Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١
تفسير سورة النساء : ٤٣
الأعمش ، عن شقيق قال : كنت مع عبد الله بن مسعود وأبى موسى الأشعرى ،
فقال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن ، أرأيت رجلا أجنبَ فلم يجد الماء شهراً، أيتيمم؟
فقال عبد الله: لا يتيمم وإن لم يجد الماء شهراً. فقال أبو موسى: فكيف تصنعون
بهذه الآية فى ((سورة المائدة)»: ﴿ فَتَيَمِّمُوا صَعِيداً ◌َطَيِّباً﴾؟ [ سورة المائدة: ٩]؟
فقال عبد الله: إن رُخّص لهم فى هذا، لأوشكوا إذا بَرّد عليهم الماء أن يتمموا
بالصعيد ! فقال له أبو موسى: إنما كرهتم هذا لهذا! قال : نعم ! قال أبو موسى:
ألم تسمع قول عمار لعمر: ((بعثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حاجة،
فأجنبت فلم أجد الماء، فتمرَّغت فى الصعيد كما تَمَرَّغ الدابة . قال : فذكرت
ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنما يكفيك أن تصنع هكذا = وضرب
بكفيه ضربة واحدة، ومسح بهما وجهه، ومسح كفيه))؟ قال عبد الله: ألم تر
مُموّ لم يقنع لقول عمار؟ (١)
٩٦٧٢ - حدثنا ابن بشارقال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن
سلمة، عن أبى مالك، وعن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، عن عبد الرحمن بن أبزى
قال: كنا عند عمر بن الخطاب رحمه الله، (٢) فأتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، إنا ٧٣/٥
(١) الحديث: ٩٦٧١ - أبو السائب: هو سلم بن جنادة، مضت ترجمته فى : ٤٨.
شقيق : هو ابن سلمة، أبو وائل الأسدى ، التابعى الكبير المخضرم .
والحديث رواه أحمد فى المسند ٤: ٢٦٤ - ٢٦٥ (حلبى)، عن أبى معاوية، عن الأعمش،
بهذا الإسناد .
وكذلك رواه البخارى ١: ٣٨٦ ( فتح)، ومسلم ١ : ١١٠، وأبو داود : ٣٢١ : والنالى
١ ٦١ - كلهم من طريق أبي معاوية ، عن الأعمش .
ورواه أحمد أيضاً ٤ : ٢٦٥، من طريق عبد الواحد، وهو ابن زياد العبدى، عن الأعمش،
به ، بنحوه .
ونقله ابن كثير ٢ : ٢٦٩ من هذه الرواية من المسند .
وكذلك رواه مسلم ١ : ١١٠، من طريق عبد الواحد .
ورواه البيبى ١ : ٢١١، من طريق يعلى بن عبيد، عن الأعمش. ثم قال: ((أخرجه
البخارى ومسلم، من أوجه عن الأعمش. وأشار البخارى إلى رواية يعلى بن عبيد، وهو أثبتهم سياقة
الحديث)) وإشارة البخارى هى فيه . : ٣٨٧، عقب رواية أبى معاوية .
(٢) فى المطبوعة: ((رضى الله عنه))، وأثبت ما فى المخطوطة.
٤٢٢
تفسير سورة النساء : ٤٣
نمكث الشهر والشهرين لا نجد الماء! فقال عمر: أمّا أنا، فلولم أجد الماء لم أكن لأصلى
حتى أجد الماء . قال عمار بن ياسر: أتذ کریا أمیر المؤمنین ، حیث کنا بمكان كذا
وكذا، ونحن نرعى الإبل، فتعلم أنّا أجنبنا = ؟ قال: نعم ! = فأما أنا فتمرغت فى
التراب، فأتينا النبى صلى الله عليه وسلم قال: إن كان الصعيد لكّافيك ! وضرب
بكفيه الأرض، ثم نفخ فيهما، ثم مسح وجهه وبعضَ ذراعيه ؟ فقال: اتق الله
يا عمار! فقال: يا أمير المؤمنين، إن شئت لم أذكره!فقال: لا، ولكن نُوَلِّيك
من ذلك ما تولَّيت . (١)
(١) الحديث : ٩٦٧٢ - عبد الرحمن: هو ابن مهدى .
سفيان : هو الثورى .
سلمة : هو ابن كهيل . مضت ترجمته فى ٤٣٩، ٢٤٣٥ .
