Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
تفسير سورة النساء : ١٥٤
القول فى تأويل قوله ﴿ وَرَغَمْنَ فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِثْتِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ
ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَاَ لَهُمْ لَا تَعْدُواْ فِى السَّبْتِ وَأَخَذْنَاَ مِنْهُمْ
مِّثَقًا غِلِيظًا﴾
١٥٤
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((ورفعنا فوقهم الطور )) ، يعنى:
الجبل، (١) وذلك لما امتنعوا من العمل بما فى التوراة وقبول ما جاءهم به موسى فيها =
((بميثاقهم))، يعنى: بما أعطوا اللّه الميثاق والعهد: لنعملن بما فى التوراة (٢)=
((وقلنا لهم ادخلوا الباب سجداً))، يعنى ((باب حِطّة))، حين أمروا أن يدخلوا منه
سجوداً، فدخلوا يزحفون على أستاههم (٣) = ((وقلنا لهم لا تعدوا فى السبت))، يعنى
بقوله: ((لا تعدوا فى السبت)) ، لا تتجاوزوا فى يوم السبت ما أبيح لكم إلى ما لم
يبح لكم ، (٤) كما :
١٠٧٧٣ -حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا یزید قال، حدثنا سعيد ،
عن قتادة قوله: (( وقلنا لهم ادخلوا الباب سجداً ))، قال : كنا نحدّث أنه باب
من أبواب بيت المقدس . (٥)
٠
- (وقلنا لهم لا تعدوا فى السبت))، أمر القوم أن لا يأكلوا الحيتان يوم السبت
ولا يعرضوا لها ، وأحل لهم ما وراء ذلك . (٤)
٠٠٠
وتفسير ((السلطان)) فيما سلف ٧ : ٩/٢٧٩ : ٣٣٦، ٣٣٧.
وتفسير ((مبين)) فيما سلف ص: ٣٣٦ تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(١) انظر تفسير ((الطور)) فيما سلف ٢ : ١٥٧ - ١٥٩.
(٢) انظر تفسير ((الميثاق)) فيما سلف: ٤١، ٤٤، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير ((ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة)) فيما سلف ٢: ١٠٣ - ١٠٩.
(٤) انظر تفسير ((السبت))، و((اعتدائهم فى السبت)) فيما سلف ٢ : ١٦٦ - ١٧٤.
(٥) هذا الأثر لم يذكر فى تفسير ((الباب)» فيما سلف ٢: ١٠٣ - ١٠٩، وهو أحد
الأدلة على اختصار أبى جعفر تفسيره ، ومنهجه فى الاختصار .

٣٦٢
تفسير سورة النساء : ١٥٤
واختلفت القرأة فى قراءة ذلك .
فقرأته عامة قرأة أمصار الإسلام: ﴿لاَ تَعْدُوا فى السَّبْتِ﴾، بتخفيف ((العين))
من قول القائل: ((عدوت فى الأمر))، إذا تجاوزت الحق فيه، ((أعدُ وعَدْوًا وعُدُ وًّا
وعدواناً وعداء)».(١)
وقرأ ذلك بعض قرأة أهل المدينة: ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لا تَعْدُّوا﴾ بتسكين ((العين)) وتشديد
((الدال))، والجمع بين ساكنين، بمعنى: تعتدوا، ثم تدغم ((التاء)) فى ((الدال))
فتصير (( دالاً)) مشددة مضمومة، كما قرأ من قرأ ﴿أَمْ مَنْ لَا يَهْدِّى) [سورة
يونس: ٣٥]، بتسكين («الهاء)).
وقوله: (( وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً))، يعنى: عهداً مؤكداً شديداً، بأنهم
يعملون بما أمرهم الله به ، وينتمون عما نهاهم اللّه عنه ، مما ذكر فى هذه الآية ، وما
فى التوراة . (٢)
٠
وقد بينا فيما مضى ، السبب الذى من أجله كانوا أمروا بدخول الباب سجداً ،
وما كان من أمرهم فى ذلك وخبرهم وقصتهم = وقصة السبت ، وما كان اعتداؤهم
فيه ، بما أغنى عن إعادته فى هذا الموضع. (٣)
٠
(١) انظر تفسير ((عدا)) فيما سلف ٢: ١٤٢، ١٦٧، ٣/٣٠٧: ٥٧٣،
٥٨٢ /٧: ١١٧، والمراجع هناك.
وقد أسقط فى المطبوعة هنا ((وعدوا)) (بضم العين والدال مشددة الواو )، وهى ثابتة فى المخطوطة .
(٢) انظر تفسير ((الميثاق)) فيما سلف ص ٣٦١، التعليق رقم: ٢.
وقفسير ((غليظ)) فيما سلف ٨ : ١٢٧.
(٣) انظر التعليقين السالفين ص: ٣٦١، تعليق: ٣، ٤.

