عيينة، ويحيى بن سعيد القطان، وغيرهم. روى عنه الترمذى وابن أبى حاتم، وغيرهما . مترجم فى
التهذيب، وابن أبى حاتم ١١٥/١/٤.
وأبوه ((وزير بن قيس الواسطى))، روى عن جويبر. مترجم فى ابن أبى حاتم ٤ /٤٤/٢.

١٧٥
تفسير سورة المائدة : ٢٢
القول فى تأويل قوله عز ذكره ﴿وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُواْ
مِنْهَاَ فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهاَ فَإِنَّا دَ خِلُونَ) )
قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله عز ذكره عن قول قوم موسى لموسى ،
جواباً لقوله لهم: ((ادخلوا الأرض المقدسة التى كتب الله لكم))، فقالوا: (( إنا لن
ندخلها حتى يخرجوا منها ))، يعنون : [حتى يخرج] من الأرض المقدسة الجبارون
الذين فيها، (١) جبناً منهم، وجزءاً من قتالهم . وقالوا له: إن يخرج منها هؤلاء الجبارون
دخلناها ، وإلا فإنا لا نُطيق دخولها وهم فيها، لأنه لاطاقة لنا بهم ولا يَدَان. (٢)
١١٦٦٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق، أن كالب
ابن يوفنا أسكت الشعْبَ عن موسى صلى الله عليه وسلم فقال لهم: إنا سنعلو الأرض
ونرثُها ، وإن لنا بهم قوّة ! وأما الذين كانوا معه فقالوا: لا نستطيع أن نصل إلى
ذلك الشعب ، من أجل أنهم أجرأ منا ! ثم إن أولئك الجواسيس أخبروا بنى
إسرائيل الخبر وقالوا : إنّا مررنا فى أرض وحسسناها ، فإذا هى تأكل ساكنها ،
ورأينا رجالها جساماً ، ورأينا الجبابرة بنى الجبابرة ، وكنا فى أعينهم مثل الجراد !
فأرجفت الجماعة من بنى إسرائيل ، فرفعوا أصواتهم بالبكاء ، فبكى الشعب تلك
الليلة، ووسوسُوا على موسى وهرون، (٣) فقالوا لهما: يا ليتنا متنا فى أرض مصر!
وليتنا نموت فى هذه البرية ، ولم يدخلنا الله هذه الأرض لنقع فى الحرب ، فتكون
نساؤنا وأبناؤنا وأثقالنا غنيمةً ! ولو كنا قعوداً فى أرض مصر ، كان خيراً لنا!
وجعل الرجل يقول لأصحابه : تعالوا نجعل علينا رأساً وننصرف إلى مصر .
٠
(١) ما بين القوسين زيادة يقتضيها السياق.
(٢) فى المطبوعة: ((ولايد))، وفى المخطوطة ((ولا بدان)» غير منقوطة.
(٣) ((وسوس عليه))، انظر تفسيرها فى الأثر رقم: ١١٦٩٧ ص: ١٩٥، تعليق : ٧.

١٧٩
تفسير سورة المائدة : ٢٣
القول فى تأويل قوله جل ثناؤه ﴿ قَلَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ
يَخَقُونَ أَنْتَ اللهُ عَلَيْهِمَا﴾
قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله عز ذكره عن الرجلين الصَّالحين من قوم
١١٣/٦ موسى: ((يوشع بن نون)) و((كالب بن يوفنا))، أنهما وفيّا لموسى بما عهد إليهما
من ترك إعلام قومه بنى إسرائيل= الذين أمرهم بدخول الأرض المقدسة على الجبابرة
من الكنعانيين = بما رأيا وعاينا من شدّة بطش الجبابرة وعظم خلقهم، ووصفهما
الله عز وجل بأنهما ممن يخاف الله ویراقبه فى أمره ونهيه، كما : -
١١٦٦٤ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا
سفیان =ح ، وحد ثنا ابن و کیع قال، حدثنا أبى،عن سفیان = ح، وحدثنا هناد
قال، حدثنا وكيع، عن سفيان = عن منصور، عن مجاهد: (( قال : رجلان
من الذين يخافون أنعم الله عليهما))، قال : كلاب بن يافنا ، (١) ويوشع بن نون .
١١٦٦٥ -حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حکام، عن عمرو بن أبی قیس ،
عن منصور، عن مجاهد قال: (( رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما))،
قال : يوشع بن نون ، وكلاب بن يافنا ، (٢) وهما من النقباء.
١١٦٦٦ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قصة ذكرها ، قال : فرجع النقباء،
كلّهم ينهى سِبْطه عن قتالهم ، إلا يوشع بن نون، وكلاب بن يافنة، (٢) يأمران
الأسباط بقتال الجبارين ومجاهدتهم ، فعصوهما وأطاعوا الآخرين ، فهما الرجلان
اللذان أنعم الله عليهما.(٣)
(١) فى المطبوعة الموضعين: ((يوفئة))، وفى المخطوطة فى الموضعين: ((فانيا))، وانظر
ص : ١١٣ تعليق : ٢.
(٢) فى المطبوعة: ((يوفنا))، وفى المخطوطة: ((فانيه)). وانظر التعليق على الأثر : ١١٥٧٣.
(٣) الأثر : ١١٦٦٦ - مضى هذا الخبر برقم : ١١٥٧٣، ومضى صدره قريباً برقم:
١١٦٦٠ ٠