أبو مالك : هو غزوان الغفارى ، وهو تابعى معروف ، مضى مراراً .
عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى: ثقة. مترجم فى التهذيب، وابن أبى حاتم ٩٤/٢/٢،
وهو أخو ((سعيد بن عبد الرحمن )» المترجم فى : ٩٦٥٦، ٩٦٥٧.
ووقع فى الطبرى هنا من الناسحين يقيناً، إذ سقط منه مخطوطاً ومطبوعاً [ عن عبد الرحمن بن أيزى].
فصار ظاهر الإسناد أن عبد الله بن عبد الرحمن هو الذى كان عند عمر وحكى القصة! وما كان هذا
قط، لأن عبد اللّه لم يدرك ذلك، وليست له رواية إلا عن أبيه . ولا يحتمل السياق هنا أن يكون
هذا اختلاف رواية .
ثم مما يقطع بذلك أن النسائى روى هذا الحديث ١ : ٦٠، عن محمد بن بشار - شيخ الطبرى
هنا - بهذا الإسناد نفسه، وفيه: [ عن عبد الرحمن بن أبزى]، التى زدناها هنا .
وكذلك رواه أحمد فى المسند ٤ : ٣١٩ ( حلبى)، عن عبد الرحمن بن مهدى - شيخ شيخ الطبرى
هنا، بهذا الإسناد. وفيه هذه الزيادة. ولكن وقع فى مطبوعة المسند خطأ مطبعى ((عن أبى ثابت))
بدل ((عن أبى مالك))، وصححناه من مخطوطة المسند التى عندنا .
فالحديث يرويه سلمة بن كهيل ، عن شيخين ، هما : أبو مالك، وعبد الله بن عبد الرحمن
ابن أبزى - كلاهما عن عبد الرحمن بن أبزى .
وقد أشار البيهقى ١ : ٢٠٩ - ٢١٠ إلى روايات لسلمة بن كهيل فى هذا الحديث، زعمها
اضطراباً من سلمة ، ولكن الظاهر أنها اختلاف روايات من الرواة عنه .
وقوله - فى متن الحديث - ((قال: نعم. فأما أنا فتمرغت ... )) - هذا هو الثابت أيضاً فى
رواية النسائى. وفى طبعة مصر ((أما أنا)) بدون الفاء. وهو سياق صسميح، على تقدير حذف ((قال))
بعد قوله (نعم)). لظهور أن قوله ((فأما أنا)) من كلام عمار بن ياسر، لا من كلام عمر. ومثل
هذا كثير. ولفظ المسند فى هذا الموضع: ((قال: نعم، قال: فإنى تمرفت فى التراب».
٤٢٣
تفسير سورة النساء : ٤٣
٩٦٧٣ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة،
عن الحكم قال : سمعت إبراهيم فى دُكان مسلم الأعور ، فقلت : أرأيت إن لم
تجد الماء وأنت جنب؟ قال : لا أصلى .(١)
٠ ٠
٠
قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك : أن الجنب ممن أمره الله بالتيمم
إذا لم يجد الماء، والصلاة، (٢) بقوله: ((أو لا مستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً
طيباً)). وقد بينا ثَمَّ أن معنى ((الملامسة))، فى هذا الموضع: الجماع، بنقل الحجة
التى لا يجوزُ الخطأ فيما نقلته مجمعة عليه، ولا السهوولا التواطؤ والتشاعر، (٣) بأن حكم
الجنب فى ذلك حكم سائر من أحدث فلزمه التطهر لصلاته = مع ما قد روى فى
ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأخبار التى قد ذكرنا بعضها، وتركنا
ذكر كثير منها ، استغناءً بما ذكرنا منها عمالم نذكر ، وكراهة منا إطالة الكتاب
باستقصاء جميعه.
واختلف أهل التأويل فى تأويل قوله: (( فلم تجدوا ماء فتيمموا )) ، وهل
ذلك أمر من الله بالتيمم كلما لزمه طلب الماء ، (٤) أم ذلك أمر منه بالتيمم كلما
لزمه الطلب وهو محدثَ حدثاً يجب عليه منه الوضوء بالماء ، لو كان للماء واجداً ؟
فقال بعضهم : ذلك أمر من الله بالتيمم كلما لزمه فرضُ الطلب بعد الطلب ،
محدثاً كان أو غير محدث .
