Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٫٠١ تفسير سورة النساء : ١٣٤، ١٣٥ وقوله: ((وكان اللّه سميعاً بصيراً)) ، يعنى : وكان الله سميعاً لما يقول هؤلاء المنافقون الذين يريدون ثواب الدنيا بأعمالهم ، وإظهارهم للمؤمنين ما يظهرون لهم إذا لَقُوا المؤمنين، وقولهم لهم: ((آمناً))(١) = ((بصيراً))، يعنى: وكان ذا بصربهم وبما هم عليه منطوون للمؤمنين، (٢) فيما يكتمونه ولا يبدونه لهم من الغش والغيل الذى فى صدورهم لهم . (٣) ٥ القول فى تأويل قوله ﴿يَأَيُها الّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّمِينَ بالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِّهِ وَلَوْ عَىَّ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَلِدَ يْنِ وَالْأَفْرَ بِينَ إِن يَكُنْ تَنَّ أَوْ فَقِيرًا فَاللهُ أَوْلِىُّ بِمَا فَلاَ تَِّعُواْ أَلْهَوَىَّ أَنْ تَعْدِلُواْ ﴾ وهذا تقدُّم من اللّه تعالى ذكره إلى عباده المؤمنين به وبرسوله (٤): أن يفعلوا فعل الذين سَعوا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فى أمر بنى أبيرقٍ أن يقوم بالعذر لهم فى أصحابه، وذَبَّهم عنهم، وتحسينَهم أمرهم بأنهم أهل فاقة وفقر. يقول الله لهم: (( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوَّامين بالقسط))، يقول: ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيام بالقسط (٥)= يعنى: بالعدل = ((شهداء اللّه)). ٥ ٠ = و((الشهداء)) جمع ((شهيد)). (٦) (١) انظر تفسير ((سميع)) فيما سلف ٦: ٣٦٣، والمراجع هناك. (٢) انظر تفسير ((بصير)) فيما سلف ٦: ٢٨٣، والمراجع هناك. (٣) فى المطبوعة، حذف ((لهم)) من آخر هذه الجملة. (٤) يقال: ((تقدم إليه فى كذا) أى أمره بأمر أو نهى، وأراد هنا معنى النهى. (٥) انظر تفسير ((القسط)) فيما سلف ٦: ٧٧، ٧/٢٧٠ : ٥٤١. (٦) انظر تفسير ((شهيد)) و((شهداء)) فيما سلف من فهارس اللغة. ٣٠٢ تفسير سورة النساء : ١٣٥ ونصبت ((الشهداء)) على القطع مما فى قوله: ((قوامين)) من ذكر( الذين آمنوا))، (١) ومعناه: قوموا بالقسط لله عند شهادتكم = أو : حين شهادتكم . -(( ولو على أنفسكم))، يقول: ولو كانت شهادتكم على أنفسكم، أو على والدين لكم أو أقربيكم، (٢) فقوموا فيها بالقسط والعدل ، وأقيموها على صحتها بأن تقولوا فيها الحق ، ولا تميلوا فيها لغنى لغناه على فقير ، ولا لفقير لفقره على غنىّ ، فتجوروا . فإن الله الذى سوَّى بين حكم الغنىّ والفقير فيما ألزمكم ، أيها الناس ، من إقامة الشهادة لكل واحد منهما بالعدل = ((أولى بهما))، وأحق منكم، (٣) لأنه مالکهما وأولى بهما دونكم ، فهو أعلم بما فيه مصلحة كلّ واحد منهما فى ذلك وفى غيره من الأمور كلها منكم ، فلذلك أمركم بالتسوية بينهما فى الشهادة لهما وعليهما = ((فلا تتبعوا الهوى أن تَعْدِلوا))، يقول: فلا تتبعوا أهواءَ أنفسكم فى الميل فى شهادتكم إذا قمتم بها - لغنى على فقير ، أو الفقير على غنى - إلى أحد الفريقين ، فتقولوا غير الحق ، ولكن قوموا فيه بالقسط ، وأدُّوا الشهادة على ما أمركم الله بأدائها ، بالعدل لمن شهدتم له وعليه . ٠٫٠٠ فإن قال قائل : وكيف يقوم بالشهادة على نفسه الشاهدُ بالقسط ؟ وهل يشهد الشاهد على نفسه ؟ (٤) قیل : نعم ،وذلك أن یکونعلیه حق لغيره فیقرّ له به، فذلك قيام منه له بالشهادة على نفسه . قال أبو جعفر: وهذه الآية عندى تأديبٌ من الله جل ثناؤه عباده المؤمنين أن يفعلوا ما فعله الذين عذَروا بنى أبيرق = فى سرقتهم ما سرقوا ، وخيانتهم ما خانوا (١) ((القطع))، باب من الحال، انظر ما سلف فى فهارس المصطلحات. (٢) فى المطبوعة: ((أو على والديكم))، وأثبت ما فى المخطوطة. (٣) انظر تفسير ((أولى)) فيها سلف ٦ : ٤٩٧. (٤) فى المطبوعة: ((وهل يشهد الشاهد))، وفى المخطوطة: ((وبما يشهد)). ٣٠٣ تفسير سورة النساء : ١٣٥ ممن ذكرنا قبل (١) = عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهادتهم لهم عنده بالصلاح . فقال لهم: إذا قمتم بالشهادة لإنسان أو عليه ، فقولوا فيها بالعدل ، (٢) ولو كانت شهادتكم على أنفسكم وآبائكم وأمهاتكم وأقربائكم، ولا يحملنكم غنّى من شهدتم له أو فقره أو قرابته ورحمه منكم، (٣) على الشهادة له بالزور، ولا على ترك الشهادة عليه بالحق وكتمانها . ٠ وقد قيل إنها نزلت تأديباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم. • ذكر من قال ذلك : ١٠٦٧٨ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، ٢٠٧/٥ حدثنا أسباط، عن السدى فى قوله: (( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله.))