Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
تفسير سورة النساء : ٥١
القول فى تأويل قوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِنَ
اَلْكِتِّبِ يُؤْمِنُونَ بِالْحِيْتِ وَاُلَُّوتِ ﴾
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : ألم تر بقلبك ، يا محمد، إلى الذين
أُعطوا حظًّا من كتاب الله فعلموه = ((يؤمنون بالحبت والطاغوت))، يعنى : يصدّقُون
بالجبت والطاغوت ، ويكفرون بالله ، وهم يعلمون أن الإيمان بهما كفر ،
والتصديقَ بهما شرك .
٠٠٠
ثم اختلف أهل التأويل فى معنى ((الجبت)) و((الطاغوت)).
فقال بعضهم : هما صنمان كان المشركون يعبدونهما من دون الله .
• ذكر من قال ذلك :
٩٧٦٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر قال، أخبرنى أيوب، عن عكرمة أنه قال: ((الجبت)) و((الطاغوت))، صنمان.
٠٠٠
وقال آخرون: ((الجبت)) الأصنام، و((الطاغوت)) تراجمة الأصنام.(١)
• ذكر من قال ذلك :
٩٧٦٥ - حدثنى محمد بن سعد ، قال، حدثنى أبى قال، حدثنى عمى قال ،
حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: ((ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من
الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت))، ((الجبت)) الأصنام، و((الطاغوت))، الذین
يكونون بين أيدى الأصنام يعبّرون عنها الكذبَ ليضلوا الناس .
٠٠٠
وزعم رجال أنّ (( الجبت))، الكاهن، و((الطاغوت))، رجل من اليهود يدعى
(١) يعنى بقوله: ((تراجمة الأصنام))، الكهان، تنطق على ألسنة الأصنام، كأنها تقول
الناس بلسانهم ، ما قالته تلك بألسنتها .

٤٦٢
تفسير سورة النساء : ٥١
کعب بن الأشرف ، وکان سيِّد اليهود .
. ..
وقال آخرون: ((الجبت))، السحر، و ((الطاغوت))، الشيطان.
• ذكر من قال ذلك :
٩٧٦٦ - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا محمد بن أبى عدى ، عن
شعبة، عن أبى إسحق، عن حسان بن فائد قال: قال عمر رحمه الله: ((الجبت))
السحر، و((الطاغوت)) الشيطان.(١)
٩٧٦٧ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبى، عن سفيان ، عن أبى إسمق ،
عن حسان بن فائد العبسى ، عن عمر مثله . (٢)
٩٧٦٨ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا
عبد الملك، عمن حدثه، عن مجاهد قال: ((الجبت)) السحر، و ((الطاغوت))
الشيطان .
٩٧٦٩ - حدثنى يعقوب قال ، أخبرنا هشيم قال ، أخبرنا زكريا ، عن
الشعبى قال: ((الجبت))، السحر، و((الطاغوت))، الشيطان.
٩٧٧٠ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قوله: (( يؤمنون بالجبت والطاغوت))، قال :
((الجبت)) السحر، و((الطاغوت))، الشيطان فى صورة إنسان يتحاكمون إليه،
وهو صاحب أمرهم .
٩٧٧١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير ، عن عبد الملك ، عن
قيس، عن مجاهد قال: ((الحبت))، السحر، و((الطاغوت))، الشيطان والكاهن.
٠
(١) الأثر: ٩٧٦٦ - ((حسان بن فائد العبسى))، مضى برقم: ٥٨٣٤، وكان فى
المطبوعة فى هذا الأثر والذى يليه: ((حسان بن قائد العنسى)). ومضى هذا الإسناد برقم : ٥٨٣٥.
(٢) الأثر : ٩٧٦٧ - مضى برقم : ٥٨٣٤.
أ

٤٦٣
تفسير سور النساء : ٥١
وقال آخرون: ((الجبت))، الساحر، و((الطاغوت))، الشيطان.
· ذكر من قال ذلك :
٩٧٧٢ - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : كان
أبى يقول: ((الجبت))، الساحر، و((الطاغوت))، الشيطان.
٠
*
٨٤/٥
وقال آخرون: ((الجبت))، الساحر، و((الطاغوت))، الكاهن .
• ذكر من قال ذلك :
٩٧٧٣ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة ،
عن أبى بشر، عن سعيد بن جبير فى هذه الآية: ((الجبت والطاغوت))،
قال: ((الجبت)) الساحر، بلسان الحبشة، و((الطاغوت)) الكاهن.
٩٧٧٤ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال ، حدثنا داود ،
عن رفيع قال: ((الجبت))، الساحر، و((الطاغوت))، الكاهن.
٩٧٧٥ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنى عبد الأعلى قال ، حدثنا داود ،
عن أبى العالية أنه قال: ((الطاغوت)) الساحر، و((الجبت)) الكاهن.
٩٧٧٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال ، أخبرنا هشيم ،
عن داود، عن أبى العالية، فى قوله: ((الجبت والطاغوت))، قال: أحدهما السحر،
والآخر الشيطان .
وقال آخرون: ((الجبت)) الشيطان، و((الطاغوت)) الكاهن.
• ذكر من قال ذلك :
٩٧٧٧ -حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا یزید بن زريع قال ، حدثنا
سعيد، عن قتادة قوله: ((يؤمنون بالجبت والطاغوت))، كنا نحدَّث أن الجبت
شيطان ، والطاغوت الكاهن .