١٧٧
تفسير سورة المائدة : ٢٣
١١٦٦٧ - حدثنا ابن حميد وسفيان بن وكيع قالا، حدثنا جرير ، عن
منصور، عن مجاهد، مثل حديث ابن بشار، عن ابن مهدى = إلاّ أنّ ابن حميد
قال فى حديثه : هما من الاثنى عشر نقيباً .
١١٦٦٨ - حدثنى عبد الكريم بن الهيثم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال ،
حدثنا سفيان قال: قال أبو سعيد، قال عكرمة ، عن ابن عباس فى قصة ذكرها .
قال : فرجعوا = يعنى النقباء الاثنى عشر= إلى موسى ، فأخبروه بما عاينوا من أمرهم،
فقال لهم موسى : اكتموا شأنهم، ولا تخبروا به أحداً من أهل العسكر، فإنكم إن
أخبرتموهم بهذا الخبر فَشاوا ولم يدخلوا المدينة. (١) قال : فذهب كل رجل منهم
فأخبر قريبه وابنَ عمه، إلا هذين الرجلين = يوشع بن نون ، وكلاب بن يوفئة =
فإنهما كتما ولم يخبرا به أحداً، وهما اللذان قال الله عز وجل: ((قال رجلان من
الذين يخافون أنعم الله عليهما))، إلى قوله: ((وبين القوم الفاسقين)).
١١٦٦٩ -حدثی موسی بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا
أسباط، عن السدى: ((قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما))، وهما
اللذان كتماهم : يوشع بن النون فتى موسى، (٢) وكالوب بن يوفئة ختّنُ موسى.
١١٦٧٠ - حدثنا سفيان قال، حدثنا عبيد اللّه، عن فضيل بن مرزوق ،
عن عطية: ((قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما))، كالوب ، ويوشع
ابن النون فتی موسی. (٣)
١١٦٧١ -حدثی محمد بن سعد قال، حدثی أبی قال ، حدثی عمى
(١) ((فشل)): جبن ونكص.
(٢) فى المخطوطة: ((هو يوشع بن النون))، وأظن أصلها ((هوشع بن النون))، كما سلف
فى ص: ١١٣، تعليق: ٢. وكان فى المطبوعة هنا ((نون))، فأثبت ما فى المخطوطة.
(٣) فى المطبوعة: ((بن نون))، فى الموضعين، وأثبت ما فى المخطوطة.
ج ١٠ (١٢)

١٧٨
تفسير سورة المائدة : ٢٣
قال، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((قال رجلان من الذين يخافون
أنعم الله عليهما))، والرجلان اللذان أنعم الله عليهما من بنى إسرائيل: يوشع بن
النون ، وكالوب بن يوفئة .
١١٦٧٢ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
(((قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما))، ذكر لنا أن الرجلين يوشع بن
نون وکالب .
١١٦٧٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسمق قال ، حدثنا عبد الله بن أبى
جعفر، عن أبيه، عن الربيع: أن موسى قال للنقباء لمَّا رجعوا فحدثوه العجب :
(( لا تحدثوا أحداً بما رأيتم، إن اللّه سيفتحها لكم ويظهركم عليها من بعد ما رأيتم))
= وإن القوم أفشوا الحديث فى بنى إسرائيل ، فقام رجلان من الذين يخافون أنعم
اللّه عليهما، (١) كان أحدهما، فيما سمعنا ، يوشع بن نون وهو قى موسى، والآخر
كالب - فقالا: ((ادخلوا عليهم الباب)) إلى ((إن كنتم مؤمنين)).(٢)
٠٠٠
قال أبو جعفر : واختلفت القرأة فى قراءة قوله: ((قال رجلان من الذين
يخافون » .
قرأ ذلك قرأة الحجاز والعراق والشام: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَِّنَّ تَقُونَ أَنْعَمَ
انُ عَلَيْهما)، بفتح (( الياء )) من ((يخافون ))، على التأويل الذی ذ کرنا عمن ذ کرنا
عنه آنفاً، أنهما يوشع بن نون وكالب، من قوم موسى، ممن يخاف الله، وأنعمّ
عليهما بالتوفيق .
(١) فى المخطوطة: ((فقام رجلان هما الثان يخافون ... »، والذى فى المطبوعة هو الصواب.
(٢) فى المطبوعة: ((ادخلوا عليهما الباب إن كثّم معينين))، وهو غير صواب، والصواب
من المنطريطة .

