Indexed OCR Text

Pages 501-520

٠٠١
تفسير سورة النساء : ٠٩
٩٨٧٠ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم ،
عن عبد الملك، عن عطاء: ((وأولى الأمر منكم))، قال: الفقهاء والعلماء.
٩٨٧١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا ٩٥/٥
معمر، عن الحسن فى قوله: (( وأولى الأمر منكم))، قال : هم العلماء.
٩٨٧٢ - قال ، وأخبرنا عبد الرزاق ، عن الثورى ، عن ابن أبى نجيح ،
عن مجاهد قوله: ((وأولى الأمر منكم ))، قال : هم أهل الفقه والعلم .
٩٨٧٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ،
عن أبيه، عن الربيع، عن أبى العالية فى قوله: (( وأولى الأمر منكم ))، قال :
هم أهل العلم، ألاترى أنه يقول: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلَى أُولِى الأَمْرِ
مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَفِْطُونَ مِنْهُمْ﴾ [ سورة النساء: ٣
٠ ٠ ٠
وقال آخرون : هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.
* ذكر من قال ذلك :
٩٨٧٤ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا ابن علية قال ، حدثنا
ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: ((أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم))،
قال : كان مجاهد يقول : أصحاب محمد = قال: وربما قال: أولى العقل والفقه
ودین اللّه. (١)
٠٠٠
وقال آخرون : هم أبو بكر وعمر رحمهما الله. (٢)
ذكر من قال ذلك :
(١) فى المطبوعة: ((أولى الفضل))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) فى المطبوعة: ((رضى الله عنهما)).

٥٠٢
تفسير سورة النساء : ٥٩
٩٨٧٥ - حدثنا أحمد بن عمرو البصرى قال، حدثنا حفص بن عمر العدفى
قال، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة: ((أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر
منكم ))، قال: أبو بكر وعمر.(١)
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب ، قول من قال : هم الأمراء
والولاة = لصحة الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر بطاعة الأئمة
والولاة فيما كان [ اللّه ] طاعةً، وللمسلمين مصلحة، (٢) كالذى : -
٩٨٧٦ - حدثنى على بن مسلم الطوسى قال، حدثنا ابن أبى فديك قال ،
حدثنى عبد الله بن محمد بن عروة، عن هشام بن عروة ، عن أبى صالح السمان ،
عن أبى هريرة: أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: سيليكم بعدى ولاة ، فيليكم
البَرُّ بِيِرِّه، والفاجر بفجوره، فاسمعوا لهم وأطيعوا فى كل ما وافق الحق، وصلُّوا
وراءهم. فإن أحسنوا فلكم ولهم ، وإن أساؤوا فلكم وعليهم . (٣)
(١) الأثر: ٩٨٧٥ - ((أحمد بن عمرو البصرى))، لم أجده فى كتب التراجم، وظننت أنه
((أحمد بن عمرو بن عبد الخالق)) البزار، أبو بكر العتكى البصرى، من أهل البصرة، قال الخطيب:
((كان ثقة حافظاً، صنف المسند، وتكلم على الأحاديث، وبنى عللها، وقدم بغداد وحدث بها))
ومات بالرملة سنة ٢٩١، فهو خليق أن يكون رآه أبو جعفر وروى عنه فى بغداد أو فى الرملة .
مترجم فى تاريخ بغداد ٤ : ٣٣٤ .
و (( حفص بن عمر العدنى)» مضت ترجمته برقم : ٦٧٩٦ .
(٢) الزيادة بين القوسين، أراها زيادة لا غنى عنها .
(٣) الحديث: ٩٨٧٦ - ابن أبى قديك: هو محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبى فديك المدنى.
وهو ثقة معروف ، من شيوخ الشافعى وأحمد . أخرج له الجماعة .
عبد الله بن محمد بن عروة: هو عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة بن الزبير المدنى . قال
أبو حاتم: ((هو متروك الحديث، ضعيف الحديث جداً)). وقال ابن حبان: «يروى الموضوعات
عن الثقات)). مترجم فى لسان الميزان ٣: ٣٣١ - ٣٣٢، وابن أبي حاتم ١٥٨/٢/٢.
فهذا حديث ضعيف جداً، لم نجده إلا فى هذا الموضع .
وقد نقله ابن كثير ٢: ٤٩٥، والسيوطى ٢ : ١٧٧ - ولم ينسباء لغير الطبرى .