، قال: نزلت فى النبيّ صلى الله عليه وسلم، واختصم إليه رجلان: غنىِّ وفقير، وكان ضِلَعه مع الفقير، يرى أن الفقير لا يظلم الغنىّ، فأبى الله إلاّ أن يقوم بالقسط فى الغنى والفقير، فقال: ((إن يكن غنيًا أو فقيراً فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا )) ، الآية . ٠٠٠ وقال آخرون : فى ذلك نحو قولنا : إنها نزلت فى الشهادة ، أمراً من اللّه المؤمنين أن يسوُّوا - فى قيامهم بشهاداتهم - لمن قاموا بها، (٤) بين الغنى والفقير. وأرجح أن ما فى المطبوعة هو الصواب، لقوله فى جوابه ((نعم))، وكدت أقرؤها: ((ويم يشهد الشاهد )»، لولا أن جواب أبى جعفر دل على غير ذلك. (١) فى المطبوعة: ((وخيانتهم ما خافوا من ذكر ما قيل عند رسول الله ... »، وهو كلام فاسد، غير ما فى المخطوطة، وهو كما أثبت، إلا أنه كتب ((من ذكرنا قبل)) ووضع فتحة على الميم من ((من))، وهو خطأ فى نسخ الناسخ ونقله، إنما هذه الفتحة ميم أخرى فى ((من)) أساء قراءتها ، فأساء نقلها . وقد مضى مثل هذا فى مثل هذا الحرف ، مراراً فيما سلف وفيهت إليه . (٢) فى المطبوعة: ((فقوموا فيها بالعدل))، والذى فى المخطوطة صواب محض. (٣) فى المطبوعة ((فلا يحملنكم))، والجيد ما أثبت من المخطوطة. (٤) فى المطبوعة: ((لمن قاموا له بها)) زاد ((له))، وهى مفسدة الكلام، غمض عليه السياق. وإنما سياق الكلام: أمراً من الله المؤمنين ... لمن قاموا بها)) أى: لمن قام من المؤمنين بالشهادة، وذكرها معترضة فى كلام آخر، وهو قوله: ((فى قيامهم بشهاداتهم)). ٣٠٤ تفسير سورة النساء : ١٣٥ • ذكر من قال ذلك : ١٠٦٧٩ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثى معاوية ، عن على، عن ابن عباس قوله: ((كونوا قوامين بالقسط شهداء اللّه ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ))، قال: أمر اللّه المؤمنين أن يقولوا الحقَّ ولو على أنفسهم أو آبائهم أو أبنائهم ، ولا يحابوا غنيًا لغناه ، ولا يرحموا مسكيناً لمسكنته، وذلك قوله: ((إن يكن غنيًاً أو فقيراً فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا )) ، فتذروا الحق ، فتجوروا . ١٠٦٨٠ - حدثنى المثى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن يونس ، عن ابن شهاب فى شهادة الوالد لولده وذى القرابة قال : كان ذلك فيما مضى من السُّنة فى سلف المسلمین ، و کانوا یتأولون فى ذلك قول الله : (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء للّه ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيًا أو فقيراً فالله أولى بهما) الآية، فلم يكن يُنَّهَمُ سلفُ المسلمين الصالحُ فى شهادة الوالد لولده، ولا الولد لوالده، ولا الأخ لأخيه ، ولا الرجل لامرأته ، ثم دَخِلَ الناسُ بعد ذلك، (١) فظهرت منهم أمور حملت الولاةَ على اتهامهم ، فترکت شهادةُ من یتهم، إذا کانتمن أقربائهم . وصار ذلك من الولد والوالد، والأخ والزوج والمرأة ، لم يتهم إلاّ هؤلاء فى آخر الزمان. (٢) ١٠٦٨١ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله: ((يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء اللّه)) إلى آخر الآية، قال: لا يحملك فقرُ هذا على أن ترحمه فلا تقيم عليه الشهادة. قال: يقول هذا للشاهد. (١) ((دخل)) على وزن ((فرح))، يقال: ((دخل أمره دخلا (بفتحتين))): أى فسد، و((الدخل)) (بفتحتين): النش والفساد. و((فلان مدخول الإسلام))، إذا كان فيه غش وفساد، وهو النفاق . (٢) فليت شعرى ما كان يقول ابن شهاب لو أدرك زماننا الذى نحن فيه !! نسأل السلامة، ونستهديه فى القيام بما أمرنا به فى كتابه . ٣٠٥ تفسير سورة النساء : ١٣٥ ١٠٦٨٢ -حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا یزید بن زريع قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة: (( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله)) الآية، هذا فى الشهادة . فأقم الشهادة ، يا ابن آدم، ولو على نفسك ، أو الوالدين ، أو على ذوى قرابتك، أو شَرَفِ قومك. (١) فإنما الشهادة لله وليست للناس ، وإن الله رضى العدل لنفسه، والإقساط والعدل ميزانُ اللّه فى الأرض، به يردُّ اللّه من الشديد على الضعيف ، ومن الكاذب على الصادق ، ومن المبطل على المحق . وبالعدل يصدّق الصادقَ، ويكذِّب الكاذبَ، ويردُّ المعتدى ويُرَنْخُه، (٢). تعالى ربنا وتبارك. وبالعدل يصلح الناس، يا ابن آدم = ((إن يكن غنيًا أو فقيراً فالله أولى بهما))، يقول: أولى بغنيكم وفقيركم . قال : وذكر لنا أن نبیَّ الله موسى عليه السلام قال: ((ياربِّ، أى شىء وضعت فى الأرض أقلّ؟))