٣٦٣
تفسير سورة النساء : ١٥٥
القول فى تأويل قوله ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم مِثْقُهُمْ وَكُفْرِ هِم بِئَآَيَّتِ اللهِ
وَقَتْلِمُ الْأَنِيَّاءِ بِغَيْرِ حَقِّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَاَ غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْاَ
بِكُفَرِ هِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّ قَلِيلًا) (
١٥٥
قال أبو جعفر : يعنى جل ثناؤه : فبنقض هؤلاء الذين وصفتُ صفتهم من
أهل الكتاب- ((ميثاقهم))، يعنى: عهودهم التى عاهدوا الله أن يعملوا بما فى التوراة (١)=
((وكفرهم بآيات الله))، يقول: وجحودهم = ((بآيات الله))، يعنى: بأعلام اللّه
وأدلته التى احتج بها عليهم فى صدق أنبيائه ورسله (٢)، وحقيقة ما جاؤوهم به من
عنده (٣) = ((وقتلهم الأنبياء بغير حق))، يقول: وبقتلهم الأنبياء بعد قيام الحجة
عليهم بنبوّتهم = ((بغير حق)) ، يعنى : بغير استحقاق منهم ذلك الكبيرة أتوها ،
ولا خطيئة استوجبوا القتل عليها(٤) = ((وقولهم قلوبنا غلف))، يعنى: وبقولهم
((قلوبنا غلف))، يعنى: يقولون: عليها غشاوة وأغطية عما تدعونا إليه ، فلا نفقه
ما تقول ولا نعقله .
...
وقد بينا معنى: ((الغلف))، وذكرنا ما فى ذلك من الرواية فيما مضى قبل. (٥)
٠٠٠
=(بل طبع الله عليها بكفرهم))، يقول جل ثناؤه: كذبوا فى قولهم: ((قلوبنا
غلف))، ما هى بغلف، ولا عليها أغطية ، ولكن الله جل ثناؤه جعل عليها طابعاً
بکفرهم بالله .
(١) انظر تفسير ((الميثاق) آنفاً ص: ٣٦٢، تعليق: ٢.
(٢) انظر تفسير ((الآيات)) فيما سلف من فهارس اللغة، مادة (أبى).
(٣) فى المطبوعة: ((وحقية ما جاؤوهم به))، بدل ما فى المخطوطة. وانظر التعليق السالف ص:
٣٦٠، تعليق: ٢ .
(٤) انظر تفسير ((قتل الأنبياء بغير حق)) فيما سلف ٧ : ١١٦، ١١٧ ، ٤٤٦.
(٥) انظر تفسير ((غلف)) فيما سلف ٢: ٣٢٤ - ٣٢٨.

٢٦٤
تفسير سورة النساء : ١٥٥
وقد بينا صفة (الطبع على القلب))، فيما مضى، بما أغنى عن إعادته. (١)
٠٠٠
=( فلايؤمنون إلا قليلاً ))، بقول : فلایؤمن- هؤلاء الذين وصف الله صفتهم،
الطبعه على قلوبهم ، فيصدقوا بالله ورسله وما جاءتهم به من عند الله - إلا إيماناً
قليلاً ، یعنی : تصدیقاً قليلاً ،
وإنما صار(( قليلا))، (٢) لأنهم لم يصدقوا على ما أمرهم الله به، ولكن صدَّقوا
ببعض الأنبياء وببعض الكتب، وكذبوا ببعض . فكان تصديقهم بما صدَّقُوا به
٩/٦ قليلاً ، لأنهم وإن صدقوا به من وجه ، فهم به مكذبون من وجه آخر ، وذلك
من وجه تكذيبهم من كذَّبوا به من الأنبياء وما جاؤوا به من كتب اللّه، ورسلُ
اللّه يصدّق بعضهم بعضاً . وبذلك أمر كل نبى أمته . وكذلك كتب الله يصدق
بعضها بعضاً، ويحقق بعض بعضاً . فالمكذب ببعضها مكذب يجميعها، من جهة
جحوده ما صدقه الكتاب الذى يقرّ بصحته . فلذلك صار إيمانهم بما آمنوا من
ذلك قليلاً . (٣)
٠ ٥
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
١٠٧٧٤ -حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا یزید قال، حدثنا سعيد ، عن
قتادة فى قوله: ((فيما نقضهم ميثاقهم))، يقول: فينقضهم ميثاقهم لعنَّاهم =(وقولهم
قلوبنا غلف))، أى لا نفقه =، ((بل طبع اللّه عليها بكفرهم))، ولعنهم حين
فعلوا ذلك .
(١) انظر تفسير ((الطبع)) فيما سلف ١: ٢٥٨. ولم يمض ذكر ((الطبع)) بهذا اللفظ
فى آية قبل هذه الآية، ولكنه فى، إنما الذى مضى ما هو فى معناه وهو ((ختم الله على قلوبهم))،
و((الختم)) هو((الطبع)).
(٢) انظر تفسير ((قليل)) فيما سلف ٢: ٣٢٩ - ٨/٣٣١: ٤٣٩، ٥٧٧
(٢) تفسير ((قليل)) فيما سلف من الآيات التى أشرنا إليها، فهو أجود مما هنا.

٣٦٥
تفسير سورة النساء : ١٥٥
واختلف فى معنى قوله: ((فيما نقضهم))، الآية، هل هو مواصلٌ لما قبله
من الكلام ، أو هو منفصل منه . (١)
فقال بعضهم : هو منفصل مما قبله ، ومعناه : فبنقضهم ميثاقهم ، وكفرهم
بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق ، وقولهم قلوبنا غلف ، طبع الله عليها
بكفرهم ولعنهم. (٢)
ذكر من قال ذلك :
٠
١٠٧٧٥ - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة: ((فلا يؤمنون إلا قليلاً))، لما ترك القوم أمرَ الله، وقتلوا رسله ، وكفروا
بآياته ، ونقضوا الميثاق الذى أخذ عليهم ، طبع الله عليها بكفرهم ولعنهم.
٠ ٠
#
وقال آخرون : بل هو مواصل لما قبله . قالوا : ومعنى الكلام : فأخذتهم
الصاعقة بظلمهم = فينقضهم ميثاقهم ، وكفرهم بآيات الله ، وبقتلهم الأنبياء
بغير حق ، وبكذا وكذا أخذتهم الصاعقة . قالوا : فتبع الكلام بعضه بعضاً ،
ومعناه: مردود إلى أوله. وتفسير ((ظلمهم))، الذى أخذتهم الصاعقة من أجله،
بما فسر به تعالى ذكره ، من نقضهم الميثاق ، وقتلهم الأنبياء ، وسائرما بيَّن من
أمرهم الذى ظلموا فيه أنفسهم .
#
قال أبو جعفر: والصواب من القول فى ذلك أن قوله: ((فيما نقضهم ميثاقهم))
وما بعده ، منفصل معناه من معنى ما قبله ، وأن معنى الكلام : فيما نقضهم ميثاقهم،
وكفرهم بآيات الله، وبكذا وبكذا ، لعناهم وغضبنا عليهم - فترك ذكر ((لعناهم))،
(١) وانظر زيادة ((ما)) فى قوله ((فبما نقضهم ميثاقهم)) فيما سلف ٧: ٣٤٠. وترك
أبى جعفر بيان ذلك هنا ، أحد الأدلة على منهاجه فى اختصار هذا التفسير .
(٢) فى المطبوعة: ((بل طبع الله عليها)) كنص الآية، وهو لا يستقيم، والصواب ما فى
المخطوطة .