٠٠٣
تفسير سورة النساء : ٥٩
٩٨٧٧ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا يحيى ، عن عبيد اللّه قال، أخبرنى
نافع ، عن عبد اللّه، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: على المرء المسلم،
الطاعةُ فيما أحب وكره ، إلاّ أن يؤمر بمعصية؛ فمن أمر بمعصية فلا طاعة. (١)
٩٨٧٨ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثى خالد، عن عبيد الله، عن نافع،
عن ابن عمر ، عن النبى صلى الله عليه وسلم نحوه . (١)
= فإذا كان معلوماً أنه لا طاعة واجبة لأحد غير اللّه أو رسوله أو إمام عادل،
وكان الله قد أمر بقوله: ((أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم)» بطاعة
ذَرِى أمرنا - كان معلوماً أن الذين أمرَ بطاعتهم تعالى ذكره من ذوى أمرنا ، هم
الأئمة ومن ولَّوْه المسلمين ، (٢) دون غيرهم من الناس، وإن كان فرضاً القبول من
كل من أمر بترك معصية الله ودعا إلى طاعة الله ، وأنه لا طاعة تجب لأحد فيما
أمر ونهى فيما لم تقم حجة وجوبه ، إلا للأئمة الذين ألزم الله عباده طاعتهم فيما أمروا
به رعيتهم مما هو مصلحة لعامة الرعيّة، فإن على من أمروه بذلك طاعتهم ، وكذلك
فى كل ما لم يكن لله معصية .
(١) الحديثان. ٩٨٧٧، ٩٨٧٨ - يحيى فى الإسناد الأول: هو ابن سعيد القطان .
وخالد - فى الإسناد الثانى: هو ابن الحارث الحجيمى البصرى. مضت ترجمته فى : ٧٨١٨.
عبيد الله - فى الإستلين: هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، العمرى .
ووقع فى المطبوعة، فى الإسنادين: ((يحيى بن عبيد الله))، ((خالد بن عبيد الله))! وهو خطأ
واضح ، صوابه من المخطوطة .
والحديث رواه أحمد فى المسند : ٤٦٦٨، عن يحيى، وهو القطان، بمثل الإسناد الأول هنا .
ورواه أيضاً : ٦٢٧٨، عن ابن نمير ، عن عبيد الله، به .
وقد شرحناه شرحاً وافياً ، وخرجناه - فى الموضع الأول .
وذكره ابن كثير ٢ : ٤٩٤، من رواية أبى داود - من طريق يحيى القطان. ثم نسبه الشيخين
من طريق يحيى .
وقصر السيوطى جداً ، إذ ذكره ٢ : ١٧٧، ونسبه لابن أبى شيبة، وابن جرير - فقط !
وهو فى المسند والصححين وغيرهما .
(٢) فى المطبوعة: ((ومن ولاه المسلمون))، وأثبت ما فى المخطوطة، ولم يرد أبو جعفر
معنى ما كان فى المطبوعة ، بل أراد : ومن ولاء الأئمة أمور المسلمين.

٠٬٠٤
تفسير سورة النساء : ٥٩
وإذا كان ذلك كذلك ، کان معلوماً بذلك صحة ما اخترنا من التأويل دون
غيره .
القول فى تأويل قوله ﴿فَإِن تَتَزَعْمُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى أَلُهِ
وَالرّسُولٍ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِأَقْهِ وَلْيَوْمِ الْأَخِرِ)
قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه: فإن اختلفتم ، أيها المؤمنون ، فى
شىء من أمر دينكم: أنتم فيما بينكم، أو أنتم وولاة أمركم ، فاشتجرتم فيه(١) =
((فردوه إلى الله))، يعنى بذلك: فارتادوا معرفة حكم ذلك الذى اشتجرم - أثم
بينكم ، أو أنتم وأولو أمركم - فيه من عند الله، يعنى بذلك: من كتاب الله،
فاتبعوا ما وجدتم = وأما قوله: ((والرسول))، فإنه يقول: فإن لم تجدوا إلى علم
ذلك فی کتاب الله سبيلاً، فارتادوا معرفة ذلك أيضاً من عند الرسول إن كان حياً ،
وإن كان ميتاً فمن سنته = ((إن كنتم يؤمنون بالله واليوم الآخر))، يقول : افعلوا
ذلك إن كنتم تصدقون بالله = ((واليوم الآخر))، يعنى: بالمعاد الذى فيه الثواب
والعقاب ، فإنكم إن فعلتم ما أمرتم به من ذلك. فلكم من الله الجزيل من الثواب،
وإن لم تفعلوا ذلك فلكم الأليم من العقاب.
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال جماعة من أهل التأويل.
• ذكر من قال ذلك :
٩٨٧٩ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، أخبرنا ليث ،
عن مجاهد فى قوله: ((فإن تنازعتم فى شى ء فردوه إلى الله والرسول))، قال: فإن
٩٦/٥ تنازع العلماء رد وه إلى الله والرسول. قال يقول: فردً ا إلى كتاب الله وسنة رسوله.
(١) انظر تفسير وتنازع)) فيما سلف ٧: ٢٨٩

٠٠٠
تفسير سورة النساء : ٠٩
ثم قرأ مجاهد هذه الآية: ((﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلَى أُولِ الأَمْرِ مِنْهُمْ
لَعَلَهُ أَّينَ يَسْتَنْبِطُونَهَ مِنْهُمْ﴾ [سورة النساء: ١٣
٩٨٨٠ -حدثی المشى قال، حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك، عن
سفيان، عن ليث، عن مجاهد فى قوله: ((فردوه إلى الله والرسول))، قال: کتاب،
الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم:
٩٨٨١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا
الثورى، عن ليث، عن مجاهد فى قوله: ((فردوه إلى الله والرسول))، قال: إلى
ان))، إلى كتابه- وإلى ((الرسول))، إلى سنة نيه.
٩٨٨٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام ، عن عنبسة، عن ليث،
قال: سأل مسلمةُ ميمون بن مهران عن قوله: ((فإن تنازعتم فى شيء فردوه إلى الله
والرسول))، قال: ((الله)، كتابه، و(رسوله)) سنته، فكأنما ألقمه حجراً.
٩٨٨٣ - حدثنا أحمد ابن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، أخبرنا جعفربن
مروان، عن ميمون بن مهران: (فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول))، قال: الرد
إلى الله، الردّ إلى كتابه = والرد إلى رسوله إن كان حياً، فإن قبضه الله إليه فالرد"
إلى السنة .
٩٨٨٤ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن
قتادة قوله: « فإن تنازعتم فی شیء فردوه إلى الله والرسول))، يقول: ردوه إلى کتاب
الله وسنة رسوله - (إن كتم يؤمنون بالله واليوم الآخر)).
٩٨٨٥ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول))، إن
كان الرسول حياً - ((وإلى الله)) قال: إلى كتابه.