، قال: ((العدلُ أقلُّ ما وضعت فى الأرض )). فلا يمنعك غِنى غنىّ ولا فقر فقير أن تشهد عليه بما تعلم، فإن ذلك عليك من الحق، وقال جل ثناؤه: ((فالله أولى بهما)). ٠٠ وقد قيل: ((إن يكن غنيًا أو فقيراً)، الآية، أريد: فالله أولى بغنى الغنى وفقر الفقير. لأن ذلك منه لا من غيره، فلذلك قال: ((بهما))، ولم يقل ((به)). ٠ ٠٠ وقال آخرون: إنما قيل: ((بهما))، لأنه قال: ((إن يكن غنيًّا أوفقيراً))، فلم يقصد فقيراً بعينه ولا غنيًا بعينه، وهو مجهول. وإذا كان مجهولاً جاز الزدُّ منه بالتوحيد والتثنية والجمع. (٣) ٥ (١) فى المطبوعة: ((أو أشراف قومك))، كأنه ظن ((شرفاً)) خطأ، وهو محض صواب، يجمع ((شريف)) على ((أشراف)) و((شرفاء)) و((شرف)) (بفتح الشين والراء). كما قالوا : ((رجل كريم)) و((قوم كرم)). ولو قيل: هو وصف بالمصدر مثل ((عدل)) لكان صواباً. (٢) فى المطبوعة: ((ويوبخه)) والتوبيخ لا معنى له هنا. وفى المخطوطة غير منقوطة. وصواب قراءتها ما أثبت. يقال: ((رفخ الرجل)): ذلله. ولو قرئت ((يريخه)) بالياء لكان صواباً، يقال: ((ضربوا فلاناً حتى ريخوه))، أى أوهنوه وأذلوه. هذا وقتادة السدوسى، كان يكثر فى كلامه غريب اللغة. (٣) فى المطبوعة: ((الرد عليه بالتوحيد ... ))، والذى أثبت من المخطوطة هو محض الصواب. ج ٩ (٢٠) ٣٠٦ تفسير سورة النساء : ١٣٥ وذكر قائلو هذا القول، أنه فى قراءة أبىّ: ﴿فَاَلُهُ أَوْلَى بِهِمْ﴾. ٠٠٠ وقال آخرون: ((أو)) بمعنى ((الواو)) فى هذا الموضع. (١) ٠٠ ٠ وقال آخرون: جاز تثنية قوله: (( بهما))، لأنهما قد ذكرا ، كما قيل . ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌُ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَ﴾ [سورة النساء: ١٢]. ٠ وقيل : جاز، لأنه أضمر فيه ((مَن ))، كأنه قيل: إن يكن من خاصم غنيًّا أو فقيرًا = بمعنى: غنيين أو فقيرين = ((فالله أولى بهما)). ٠ وتأويل قوله: ((فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا))، أى: عن الحق ، فتجوزوا بترك إقامة الشهادة بالحق . ولو وُجِّه إلى أن معناه: فلا تتَّبعوا أهواء أنفسكم هرباً من أن تعدلوا عن الحق فى إقامة الشهادة بالقسط ، لكان وجهاً . (٢) ٠ ٠٠ وقد قيل : معنى ذلك : فلا تتبعوا الهوى لتعدلوا = كما يقال: ((لا تتبع هواك ٥ / ٢٠٨ لترضىَ ربك))، بمعنى: أنهاك عنه، كما ترضى ربك بتركه. (٣) القول فى تأويل قوله ﴿ وَإِن تَلْوُوَاْ أَوْ تُمْرِضُواْ فَإِنَّ اللهَ كَأَنَ بِمَ تَعَلُونَ خَبِيرًا ﴾ ١٣٥ .قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك . فقال بعضهم: عنى: ((وإن تلووا))، أيها الحكام، فى الحكم الأحد الخصمين (١) انظر((أو)) بمعنى ((الواو)) فيما سلف ١: ٣٣٦، ٢/٣٣٧: ٢٣٧. (٢) فى المطبوعة: ((كان وجها))، وأثبت ما فى المخطوطة. (٣) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٢٩١ ٣٠٧ تفسير سورة النساء : ١٣٥ على الآخر = ((أو تعرضوا فإن اللّه كان بما تعملون خبيراً)). ووجهوا معنى الآية إلى أنها نزلت فى الحكام ، على نحو القول الذى ذكرنا عن السدّى من قوله: إن الآية نزلت فى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما ذكرنا قبل . (١) • ذكر من قال ذلك : ١٠٦٨٣ -حدثنا ابن حميد وابن و کیع قالا، حدثنا جرير ، عن قابوس ابن أبى ظبيان ، عن أبيه ، عن ابن عباس فى قول الله: ((وإن تلووا أو تعرضوا))، قال: هما الرجلان يجلسان بين يدى القاضى، فيكون لىُّ القاضى وإعراضُه لأحدهما على الآخر . (٢) ٠ ٠ وقال آخرون : معنى ذلك : وإن تلووا ، أيها الشهداء ، فى شهاداتكم فتحرَّفوها ولا تقيموها = أو تعرضوا عنها فتتركوها . * ذكر من قال ذلك : ١٠٦٨٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس قوله: ((وإن تلووا أو تعرضوا))، يقول : إن تلووا بألسنتكم بالشهادة ، أو تعرضوا عنها . ١٠٦٨٥ -حدثنى محمد بن سعد قال ، حدثی أبى قال، حدثنى عمى قال ، حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: (( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله)) إلى قوله: ((وإن تلووا أو تعرضوا))، يقول: تلوى (١) هو الأثر السالف رقم : ١٠٦٧٨ . (٢) الأثر: ١٠٦٨٣ - ((قابوس بن أبى لبيان الجنبى))، روى عن أبيه ((حصين بن جندب) وآخرين. قال ابن معين: ((ثقة، ضعيف الحديث)). وقال ابن حبان: ((ينفرد عن أبيه بما لا أصل له، فربما رفع المرسل، وأسند الموقوف. وأبوه ثقة)). وانظر ما سلف رقم ! ٩٧٤٥. وأبوه: ((أبو ظبيان))، هو: ((حصين بن جندب)). روى عن عمر، وعلى، وابن مسعود. ثقة ، انظر ما سلف رقم : ٩٧٤٥ . ٣٠٨ تفسير سورة النساء : ١٣٥ لسانك بغير الحق، وهى اللَّجلجة، فلا تقيم الشهادة على وجهها. و((الإعراض)) ، الترك. ١٠٦٨٦ -حدثی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: ((وإن تلووا))، أى تبدّلوا الشهادة = (( أو تعرضوا))، قال : تكتموها . ١٠٦٨٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((وإن