٣٦٦
تفسير سورة النساء : ١٥٥ ، ١٥٦
لدلالة قوله: ((بل طبع الله عليها بكفرهم))، على معنى ذلك. إذ كان من طبع على
قلبه ، فقد لُعِن وُخِط عليه .
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب ، لأن الذين أخذتهم الصاعقة ، إنما كانوا على
عهد موسى = والذين قتلوا الأنبياء، والذين رموا مريم بالبهتان العظيم، وقالوا: ((قتلنا
المسيح))، كانوا بعد موسى بدهر طويل . ولم يدرك الذين رموا مريم بالبهتان العظيم
زمان موسی ، ولا من صُعق من قومه .
وإذا كان ذلك كذلك ، فمعلوم أنّ الذين أخذتهم الصاعقة ، لم تأخذهم
عقوبة لرميهم مريم بالبهتان العظيم، ولا لقولهم: ((إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم)).
وإذا كان ذلك كذلك ، فبيِّنٌ أن القوم الذين قالوا هذه المقالة، غير الذين عوقبوا
بالصاعقة . وإذ كان ذلك كذلك ، كان بيِّنًا انفصال معنى قوله: ((فيما نقضهم
ميثاقهم))، من معنى قوله: ((فأخذتهم الصاعقة بظلمهم)).
#
القول فى تأويل قوله ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِمْ عَى مَرْيَ بُهْتَنَاً
عَظِيمًا) ٥٦
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : وبكفر هؤلاء الذين وصف صفتهم
= ((وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً))، يعنى: بفريتهم عليها، ورميهم إياها بالزنا ،
وهو ((البهتان العظيم))، لأنهم رموها بذلك، وهى مما رموها به بغير ثَبَتٍ ولا برهان
بريئة ، فبهتوها بالباطل من القول . (١)
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
(١) انظر تفسير ((البهتان)) فيما سلف ٥: ٩/١٢٤:٨/٤٣٢، ١٩٧

٣٦٧
تفسير سورة النساء : ١٥٦، ١٥٧
١٠٧٧٦ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس: ((وقولهم على مريم
بهتاناً عظيماً))، يعنى : أنهم رموها بالزنا .
١٠٧٧٧ - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى قوله: ((وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً))، حين قذفوها
بالزنا .
١٠٧٧٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا يعلى بن عُبيد ،
عن جويبر فى قوله: ((وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً))، قال: قالوا: ((زنت)).
#
#
القول فى تأويل قوله ﴿ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَ اٌلْمَسِيحَ عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ
رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾.
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : وبقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن
مريم رسول الله. ثم كذبهم الله فى قيلهم، فقال: ((وما قتلوه وما صلبوه ولكن ١٠/٦
شبه لهم )) ، يعنى : وما قتلوا عيسى وما صلبوه ولكن شبه لهم .
. .
٠
واختلف أهل التأويل فى صفة التشبيه الذى شبه لليهود فى أمر عيسى .
فقال بعضهم : لما أحاطت اليهود به وبأصحابه ، أحاطوا بهم وهم لا يثبتون
معرفة عيسى بعينه ، وذلك أنهم جميعاً حُوِّلوا فى صورة عيسى، فأشكل على الذين
كانوا يريدون قتل عيسى ، عيسى من غيره منهم ، وخرج إليهم بعض من كان
فى البيت مع عيسى، فقتلوه وهم يحسبونه عيسى .
• ذكر من قال ذلك :

تفسير سورة النساء : ١٥٧
١٠٧٧٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب القمى ، عن هرون بن
عنترة، عن وهب بن منبه قال: أُنِى عيسى ومعه سبعة عشر من الحواريين فى
بيت ، وأحاطوا بهم . فلما دخلوا عليهم صوَّرهم الله كلهم على صورة عيسى ،
فقالوا لهم: سحرتمونا ! لتبرزنّ لنا عيسى أو لنقتلنكم جميعاً! فقال عيسى لأصحابه:
من يشترى نفسه منكم اليوم بالجنة ؟ فقال رجل منهم: أنا ! فخرج إليهم، فقال :
أنا عيسى = وقد صوّره الله على صورة عيسى، فأخذوه فقتلوه وصلبوه. فمن ثَمّ
شُبِّه لهم، وظنوا أنهم قد قتلوا عيسى ، وظنت النصارى مثل ذلك أنه عيسى ،
ورفع الله عيسى من يومه ذلك .
٠
٠
وقد روى عن وهب بن منبه غير هذا القول ، وهو ما : -
١٠٧٨٠ - حدثنى به المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا إسماعيل بن
عبد الكريم قال ، حدثى عبد الصمد بن معقل : أنه سمع وهباً يقول : إن عيسى
ابن مريم عليه السلام لما أعلمه الله أنه خارج من الدنيا ، جزع من الموت وشقًّ
عليه، فدعا الحواريِّين فصنع لهم طعاماً، (١) فقال: احضرونى الليلة، فإن لى
إليكم حاجة. فلما اجتمعوا إليه من الليل ، عشَّاهم وقام يخدمهم . فلما فرغوا من
الطعام أخذ يغسل أيديهم ويوضّتهم بيده ، ويمسح أيديهم بثيابه ، فتعاظموا ذلك
وتكارهوه ، فقال : ألا مَن ردًّ على شيئاً الليلة مما أصنع ، فليس منى ولا أنا منه !
فأقرُّوه ، حتى إذا فرغ من ذلك قال : أمَّا ما صنعت بكم الليلة، مما خدمتكم على
الطعام وغسلت أيديكم بيدى ، فليكن لكم بى أسوة ، فإنكم ترون أنّى خيركم ،
فلا يتعظّم بعضكم على بعض ، وليبذل بعضكم لبعض نفسه ، كما بذلت نفسى
لكم. وأما حاجتى التى استعنتكم عليها ، فتدعون لى اللّه وتجتهدون فى الدعاء:
أن يؤثِّر أجلى. فلما نَصَبوا أنفسهم للدعاء وأرادوا أن يجتهدوا، أخذهم النوم حتى
(١) فى المطبوعة: ((وصنع)) بالواو، وأثبت ما فى المخطوطة، وتاريخ الطبرى.