٥٠٦
تفسير سورة النساء : ٠٩
القول فى تأويل قوله ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) )
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((ذلك))، فردٌّ ما تنازعتم فيه من شىء
إلى الله والرسول، = ((خبر)) لكم عند الله فى معادكم، وأصلح لكم فى دنياكم ،
لأن ذلك يدعوكم إلى الألفة، وترك التنازع والفرقة = ((وأحسن تأويلا))، يعنى:
وأحمد مَوْثلاً ومغبّة، وأجمل عاقبة .
وقد بينا فيما مضى أن (التأويل)) ((التفعيل)) من ((تأوّل))، وأنّ قول القائل:
((تأوّل))، ((تفعّل))، من قولهم: ((آل هذا الأمر إلى كذا))، أى : رجع = بما
أغنى عن إعادته .(١)
٠
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل :
• ذكر من قال ذلك :
٩٨٨٦ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: (( وأحسن تأويلا ))، قال : أحسن
جزاء .
٩٨٨٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبی نجیح، عن مجاهد مثله .
٩٨٨٨ - حدثنا بشربن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن
قتادة: (( ذلك خير وأحسن تأويلا))، يقول: ذلك أحسنُ ثواباً، وخير عاقبةً.
٩٨٨٩ -حدثنا محمد بن الحسین قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا
أسباط، عن السدى: ((وأحسن تأويلا))، قال: عاقبة .
(١) انظر ما سلف ٦ : ٢٠٤ - ٢٠٦ .

٥٠٧
تفسير سورة النساء : ٥٩، ٦٠
٩٨٩٠ - حدثی يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله :
((( ذلك خير وأحسن تأويلا))، قال: وأحسن عاقبة = قال: و((التأويل)»،
التصديق .
القول فى تأويل قوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُونَ أَنَّهُمْ ، مَنُواْ بِمَآَ
أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِ يدُونَ أَنْ يَتَحَا كَمُواْ إِلَى الَّهُوتِوَقَدْ
أُمِرُوَاْ أَنْ يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أنْ يُضِلِهُمْ ضَلَّلا ◌َمِّدًا﴾ (١)
قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه: ((ألم تر))، يا محمد، بقلبك ، فتعلم-
إلى الذين يزعمون أنهم صدقوا بما أنزل إليك من الكتاب ، وإلى الذين يزعمون
أنهم آمنوا بما أنزل من قبلك من الكتب ، يريدون أن يتحاكموا فى خصومتهم
إلى الطاغوت = یعنی إلى: من يعظمونه ، ویصدرون عن قوله، ويرضون بحكمه من
دون حكم الله، (١) = (وقد أمروا أن يكفروا به))، يقول: وقد أمرهم الله أن
يكذبوا بما جاءهم به الطاغوتُ الذى يتحاكون إليه، فتركوا أمر الله واتبعوا أمر
الشيطان = (( ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيداً))، يعنى : أن الشيطان
يريد أن يصدَّ هؤلاء المتحاكمين إلى الطاغوت عن سبيل الحق والهدى ، فيضلهم
عنها ضلالا بعيداً = يعنى: فيجور بهم عنها جوراً شديداً .(٢)
٠٠٠
وقد ذكر أن هذه الآية نزلت فى رجل من المنافقين دعا رجلا من اليهود فى
خصومة كانت بينهما إلى بعض الكهَّان، ليحكم بينهم، ورسول الله صلى الله
عليه وسلم بين أظهرهم .
(١) انظر تفسير ((الطاغوت)) فيا سلف ٥ : ٤١٦ - ٤١٩ / ٨ : ٤٦١ - ٤٦٥
(٢) انظر تفسير ((الضلال) فيما سلف: ٨: ٤٢٨، تعليق: ٤، والمراجع هناك.

٥٠٨
تغير سورة النساء : ٦٠
• ذكر من قال ذلك :
٩٧/٥
٩٨٩١ -حدثنى محمد بن المثی قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود،
عن عامر فى هذه الآية: (( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل
من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت )) ، قال : كان بين رجل من اليهود
ورجل من المنافقين خصومة ، فكان المنافق يدعو إلى اليهود ، لأنه يعلم أنهم
يقبلون الرشوة ، وكان اليهودى يدعو إلى المسلمين ، لأنه يعلم أنهم لا يقبلون الرشوة .
فاصطلحا أن يتحاكما إلى كاهن من جُهَيْنة، فأنزل الله فيه هذه الآية: ((ألم
تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك)) حتى بلغ ((ويسلموا تسليماً)).
٩٨٩٢ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال ، حدثنا داود ،
عن عامر فى هذه الآية: ((ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك))،
فذكر نحوه = وزاد فيه: فأنزل الله: ((ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما
أنزل إليك))، يعنى المنافقين = (( وما أنزل من قبلك ))، يعنى اليهود = ((يريدون أن
يتحاكموا إلى الطاغوت))، يقول: إلى الكاهن = ((وقد أمروا أن يكفروا به))،
أمر هذا فى كتابه ، وأمر هذا فى كتابه ، أن يكفر بالكاهن .
٩٨٩٣ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية ، عن داود ،
عن الشعبى قال : كانت بين رجل ممن يزعم أنه مسلم ، وبين رجل من اليهود،
خصومة ، فقال اليهودى : أحاكمك إلى أهل دينك - أو قال : إلى النبى - لأنه
قد علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأخذ الرشوة فى الحكم ، فاختلفا ، فاتفقا.
على أن يأتيا كاهناً فى جهينة، قال: فنزلت: ((ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم
آمنوا بما أنزل إليك))، يعنى: الذى من الأنصار= (( وما أنزل من قبلك))، يعنى:
اليهودىّ(١) = ((يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت))، إلى الكاهن = (( وقد أمروا
(١) فى المخطوطة: ((اليهود)).