٤٦٤
تفسير سورة النساء : ٥١
٩٧٧٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن قتادة مثله .
٩٧٧٩ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا .
أسباط، عن السدى قال: ((الجبت)) الشيطان، و((الطاغوت)) الكاهن.
. ..
وقال آخرون: ((الجبت)) الكاهن، و((الطاغوت)) الساحر. (١)
ذكر من قال ذلك :
٩٧٨٠ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن سفيان ، عن رجل ،
عن سعيد بن جبير قال: ((الجبت)) الكاهن، و((الطاغوت)) الساحر .
٩٧٨١ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا حماد بن مسعدة قال، حدثنا عوف،
عن محمد قال فى الجبت والطاغوت، قال: ((الجبت)) الكاهن، والآخر
الساحر .
وقال آخرون: ((الجبت)) حيى بن أخطب، و((الطاغوت))، كعب بن
الأشرف .
* ذكر من قال ذلك :
٩٧٨٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية بن صالح، عن على، عن ابن عباس قوله: ((يؤمنون بالجبت والطاغوت))،
((الطاغوت)): كعب بن الأشرف، و((الجبت)): حى بن أخطب.
٩٧٨٣ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن
جويبر، عن الضحاك قال: ((الجبت)): حى بن أخطب، و((الطاغوت)): كعب
ابن الأشرف .
٩٧٨٤ - حدثنى يحيى بن أبى طالب قال ، أخبرنا يزيد قال ، أخبرنا
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((والطاغوت الشيطان))، وصواب السياق ما أثبت.

٤٦٥
تفسير سورة النساء : ٠١
جويبر، عن الضحاك فى قوله: ((الجبت والطاغوت))، قال: ((الجبت)): حبى
ابن أخطب، و((الطاغوت)): كعب بن الأشرف .
...
وقال آخرون: ((الجبت)) كعب بن الأشرف، و((الطاغوت)) الشيطان.
• ذكر من قال ذلك :
٩٧٨٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير ، عن ليث ، عن مجاهد
قال: ((الجبت)): كعب بن الأشرف، و((الطاغوت)): الشيطان، كان فى صورة إنسان.
قال أبو جعفر: والصواب من القول فى تأويل: (( يؤمنون بالجبت والطاغوت))،
أن يقال: يصدّقون بمعبود ين من دون الله، يعبدونهما من دون الله، ويتخذونهما
إلذين .
وذلك أن ((الجبت)) و ((الطاغوت)): اسمان لكل معظّم بعبادة من دون الله ،
أو طاعة ، أو خضوع له ، كائناً ما كان ذلك المعظّم ، من حجر أو إنسان أو
شيطان . وإذا كان ذلك كذلك ، وكانت الأصنام التى كانت الجاهلية تعبدها ،
كانت معظمة بالعبادة من دون الله = فقد كانت جُبوتاً وطواغيت. وكذلك
الشياطين التى كانت الكفار تطيعها فى معصية الله، وكذلك الساحر والكاهن
اللذان كان مقبولاً منهما ما قالا فى أهل الشرك بالله. وكذلك حيى بن أخطب
وكعب بن الأشرف ، لأنهما كانا مطاعين فى أهل ملّتهما من اليهود فى معصية
اللّه والكفر به وبرسوله ، فكانا جبتين وطاغوتين .
وقد بينت الأصل الذى منه قيل الطاغوت: ((طاغوت))، بما أغنى عن إعادته
فى هذا الموضع . (١)
(١) انظر ما سلف ٥: ٤١٩، وسائر الآثار فى ((الطاغوت)) من رقم : ٥٨٣٤ - ٥٨٤٥.
ج ٨ (٣٠)