• ذكر من قال ذلك :
٩٦٧٤ - حدثنى يعقوب قال، حدثنا هشيم، عن الحجاج ، عن أبى إسمق،
(١) الأثر: ٩٦٧٣ - ((مسلم الأعور))، هو ((مسلم بن كيسان الضبى))، ضعيف يتكلمون
فيه، ولكن ليس له مدخل فى هذا الأثر. و ((إبراهيم)» هو النخعى.
(٢) قوله: ((والصلاة)) مجروراً عطفاً على ((أمره اللّه بالتيمم ... والصلاة)).
(٣) ((التشاعر))، التعالم والتواطؤ. وقد سلفت هذه الكلمة فى ٦: ١٢٧، تعليق:
٢ = و ١٥٥، تعليق: ١. وكان فى المطبوعة: ((والتضافر))، غيرها إذ لم يفهمها.
(٤) فى المطبوعة: ((هل ذلك أمر)) بحذف الواو، وأثبت ما فى المخطوطة
٤٢٤
تفسير سورة النساء : ٤٣
عن الحارث ، عن على رضى الله عنه أنه كان يقول : التيمم لكل صلاة .
٩٦٧٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك
قال، أخبرنا هشيم قال، أخبرنا الحجاج، عن أبى إسحق، عن الحارث، عن على مثله .
٩٦٧٦ - حدثنى عبد الله بن محمد قال، حدثنا عبدان المروزى قال ،
أخبرنا ابن المبارك قال ، أخبرنا عبد الوارث قال، أخبرنا عامر الأحول، عن نافع:
أنه حدثه عن ابن عمر مثل ذلك. (١)
٩٦٧٧ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جابر بن نوح قال، أخبرنا مجالد ،
عن الشعبى قال : لا يصلى بالتيمم إلا صلاة واحدة .
٩٦٧٨ - حدثنا المثنى قال، حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن
سعيد، عن قتادة قال: يتيمم لكل صلاة = ويتأوّل هذه الآية: ((فلم تجدوا ماء)).
٩٦٧٩ - قال أخبرنا ابن المبارك قال، حدثنا الفريابي، عن الأوزاعى، عن يحيى
ابن سعيد وعبد الكريم وربيعة بن أبى عبد الرحمن قالوا: التيمم لكل صلاة. (٢)
٩٦٨٠ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا عمران
القطان ، عن قتادة ، عن النخعى قال : يتيمم لكل صلاة .
٠
وقال آخرون: بل ذلك أمرٌ من الله بالتيمم بعد طلب الماء مَنْ لزمه فرض
الطلب إذا كان محدثاً. فأما من لم يكن أحدث بعد تطهره بالتراب ، فلزمه فرض
الطلب، فليس عليه تجديد تيممه ، وله أن يصلى بتيممه الأول .
• ذكر من قال ذلك :
(١٠) الأثر : ٩٦٧٦ - انظر التعليق على الأثر : ٩٦٤٣.
(٢) الأثر: ٩٦٧٩ - ((يحيى بن سعيد بن قيس الأنصارى)) القاضى، روى عن أنس.
و ((عبد الكريم بن أبى المخارق))، الفقيه روى عن أنس.
((وربيعة بن أبى عبد الرحمن التيمى))، وهو: ربيعة الرأى، صاحب الفتوى بالمدينة . وكان
فى المطبوعة والمخطوطة: ((وعبد الكريم بن ربيعة بن أبى عبد الرحمن))، وهو خطأ ، ولا يستقيم مع
السياق أيضاً .
٤٢٥
تفسير سورة النساء : ٤٣
٩٦٨١ -حدثنا حمید بن مسعدة قال ، حدثنا سفيان بن حبیب، عن يونس،
عن الحسن قال : التيمم بمنزلة الوضوء .
٩٦٨٢ - حدثنا إسمعيل بن موسى السدى قال، حدثنا عمر بن شاكر، عن
الحسن قال : يصلى المتيمم بتيممه ما لم يحدث ، فإن وجد الماء فليتوضأً . (١)
٩٦٨٣ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، أخبرنا هشام، عن الحسن
قال : كان الرجل يصلى الصلوات كلها بوضوء واحد ما لم يحدث . وكذلك التيمم.
٩٦٨٤ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، أخبرنا هشام ،
عن الحسن قال : كان الرجل يصلى الصلوات كلها بوضوء واحد .