١٧٩
تفسير سورة المائدة : ٢٣
وكان قتادة يقول: فى بعض القراءة: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الذِينَ يَخَفُونَ
اللهَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِاَ﴾.
١١٦٧٤ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
= ح، وحدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ،
عن قتادة: ((قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما))، فى بعض الحروف:
﴿يَخَافُونَ اللهَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِاَ﴾.
وهذا أيضاً مما يدل على صحة تأويل من تأوَّل ذلك على ما ذكرنا عنه أنه قال: ١١٤/٦
يوشع ، وكالب .
٠ ٠
وروى عن سعيد بن جبير أنه كان يقرأ ذلك : ﴿قَالَ رَ جُلَانِ مِنَ الذِينَ
يُخَفُونَ ) بضم الياء ﴿ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا﴾.
١١٦٧٥ - حدثنى بذلك أحمد بن يوسف قال، حدثنا القاسم بن سلام قال ،
حدثنا هشيم ، عن القاسم بن أبى أيوب = ولا نعلمه أنه سمع منه = عن سعيد بن
جبير: أنه كان يقرؤها بضم الياء من ﴿يُخَافُونَ).
٠
وكأن سعيداً ذهب فى قراءته هذه إلى أن الرجلين اللذين أخبر اللّه عنهما أنهما
قالا لبنى إسرائيل: ((ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون))، كانا من
رهط الجبابرة ، وكانا أسلما واتَّبعا موسى ، فهما من أولاد الجبابرة الذين يخافهم
بنو إسرائيل، (١) وإن كانوا لهم فى الدين مخالفين. (٢)
وقد حكى نحوهذا التأويل عن ابن عباس .
(١) فى المخطوطة: ((فهم من أولاد الجبابرة))، والصواب ما فى المطبوعة.
(٢) فى المطبوعة: ((وإن كانا لهم فى الدين مخالفين))، وفى المخطوطة: ((وإن كانوا
فى الدنيا مخالفين))، والصواب المحض ما أثبته .

١٨٠٠
تفسير سورة المائدة : ٢٣
١١٦٧٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد اللّه قال، حدثنى معاوية، عن
على ، عن ابن عباس قوله: ((ادخلوا الأرض المقدسة التى كتب اللّه لكم ولا
ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين))، قال: هى مدينةُ الجبّارين. لما نزل بها
موسى وقومه ، بعث منهم اثنى عشر رجلاً - وهم النقباء الذين ذكر بعثتهم (١) =
ليأتوه بخبرهم . فساروا ، فلقيهم رجل من الجبارين، فجعلهم فى كسائه ، فحملهم
حتى أتى بهم المدينة، ونادى فى قومه فاجتمعوا إليه، فقالوا: من أنتم ؟ فقالوا:
نحن قوم موسى ، بعثّنا إليكم لنأتيه بخبركم! فأعطوهم حبَّة من عنب بوِقْر الرجل، (٢)
فقالوا لهم : اذهبوا إلى موسى وقومه فقولوا لهم : اقدُرُوا قَدْ ر فاكهتهم ! فلما أتوهم
قالوا لموسى: ((اذهب أنت وربُّك فقاتلا إنّا ههنا قاعدون)) != ((قال رجلان من
الذين يخافون أنعم الله عليهما))، وكانا من أهل المدينة أسلما واتبعا موسى وهرون،
فقالالموسى: ((ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون . وعلى اللّه فتوكَّلوا
إن كنتم مؤمنين)) .
٠
٥
قال أبو جعفر : فعلى هذه القراءة وهذا التأويل ، لم يكتم من الاثنى عشر
نقيباً أحدٌ ، ما أمرهم موسى بكتانه بنى إسرائيل مما رأوا وعاينوا من عظم أجسام
الجبابرة ، وشدة بطشهم ، وعجيب أمورهم ، بل أفشوا ذلك كله . وإنما القائل
القوم ولموسى: « ادخلوا علیهم الباب)، رجلان من أولاد الذین کان بنو إسرائيل
يخافونهم ويرهبون الدخولَ عليهم من الجبابرة، كانا أسلما وتبعا نبيَّ اللّه صلى اللّه
عليه وسلم .
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب عندنا، قراءةُ من قرأ :
(١) فى المطبوعة: ((ذكر نعتهم))، وفى المخطوطة: ((ذكر بعثهم))، وكتبتها ((بعثتهم))،
ويعنى بذلك ما جاء فى الآية السالفة من هذه السورة: ١٠ ( ولقد أخذ الله ميثاق بنى إسرائيل وبعثنا
منهم أثنى عشر نقيباً)) .
(٢) ((الرقر)) (بكسر فسكون): الحمل والثقل.