٤٦٦
تفسير سورة النساء : ٥١
القول فى تأويل قوله ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُ واْ هَنَّلَاءَ أَهْدَى
مِنَ الَّذِينَ ءامَنُواْ سَبِيلًا﴾ (®
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه: ويقولون للذين جحدوا وحدانية الله
ورسالة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم =: ((هؤلاء))، يعنى بذلك؛ هؤلاء الذين
وصفهم الله بالكفر = ((أهدى))، يعنى: أقوم وأعدل = ((من الذين آمنوا))،
يعنى : من الذين صدَّقوا الله ورسوله وأقرُّوا بما جاءهم به نبيهم محمد صلى الله عليه
وسلم = ((سبيلا))، يعنى: طريقاً .
قال أبو جعفر: وإنما ذلك مَثَلٌّ. ومعنى الكلام: أن اللّه وصف الذين أوتوا
٨٥/٥ نصيباً من الكتاب من اليهود = بتعظيمهم غير الله بالعبادة والإذعان له بالطاعة =
فى الكفر بالله ورسوله ومعصيتهما، بأنهم قالوا: (١) إن أهل الكفر بالله أولى بالحق
من أهل الإيمان به ، وأن دین أهل التكذيب لله ولرسوله، اعدل واصوبُ من دین
أهل التصديق لله ولرسوله .
٠
وذكر أن ذلك من صفة كعب بن الأشرف، وأنه قائل ذلك .
« ذكر الآثار الواردة بما قلنا :
٩٧٨٦ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا ابن أبى عدى ، عن داود ،
عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لما قدم كعب بن الأشرف مكة ، قالت له
قريش : أنت حَبْر أهل المدينة وسيدهم؟ (٢) قال: نعم. قالوا: ألا ترى إلى هذا
(١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((وأنهم قالوا)) بالواو، والواو متصلة بالألف فى المخطوطة،
والصواب ما أثبته، وقوله: ((بأنهم)) متعلق بقوله: ((إن الله وصف ... )).
(٢) فى المطبوعة: ((خير أهل المدينة))، وفى المخطوطة ((حبر))، وإن كانت غير منقوطة

٤٦٧
تفسير سورة النساء : ٥١
الصُّنبور المنبتر من قومه، (١) يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج وأهل السِّدانة
وأهل السِّقاية؟ قال: أنتم خير منه. قال: فأنزلت: ﴿إِنَّ شَانِتَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ)
[سورة الكوثر: ٣]، وأنزلت: ((ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت
والطاغوت)) إلى قوله: ((فلن تجد له نصيراً)).
٩٧٨٧ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود ، عن
عكرمة فى هذه الآية: ((ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب))، ثم ذكر نحوه .
٩٧٨٨ - وحدثنى إسحق بن شاهين قال، أخبرنا خالد الواسطى، عن داود،
عن عكرمة قال : قدم كعب بن الأشرف مكة ، فقال له المشركون : احكم بيننا ،
وبين هذا الصنبور الأبتر ، فأنت سيدنا وسيد قومك! فقال كعب: أنتم والله
خيرٌ منه! فأنزل الله تبارك وتعالى: ((ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب))،
إلى آخر الآية . (٢)
٩٧٨٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر قال ، أخبرنا أيوب، عن عكرمة : أن كعب بن الأشرف انطلق إلى المشركين
من كفار قريش ، فاستجاشهم على النبى صلى الله عليه وسلم ، (٣) وأمرهم أن
فى كثير من المواضيع. ووقع فى لسان العرب مادة (صنبر): ((خير))، وفى مادة (بتر): ((حبر))،
فأثبتها ورجحتها ، لأنهم إنما سألوه عن شأن الدين ، والحبر: العالم من أهل الكتاب ، فهو المسئول
عن مثل ما سألوه عنه من أمر خير الدينين .
(١) ((الصنبور)): سعفات تنبت فى جذع النخلة، غير مستأرضة فى الأرض. ثم قالوا
الرجل الفرد الضعيف الذليل الذى لا أهل له ولا عقب ولا ناصر ((صنبور)). فأراد هؤلاء الكفار
من قريش أن محمداً صلى الله عليه وسلم ، بأبي هو وأبى ، صنبور نبت فى جذع نخلة ، فإذا قلع
انقطع : فكذلك هو إذا مات ، فلا عقب له . وكذبوا ، ونصر الله رسوله وقطع دابر الكافرين.
و((المنبتر)) و((الأبتر)): المنقطع الذى لا عقب له.
(٢) الأثر: ٩٧٨٨ - ((إسحق بن شاهين الواسطى))، مضى برقم: ١٢١١، ولم نجد
له ترجمة. و ((خالد الواسطى))، هو: خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن الواسطى)) مضى برقم:
٧٢١١ ٫
(٣) ((استجاش القوم)): طلب منهم أن يجيشوا جيشاً.