تلووا))، قال: بتبديل الشهادة، و((الإعراض)) كتمانها. ١٠٦٨٨ -حدثنا ابن و کیع قال، حدثنا أبى ، عن سفيان ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((وإن تلووا أو تعرضوا))، قال: إن تحرفوا أو تتركوا . .. ١٠٦٨٩ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة: ((وإن تلووا أو تعرضوا))، قال: تلجلجوا، أو تكتموا. وهذا فى الشهادة . ١٠٦٩٠ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: ((وإن تلووا أو تعرضوا))، أما ((تلووا))، فتلوى للشهادة فتحرفها حتى لا تقيمها = وأما ((تعرضوا)) فتعرض عنها فتكتمها، وتقول: لیس عندی شهادة ! ١٠٦٩١ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : (( وإن تلووا ))، فتكتموا الشهادة، یلوی ببعض مها (١)= أو يُعرض عنها فيكتمها، فيأبى أن يشهد عليه، يقول: أكتم عنه لأنه مسكين أرحمُه! فيقول: لا أقيم الشهادة عليه . ويقول: هذا غنىٌّ أبقيه وأرجو ما قبله، فلا أشهد عليه ! فذلك قوله: ((إن يكن غنيًا أو فقيراً)). (١) فى المطبوعة: ((تلوى تنقص منها))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو صواب جيد. من قولهم: ((لوى عنه الخبر))، إذا طواه، أو أخبره به على غير وجهه. وكان سياق الكلام فى المطبوعة بالتاء على معنى الخطاب، ((تلوى)) ((تعرض؛ الخ، فأثبت ما هو فى المخطوطة منقوطاً كذلك . ٢٠٩ تفسير سورة النساء : ١٢٥ ١٠٦٩٢ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((وإن تلووا))، تحرّفوا = ((أو تعرضوا))، تتركوا. (١) ١٠٦٩٣ -حدثنامحمدبن عمارة قال،حدثنا حسن بن عطية قال، حدثنافضیل ابن مرزوق، عن عطية فى قوله: ((وإن تلووا))، قال : إن تلجلجوا فى الشهادة فتفسدوها = ((أو تعرضوا))، قال: تتركوها . (٢) ١٠٦٩٤ - حدثنا المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال ، أخبرنا هشيم ، عن جويبر، عن الضحاك فى قوله: ((وإن تلووا أو تعرضوا))، قال: إن تلووا فى الشهادة، أن لا تقيمها على وجهها(٣) = ((أو تعرضوا))، قال: تكتموا الشهادة . ١٠٦٩٥ -حدثی المثی قال، حدثنا إسمق قال ، حدثنا عبد الرحمن بن أبى حماد قال، حدثنا شيبان، عن قتادة: أنه كان يقول: ((وإن تلووا أو تعرضوا))، يعنى : تلجلجوا = ((أو تعرضوا ))، قال : تدعها فلا تشهد . ١٠٦٩٦ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول فى قوله: (( وإن تلووا أو تعرضوا))، أما ((تلووا))، فهو أن يلوى الرجل لسانَه بغير الحق . يعنى: فى الشهادة. ٠ قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب فى ذلك، تأويلُ من تأوله، أنه لَىُّ الشاهد شهادته لمن یشهد له وعليه، وذلك تحريفه إياها بلسانه ، (٤) وترکه إقامتها ، ليبطل بذلك شهادته لمن شهد له ، وعمن شهد عليه . (٥) ٢٠٩/٥ (١) فى المخطوطة: ((تحرفوا أو تحرفوا)) مكررة، لا أظنه تحريفاً. (٢) فى المطبوعة: ((فتتركوها))، والجيد ما فى المخطوطة. (٣) فى المطبوعة: ((أن لا تقيموها)) بالجمع، والذى فى المخطوطة حسن جيد. (٤) فى المطبوعة: ((لسانه)) بغير باء، والصواب من المخطوطة. (٥) انظر تفسير ((اللى)) فيما سلف ٦: ٥٣٥ - ٤٣٥:٨/٥٣٧. ٣١٠ تفسير سورة النساء : ١٣٥ وأما إعراضه عنها ، فإنه تركه أداءَها والقيام بها، فلا يشهد بها. (١). وإنما قلنا : هذا التأويل أولى بالصواب، لأن الله جل ثناؤه قال: ((كونوا قوامين بالقسط شهداء اللّه))، فأمرهم بالقيام بالعدل شهداء . وأظهر معانى (الشهداء))، ما ذكرنا من وصفهم بالشهادة . ٠٠٠ واختلفت القرأة فى قراءة قوله: ((وإن تلووا)). فقرأ ذلك عامة قرأة الأمصار سوى الكوفة: ﴿ وَإِنْ تَلْوُوا﴾ بواوين، من: ((لوانى الرجل حقى، والقوم يلووننى دَيْنى)) = وذلك إذا مطلوه = ((ليًّا)). ٠ وقرأ ذلك جماعة من قرأة أهل الكوفة : ﴿ وَإِنْ تَلُوا ﴾ بواو واحدة . ولقراءة من قرأ ذلك كذلك وجهان : أحدهما: أن يكون قارئها أراد همز ((الواو)) لانضمامها ، ثم أسقط الهمز، فصار إعراب الهمز فى اللام إذا أسقطه، وبقيت واو واحدة. كأنه أراد: ((تَلْؤُوا)) ثم حذف الهمز. وإذا عنى هذا الوجه ، كان معناه معنى من قرأ: ((وإن تلووا))، بواوين، غير أنه خالف المعروف من كلام العرب. وذلك أن ((الواو)) الثانية من قوله: ((تلووا)) واو جمع ، وهى علم لمعنى ، فلا يصح همزها ، ثم حذفها بعد همزها، فيبطل علم المعنى الذى له أدخلت ((الواو)) المحذوفة. (٢) والوجه الآخر: أن يكون قارئها كذلك، أراد: أن((تلوا)) من ((الولاية))، فيكون معناه: وأن تلوا أمور الناس وتتركوا . وهذا معنى = إذا وجّه القارئ قراءته على ما وصفنا، إلیه= خارج عنمعانی أهلالتأويل، وما وجه إليه أصحاب رسول الله صلى (١) انظر تفسير ((الإعراض)) فيما سلف ص: ٢٦٨، تعليق: ٤، والمراجع هناك. (٢) هذا موضع وهم غريب من مثل أبى جعفر، فإن الهمز فى ((تلزوا)) على واو الفعل، وهى عين الفعل ((لوى))، والحذف بعد طرح الهمزة، واقع بواو الفعل لا بواو الجماعة ، وهى أصل ، لم تدخل لمعنى. فكيف أخطأ أبو جعفر فظنها واو الجماعة !! وانظر معانى القرآن الفراء ١: ٢٩١. ٢.