٩٦٨٥ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو داود قال ، حدثنا أبى ، عن
قتاده ، عن الحسن قال: يصلى الصلوات بالتيمم ما لم يحدث .
٩٦٨٦ - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا سفيان بن حبيب ، عن ابن
جريج، عن عطاء قال: التيمم بمنزلة الوضوء .
٠٠٠
قال أبو جعفر : وأولى القولين فى ذلك عندنا بالصواب ، قول من قال :
(((يتيمم المصلى لكل صلاة لزمه طلب الماء للتطهر لها فرضاً)، لأن الله جل ثناؤه أمر
كل قائم إلى الصلاة بالتطهر بالماء ، فإن لم يجد الماء فالتيممم . ثم أخرج القائم
إلى الصلاة من كان قد تقدم من قيامه إليها الوضوء بالماء (٢) = سنة رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم، (٣) إلا أن يكون قد أحدث حدثاً ينقض طهارته ، فيسقط فرض
الوضوء عنه بالسنة . وأما القائم إليها وقد تقدم قيامه إليها التيمم لصلاة قبلها ،
ففرض التيمم له لازم بظاهر التنزيل ، بعد طلبه الماء إذا أعوزه .
٥/ ٧٤
(١) الأثر: ٩٦٨٢ - ((عمر بن شاكر البصرى) .. يروى عن أنس المناكير. روى عنه
إسماعيل بن موسى السدى الفزارى . مترجم فى التهذيب .
(٢) فى المطبوعة: ((قد تقدم قيامه إليها))، بحذف ((من))، وهى صواب فى مكانها ،
كما فى المخطوطة .
(٣) قوله: ((سنة رسول الله)) مرفوع، فاعل قوله: ((ثم أخرج القائم ... سنة رسول الله))
٤٠٦
تفسير سورة النساء : ٤٣ ، ٤٤
القول فى تأويل قوله ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا) )
قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه: إن الله لم يزل(١) = (( عفوا))، عن ذنوب
عباده ، (٢) وتركه العقوبة على كثير منها ما لم يشركوا به، كما عفا لكم، (٣) أيها
المؤمنون ، عن قيامكم إلى الصلاة التى فرضها عليكم فى مساجد كم وأنتم سكارى =
(( غفوراً))، يقول: فلم يزل يستر عليهم ذنوبهم بتركه معاجلتهم العذاب على
خطاياهم، کما ستر علیکم، أيها المؤمنون، بتر که معاجلتكم على صلاتكم فىمساجدكم
سكارى . يقول: فلا تعودوا لمثلها، فينالكم بعودكم لما قد نهيتكم عنه من ذلك، مُنَكِّلَةَ. (٤)
القول فى تأويل قوله ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيِباً مِّنَ
الْكِتَّبِ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فى معنى قوله جل ثناؤه: ((ألم تر إلى الذين)).
فقال قوم : معناه : ألم تخبر ؟
٧٠٠
(٥)
وقال آخرون : معناه ألم تعلم ؟
٠ ٠ ٠
(١) انظر تفسير ((كان)» بمعنى: لم يزل، فيما سلف ٧: ٥١:٨/٥٢٣، ٨٨، ٢٢٩،٩٨.
(٢) انظر تفسير ((العفو)) فيما سلف ٧: ٢١٥، ٣٢٧
(٣) فى المطبوعة: ((كما عما عنكم))، وهو خطأ، صوابه من المخطوطة.
(٤) قوله: ((منكلة، (بضم الميم وفتح النون وتشديد الكاف مكسورة) من التنكيل :
وهو إنزال العقاب الشديد، إذا رآه غير نكل عنه وحذره. ولو قرئت: ((منكلة))، (بفتح الميم
وسكون النون واللام المفتوحة)، لكانت صواباً، ومثلها: ((المنكل)) وهو النكال أيضاً.
(٥) انظر تفسير ((ألم تر)) فيما سلف ٣: ٥/١٦٠: ٤٢٩، ٦/٤٣٠: ٢٨٨ =
ومعافى القرآن الفراء ١ : ٢٧٠ .
٤٢٧
تفسير سورة النساء : ٤٤
قال أبو جعفر: والصواب من القول فى ذلك: ألم تر بقلبك، يا محمد، علماً (١) =
(((إلى الذين أوتوا نصيباً)). وذلك أن ((الخبر)) و((العلم)) لا يجلبان رؤية، ولكنه
رؤية القلب بالعلم . فذلك كما قلنا فيه . (٢)
٠ ٠ ٠
وأما تأويل قوله: ((إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب))، فإنه يعنى: إلى
الذين أعطوا حظًا من كتاب الله فعلموه (٣) .