. ٤٦٨
تفسير سورة النساء : ٥١
يغزوه ، وقال : إنا معكم نقاتله. فقالوا : إنكم أهل کتاب ، وهو صاحب کتاب،
ولا نأمن أن يكون هذا مكراً منكم ! فإن أردت أن نخرج معك ، فاسجد لهذين
الصنمين وآمن بهما . ففعل. ثم قالوا: نحن أهدى أم محمد؟ فنحن ننحر الكوماء، (١)
ونسقى اللبن على الماء ، ونصل الرحم، ونقرى الضيف ، ونطوف بهذا البيت، ومحمد
قطع رحمه، وخرج من بلده ؟ قال: بل أنتم خير وأهدى! فنزلت فيه: ((ألم تر إلى
الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء
أهدى من الذين آمنوا سبيلا )).
٩٧٩٠ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا
أسباط ، عن السدى : قال: لما كان من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم واليهود
•ن النضير ما كان ، (٢) حين أتاهم يستعينهم فى دية العامريّين، فهمّوا به
وبأصحابه، (٣) فأطلع الله رسوله على ما هموا به من ذلك. ورجع رسول الله صلى الله
عليه وسلم إلى المدينة ، فهرب كعب بن الأشرف حتى أتى مكة ، فعاهدهم على
محمد، فقال له أبو سفيان: يا أبا سعد، إنكم قوم تقرأون الكتاب وتعلمون ، ونحن
قوم لا نعلم! فأخبرنا، ديننا خير أم دين محمد ؟ قال كعب: اعرضوا علىّ دينكم.
فقال أبو سفيان: نحن قوم بنحر الكوماء، ونسقى الحجيج الماء ، ونقرى الضيف ،
ونعمر بيت ربنا ، ونعبد آلهتنا التى كان يعبد آباؤنا ، ومحمد يأمرنا أن نترك هذا
ونتبعه! قال: دينكم خير من دين محمد، فاثبتوا عليه، ألا ترون أنّ محمداً يزعم
(١) ((الكوماء)): هى الناقة المشرقة النام العاليته، وهذه خير النوق وأسمنها وأعزها عليهم،
والجمع ((كوم)).
(٢) فى المطبوعة: ((واليهود بنى النضير))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٣) ذلك فى سنة أربع من الهجرة، فأرادوا أن يغدروا برسول الله صلى الله عليه وسلم،
وتمالأوا على أن يلتموا عليه حجراً من فوق جدار البيت الذى كان رسول الله جالساً إلى جنبه، فأطلعه الله
على ذلك من أمرهم ، فقام وخرج راجعاً إلى المدينة ، ثم أمر بالتهيز لحرب بنى النضير ، فحاصرهم ،
وأجلاهم، وفيهم نزلت ((سورة الحشر)) بأسرها. انظر سيرة ابن هشام ٣ : ١٩٩ - ٢١٣.

٤٦٩
تفسير سورة النساء : ٠١
أنه بُعِث بالتواضع، وهو ينكح من النساء ما شاء! وما نعلم مُلْكاً أعظم من ملك
النساء !! (١) فذلك حين يقول: ((ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون
بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا)).
٩٧٩١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، عن مجاهد قال : نزلت فى كعب بن الأشرف وكفار قريش ، قال :
كفار قريش أهدىمن محمد! ((عليه السلام)) = قال ابن جريج: قدم كعب
ابن الأشرف، فجاءته قريش فسألته عن محمد، فصغّر أمره ويسّره ، وأخبرهم
أنه ضالٌّ. قال: ثم قالوا له: ننشدك اللّه، نحن أهدى أم هو ؟ فإنك قد علمت
أنا ننحر الكُوم، ونسقى الحجيج، ونعمر البيت، ونطعم ما هبّت الريح؟(٢) قال:
أنتم أهدى .
٠ ٠
۵
وقال آخرون : بل هذه الصفة ، صفة جماعة من اليهود ، منهم : حُبّىّ بن
أخطب ، وهم الذين قالوا للمشركين ما أخبر الله عنهم أنهم قالوه لهم.
• ذكر الأخبار بذلك :
٩٧٩٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق ، عمن قاله
قال ، أخبرنى محمد بن أبى محمد ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن
عباس قال : كان الذين حَزَّبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبنى قريظة: حتى ٨٦/٥
ابن أخطب، وسلاً م بن أبى الحقيق أبو رافع، (٣) والربيع بن الربيع بن أبى الحقيق، (٤)
(١) لم تزل هذه مقالة كل طاعن على رسول الله من المستشرقين وأذنابهم فى كل أرض، والكفر
كله ملة واحدة ، والذى يلقى على ألسنتهم ، هو الذى ألقى على لسان هذا اليهودى الفاجر ، عدو الله
وعدو رسوله .
(٢) قوله: ((نطعم ما هبت الريح))، يراد به معنى الدوام. ولو أرادوا به زمن الشتاء
فى القحط ، لكان صواباً .
(٣) فى المطبوعة: ((وأبو رافع)) بزيادة الواو، وهو خطأ: ((أبو رافع)) كنية سلام
ابن أبى الحقيق . والصواب من المخطوطة، وهو مطابق لما فى سيرة ابن هشام.
(٤) فى المطبوعة: ((والربيع بن أبى الحقيق)) أسقط ((بن الربيع))، والصواب من المخطوطة،