٣٦٩
تفسير سورة النساء : ١٥٧
لم يستطيعوا دعاءً. فجعل يوقظهم ويقول: سبحان الله! ما تصبرون لى ليلة واحدة
تعينونى فيها!(١) قالوا: واللهما ندرى ما لنا! لقد كنا نسمر فنكثر السَّمَر، وما
نطيق الليلة سمراً ، وما نريد دعاء إلا حيل بيننا وبينه! فقال: يُذْهَب بالراعى
وتتفرق الغنم! وجعل يأتى بكلام نحو هذا ينعى به نفسه. ثم قال: الحقَّ، ليكفرنَّ
بى أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات، وليبيعنى أحدكم بدراهم يسيرة ،
وليأكلن ثمنى ! فخرجوا فتفرقوا، (٢) وكانت اليهود تطلبه، فأخذوا شمعون أحد
الحواريين ، فقالوا : هذا من أصحابه ! فجحد وقال : ما أنا بصاحبه ! فتركوه ،
ثم أخذه آخرون فجحد كذلك. ثم سمع صوت ديك فیکی وأحزنه ، فلما أصبح أتى
أحدُ الحواريين إلى اليهود فقال: ما تجعلون لى إن دلتكم على المسيح؟ فجعلوا له
ثلاثین درهماً، فأخذها ودلّھم علیه. و کان شبّه عليهم قبل ذلك، فأخذوه فاستوثقوا
منه ، وربطوه بالحبل ، فجعلوا يقودونه ويقولون له : أنت كنت تحيي الموتى ،
وتنتهر الشيطان، وتبرئ المجنون ، أفلا تنجّى نفسك من هذا الحبل ؟ ! ويبصقون
عليه ، ويلقون عليه الشوك ، حتى أتوا به الخشبة التى أرادوا أن يصلبوه عليها ،
فرفعه الله إليه ، وصلبوا ما شبّه لهم، فمكث سبعاً .
= ثم إنّ أمَّه والمرأة التى كان يداويها عيسى فأبرأها الله من الجنون، جاءتا
تبكيان حيث المصلوب ، (٣) فجاءهما عيسى فقال : علام تبكيان ؟ قالتا : عليك!
فقال: إنى قد رفعنى الله إليه، ولم يصبنى إلاّ خير، وإن هذا شىء شبّه لهم،
(١) فى المطبوعة: ((أما تصبرون))، وأثبت ما فى التاريخ والمخطوطة.
(٢) فى المطبوعة: ((وتفرقوا)) بالواو، وأثبت ما فى التاريخ والمخطوطة.
(٣) فى المطبوعة ((حيث كان المصلوب))، وفى التاريخ: ((عند المصلوب))، وفى المخطوطة
((حسب)) غير منقوطة، وعليها حرف (ط)، كأن الناسخ عدها خطأ، لقلة إضافة ((حيث))
إلى الاسم المفرد ، لأنها تضاف إلى الجملة الفعلية والجمنة الاسمية، ولكن لإضافتها إلى المفرد شواهد
كثيرة ، منها قول الشاعر :
وَنَحْنُ سَقَيْنَا المَوْتَ بِالسَّيْفِ مَفْقِلاً وَقَدْ كَانَ مِنْهُمْ حَيْثُ لِىُّ العَمَئِ
ج ٩ (٢٤)

٣٧٠
تفسير سورة النساء : ١٥٧
فا°مُرًا الحواريين أن يلقونى إلى مكان كذا وكذا . فلقوه إلى ذلك المكان أحد عشر.
وفقد الذی کان باعه ودل علیه اليهود، (١)فسأل عنه أصحابه، فقالوا : إنه ندم على
ما صنع، فاختنق وقتل نفسه. فقال: لو تابَ لتابَ اللّه عليه! ثم سألهم عن غلام
يتبعهم يقال له: يُحَنَّى (٢)، فقال: هو معكم ، فانطلقوا ، فإنه سيصبح كل
إنسان منکم محدّث بلغة قوم ، فلینذِ رْمم ولیدعهم . (٣)
٠
٠
١١/٦
وقال آخرون : بل سأل عيسى من كان معه فى البيت أن يلقى على بعضهم
شَبه، فانتدب لذلك منهم رجل ، فأُلقى عليه شبهه، فقتل ذلك الرجل، ورفع
عيسى بن مريم عليه السلام .
ذكر من قال ذلك :
٠
١٠٧٨١ - حدثنا بشربن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن
قتادة قوله: (( إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول اللّه وما قتلوه وما صلبوه)) إلى
قوله: (( وكان الله عزيزاً حكيماً)) ، أولئك أعداء الله اليهود ائتمروا بقتل عيسى
ابن مريم رسول اللّه، (٤) وزعموا أنهم قتلوه وصلبوه. وذكر لنا أن نبى الله عيسى
ابن مريم قال لأصحابه: أيكم يُقْذف عليه شبهى ، فإنه مقتول ؟ فقال رجل من
أصحابه : أنا، يا نبى الله! فقتل ذلك الرجل ، ومنع الله نبيه ورفعه إليه .
١٠٧٨٢ -حدثنا الحسن بن یحی قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنامعمر ،
عن قتادة فى قوله: ((وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ))، قال: ألقى شبهه على
رجل من الحواربين فقتل . وكان عيسى بن مريم عرض ذلك عليهم ، فقال :
أيكم ألتفى شبهى عليه ، وله الجنة ؟ فقال رجل : علىَّ.
(١) ((فقده)) و((افتقده)): لم يجده، فسأل عنه.
(٢) فى التاريخ: ((يقال له يحي)).
(٣) الأثر: ١٠٧٨٠ - رواه أبو جعفر فى التاريخ ٢: ٢٢، ٠٢٣
(٤) فى المطبوعة: ((اشتهروا بقتل عيسى))، ولا معنى لها هنا، وهى فى المخطوطة غير بينة
الحروف ، وصواب قراءتها ما أثبت .