٠٠٩
تفسير سورة النساء : ٦٠
أن يكفروا به))، يعنى: أمرهذا فى كتابه ، وأمر هذا فى كتابه . وتلا: ((ویرید
الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيداً))، وقرأ: ((فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما
شجر بينهم)) إلى ((ويسلموا تسليما)).
٩٨٩٤ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمربن سليمان ، عن
أبيه قال : زعم حضرمى أن رجلا من اليهود کان قد أسلم ، فكانت بینه وبین رجل
من اليهود مدارأة فى حق، (١) فقال اليهودى له: انطلق إلى نبى الله. فعرف أنه
سيقضى عليه . قال : فأبى ، فانطلقا إلى رجل من الكهان فتحا كما إليه . قال
الله: ((ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون
أن يتحاكموا إلى الطاغوت )) .
٩٨٩٥ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن
قتادة قوله: (( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك))،
الآية، حتى بلغ ((ضلالا بعيداً))، ذُكر لنا أن هذه الآية نزلت فى رجلين : رجل
من الأنصار يقال له (( بشر))، وفى رجل من اليهود، فى مدارأة كانت بينهما فى حق،
فتدارأآ بينهما ، فتنافرا إلى كاهن بالمدينة يحكم بينهما ، وتركا نبى الله صلى الله عليه
وسلم . فعاب الله عز وجل ذلك = وذُكر لنا أن اليهودى كان يدعوه إلى النبي صلى
الله عليه وسلم ليحكم بينهما، وقد علم أن نبيّ اللّه صلى اللّه عليه وسلم لن يجور
عليه . فجعل الأنصارى يأبى عليه وهو يزعم أنه مسلم ، ويدعوه إلى الكاهن ،
فأنزل الله تبارك وتعالى ما تسمعون، فعاب ذلك علی الذی یزعم أنهمسلم، وعلى اليهودى
الذى هو من أهل الكتاب، فقال: ((ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل
إليك)) إلى قوله: ((صدوداً)).
٩٨٩٦ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن ·فضل قال، حدثنا
أسباط ، عن السدى: ((ألم ترإلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل
(١) المدارأة: المدافعة والخصومة.

٠١٠
تفسير سورة النساء : ٦٠
من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت)) ، قال: كان ناس من اليهود قد أسلموا
ونافق بعضهم . وكانت قُرَيظة والنَّضير فى الجاهلية، إذا قُتِل الرجل من بنى النضير
قتلته بنو قريظة ، قتلوا به منهم . فإذا قُتِل الرجل من بنى قريظة قتلته النضير،
أعطوْا ديتَه ستين وَسْقاً من تمر. (١) فلما أسلم ناس من بنى قريظة والتضير، قتل
رجلٌ من بنى النضير رجلاً من بنى قريظة ، فتحاكموا إلى النبى صلى الله عليه
وسلم، فقال النضيرى: يا رسول الله، إنا كنا نعطيهم فى الجاهلية الدية، فنحن
نعطيهم اليوم ذلك. فقالت قريظة : لا ، ولكنا إخوانُكم فى النسب والدين ،
ودماؤنا مثل دمائكم، ولكنكم كنتم تغلبوننا فى الجاهلية ، فقد جاء الله بالإسلام!
فأنزل الله يُعَيِّرهم بما فعلوا فقال: ﴿وَكَتْنَا عَلَيْهِمْ فِيهاَ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾
٩٨/٥ [سورة المائدة: ٤٥]، فعيَّرهم، ثم ذكر قول التضيرى: «كنا نعطيهم فى الجاهلية ستين
وسقاً، ونقتل منهم ولا يقتلونا))، فقال ﴿ أَفحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [ سورة المائدة: ٥٠].
وأخذ النضيرى فقتله بصاحبه ، فتفاخرت النضير وقريظة ، فقالت النضير : نحن
أكرم منكم! وقالت قريظة: نحن أكرم منكم! ودخلوا المدينة إلى أبى بُرْدة، (٢)
الكاهن الأسلمى، فقال المنافق من قريظة والنضير: انطلقوا إلى أبى بردَة ينفِّر بيننا!(٣)
(١) ((الوسق)) مكيلة معلومة فى زمانهم، كانت تبلغ حمل بعير.
(٢) فى المطبوعة: ((أبو برزة الأسلمى)) وهو خطأ محض، والصواب ما كان فى المخطوطة، فإن
أبا برزة الأسلمى - فضلة بن عبيد - فهو صحابي جليل، و((برزة)) بفتح الباء بعدها راء ساكنة
بعدها زاى. وأما ((أبو بردة)) فهو بالباء المضمومة بعدها راء ساكنة بعدها دال.
وذكر الثعلبى فى تفسيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا أبا بردة الأسلمى إلى الإسلام ،
فأبى، ثم كلمه ابناه فى ذلك، فأجاب إليه وأسلم. وقال الحافظ ابن حجر: ((وعند الطبرانى بسند
جيد عن ابن عباس قال : كان أبو بردة الأسلمى كاهناً يقضى بين اليهود ، فذكر القصة فى نزول
قوله تعالى: ألم تر إلى الذين يزعمون ... )) الإصابة فى ترجمته. وذكر الهيشمى خبر ابن عباس
فى مجمع الزوائد ٧: ٦، وفيه أيضاً ((أبو برزة الأسلمى))، وهو خطأ، وقال: ((رواه الطبرانى ،
ورجاله رجال الصحيح)). وكذلك رواه ابن كثير فى تفسيره ٢: ٠٠٠ وفيه أيضاً ((أبو برزة))،
وهو خطأً .
(٣) فى المطبوعة هنا أيضاً ((أبو برزة))، وانظر التعليق السالف. ويقال: ((نفر الحاكم
أحد المتخاصمين على صاحبه تنفيراً)): أى قضى عليه بالغلبة. وهو من ((المنافرة))، وذلك أن
يتفاخر الرجلان كل واحد منهما على صاحبه، ثم يحكما بينهما رجلا، يغلب أحدهما على الآخر.