١١ تفسير سورة النساء : ١٣٥ اللّه عليه وسلم والتابعون، تأويلَ الآية . ٠ قال أبو جعفر : فإذا كان فساد ذلك واضحاً من كلا وجهيه ، فالصواب من القراءة الذى لا يصلح غيره أن يقرأ به عندنا: ﴿وَإِنْ تْلُوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾، بمعنى: ((اللى)) الذى هو مطل . ٠ ٠ فيكون تأويل الكلام : وإن تدفعوا القيام بالشهادة على وجهها لمن لزمكم القيامُ له بها ، فتغيروها وتبدلوا، أو تعرضوا عنها فتتركوا القيام له بها ، كما يلوى الرجل دينَ الرجل فيدافعه بأدائه إليه على ما وجب عليه له مطلاً منه له ، (١) كما قال الأعشى : دَيْنِى إِذَا وَقَذَ النَُّسُ الرُّفَّدَا(٢) يُلْوِيَغَنِ دَيْنِ النَّهَارَ، وأَقْتَضِى وأما تأويل قوله: ((فإن اللّه كان بما تعملون خبيراً))، فإنه أراد: ((فإن الله كان بما تعملون))، من إقامتكم الشهادة وتحريفكم إياها ، وإعراضكم عنها (١) انظر مراجع تفسير ((الى)) فيما سلف ص: ٣٠٩، تعليق: ٥ وفى المطبوعة ((على ما أوجب عليه))، والصواب من المخطوطة. (٢) ديوانه: ١٥١، واللسان (لوى) و (وقذ)، من أبيات، جياد أولها فيما قبله : أَنْ لَا أَكُونَ لَهُنّ مِثْلِيَ أَمْرَدَا وَأَرَى الغَوَانِىِ حِينَ شِبْتُ مَجَرْنَتِى فَقَدَ الشَّبَابَ ، وَقَدْ يَصِلْنَ الأَمْرَدَا إِنَّ الغَوَانِى لَا يُوَاصِلْنَ أَمْرَ،! بَلْ لَيْتَ شِعْرِى! هَلْ أَعُودَنْ نَاشِئاً مِثْلِ زُمَيْنَ أَحُلُّ بُرْقَةً أَنْدَا دَدَنَا قُودَ غَوَايَةٍ أَجْرِى دَدًا أَتْبَعُ ظِلَّهَا إِذْ لِّحِ سَوْدَاء يَلْوِینَنِى دَیْنِ هذا، ورواية الديوان: ((وأجتزى دينى))، يقال: ((اجتزى دينه)) أى: تقاضاه، ومثله ((تجازى دينه)). و((وقذه)): ضربه حتى استرخى وأشرف على الموت. و((وقذه النعاس)) مجاز منه، أى صاروا كأنهم سكارى قد استرخوا وهمدوا من النعاس. ٣١٢ تفسير سورة النساء : ١٣٥ ١٣٦ بكتمانكموها = ((خبيراً))، يعنى ذا خبرة وعلم به، يحفظ ذلك منكم عليكم ، حتى يجازيكم به جزاءكم فى الآخرة ، المحسنَ منكم بإحسانه ، والمسىء بإساءته . يقول : فاتقوا ربكم فى ذلك .(١) ٠ القول فى تأويل قوله ﴿يَأَيُّهاَ الَّذِينَ ءامَنُواْ ، امِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَّبِ الَّذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَّبِ الَّذِىَّ أَنْزَلَ مِن قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلَكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَأَلْيَوْمِ الْأَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ منَلَلًا بَعِيدًا ﴾ قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه: (( يا أيها الذين آمنوا))، بمن قبل محمد من الأنبياء والرسل، وصدَّقُوا بما جاؤوهم به من عند الله = ((آمنوا بالله ورسوله ))، يقول: صدّقوا باللّه وبمحمد رسوله، أنه لله رسولٌ، مرسل إليكم وإلى سائر الأمم قبلکم = (( والكتاب الذی نزل على رسوله))، یقول : وصد قوا بما جاءكم به محمد من الكتاب الذى نزّله الله عليه، وذلك القرآن = (( والكتاب الذى أنزل من قبل ))، يقول : وآمنوا بالكتاب الذى أنزل الله من قبل الكتاب الذى نزله على محمد صلى الله عليه وسلم، وهو التوراة والإنجيل. ... فإن قال قائل : وما وجه دعاء هؤلاء إلى الإيمان بالله ورسوله و کتبه ، وقد سماهم ((مؤمنين)»؟ قيل: إنه جل ثناؤه لم يسمّهم ((مؤمنين))، وإنما وصفهم بأنهم ((آمنوا))، وذلك وصف لهم بخصوصٍ من التصديق . وذلك أنهم كانوا صنفين: أهل توراة مصدّقين (١) انظر تفسير ((الخبير)) فيما سلف من فهارس اللغة. ٢١٣ تفسير سورة النساء : ١٣٦ بها وبمن جاء بها ، وهم مكذبون بالإنجيل والقرآن وعيسى ومحمد صلوات الله عليهما = وصنف أهل إنجیل ، وهم مصدّقون به وبالتوراة وسائر الكتب، مكذُّبون بمحمد صلى الله عليه وسلم والفرقان، فقال جل ثناؤه لهم: (( يا أيها الذين آمنوا ))، يعنى: بما هم به مؤمنون من الكتب والرسل = ((آمنوا بالله ورسوله)) محمد صلى الله عليه وسلم = ((والكتاب الذى نزّل على رسوله))، فإنكم قد علمتم أن محمداً رسول اللّه، تجدون صفته فى كتبكم = وبالكتاب الذى أنزل من قبلُ الذى تزعمون أنكم به مؤمنون ، فإنكم لن تكونوا به مؤمنين وأنتم بمحمد مكذبون ، لأن كتابكم يأمركم بالتصديق به وبما جاءكم به ، فآمنوا بكتابكم فى اتباعكم محمداً ، وإلا فأنتم به كافرون. فهذا وجه أمرهم بالإيمان بما