٢٧١
تفسير سورة النساء : ١٥٧
١٠٧٨٣ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال،
حدثنا أسباط، عن السدى : أن بنى إسرائيل حَصروا عيسى وتسعة عشر رجلاً
من الحواريين فى بيت، فقال عيسى لأصحابه : من يأخذ صورتى فيقتل وله الجنة ؟
فأخذها رجل منهم، وصُعِد بعيسى إلى السماء . فلما خرج الحواريون أبصروهم
تسعة عشر، فأخبروهم أن عيسى عليه السلام قد صُعِد به إلى السماء ، فجعلوا
يعدّون القوم فيجدونهم ينقصون رجلاً من العدّة، ويرون صورة عيسى فيهم،
فشكّوا فيه . وعلى ذلك قتلوا الرجل وهم يرون أنه عيسى وصلبوه . فذلك قول الله تبارك
وتعالى: ((وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم))، إلى قوله: ((وكان الله عزيزاًحكيماً)).
١٠٧٨٤ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح ، عن القاسم بن أبي بزة : أن عيسى بن مريم قال : أيكم يلقى
عليه شبهى فيقتل مكانى ؟ فقال رجل من أصحابه : أنا ، يا رسول الله ! فألقى عليه
شبهه فقتلوه. فذلك قوله: ((وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم)).
١٠٧٨٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق قال : كان
اسم ملك بنى إسرائيل الذى بعث إلى عيسى ليقتله ، رجلاً منهم يقال له داود .
فلما أجمعوا لذلك منه، لم يَفْظَعْ عبد من عباد الله بالموت- فيما ذكرلى = فظَعَه، (١)
ولم يجزع منه جزعه، ولم يدع الله فى صرفه عنه دعاءَه ، حتى إنه ليقول ، فيما
يزعمون: ((اللهم إن كنت صارفاً هذه الكأس عن أحد من خلقك فاصرفها
عنى !))، وحتى إن جلده من كَرْب ذلك ليتفصَّد دماً. فدخل المدخل الذى أجمعوا
أن يدخلوا عليه فيه ليقتلوه هو وأصحابه ، وهم ثلاثة عشر بعيسى . فلما أيقن أنهم
داخلون عليه ، قال لأصحابه من الحواريين (٢) = وكانوا اثنى عشر رجلاً:
(١) ((فظع بالأمر يفظع فظماً (مثل فرح، يفرح، فرحا): كرهه واستبشعه ورآه فظيعاً.
(٢) قول المسيح لأصحابه من الحواريين، سيأتى فى الفقرة التى تلى الفقرة الآتية، وذلك
قوله: ((يا معشر الحواريين، أيكم يجب أن يكون رفيقى فى الجنة)). وما بين الكلامين، فصل
فيه ذكر عدة الحواريين .

٣٧٢
تفسير سورة النساء : ١٥٧
فطرس، (١) ويعقوب بن زبدی، ويحنس أخو يعقوب، وأندراییس، (٢) وفيلبس ،
وأبرثلما، ومتى، وتوماس ، ويعقوب بن حلفيا، (٣) وتداوسيس، وقنانيا، (٤)
ویودس زكريايوطا . (٥)
= قال ابن حميد ، قال سلمة ، قال ابن إسحق : وكان فيهم ، فيما ذكر لى ،
رجل اسمه سرجس، فكانوا ثلاثة عشر رجلاً سوى عيسى، جحدتْه النصارى ،
وذلك أنه هو الذى شبّه لليهود مكان عيسى . قال : فلا أدرى ما هو ؟ من هؤلاء
الاثنى عشر، أم كان ثالث عشر ، فجحدوه حين أقرُّوا لليهود بصلب عيسى ،
وكفروا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الخبر عنه . فإن كانوا ثلاثة عشر
فإنهم دخلوا المدخل حين دخلوا وهم بعيسى أربعة عشر ، وإن كانوا اثنى عشر ،
فإنهم دخلوا المدخل حين دخلوا وهم بعيسى ثلاثة عشر .
-حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق قال ، حدثنى رجل
كان نصرانيًا فأسلم: أن عيسى حين جاءَه من الله: ((إنى رافعك إلىّ)قال: يا معشر
الحواريين، أيُّكم يحبّ أن يكون رفيقى فى الجنة ، على أن يشبه للقوم فى صورتى
فيقتلوه مكانى؟(٦) فقال سرجس: أنا ، يا روح اللّه! قال: فاجلس فى مجلسى.
(١) فى المطبوعة: ((بطرس))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) فى المطبوعة: ((أندراوس))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٣) فى المطبوعة: ((حلقيا))، وفى المخطوطة بالفاء.
(٤) فى المطبوعة: ((فتاتيا))، والمخطوطة أشبه بأن تكون كما نقطتها .
(٥) سأذكر هذه الأسماء، كما هى فى كتب القوم، من الإصحاح العاشر من إنجيل متى ،
على تتابعها هنا ، وهى كما يلى :
﴿بطرس)، و﴿يعقوب بن زبدى)، و (يوحناً﴾ أخو يعقوب،
و ﴿ أندارَاوس) - أخو بطرس -، و(فيلبس)، و﴿برثولماوس﴾ ،
و(مق)، و(توما)، و (يعقوب بن حلفى﴾ و﴿لَّاوس﴾، الملقب
[تدَّاوس)، و (سمعان القانوى)، و(يهوذا الأسخريوطى).
(٦) فى المطبوعة: ((حتى يشبه القوم))، وأثبت ما فى المخطوطة.