٤٧٠
تفسير سورة النساء : ٥١
وأبو عمار، (١) ووَحْوَح بن عامر، وهوذة بن قيس = فأما وحوح وأبو عمار وهوذة، (١)
فمن بنى وائل، وكان سائرهم من بنى النضير = فلما قدموا على قريش قالوا : هؤلاء
أحبار يهود وأهل العلم بالكتب الأوّل ، فاسألوهم : أدينكم خير أم دين محمد ؟
فسألوهم ، فقالوا : بل دينكم خير من دينه ، وأنتم أهدى منه ومن اتبعه ! فأنزل
الله فيهم: ((ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت))،
إلى قوله: ((وآتيناهم ملكاً عظيماً)).(٢)
٩٧٩٣ -حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا یزید قال ، حدثنا سعيد ،عن
قتادة قوله: ((ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت » ،
الآية، قال: ذُكر لنا أن هذه الآية أنزلت فى كعب بن الأشرف ، وحبى
ابن أخطب، ورجلين من اليهود من بنى النضير، لقيا قريشاً بمَوْسم، (٣) فقال لهم
المشركون : أنحن أهدى أم محمد وأصحابه؟ فإنا أهل السُّدانة والسقاية، وأهل
الحرم؟ فقالا: لا، بل أنتم أهدى من محمد وأصحابه ! وهما يعلمان أنهما كاذبان ،
إنما حملهما على ذلك حّسَد محمد وأصحابه .
...
وقال آخرون : بل هذه صفة حيي بن أخطب وحده ، وإياه عنى بقوله :
(( ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا)).
• ذكر من قال ذلك :
٩٧٩٤ -حدثنی یونس قال ، أخبرنا ابن وهبقال، قال ابن زيد فى قوله :
(((ألم تر إلى الذين أوترا نصيباً من الكتاب)) إلى آخر الآية ، قال : جاء حيى بن
وهو مطابق لما فى سيرة ابن هشام .
(١) (أبو عمار))، فى المطبوعة فى الموضعين ((أبو عامر))، وهو خطأ، صوابه من المخطوطة،
وهو مطابق لما فى سيرة ابن هشامٍ .
(٢) الأثر: ٩٧٩٢ - سيرة ابن هشام ٢: ٢١٠، وهو تابع الآثار التى آخرها رقم : ٩٧٢٤.
(٣) الموسم: مجتمع الناس، فى سوق أو فى حج أو غيرهما ..

٤٧١
تفسير سورة النساء : ٥٢٠٥١
أخطب إلى المشركين فقالوا : يا حيى ، إنكم أصحاب كتب ، فنحن خير أم
محمد وأصحابه؟ فقال: نحن وأنتم خير منهم! فذلك قوله: ((ألم تر إلى الذين
أوتوا نصيباً من الكتاب)) إلى قوله: ((ومن يلعن اللّه فلن تجد له نصيراً)).
٠ ٠
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال بالصحة فى ذلك ، قولُ من قال : إن ذلك
خبر من الله جل ثناؤه عن جماعة من أهل الكتاب من اليهود . وجائز أن تكون
كانت الجماعةَ الذين سماهم ابن عباس فى الخبر الذى رواه محمد بن أبى محمد
عن عكرمة أو سعيد، = أو يكون حُيَيًّا وآخر معه، (١) إما كعباً ، وإما غيره .
القول فى تأويل قوله ﴿أُوْ لَّبِكَ الَّذِينَ لَهُمُ اللهُ وَمَّنْ يَلْمَنِ
اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا)
٥٢
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((أولئك))، هؤلاء الذين وصف صفتهم
أنهم أوتوا نصيباً من الكتاب وهم يؤمنون بالجبت والطاغوت، هم ((الذين لعنهم الله))،
يقول : أخزاهم الله فأبعدهم من رحمته، بإيمانهم بالجبت والطاغوت ، وكفرهم بالله
ورسوله عناداً منهم لله ولرسوله، وبقولهم للذين كفروا: (( هؤلاء أهدى من الذين آمنوا
سبيلا)) = (ومن يلعن اللّه))، يقول: ومن يخزه الله فيبعده من رحمته = ((فلن تجد
له نصيراً))، يقول: فلن تجد له ، يا محمد، ناصراً ينصره من عقوبة الله ولعنته
التی تحلّ به ، فیدفع ذلك عنه ، كما :-
٩٧٩٥ -حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا یزید قال ، حدثنا سعيد ، عن
(١) فى المطبوعة: ((أن يكون))، وهو خطأ لا ريب فيه، صوابه ما أثبت.

٤٧٢
تفسير سورة النساء : ٥٢، ٥٣
قتادة قال : قال كعب بن الأشرف وحيى بن أخطب ما قالا = يعنى من قولهما:
(«هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا)) = وهما يعلمان أنهما كاذبان، فأنزل الله:
((أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن اللّه فلن تجد له نصيراً)).(١)
٥ ٥
القول فى تأويل قوله ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذَا لَّا يُؤْتُونَ
النَّاسَ فَقِيرًا) )
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((أم لهم نصيب من الملك))، أم لهم
حظ من الملك ، يقول : ليس لهم حظ من الملك ، (٢) كما :-
٩٧٩٦ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا
أسباط، عن السدى: ((أم لهم نصيب من الملك))، يقول : لو كان لهم نصيب
من الملك ، إذًّا لم يؤتوا محمداً نقيراً .
٩٧٩٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج قال ، .
قال ابن جريج: قال الله: ((أم لهم نصيب من الملك))، قال: فليس لهم نصيب
من الملك، [ لم يؤتوا الناس نقيراً] = ((فإذا لا يؤتون الناس نقيراً))، (٣) ولو كان لهم
نصيب وحظ من الملك، لم يكونوا إذًا يعطون الناس نقيراً، من بُخْلهم.
واختلف أهل التأويل فى معنى: ((النقير)).
فقال بعضهم : هو النقطة التى فى ظهر النواة .
(١) انظر تفسير ((اللعنة)) فيما سلف: ٤٣٩، تعليق ٢، والمراجع هناك - وتغير
((النصير)) فيما سلف: ٤٣٠، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٢٠) انظر تغير ((النصيب)) فيما سلف: ٤٦٠، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٣) فى المطبوعة حذف جملة ((لم يؤتوا الناس نقيراً)) كلها، وهى فى الحقيقة جملة قلقة،
فأثبتها كما هى بين قوسين.