٥١١
تفسير سورة النساء : ٦٠
وقال المسلمون من قريظة والنضير: لا ، بل النبى صلى الله عليه وسلم يُنْفُر بيننا،
فتعالوا إليه ! فأبى المنافقون ، وانطلقوا إلى أبى بردة فسألوه، (١) فقال: أعظموا
الُّقمة = يقول : أعظموا الخَطَر (٢) = فقالوا: لك عشرة أوساق. قال: لا،
بل مئة وسْ ، ديتى ، (٣) فإنى أخاف أن أنفِّر النضير فتقتلنى قريظة، أو أنفُر
قريظة فتقتلنى النضير ! فأبوا أن يعطوه فوق عشرة أوساق، وأبى أن يحكم بينهم، فأنزل
الله عز وجل: ((يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت)) = وهو أبو بردة (٤) = ((وقد
أمروا أن يكفروا به)) إلى قوله: ((ويسلموا تسليما)).
٠ ٠
وقال آخرون: ((الطاغوت))، فى هذا الموضع، هو كعب بن الأشرف .
• ذكر من قال ذلك :
٩٨٩٧ -حدثی محمد بن سعد قال،حدثی ابی قال، حدثی عمی قال،حدثنى
أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: (( يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد
أمروا أن يكفروا به))، و((الطاغوت)) رجل من اليهود كان يقال له: كعب بن
الأشرف ، وكانوا إذا ما دعوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ليحكم بينهم قالوا ، بل
نحاكمكم إلى كعب! فذلك قوله: (( يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت))، الآية.
٩٧٩٨ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا
بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك))، قال : تنازع رجلٌ من المنافقين ورجلٌ من
(١) فى المطبوعة هنا مرة ثالثة: ((أبو برزة)).
(٢) ((الخطر)) هو المال الذى يجعل رهناً بين المترامنين، وأراد به الجعل الذى يدفعه كل واحد
من المتنافرين إلى الحكم. وسماه ((القمة)) مجازاً، وهذا كله لم تقيده كتب اللغة، ولم أجده فى أخبار
المنافرات . فيستفاد من هذا الخبر ، أن الحكم فى المنافرة كانوا يجعلون له جملا يأخذه بعد استماعه
المنافرة ، وبعد الحكم .
(٣) ((أوساق)) جمع (((وسق)) ومضى تفسيره ((الوسق)) فيما سلف ص: ٥١٠، تعليق: ١.
(٤) فى المطبوعة هنا مرة رابعة ((أبو برزة)).

٠١٢
تفسير سورة النساء : ٦٠
اليهود ، فقال المنافق : اذهب بنا إلى كعب بن الأشرف . وقال اليهودى : اذهب
بنا إلى النبى صلى الله عليه وسلم. فقال الله تبارك وتعالى: ((ألم ترإلى الذين
يزعمون)) الآية، والتى تليها فيهم أيضاً. (١)
٩٨٩٩ - حدثنى المثى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: ((ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك))،
فذكر مثله = إلا أنه قال : وقال اليهودى: اذهب بنا إلى محمد .
٩٩٠٠ - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ،
عن أبيه، عن الربيع بن أنس فى قوله: (( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما
أنزل إليك وما أنزل من قبلك)) إلى قوله: ((ضلالا بعيداً))، قال: كان رجلان
من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بينهما خصومة ، أحدهما مؤمن والآخر منافق،
فدعاه المؤمن إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، ودعاء المنافق إلى كعب بن الأشرف ،
فأنزل الله: ﴿وَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَمَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ
الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾.
٩٩٠١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، عن مجاهد قوله: ((ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك
وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت))، قال: تنازع رجل من المؤمنين
ورجل من اليهود ، فقال اليهودى : اذهب بنا إلى كعب بن الأشرف . وقال المؤمن :
اذهب بنا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم. فقال الله: ((ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم
آمنوا بما أنزل إليك)) إلى قوله: ((صدوداً)) - قال ابن جريج: «يزعمون أنهم آمنوا
بما أنزل إليك))، قال: القرآن - ((وما أنزل من قبلك))، قال: التوراة . قال:
(١) فى المخطوطة: ((الآية التى تليها منهم فيما أيضاً))، ولا أدرى ما هو، وما فى المطبوعة
أقرب إلى الصواب .