٣٧٣
تفسير سورة النساء : ١٥٧
فجلس فيه ، ورُفع عيسى صلوات الله عليه . فدخلوا عليه فأخذوه فصلبوه ،
فكان هو الذى صلبوه وشُبِّه لهم به . وكانت عدتهم حين دخلوا مع عيسى معلومة ،
قد رأوهم وأحصوا عدّتهم. (١) فلما دخلوا عليه ليأخذوه، وجدوا عيسى فيما يُرَوْن ١٢/٦
وأصحابه ، وفقدوا رجلاً من العدة، فهو الذى اختلفوا فيه ، وكانوا لا يعرفون عيسى ،
حتى جعلوا ليودس زكريا يوطا ثلاثين درهماً على أن يدلّهم عليه ويعرُّفهم إياه ، فقال
لهم: إذا دخلتم علیه، فإنى سأقبله ، وهو الذى أقبَّل، فخذوه . فلما دخلوا عليه وقد
رُفع عيسى، رأى سرجس فى صورة عيسى، فلم يشكُّك أنه هو عيسى، (٢) فأكبّ
علیه فقبله، فأخذوه فصلبوه. ثم إن يودس زكريا يوطا ندم على ما صنع، فاختنق
بحبل حتى قتل نفسه . وهو ملعون فى النصارى، وقد كان أحد المعدودين من أصحابه .
وبعض النصارى يزعم أن يودس زكريا يوطا هو الذى شبه لهم ، فصلبوه وهو
يقول: ((إنى لست بصاحبكم! أنا الذى دللتكم عليه))! والله أعلم أىُّ ذلك كان.
١٠٧٨٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج قال ،
قال ابن جريج: بلغنا أن عيسى بن مريم قال لأصحابه: أيُّكم ينتدب فيُلقى عليه
شبهى فيقتل ؟ فقال رجل من أصحابه: أنا ، يا نبى اللّه . فألقى عليه شبهه فقتل ،
ورفع الله نبيه إليه .
١٠٧٨٧ -حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: ((شبه لهم))، قال : صلبوا
رجلاً غير عيسى ، يحسبونه إيّاه .
١٠٧٨٨ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: ((ولكن شبه لهم))، فذكر نحوه . (٣)
(١) فى المطبوعة: ((فأحصوا)) بالفاء، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) فى المطبوعة: ((فلم يشك))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٣) فى المطبوعة: ((فذكر مثله)).

٣٧٤
تفسير سورة النساء : ١٥٧
١٠٧٨٩ -حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسین قال ، حدثی حجاج ، عن
ابن جريج، عن مجاهد قال: صلبوا رجلاً شبّهوه بعيسى ، يحسبونه إياه ، ورفع
اللّه إليه عيسى حيًّا .
٠
٠
قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بالصواب، أحدُ القولین اللذين ذ کرناهما
عن وهب بن منبه: (١) من أن شَبّه عيسى ألقى على جميع من كان فى البيت مع
عيسى حين أحيط به وبهم ، من غير مسألة عيسى إياهم ذلك . ولكن ليخزى
الله بذلك اليهود، وينقذ به نبيه عليه السلام من مكروهٍ ما أرادوا به من القتل ،
ويبتلى به من أراد ابتلاءه من عباده فى قيله فى عيسى ، وصدق الخبر عن أمره .
= أو: القول الذى رواه عبد الصمد عنه. (٢)
وإنما قلنا ذلك أولى القولين بالصواب ، لأن الذين شهدوا عيسى من الحواريين،
لو كانوا فى حال ما رُفع عيسى وأُلتفى شبه على من ألقى عليه شبهه ، كانوا قد
عاينوا وهو يرفع من بينهم ، (٣) وأثبتوا الذى ألقى عليه شبهه، وعاينوه متحوّلاً فى
صورته بعد الذى كان به من صورة نفسه بمحضّرٍ منهم ، لم يخفّ ذلك من أمر
عيسى وأمر من ألقى عليه شبه عليهم ، مع معاينتهم ذلك كله ، ولم يلتبس ولم
يشكل عليهم ، وإن أشكل على غيرهم من أعدائهم من اليهود أن المقتول والمصلوب
کان غیر عیسی ، وأن عيسى رفع من بينهم حيًّاً .
وکیف يجوز أن يكون كان أشكل ذلك عليهم ، وقد سمعوا من عيسى مقالته:
((من يلقى عليه شبهى، ويكون رفيقى فى الجنة))، إن كان قال لهم ذلك، وسمعوا
(١) هو الأثر رقم : ١٠٧٧٩.
(٢) هو الأثر رقم: ١٠٧٨٠، وكان فى المخطوطة ((الذى رواه عبد العزيز عنه))، وليس ..
فى الرواة عن ابن منبه فيما سلف ((عبد العزيز)» بل ((عبد الصمد بن معقل))، وكأنه سهو من الناسخ،
وعجلة أخذته .
(٣) فى المطبوعة: ((عاينوا عيسى وهو يرفع)) بالزيادة، وأثبت ما فى المخطوطة، فهو مستقيم.