٤٧٣
تفسير سورة النساء : ٥٣
• ذکر من قال ذلك :
٩٧٩٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنى عبد الله قال ، حدثنى معاوية بن
صالح، عن على بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ((نقيراً))، يقول: النقطة
التى فى ظهر النواة .
٩٧٩٩ - حدثنى سليمان بن عبد الجبار قال، حدثنا محمد بن الصلت قال ،
حدثنا أبو كدينة ، عن قابوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال: النقير الذى ٨٧/٥
فى ظهر النواة .(١)
٩٨٠٠ - حدثنى جعفر بن محمد الكوفى المروزى قال ، حدثنا عبيد الله،
عن إسرائيل ، عن خصيف ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : النقير وَسط
النواة . (٢)
٩٨٠١ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثى عى قال ،
حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: ((فإذّا لا يؤدون الناس نقيراً))، ((النقير))
فقيرُ النواة ، وَسَطها .
٩٨٠٢ -حدثنا محمد بن الحسین قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا
أسباط، عن السدى قوله: ((أم لهم نصيب من الملك فإذًا لا يؤتون الناس نقيراً)) ،
يقول: لو كان لهم نصيب من الملك، إذًا لم يؤتوا محمداً فقيراً = و((النقير))، النكتة
التى فى وَسَط النواة .
٩٨٠٣ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، حدثى طلحة بن
عمرو : أنه سمع عطاء بن أبى رباح يقول : النقير الذى فى ظهر النواة .
(١) الأثر : ٩٧٩٩ - انظر التعليق على الأثر رقم : ٩٧٤٥.
(٢) الأثر: ٩٨٠٠ - ((جعفر بن محمد الكوفى المروزى))، لم أعرف من هو، ولكنى رأيت
أبا جعفر روى عنه فى التاريخ ٥: ١٨، دون ذكر ((المروزى)، و((جعفر بن محمد)) كثير،
ولكن لم أجد هذه النسب التى ذكرها الطبرى. و ((عبيد اللّه)) لم أعرفه.

٤٧٤
تفسير سورة النساء : ٥٣
٩٨٠٤ - حدثنى يحيى بن أبى طالب قال ، أخبرنا يزيد قال ، أخبرنا
جويبر، عن الضحاك قال: ((النقير))، النقرة التى تكون فى ظهر النواة .
٩٨٠٥ -حدثی يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حصین،
عن أبى مالك قال: ((النقير)»، الذى فع ظهر النواة.
٠٠
وقال آخرون: ((النقير))، الحبة التى تكون فى وسط النواة.
• ذكر من قال ذلك :
٩٨٠٦ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((نقيراً))، قال: ((النقير))، حبة
النواة التى فى وَسطها .
٩٨٠٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((فإذًا لا يؤتون الناس نقيراً ))، قال : النقير ، حبة
النواة التى فى وسطها .
٩٨٠٨ -حدثنا محمد بن بشار قال،حدثنا يحيى بن سعيد قال ، حدثنا
سفيان بن سعيد، عن منصور، عن مجاهد قال: ((النقير))، فى النوى .
٩٨٠٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج قال ،
قال ابن جريج، أخبرنى عبد الله بن كثير: أنه سمع مجاهداً يقول: ((النقير))،
نقير النواة الذى فى وسطها .
٩٨١٠ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا
عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك بن مزاحم يقول: ((النقير))، نقير النواة الذى
يكون فى وسط النواة .