أمرهم بالإيمان به، بعد أن وصفهم بما وصفهم بقوله: (( يا أيها الذين آمنوا)». (١) ١٠/٥م ٠ وأما قوله: ((ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ))، فإن معناه: ومن يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فيجحدنبوته فقد ضلّ ضلالاً بعيداً. وإنما قال تعالى ذكره: « ومنيكفر بالله وملائكته و کتبه ورسله واليومالآخر)»، ومعناه : ومن يكفر بمحمد وبما جاء به من عند الله(٢) = لأن جحود شىء من (١) كان ينبغى أن يذكر أبو جعفر هنا، اختلاف المختلفين فى قراءة ((أَنْزَلَ)) و ((أُنْزِلَ)» - و ((نَزَّلَ)) و((نُزِّلَ))، وظاهر أنه نسى أن يذكرها هنا، فأخرها إلى الموضع الآتى فى ص: ٣٢٣، تعليق : ١ . (٢) كان فى المطبوعة: ((ومن يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فيجحد نبوته، فهو يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، لأن جحود شيء من ذلك ... ))، أسقط من نص المخطوطة ما أثبت ، لأنه قد وقع فى المخطوطة خطأً اضطرب معه الكلام ، فلم يحسن الناشر تصحيحه ، فحلف حتى يصل بعض الكلام ببعض ، فأساء غاية الإساءة . والخطأ الذى كان فى المخطوطة هو أنه ساق الجملة كما كتبتها، إلا أن كتب: ((وإنما قال تعالى ذكره: ومن يكفر بالله فهو يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله)) وبين أن ((فهو يكفر)) سبق قلم من الناسخ ، والصواب إسقاطها فيستقيم الكلام كما أثبته . وسياق الجملة: ((وإنما قال تعالى ذكره كذا وكذا ... ومعناه ... كذا وكذا، لأن جحود شىء من ذلك بمعنى جحود بجميعه)). ٣١٤ تفسير سورة النساء : ١٣٦، ١٣٧ ذلك بمعنى جحود جميعه، ولأنه لا يصح إيمان أحد من الخلق إلا بالإيمان بما أمره اللّه بالإيمان به، (١) والكفر بشىء منه كفر بجميعه، فلذلك قال: ((ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر » ، بعقب خطابه أهل الكتاب وأمره إياهم بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، تهديداً منه لهم، وهم مقرّون بوحدانية الله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر، سوى محمد صلى اللّه عليه وسلم وما جاء به من الفرقان . وأما قوله : (( فقد ضل ضلالاً بعيداً )) ، فإنه یعنی : فقد ذهب عن قصد السبيل، وجار عن محجّة الطريق ، إلى المهالك = ذهاباً وجوراً بعيداً. لأن كفر من كفر بذلك، خروجٌ منه عن دين الله الذى شرعه لعباده. والخروج عن دين اللّه، الهلاك الذى فيه البوار، والضلال عن الهدى هو الضلال. (٢) القول فى تأويل قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَءَامَنُواْ ثُمٌّ كَفَرُواْ ثُمََّامَنُواْ ثُّ كَفَرُواْ ثُمَّ أَزْدَادُواْ كُفْرًا لَمْ يَكُنِْ اللهُ لِغْفِرَ لَهُمْ وَلَا يَهْدِيَمْ سَبِيلاً) (٦) قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك . فقال بعضهم : تأويله : إن الذين آمنوا بموسى ثم كفروا به ، ثم آمنوا = يعنى : النصارى = بعيسى ثم كفروا به، ثم ازدادوا كفراً بمحمد = ((لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلاً » .. (١) لما أدخل الناشر الأول ذلك الحذف على الكلام، اضطر فى هذا الموضع أن يجعل العبارة: (وذلك لأنه لا يصح إيمان أحد من الخلق ... )) فزاد ((ذلك)) فى الكلام. (٢) انظر تفسير ((الضلال البعيد)) فيما سلف ص: ٢٠٧،٢٠٦ ومعنى ((الضلال)) ١٩٥:١/ ٢ : ٤٩٥، ٤٩٦، وغيرهما فى فهارس اللغة. ٣١٥ تفسير سورة النساء : ١٣٧ • ذكر من قال ذلك : ١٠٦٩٧ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ((إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً»، وهم اليهود والنصارى . آمنت اليهود بالتوراة ثم كفرت ، وآمنت النصارى بالإنجيل ثم كفرت. وكفرهم به : تركهم إياه = ثم ازدادوا كفراً بالفرقان وبمحمد صلى الله عليه وسلم . فقال الله: (لم يكن اللّه ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلاً))، يقول: لم يكن اللّه ليغفر لهم ولا ليهديهم طريق هدَّى، وقد كفروا بكتاب الله وبرسوله محمد صلى الله علیه وسلم . ١٠٦٩٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر، عن قتادة فى قوله: ((إن الذين آمنوا ثم كفروا )) ، قال : هؤلاء اليهود ، آمنوا بالتوراة ثم كفروا. ثم ذكر النصارى ، ثم قال: (( ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً »، يقول: آمنوا بالإنجيل ثم كفروا به ، ثم ازدادوا كفراً بمحمد صلى الله عليه وسلم. ٠ ٠ ٠ وقال آخرون : بل عنى بذلك أهل النفاق، أنهم آمنوا ثم ارتدوا ، ثم آمنوا ثم ارتدوا ، ثم ازدادوا كفراً بموتهم على الكفر . (١) · ذکر من قال ذلك : ١٠٦٩٩ -حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسین قال ، حدثی حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد قوله: ((إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً))، قال : كنا نحسبهم المنافقين، ويدخل فى ذلك من كان مثلهم = ((ثم ازدادوا كفراً))، قال: تَمُّوا على كفرهم حتى ماتوا. (٢) (١) فى المطبوعة: ((على كفرهم))، وأثبت ما فى المخطوطة. (٢) فى المطبوعة: ((نموا على كفرهم)) بالنون، والصواب ما أثبت. ((تم على الشى)): أقام عليه ولزمه . ٣١٦ تفسير سورة النساء : ١٣٧ ١٠٧٠٠ -حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((ثم ازدادوا كفراً))، قال: ماتوا. (١) ١٠٧٠١ -حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا سفيان ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: ((ثم ازدادوا كفراً))، قال: حتى ماتوا. (٢) ١٠٧٠٢ - حدثنا يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله: ((إن الذين آمنوا ثم كفروا)) الآية، قال: هؤلاء المنافقون، آمنوا مرتين، وكفروا مرتين ، ثم ازدادوا كفراً بعد ذلك. (٣). ٠ وقال آخرون : بل هم أهل الكتابين ، التوراة والإنجيل، أتوا ذنوباً فى كفرهم فتابوا ، فلم تقبل منهم التوبة فيها ، مع إقامتهم على كفرهم . ٥ • ذكر من قال ذلك : ١٠٧٠٣ -حدثنا ابن و کیع قال، حدثنا أبو خالد ، عن داود بن أبیهند ،" عن أبى العالية: ((إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً )» ، قال : هم اليهود والنصارى ، أذنبوا فى شركهم ثم تابوا ، فلم تقبل توبتهم . ولو تابوا من الشرك لقُبِل منهم . ٢١١/٥ ٥ ٥ قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ، قول من قال : عنى بذلك أهلَ الكتاب الذين أقرُّوا بحكم التوراة، ثم كذَّ بوا بخلافهم إياه ، ثم أقرّ من أقرَّ منهم بعيسى والإنجيل، ثم كذّب به بخلافه إياه ، ثم كذّب بمحمد صلى الله عليه وسلم والفرقان ، فازدادَ بتكذيبه به كفراً على كفره . وإنما قلنا ذلك أولى پالصواب فى تأويلهذه الآية ، لأن الآية قبلها فى قصص. (١) يعنى بقوله: ((ماتوا))، أى: ماتوا عليه، وهذا من الاختصار فى الحديث. (٢) فى المخطوطة: ((حين ماتوا))، أى: حين ماتوا عليه، وهى صواب أيضاً. (٣) انظر تفسير ((ثم ازدادوا كفراً)) فيما سلف ٦ : ٥٧٩ - ٥٨٢ . ٣١٧ تفسير سورة النساء : ١٣٧ أهل الكتابين= أعنى قوله: (( يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله)) = ولا دلالة تدلُّ على أن قوله: ((إن الذين آمنوا ثم كفروا))، منقطع معناه من معنى ما قبله ، فإلحاقه بما قبله أولى ، حتى تأتى دلالة دالّة على انقطاعه منه . ... وأما قوله: ((لم يكن اللّه ليغفر لهم))، فإنه يعنى: لم يكن اللّه ليسترَ عليهم كفرهم وذنوبهم، بعفوه عن العقوبة لهم عليه، ولكنه يفضحهم على رؤوس الأشهاد = ((ولا ليهديهم سبيلاً)))) يقول: ولم يكن ليسدِّدهم لإصابة طريق الحق فيوفقهم لها ، ولكنه يخذلهم عنها ، عقوبة لهم على عظيم جُرمهم ، وجرأتهم على ربهم . ... وقد ذهب قوم إلى أن المرتد يُستتاب ثلاثاً ، انتزاعاً منهم بهذه الآية ، (١) وخالفهم على ذلك آخرون . * ذكر من قال : يستتاب ثلاثاً . ١٠٧٠٤ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا حفص ، عن أشعث ، عن الشعبى ، عن على عليه السلام قال : إن كنتُ لمستتيبَ المرتدّ ثلاثاً . ثم قرأ هذه الآية: (((إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا)). ١٠٧٠۵ -حدثنا ابن و کیع قال ، حدثنا أبی ، عن سفيان ، عن جابر ، عن عامر، عن على رضى الله عنه: يستتاب المرتد ثلاثاً. ثم قرأ: ((إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً » ،. ١٠٧٠٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى، عن سفيان، عن عبد الكريم، عن رجل ، عن ابن عمر قال : يستتاب المرتد ثلاثاً . ٠ وقال آخرون : يستتابُ كلما ارتدّ. • ذكر من قال ذلك : (١) يقال: ((انتزع معنى آية من كتاب الله))، إذا استنبطه واستخرجه. ٢١٨ تفسير سورة النساء : ١٣٧، ١٣٨ ١٠٧٠٧ -حدثنا ابن و کیع قال، حدثنا أبى ، عن سفيان ، عن عمرو بن قيس ، عمن سمع إبراهيم قال : يستتاب المرتدّ كلما ارتدّ. ٠ ٠٠ قال أبو جعفر: وفى قيام الحجة بأن المرتد يستتاب المرّة الأولى ، الدليل الواضح على أن حكم كلِّ مرة ارتدّ فيها عن الإسلام حكمُ المرة الأولى ، فى أن توبته مقبولة ، وأن إسلامه حَقّن له دمه . لأن العلة التى حقنت دمه فى المرة الأولى إسلامُه، فغير جائز أن توجد العلة التى من أجلها كان دمه مَحْقُوناً فى الحالة الأولى، ثم يكون دمه مباحاً مع وجودها، إلاّ أن يفرِّق بين حكم المرة الأولى وسائر المرات غيرها ، ما يجب التسليم له من أصل محكمٍ، فيخرج من حكم القياس حينئذ . ٠ القول فى تأويل قوله ﴿ بَشْرِ الْكَّفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابَ أَلِماً ) ) قال أبو جعفر: يعنى بقوله (١): جل ثناؤه: ((بشر المنافقين))، أخبر المنافقين. ٠٠٠ وقد بينًا معنى ((التبشير)) فيما مضى بما أغنى عن إعادته.