٣٧٥
تفسير سورة النساء : ١٥٧
جواب مُجيبه منهم: ((أنا))، وعاينوا تحوّل المجيب فى صورة عيسى بعقب جوابه ؟
ولكن ذلك كان = إن شاء اللّه = على نحو ما وصف وهب بن منبه : إما أن
یکون القوم الذین کانوا مع عيسى فى البيت الذى رفع منه من حواريه ، حوّهم
الله جميعاً فى صورة عیسی حین أراد الله رفعه ، فلم يثبتوا عيسى معرفةً بعينه من
غيره لتشابه صور جميعهم، فقتلت اليهود منهم من قتلت وهم يُرَونه بصورة عيسى،
ويحسبونه إياه ، لأنهم كانوا به عارفين قبل ذلك. وظنّ الذين كانوا فى البيت مع
عيسى مثل الذى ظنت اليهود ، لأنهم لم يميِّزوا شخصَ عيسى من شخص غيره ،
لتشابه شخصه وشخص غيره ممن كان معه فى البيت. فاتفقوا جميعهم - يعنى :
اليهود والنصارى (١) = من أجل ذلك على أن المقتول كان عيسى ، ولم يكن به ،
ولكنه شُبِّه لهم، كما قال الله جل ثناؤه: ((وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم)).
= أو يكون الأمر فى ذلك كان على نحو ما روى عبد الصمد بن معقل ، عن
وهب بن منبه : أن القوم الذين كانوا مع عيسى فى البيت ، تفرقوا عنه قبل أن
يدخل عليه اليهود ، وبقى عيسى ، وألقى شبهه على بعض أصحابه الذين كانوا معه
فى البيت بعد ما تفرق القوم غيرَ عيسى ، وغيرَ الذى ألقى عليه شَبه . ورفع
عيسى ، فقتل الذى تحوّل فى صورة عيسى من أصحابه، وظن أصحابُه واليهود أن ١٣/٦
الذى قتل وصلب هو عيسى ، لما رأوا من شبهه به ، وخفاء أمر عيسى عليهم .
لأن رفعه وتحوّل المقتول فى صورته ، کان بعد تفرق أصحابه عنه ، وقد کانوا سمعوا
عیسی من اللیل ینعی نفسه، ويحزن لما قد ظنّ أنه نازل به من الموت ، فحکوا ما
كان عندهم حقًّاً، والأمر عند الله فى الحقيقة بخلاف ما حكوا. فلم يستحق الذين
حكوا ذلك من حواريّيه أن يكونوا كذبة، إذ حكوا ما كان حقاً عندهم فى الظاهر، (٢)
(١) فى المطبوعة: ((أعنى))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) فى المطبوعة: ((أوحكوا))، وفى المخطوطة: ((إذا حكوا))، والصواب ما أثبت.

٣٧٦
تفسير سورة النساء : ١٥٧
وإن كان الأمر كان عند اللّه فى الحقيقة بخلاف الذى حكوا. (١)
٠
القول فى تأويل قوله ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِى شَكٍّ مِنْهُ مَا
لَهُمْ بِهِ مِنْ عِمٍ إِلَّ اتِبَعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً﴾
١٥٧
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((وإنّ الذين اختلفوا فيه))، اليهودَ
الذين أحاطوا بعيسى وأصحابه حين أرادوا قتله . وذلك أنهم كانوا قد عرفوا عدة من
فى البيت قبل دخولهم ، فيما ذكر. فلما دخلرا عليهم ، فقدوا واحداً منهم ، فالتبس
أمرُ عيسى عليهم بفقدهم واحداً من العدّة التى كانوا قد أحصوها ، وقتلوا من قتلوا
على شك منهم فى أمر عيسى .
وهذا التأويل على قول من قال : لم يفارق الحواریون عيسى حتى رفع ودخل
عليهم اليهود .
وأما تأويله على قول من قال: تفرَّقوا عنه من الليل، فإنه: ((وإن الذين
اختلفوا » ، فى عيسى ، هل هو الذى بقی فی البيت منهم بعد خروج من خرج
منهم من العدّة التى كانت فيه، أم لا ؟= (( لفى شك منه ))، بعنى: من قتله، لأنهم
كانوا أحصوا من العدّة حين دخلوا البيت أكثر ممن خرج منه ومن وجد فيه ،
فشكوا فى الذى قتلوه : هل هو عيسى أم لا؟ من أجل فقدهم من فقدوا من
العدد الذى كانوا أحصوه، ولكنهم قالوا: ((قتلنا عيسى))، لمشابهة المقتول عيسى
فى الصورة. يقول الله جل ثناؤه: ((ما لهم به من علم))، يعنى: أنهم قتلوا من قتلوه
على شك منهم فيه واختلافٍ ، هل هو عيسى أم هو غيره ؟ من غير أن يكون لهم
(١) فى المخطوطة: ((وإن كان الأمر عند الله))، حذف ((كان)) الثانية، وقد أثبتها
ناسخ المخطوطة فى هامش النسخة .

٣٧٧
تفسير سورة النساء : ١٥٧
بمن قتلوه علم ، من هو؟ هو عيسى أم هو غيره؟ = ((إلا اتباع الظن))، يعنى
جل ثناؤه : ما كان لهم بمن قتلوه من علم ، ولكنهم اتبعوا ظنهم فقتلوه ، ظنًا منهم
أنه عيسى، وأنه الذى يريدون قتله، ولم يكن به = (( وما قتلوه يقيناً))، يقول :
وما قتلوا - هذا الذى اتبعوه فى المقتول الذى قتلوه وهم يحسبونه عيسى - يقيناً أنه
عيسى ولا أنه غيره ، ولكنهم كانوا منه على ظنّ وشبهةٍ.
...
وهذا كقول الرجل للرجل: ((ما قتلت هذا الأمر علماً، وما قتلته يقيناً))،
إذا تكلّم فيه بالظن على غير يقين علم. فـ((الهاء)) فى قوله: ((وما قتلوه))، عائدة
على ((الظن)).(١)
٠
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك .
١٠٧٩٠ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله: (( وما قتلوه
يقيناً))، قال : يعنى لم يقتلوا ظنَّهم يقيناً .
١٠٧٩١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا يعلى بن عبيد ،
عن جويبر فى قوله: (( وما قتلوه يقيناً))، قال : ما قتلوا ظنهم يقيناً .
وقال السدى فى ذلك ما :-
١٠٧٩٢ -حدثنا محمد بن الحسین قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا
أسباط، عن السدى: ( وما قتلوه يقيناً))، وما قتلوا أمره يقيناً أن الرجل هو عيسى،
(( بل رفعه الله إليه)).
٠
(١) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٢٩٤.