٠
٤٧٥
تفسير سورة النساء : ٥٣
وقال آخرون : معنى ذلك : نَقْرُ الرجل الشىء بَطرَف أصابعه.
• ذكر من قال ذلك :
٩٨١١ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن يزيد بن درهم أبى العلاء
قال ، سمعت أبا العالية : ووضع ابن عباس طرف الإبهام على ظهر السبابة ، ثم
رفعهما وقال : هذا النقير . (١)
٠ ٠
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب أن يقال : إن اللّه وصف
هؤلاء الفرْقة من أهل الكتاب بالبخل باليسير من الشىء الذى لا خطر له ،
ولو كانوا ملوكاً وأهل قدرة على الأشياء الجليلة الأقدار .
فإذْ كان ذلك كذلك، فالذى هو أولى بمعنى ((النقير))، أن يكون أصغر
ما يكون من النُّقر . وإذا كان ذلك أولى به ، فالنقرة التى فى ظهر النواة من صغار
النُّقْر ، وقد يدخل فى ذلك كل ما تشاكلها من النُّقْر .
٠ ٠٠
ورفع قوله: ((لا يؤتون الناس))، ولم ينصبْ؛ ((إذَنْ))، ومن حكمها أن
تنصب الأفعال المستقبلة إذا ابتدئ الكلام بها ، لأن معها (« فاء)) . ومن حكمها إذا
دخل فيها بعضُ حروف العطف ، أن توجه إلى الابتداء بها مرة ، وإلى النقل عنها
إلى غيرها أخرى. وهذا الموضع مما أريد بـ ((الفاء)) فيه، النقل عن ((إذَنْ)) إلى
ما بعدها ، وأن يكون معنى الكلام : أم لهم نصيب ، فلا يؤتون الناس نقيراً
إذَنْ . (٢)
٠ ٠
(١) الأثر: ٩٨١١ - ((يزيد بن درهم، أبى العلاء)) مضى برقم : ٩٧٤٧ فى مثل هذا
الإسناد، وقد علقت عليه هناك. وكان فى المطبوعة هنا أيضاً ((زيد بن درهم))، وقد بينت خطأ
ذلك هناك. أما المخطوطة هنا، فكان فيها: ((عن ابن در بن درهم)) سيئة الكتابة ، متصلة الراءين ،
غير منقوطة .
(٢) القول فى ((إذن))، استوفاه الفراء فى معانى القرآن ١: ٢٧٣، ٢٧٤.

٤٧٦
تفسير سورة النساء : ٥٤
القول فى تأويل قوله (أَمْ يَحُْدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآَ ، اتَنْهُمُ اللهُ
مِن فَضْلِهِ﴾
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((أم يحسدون الناس))، أم يحسد
هؤلاء الذين أوتوا نصيباً من الكتاب من اليهود ، كما : -
٩٨١٢ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((أم يحسدون الناس))، قال : يهود .
٩٨١٣ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ،
عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد مثله .
٩٨١٤ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن
قتادة مثله .
٠
وأما قوله: ((الناس))، فإن أهل التأويل اختلفوا فيمن عَنَّى اللّه به.
فقال بعضهم : عنى الله بذلك محمداً صلى الله عليه وسلم خاصةً.
• ذكر من قال ذلك :
٩٨١٥ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط قال ،
أخبرنا هشيم، عن خالد، عن عكرمة فى قوله: ((أم يحسدون الناس على ما آتاهم
الله من فضله))، قال: ((الناس)) فى هذا الموضع، النبيّ صلى اللّه عليه وسلم
خاصةً .
٨٨/٥
٩٨١٦ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنى أحمد بن مفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله))،
يعنى محدداً صلى الله عليه وسلم .

٤٧٧
تفسير سورة النساء : ٥٤
٩٨١٧ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال، حدثنى عمى قال ،
حدثی أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس مثله .
٩٨١٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، عن مجاهد: ((أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله))، قال:
((الناس))، محمداً صلى الله عليه وسلم.
٩٨١٩ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا
عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول ، فذكر نحوه .
٠٠٠
وقال آخرون : بل عنى الله به العرب .
• ذكر من قال ذلك :
٩٨٢٠ - حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن
قتادة قوله: ((أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله))، أولئك اليهود ،
حسدوا هذا الحىّ من العرب على ما آتاهم الله من فضله .
٠ ٠
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب أن يقال : إنّ اللّه عاتب
اليهود الذين وصف صفتهم فى هذه الآيات ، فقال لهم فى قيلهم للمشركين من
عبدة الأوثان إنهم أهدى من محمد وأصحابه سبيلاً ، على علم منهم بأنهم فى قيلهم
ما قالوا من ذلك كذبة =: أتحسدون محمداً وأصحابه على ما آتاهم الله من فضله.(١)
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن ما قبل قوله: ((أم يحسدون الناس على
ما آتاهم الله من فضله))، مضى بذّم القائلين من اليهود للذين كفروا: «هؤلاء
أهدى من الذين آمنوا سبيلا))، فإلحاق قوله: ((أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله
من فضله)) بذمهم على ذلك، وتقريظ الذين آمنوا الذين قيل فيهم ما قيل = أشبهُ
(١) فى المطبوعة: ((أم يحسدون))، والصواب من المخطوطة.

٤٧٨
تفسير سورة النساء : ٥٤
وأولى ، ما لم تأت دلالة على انصراف معناه عن معنى ذلك .
٠٠
واختلف أهل التأويل فى تأويل ((الفضل)) الذى أخبر اللّه أنه آنى الذين
ذكرهم فى قوله: ((أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله)).(١)
فقال بعضهم: ذلك ((الفضل))، هو النبوّة .
• ذكر من قال ذلك :
٩٨٢١ -حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة: ((أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله))، حسدوا هذا الحىِّ من
العرب على ما آتاهم الله من فضله. بعث الله منهم نبيًّا، فحسدوهم على ذلك.
٩٨٢٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج قال ،
قال ابن جريج: ((على ما آتاهم الله من فضله))، قال: النبوة.
٠
وقال آخرون: بل ذلك ((الفضل)) الذى ذكر الله أنه آتاهموه، هو إباحته
ما أباح لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم من النساء ، ينكح منهن ما شاء بغير عدد .
قالوا: وإنما يعنى: بـ ((الناس))، محمداً صلى الله عليه وسلم، على ما ذكرتُ قبل .
• ذكر من قال ذلك :
٩٨٢٣ -حدثی محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال ،
حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: ((أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله
من فضله)) الآية، وذلك أن أهل الكتاب قالوا: ((زعم محمد أنه أونى ما أوتى فى
تواضع، وله تسع نسوة، ليس همه إلاّ النكاح ! فأىّ ملك أفضَلُ من هذا))!
فقال اللّه: ((أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله)).
٩٨٢٤ -حدثنى محمد بن الحسین قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا
(١) انظر تفسير ((الفضل)) فيما صلف، فى فهارس اللغة.