٥١٣
تفسير سورة النساء : ٦٠ ، ٦١
يكون بين المسلم والمنافق الحق ، فيدعوه المسلم إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ليحاكمه
إليه ، فيأبى المنافق ويدعوه إلى الطاغوت = قال ابن جريج : قال مجاهد :
((الطاغوت))، كعب بن الأشرف .
٩٩٠٢ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول ، أخبرنا
عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((يريدون أن يتحاكموا
إلى الطاغوت))، هو كعب بن الأشرف .
٠٠٠
وقد بينا معنى: (( الطاغوت)) فى غير هذا الموضع ، فكرهنا إعادته .(١)
٠
٠
القول فى تأويل قوله ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَلَوْاْ إِلَى مَآ أَنزَلَ اللهُ
وَ إِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُشْفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾ (١)
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : ألم تر، يا محمد ، إلى الذين يزعمون
أنهم آمنوا بما أنزل إليك من المنافقين ، وإلى الذى يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل من
قبلك من أهل الكتاب ، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت = (( وإذا قيل لهم تعالوا
إلى ما أنزل الله))، يعنى بذلك: ((وإذا قيل لهم تعالوا))، هلُمُوا إلى حكم الله الذى
أنزله فى كتابه ، وإلى الرسول ليحكم بيننا (٢) = ((رأيت المنافقين يصدون عنك))،
يعنى بذلك : يمتنعون من المصير إليك لتحكم بينهم ، ويمنعون من المصير إليك
كذلك غيرهم = ((صدوداً)). (٣)
٩٩/٥
وقال ابن جريج فى ذلك بما : -
(١) انظر ما سلف: ٥٠٧، والتعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((تعالوا)) فيما سلف ٦ : ٤٧٤، ٤٨٣، ٤٨٥.
(٣) انظر تفسير ((السد» فيما سلف٤: ٧/٣٠٠: ٨/٥٣: ٤٨٢
ج ٨ (٣٣)

٥١٤
تفسير سورة النساء : ٦١ ، ٦٢
٩٩٠٣ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج: ((وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ))، قال : دعا
المسلمُ المنافق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحكم، قال: ((رأيت المنافقين
يصدون عنك صدوداً )) .
٥
= وأما على تأويل قول من جعل الدَّاعى إلى النبى صلى الله عليه وسلم اليهودىّ ،
والمدعوَّ إليه المنافق، على ما ذكرت من أقوال من قال ذلك فى تأويل قوله: ((ألم تر
إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك)) = فإنه على ما بيَّنَّت قبل.
L
. ..
القول فى تأويل قوله ﴿فَكَيْفَ إِذَ ا أَصَبَتْهُم مُصِيبَةٌ بِمَ قَدَّمَتْ
أَيْدِ هِمْ ثُمَّ جَاءَوكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّ إِحْسَنَا وَتَوْفِقً) ()
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : فكيف بهؤلاء الذين يريدون أن
يتحاكموا إلى الطاغوت ، وهم يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك =
((إذا أصابتهم مصيبة))، يعنى: إذا نزلت بهم نقمة من اللّه = ((بما قدمت أيديهم))،
يعنى: بذنوبهم التى سلفت منهم (١) = ((ثم جاؤوك يحلفون باللّه))، يقول: ثم
جاؤوك يحلفون بالله كذباً وزوراً = ((إن أردنا إلاّ إحساناً وتوفيقاً)). وهذا خبرٌ من
الله تعالى ذكره عن هؤلاء المنافقين أنهم لا يردعهم عن النفاق العِبر والنَّقْم، وأنهم
إن تأتهم عقوبة من الله على تحاكمهم إلى الطاغوت لم ينيبوا ولم يتوبوا ، (٢) ولكنهم
يحلفون بالله كذباً وجرأة على اللّه: ما أردنا باحتكامنا إليه إلاّ الإحسان من بعضنا
إلى بعض ، والصوابَ فيما احتكمنا فيه إليه .
٠
(١) انظر تفسير ((قدمت أيديهم)) فيما سلف ٢ : ٧/٣٦٨: ٤٤٧
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((وأنهم وإن تأتهم))، والأجود حذف الواو.
۔

٥١٥
تفسير سورة النساء : ٦٣ ، ٦٤
القول فى تأويل قوله ﴿أُوْ لَكَئِكَ الّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَافِ قُو ◌ِمْ
فَأَعْرِضِْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَهُمْ فِى أَنْفُسِمْ قَوْلًا يَلِيفاً) (٢)
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((أولئك))، هؤلاء المنافقون الذين
وصفت لك، يا محمد، صفتهم = ((يعلم الله ما فى قلوبهم)) فى احتكامهم إلى الطاغوت،
وتركهم الاحتكام إليك ، وصدودهم عنك = من النفاق والزيغ ، (١) وإن حلفوا
باللّه: ما أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً = ((فأعرض عنهم وعظهم))، يقول: فدعهم فلا
تعاقبهم فى أبدانهم وأجسامهم، ولكن عظهم بتخويفك إياهم بأسَ اللّه أن يحلّ
بهم، وعقوبته أن تنزل بدارهم ، وحذرهم من مكروهِ ما هم عليه من الشك فى أمر
الله وأمر رسوله =، ((وقل لهم فى أنفسهم قولا بليغاً))، يقول: مرهم باتقاء اللّه
والتصديق به وبرسوله ووعده ووعيده .
القول فى تأويل قوله ﴿وَمَّا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَعَ
بإذنِ اللهِ ﴾
قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه: ولم نرسل، يا محمد ، رسولاً إلاّ فرضت
طاعته على من أرسلته إليه . يقول تعالى ذكره : فأنت، يا محمد، من الرسل الذين
فرضت طاعتهم على من أرسلتُه إليه .
٠٠٠
وإنما هذا من اللّه توبيخ للمحتكمين من المنافقين = الذين كانوا يزعمون أنهم
(١) السياق: ((يعلم الله ما فى قلوبهم ... من النفاق والزيغ)).