٢٧٨
تفسير سورة النساء : ١٥٨
القول فى تأويل قوله ﴿بَل رَّفَعَهُ اللهُ إلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيرًا
حَكِيمًا) ٥)
قال أبو جعفر : أما قوله جل ثناؤه : « بل رفعه الله إليه )) ، فإنه يعنى : بل
رفع الله المسيح إليه. يقول: لم يقتلوه ولم يصلبوه، ولكن الله رفعه إليه فطهَّره
من الذين كفروا .
٠٠
وقد بيّنا كيف كان رفع اللّه إياه إليه فيما مضى ، وذكرنا اختلاف المختلفين
فى ذلك، والصحيح من القول فيه بالأدلة الشاهدةعلى صحته، بما أغنى عن إعادته .(١)
٠ ٠
وأما قوله: ((وكان اللّه عزيزاً حكيماً))، فإنه يعنى : ولم يزل الله منتقماً من
أعدائه ، (٢) كانتقامه من الذين أخذتهم الصاعقة بظلمهم، وكلعنه الذين قص"
قصتهم بقوله: (( فيما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآياتالله ))= (( حکیماً )) ، يقول: ذا
حكمة فى تدبيره وتصريفه خلقه فى قضائه. (٣) يقول: فاحذروا أيها السائلون محمداً
أن ينزل عليكم كتاباً من السماء ، من حلول عقوبتى بكم ، كما حل بأوائلكم الذين
فعلوا فعلکم ، فی تکذیبہم رسلی وافترائهم على أولیائی ، وقد : -
١٠٧٩٣ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا محمد بن إسحق بن أبى سارة
الرُّؤَاسِّ، عن الأعمش ، عن المنهال ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فى
قوله: ((وكان اللّه عزيزاً حكيماً))، قال: معنى ذلك: أنه كذلك . (٤)
(١) انظر ما سلف ٦ : ٤٥٥ - ٤٦٠.
(٢) انظر تفسير ((عزيز)) و((عزة)) فيما سلف ص: ٣١٩، تعليق: ٥، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير ((حكيم)) فيما سلف من فهارس اللغة.
(٤) الأثر: ١٠٧٩٣ - ((محمد بن إسحق بن أبى سارة الرؤاسى))، لم أعرف له ترجمة ،

٣٧٩
تفسير سورة النساء : ١٥٨، ١٥٩
(١) القول فى تأويل قوله ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ اَلْكِتْبِ إلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ ١٤/٦
قَبْلَ مَوْتِهِ ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فى معنى ذلك :
فقال بعضهم: معنى ذلك: ((وإن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمنن به ))، يعنى:
بعيسى = ((قبل موته))، يعنى : قبل موت عيسى = يوجُّه ذلك إلى أنّ جميعهم
يصدُّقون به إذا نزل لقتل الدجّال، فتصير الملل كلها واحدة ، وهى ملة الإسلام
الحنيفيّة، دين إبراهيم صلى الله عليه وسلم.
ولا وجدت له ذكراً فيما بين يدى من الكتب ، وأخشى أن يكون فى اسمه تحريف أو تصحيف .
وقول ابن عباس فى تفسير الآية ((معنى ذلك أنه كذلك))، يريد أن الله كان ولم يزل عزيزاً حكيما.
٥
وعند هذا الموضع انتهى الجزء السابع من مخطوطتنا وفى آخرها ما نصه :
(« تَجَز الجزء السابع من كتاب البيان، بحمد الله وعونه وحُسن توفيقه. مصلى
الله عَلَى سيدنا محمد وآ له وصحبه وسلم.
الحمد لله رب العالمين
يتلوه فى أول الثامن إن شاء الله تعالى ، القول فى تأويل قوله :
﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾
وكان الفراغ منه فى شهر ربيع الأول سنة خمس عشرة وسبعمئة.
غفر الله لمؤلفه ولصاحبه، ولكاتبه ، ولمن طالعَ فيه ودعا لهم
بالمغفرة ورضى الله تعالى والجنة ، ولجميع المسلمين .
آمين ، ياربّ العالمين)».
(١) هذا بدء الجزء الثامن من المخطوطة، وأوله:
((ِبِسمِ اله الرَّحْنِ الرَّحِيمِ))
((رَبِّ بَسْرِ بْرَحْتَتِك باَ كَرِيم))

٣٨٠
تفسير سورة النساء : ١٥٩
* ذكر من قال ذلك :
١٠٧٩٤ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ،
عن أبى حصين ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس: (( وإن من أهل الكتاب
إلاّ ليؤمنن به قبل موته )) ، قال : قبل موت عيسى بن مريم .
١٠٧٩٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن سفيان ، عن أبى
حصين، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس: ((وإن من أهل الكتاب إلاّ
لیؤمنن به قبل موته )) ، قال : قبل موت عيسى .
١٠٧٩٦ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا
حصين، عن أبى مالك فى قوله: ((إلاّ ليؤمنن به قبل موته))، قال : ذلك عند
نزول عيسى بن مريم ، لا يبقى أحدٌ من أهل الكتاب إلا ليؤمننّ به.(١)
١٠٧٩٧ - حدثی المثنی قال،حدثنا الحجاج بنالمنهال، قال، حدثنا حماد بن
سلمة، عن حميد، عن الحسن قال: ((قبل موته))، قال: قبل أن يموت عيسى بن مريم.
١٠٧٩٨ - حدثنى يعقوب قال ، حدثنا ابن علية ، عن أبى رجاء ، عن
الحسن فیقوله: (( وإن من أهل الكتاب إلا لیؤمنن به قبل موته )) ، قال: قبل موت
عيسى. والله إنه الآن لحىٌّ عند الله ، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون .
١٠٧٩٩ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة فى قوله: ((وإن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمنن به قبل موته))، يقول :
قبل موت عيسى .
١٠٨٠٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا
معمر، عن قتادة: ( وإن من أهل الكتاب إلاّ لیؤمنن به قبل موته ))، قال: قبل
موت عیسى . (٢)
(١) الأثر: ١٠٧٩٦ - فى المخطوطة، هذا الأثر مبتور، مع جريانه فى سياق الكتابة.
(٢) الأثر: ١٠٨٠٠ - هذا الأثر مكرر الذى يليه مختصراً، وليس فى المخطوطة،
فأخشى أن يكون من سهو الناسخ ، كتب ، ثم وقف ، ثم أعاد الكتابة .