(٢) ٠ =((بأن لهم عذاباً أليماً))، يعنى: بأن لهميوم القيامة من الله على نفاقهم = ((عذاباً أليماً))، وهو المُوجع، وذلك عذاب جهنم. (٢) (١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((يعنى بذلك))، والصواب ما أثبت. (٢) انظر ما سلف ١: ٢/٣٨٣: ٢/٣٩٣: ٦/٢٢١: ٢٨٧ ، ٣٦٩، ٣٧٠ ، ٤١١ ٠ (٣) انظر تفسير ((أليم)) فيما سلف من نهارس اللغة. ٣١٩ تفسير سورة النساء : ١٣٩ القول فى تأويل قوله ﴿ الَّذِينَ يَخِذُونَ الْكُفِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُوْمِنِينَ أَيَبْغُونَ عِندَهُمْ آلِزَّةَ فَإِنَّ الِزَّةَ ◌ِ حِيماً) ) قال أبو جعفر: أما قوله جل ثناؤه: (( الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين))، فمن صفة المنافقين . يقول الله لنبيه: يا محمد ، بشر المنافقين الذين يتخذون أهل الكفربى والإلحاد فى دينى ((أولياء)) =يعنى: أنصاراً وأخِلاً.(١) = (من دون المؤمنين))، يعنى: من غير المؤمنين (٢) = ((أيبتغون عندهم العزة))، يقول : أيطلبون عندهم المنعة والقوة، (٣) باتخاذهم إياهم أولياء من دون أهل الإيمان بى؟ = ((فإن العزة لله جميعاً))، يقول: فإن الذين اتخذوهم من الكافرين أولياء ابتغاء العزة عندهم، هم الأذلاء الأقِلاَء، فهلاً اتخذوا الأولياء من المؤمنين ، فيلتمسوا العزّة والمنعة والنصرة من عند الله الذى له العزة والمنعة، الذى يُعِزّ من يشاء ويذل من يشاء ، فيعزّهم ويمنعهم ؟ وأصل ((العزة))، الشدة. ومنه قيل للأرض الصلبة الشديدة، ((عَزّاز)). وقيل: (قد استُعِزَّ على المريض))، (٤) إذا اشتدّ مرضه وكاد يُشفى. ويقال: ((تعزز اللحمُ))، إذا اشتد. ومنه قيل: ((عزّ علىّ أن يكون كذا وكذا))، بمعنى: اشتد علىَّ. (٥) (١٠) انظر تفسير ((الولى)) فيما سلف ص: ٢٤٧، تعليق: ٥، والمراجع هناك. (٢) انظر تفسير ((من دون)) فيما سلف من: ٢٤٧، تعليق: ٣، والمراجع هناك. (٢) انظر تفسير ((الابتغاء)) فيما سلف من: ٢٠٢، تعليق: ١، والمراجع هناك. فى مرضه الفنى مات فيه))، أى: اشتد به المرض وغلبه وأشرف على الموت. (٤) ((استعز)) بالبناء المجهول، وفى الحديث: ((أنه استعز برسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله: ((وكاد يشى)»، أى: يشرف على الهلاك، أثنى يشفى إشفاء. (٥) انظر تفسير ((العزة)) و((عزيز)) فيما سلف ٣: ٤/٨٨: ٦/٢٤٤: ١٦٨، ٣٢٠ تفسير سورة النساء : ١٤٠ القول فى تأويل قوله ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءَايَتِ اللهِ يَكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزْأُ بِهَ فَلاَ تْهُوْ مَعَهُمْ حَتَُّ يَخُوضُوْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذَا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللهَ جَامِعُ اَلْتَّفِقِينَ وَالْكْفِرِينَ فِ ◌ََّ حِيماً﴾ ®) ٢١٢/٥ قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه: (( بشر المنافقين)) = الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنین، =( وقد نزل علیکم فی الکتاب )» ، يقول : أخبر من اتخذ من هؤلاء المنافقين الكفار أنصاراً وأولياءَ بعد ما نزل عليهم من القرآن ، ((أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعذوا معهم حتى يخوضوا فى حديث غيره )) ، يعنى : بعد ما علموا نَهى اللّه عن مجالسة الكفار الذين يكفرون بحجج الله وآی کتابه ويستهز ئون بها = (( حتى يخوضوا فى حديث غيره ))، يعنى بقوله: ((يخوضوا))، يتحدثوا حديثاً غيره = ((بأن لهم عذاباً أليماً)).(١) وقوله: (( إنكم إذاً مثلهم ))، يعنى: وقد نزل عليكم أنكم إن جالستم من يكفر بآيات الله ويستهزئ بها وأنتم تسمعون ، فأنتم مثله - يعنى : فأنتم إن لم تقوموا عنهم فى تلك الحال ، مثلُهم فى فعلهم ، لأنكم قد عصيتم اللّه يجلوسكم معهم وأنتم تسمعون آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها ، كما عصوه باستهزائهم بآيات الله . فقد أتيتم من معصية اللّه نحو الذى أتّوْه منها ، فأنتم إذاً مثلهم فى ركوبكم معصية الله، وإتيانكم ما نها كم الله عنه . ٠ ٢٧١، ٤٧٦، هذا، ولم يفسر أبو جعفر معنى ((العزة)) تفسيراً مطولا إلا فى هذا الموضع، وهذا دليل آخر على طريقته فى اختصار تفسيره هذا . (١) أراد أبو جعفر بهذه الفقرة أن يبين أن قوله فى الآية الأولى: ((بأن لهم عذاباً أيماً))، مقدم ومعناه التأخير، فلذلك قال فى أول الكلام ((بشر المنافقين)) ثم استطرد فى ذكر الآيتين بعدها، ثم ختمها بختام الأولى .