٠١٦
تفسير سورة النساء : ٦٤
يؤمنون بما أنزل إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم = فيما اختصموا فيه إلى الطاغوت ،
صدوداً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول لهم تعالى ذكره: ما أرسلتُ رسولاً
إلاّ فرضت طاعته على من أرسلته إليه، فمحمد صلى الله عليه وسلم من أولئك
مرسل، فمن ترك طاعته والرِّضى بحكمه واحتكم إلى الطاغوت ، فقد خالف أمرى ،
وضيع فرضى .
ثم أخبر جل ثناؤه : أن من أطاع رسله ، فإنما يطيعهم بإذنه = يعنى : بتقديره
ذلك وقضائه السابق فی علمه ومشيئته ، (١) كما : -
٩٩٠٤ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((إلا ليطاع بإذن الله))، واجب
لهم أن يطيعهم من شاء اللّه، ولا يطيعهم أحد إلاّ بإذن الله.
٩٩٠٥ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبی نجیح ، عن مجاهد مثله .
٩٩٠٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال ، أخبرنا ابن
المبارك ، عن شبل ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد مثله .
٠٠٠
قال أبو جعفر : إنما هذا تعريض من اللّه تعالى ذكره لهؤلاء المنافقين ، بأن
تركهم طاعة الله وطاعة رسوله والرضى بحكمه ، إنما هو السابق لهم من خذ لانه
١٠٠/٥ وغلبة الشقاء عليهم، ولولا ذلك لكانوا ممن أذن له فى الرضى بحكمه ، والمسارعة
إلى طاعته .
(١) انظر تفسير ((الإذن)) فيما سلف ٨: ١٩٢ تعليق: ٢، والمراجع هناك.

٠١٧
تفسير سورة النساء : ٦٤
القول فى تأويل قوله ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاهُوكَ
فَاسْتَغَفَرُواْ اللّهَ وَأَسْتَغْفَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَ جَدُواْ اللّهَ تَوَّابَ رَّحِيماً) )
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : ولو أن هؤلاء المنافقين - الذين
وصف صفتهم فىهاتين الآيتين ، الذین إذا دعوا إلى حكم الله وحكم رسوله صدوا
صدوداً = ، ((إذ ظلموا أنفسهم))، باكتسابهم إياها العظيم من الإثم فى احتكامهم
إلى الطاغوت ، وصدودهم عن كتاب الله وسنة رسوله إذا دعوا إليها = ((جاؤوك))،
يا محمد، حين فعلوا ما فعلوا من مصيرهم إلى الطاغوت راضين بحكمه دون حكمك ،
جاؤوك تائبين منيبين، فسألوا اللّه أن يصفح لهم عن عقوبة ذنبهم بتغطيته عليهم،
وسأل لهم اللّهَ رسولُه صلى اللّه عليه وسلم مثل ذلك . وذلك هو معنى قوله :
(( فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول )).
= وأما قوله: ((لوجدوا اللّه تواباً رحيما))، فإنه يقول : لو كانوا فعلوا ذلك فتابوا
من ذنبهم = ((لوجدوا اللّه تواباً))، يقول: راجعاً لهم مما يكرهون إلى ما يحبون (١) .
(( رحيماً)) بهم ، فى تركه عقوبتهم على ذنبهم الذى تابوا منه .
٠٠٠
وقال مجاهد: عُنِى بذلك اليهودىُّ والمسلم اللذان تحاكما إلى كعب بن الأشرف.
٩٩٠٧ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((ظلموا أنفسهم)) إلى قوله: ((ويسلموا
تسليما))، قال : إن هذا فى الرجل اليهودى والرجل المسلم اللذين تحا كما إلى كعب
ابن الأشرف .
(١) انظر تفسير ((الاستغفار)) و((التوبة)) فيما سلف من فهارس اللغة.

٥١٨
تفسير سورة النساء : ٦٥
القول فى تأويل قوله ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَُّ يُحَكِّمُوكَ
فِيَا شَجَرَ بَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُ واْفِىَّ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَا قَضَيْتَ وَيُستَلُِّواْ
تَسْلِيماً) )
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((فلا))، فليس الأمر كما يزعمون : أنهم
يؤمنون بما أنزل إليك ، وهم يتحاكمون إلى الطاغوت ، ويصدّون عنك إذا دعوا
إليك يا محمد = واستأنف القسم جل ذكره فقال: ((وربك))، يا محمد = ولا
يؤمنون )) ، أى : لا يصدقون بی وبك وبما أنزل إليك = ((حتى يحكموك فيما شجر
بينهم ))، يقول: حتى يجعلوك حكماً بينهم فيما اختلط بينهم من أمورهم، فالتبس
علیهم حکمه .
يقال: ((شجَر يشجُر شُجوراً وشَجْراً))، و((تشاجر القوم))، إذا اختلفوا
فى الكلام والأمر، («مشاجرة وشجاراً)).
٠ ٠
= (( ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجاً مما قضيت))، يقول: لا يجدوا فى أنفسهم ضيقاً
مما قضيت . وإنما معناه : ثم لا تحرّج أنفسهم مما قضيت- أى: لا تأثم بإنكارها
ما قضيتَ ، وشكّها فى طاعتك ، وأن الذى قضيت به بينهم حقٍّ لا يجوز لهم
خلافه ، كما : -
٩٩٠٨ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد : (( حرجاً مما قضيت )، قال : شكًا .
٩٩٠٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن محمد
ابن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد فى قوله: ((حرجاً مما قضيت ))،
يقول : شكّاً .