٤٧٩
تفسير سورة النساء : ٥٤
أسباط، عن السدى: ((أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله))، يعنى:
محمداً، أن ينكح ما شاء من النساء .
٩٨٢٥ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا
عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((أم يحسدون الناس على
ما آتاهم الله من فضله))، وذلك أن اليهود قالوا: ((ما شأن محمد أُعطى النبوّة
كما يزعم، وهو جائع عارٍ، وليس له هم إلاّ نكاحُ النساء؟))، فحسدوه على
تزويج الأزواج. وأحل الله لمحمد أن ينكح منهن ما شاء أن ينكح .(١)
٠٠٠
قال أبو جعفر : وأولى التأويلين فى ذلك بالصواب ، قولُ قتادة وابن جريج
الذى ذكرناه قبل: أن معنى ((الفضل)) فى هذا الموضع: النبوّة التی فضل الله بها
محمداً، وشرّف بها العرب، إذ آتاها رجلاً منهم دون غيرهم = لما ذكرنا من أن
دلالة ظاهر هذه الآية ، تدل على أنها تقريظٌ للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه
رحمة الله عليهم، (٢) على ما قد بينا قبل . وليس النكاح وتزويجُ النساء = وإن كان
من فضْل الله جل ثناؤهُ الذى آتاه عباده = بتقريظ لهم ومدح .
(١) الأثر: ٩٨٢٥ - فى المخطوطة والمطبوعة: ((حدثت عن الحسين بن الفرج قال سمعت
الضحاك يقول))، أسقط من الإسناد ما أثبته. وهو إسناد دائر فى التفسير، أقربه رقم : ٩٨١٩.
وقد أسلفت أن مقالة اليهود هذه ، قد تلقفها من بعدهم أهل الضغن على محمد رسول الله ،
ولا يزالون يبثونها فى كتبهم ، وقد تعلق بها أشياعهم من أهل الضلالة المتعبدين لسادتهم من المستشرقين
فى زماننا هذا .
(٢) فى المطبوعة: ((رضى الله عنهم))، وأثبت ما فى المخطوطة، وقد فعلت ذلك مراراً دون
أن أنبه عليه فى بعض المواضع .

٤٨٠
تفسير سورة النساء : ٥٤
القول فى تأويل قوله ﴿فَقَدْ هَا تَبْنَا الَ إِنْرَاهِيمَ الْكِتَّبَ
وَاَلِكْمَةَ وَءَا تَبْنَهُم ملكًا عَظِيماً﴾ (@)
٨٩/٥
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : أم يحسد هؤلاء اليهود = الذين وصف
صفتهم فى هذه الآيات = الناس على ما آتاهم الله من فضله ، من أجل أنهم ليسوا
منهم؟ فكيف لا يحسدون آل إبراهيم ، فقد آتيناهم الكتاب = ويعنى بقوله :
((فقد آتينا آل إبراهيم))، فقد أعطينا آل إبراهيم، يعنى: أهله وأتباعه على دينه(١) =
((الكتاب))، يعنى كتاب الله الذى أوحاه إليهم، وذلك كصحف إبراهيم وموسى
والزّبور ، وسائر ما آتاهم من الكتب .
= وأما ((الحكمة))، فما أوحى إليهم مما لم يكن كتاباً مقروءاً (٢) = (( وآتيناهم
ملكاً عظيماً)) .
#
واختلف أهل التأويل فى معنى ((الملك العظيم)) الذى عناه الله فى هذه
الآية . (٣)
فقال بعضهم : هو النبوّة .
* ذكر من قال ذلك :
٩٨٢٦ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابن أبى
نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((أم يحسدون الناس))، قال: يهود = ((على ما آتاهم
الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب))، وليسوا منهم = ((والحكمة وآتيناهم
ملكاً عظيماً)) ، قال : النبوّة .
(١) انظر تفسير ((آل)) فيما سلف ٢: ٣/٣٧: ٢٢٢، تعليق: ٦/١: ٣٢٦.
(٢) انظر تفسير ((الحكمة)) فيما سلف ٧: ٣٦٩، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير ((الملك)) فيما سلف ١: ١٤٨° - ٢/١٥٠: ٥/٤٨٨: ٣١٢، ٣١٤،
٦/٣٧١ : ٢٩٩، ٠٣٠٠