٥١٩
تفسير سورة النساء : ٦٥
٩٩١٠ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عیسی ، عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد مثله .
٩٩١١ - حدثنا يحيى بن أبى طالب قال، أخبرنا يزيد قال ، أخبرنا جويبر ،
عن الضحاك فى قوله: (( ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجاً مما قضيت))، قال: إثماً =
((ويسلموا تسليما))، يقول: ويسلّموا لقضائك وحكمك، إذعاناً منهم بالطاعة ،
وإقراراً لك بالنبوة تسليماً .
٥
واختلف أهل التأويل فيمن عنى بهذه الآية ، وفيمن نزلت ؟
فقال بعضهم : نزلت فى الزبير بن العَوَّام وخصم له من الأنصار، اختصما
إلى النبى صلى الله عليه وسلم فى بعض الأمور .
• ذكر الرواية بذلك :
٩٩١٢ - حدثنى يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا بن وهب قال ، أخبرنى
يونس والليث بن سعد ، عن ابن شهاب : أن عروة بن الزبير حدَّثه : أن عبد الله
ابن الزبير حدثه ، عن الزبير بن العوام : أنه خاصم رجلاً من الأنصار قد شهد
بدراً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى شِرَاج من الحرّة كانا يسقيان به كلاهما
النخل، (١) فقال الأنصاري)): سَرِّح الماء بمرّ! (٢) فأبى عليه، فقال يا رسول الله
صلى الله عليه وسلم: اسق يا زبير ، ثم أرسل الماء إلى جارك . فغضب الأنصارى
وقال: يا رسول الله، أنْ كان ابن عمتك؟(٣) فتلوّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم
(١) ((الشراج)) (بكسر الشين) جمع ((شرج)) (بفتح فسكون)، وهو مسيل الماء من
الحرة إلى السهل. و((الحرة)) موضع معروف بالمدينة، وهى أرض ذات حجارة سود نخرة، كأنما
أحرقت بالنار. و((الكلا)» هو العشب ترعاء الأنعام. وكان فى المطبوعة: ((كلاهما) بغير همز،
وهو خطأً يومٍ .
(٢) قوله: ((سرح الماء))، أى أطلقه، لأن الماء كان يمر على أرض الزبير قبل أرض
الأنصارى ، فكان يحبسه حتى يسى أرضه .
(٣) قوله: ((أن كان ... )، ((أن)) (بفتح الألف وسكون النون)، التعليل، يقول
أمن أجل أنه ابن عمتك؟ وأم الزبير هى: صفية بنت عبد المطلب، عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

٥٢٠
تفسير سورة النساء : ٦٥
ثم قال : اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدار، (١) ثم أرسل
الماء إلى جارك. واستوعَى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير حقه = قال
١٠١/٥ أبو جعفر: والصواب ((استوعب)) (٢) = وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه
وسلم قبل ذلك أشار على الزبير برأى أراد فيه الشفقة له والأنصارى . فلما أحفظ
رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصارىُّ، (٣) استوعب للزبير حقه فى صريح الحكم=
قال فقال الزبير : ما أحسب هذه الآية نزلت إلاّ فى ذلك: ((فلا وربك لا
يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم)) ، الآية . (٤)
(١) ((الجدر)) (بفتح الجيم وسكون الدال)، وهى الحواجز التى تحبس الماء.
(٢) الظاهر أن قول أبى جعفر: ((والصواب: استوعب))، إنما عنى به صواب الرواية
فى هذا الخبر بهذا الإسناد، ولا أظن أبا جعفر ينكر ((استوعى)) أن تكون صحيحة، فإن ((استوعى))
بمعنى : استوعب الحق واستوفاه ، عربى صحيح لا شك فيه .
(٣) ((أحفظه)): أغضبه.
(٤) الحديث: ٩٩١٢ - سياق هذا الإسناد ظاهره أنه من حديث ((الزبير بن العوام)) - لقوله
(( أن عبد الله بن الزبير حدثه عن الزبير بن العوام)). ويحتمل أن يكون من حديث ((عبد الله بن الزبير))
حكاية عن القصة . وقد جاء الحديث بسياقات أخر ، بعضها ظاهره أنه من حديث عروة بن الزبير -
يحكى القصة ، فيكون ظاهره الإرسال . وبعضها ظاهره أنه من رواية عروة عن أبيه الزبير ، كما سيأتى :
فرواه ابن أبى حاتم - فيما نقل عنه ابن كثير ٢: ٥٠٣ - بإسناد الطبرى هذا : عن يونس بن
عبد الأعلى ، عن ابن وهب ، به .
وكذلك رواه ابن الجارود فى المنتقى ، ص : ٤٥٣، عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، عن
ابن وهب .
وكذلك رواه الإسماعيلى ، فيما نقله عند الحافظ فى الفتح ٥ : ٢٦.
ورواه النسائى ٢: ٣٠٨ - ٣٠٩، كرواية الطبرى هذه. ولكن عن شيخين: يونس بن عبد الأعلى
والحارث بن مسكين - كلاهما عن ابن وهب، بهذا الإسناد - وعند هؤلاء جميعاً - كما هنا: ((أن عبد الله
ابن الزبير حدثه عن الزبير بن العوام)) .
ورواه أحمد فى المسند : ١٦١٨٥ (ج ٤ ص ٤ - ٥ حلبى)، فى مسند عبد الله بن الزبير -
عن هاشم بن القاسم، عن الليث، عن ابن شهاب، ((عن عروة بن الزبير، عن عبد الله بن الزبير ،
قال: خاصم رجل من الأنصار الزبير»، إلخ .
وبنحو ذلك رواه البخارى ٥ : ٢٦ - ٢٨، ومسلم ٢: ٢٢١، وأبو داود: ٣٦٣٧، والترمذى
٢ : ٢٨٩ - ٢٩٠، وابن ماجة: ٢٤٨٠، وابن حبان فى صحيحه: ٢٣ (بتحقيقنا) - كلهم من
طريق الليث بن سعد، عن الزهرى، عن عروة، عن عبد الله بن الزبير، حكاية القصة . وفى بعض