وذكر أن اللّه عنى بذلك طائفة من اليهود الذين كانوا حوالَىْ مُهاجَر رسول الله
صلى الله عليه وسلم.
, ذكر من قال ذلك :
٩٦٨٧ - حدثنا بشربن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة قوله: ((ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون
أن تضلوا السبيل))، فهم أعداء اللّه اليهود، اشتروا الضلالة .
٩٦٨٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، عن عكرمة: ((ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب)) إلى
قوله: ((يحرّفون الكلم عن مواضعه))، قال : نزلت فى رفاعة بن زيد بن السائب
اليهودى . (٤)
٩٦٨٩ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير ، عن ابن إسحق
(١) فى المخطوطة: ((ألم تر بعلمك))، وهو خطأ، صوابه ما فى المطبوعة.
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((لذلك))، وصواب السياق ما أثبت.
(٣) انظر تفسير ((الإيتاء)) فى فهارس اللغة = وتفسير ((النصيب)) فيما سلف٤: ٢٠٦/
٦ : ٨/٢٨٨ : ٢٧٤
(٤) هكذا فى المخطوطة أيضاً ((رفاعة بن زيد بن السائب))، وسترى أنه: (( ... بن زيد
ابن التابوت)) فى الأثر التالى، وأسماء يهود مشكلة، فلم أستطع أن أقطع بخطئها، فلعل ((السائب))
اسم جده، ولقبه ((التابوت)).
٤٢٨
تفسير سورة النساء : ٤٤ ، ٤٥
قال، (١)حدثی محمد بن أبى محمد مولی زید بن ثابت قال،حدثی سعید بن جبير
أو عكرمة ، عن ابن عباس قال: كان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظمائهم =
يعنى من عظماء اليهود = إذا كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لوى لسانه وقال:
(((راعنا سمعَك، يا محمد حتى نفهمك)) !ثم طعن فى الإسلام وعابه، فأنزل الله: ((ألم تر
إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يشترون الضلالة)) إلى قوله: ((فلا يؤمنون إلا قليلا)). (٢)
٩٦٩٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق، (٣) بإسناده،
عن ابن عباس ، مثله .
القول فى تأويل قوله ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلْلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن
تَغِلُواْ السَّبِيلَ وَاللهُ أَغْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَى بِلَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِلَّهِ
نَصِيرًا) ٥
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((يشترون الضلالة))، اليهود الذين
أوتوا نصيباً من الكتاب ، يختار ون الضلالة = وذلك: الأخذ على غير طريق الحقّ ،
وركوبُ غير سبيل الرشد والصواب، مع العلم منهم بقصد السبيل ومنهج الحق . (٤)
وإنما عنى الله بوصفهم باشترائهم الضلالة : مقامهم على التكذيب بمحمد صلى
اللّه عليه وسلم، وتركهم الإيمان به ، وهم عالمون أنّ السبيل الحقَّ الإيمانُ به،
(١) كان فى المطبوعة والمخظريلة: ((عن أبي إسحق))، وهو خطأً فاحش.
(٢) الأثر : ٩٦٨٩ - سيرة ابن هشام ٢: ٢٠٩، وهو قال الأثر السالف رقم: ٩٥٠١.
(٣) فى المطبوعة وحدها: ((عن أبى إسحق))، والمخطوطة صواب هنا.
(٤) انظر تفسير والاشتراء » فيها سلف ١: ٣١٢ - ٢/٣١٥: ٣٤٠ - ٣٤٢،
٢/١٠٠ : ٦/٣٢٨: ١٩٧ - تفسير (( الضلالة)) :١: ١٩٥، ٢/٣١٣: ٤٩٥،
٦/٤٩٦ ٦٦، ٠٠٠، ٣٦٩:٧/٥٨٤ .
٤٢٩
تفسير سورة النساء : ٤٥
وتصديقه بما قد وجدوا من صفته فى كتبهم التى عندهم .
...
وأما قوله: (( ويريدون أن تضلوا السبيل))، يعنى بذلك تعالى ذكره: ويريد هؤلاء
اليهود الذين وصفهم جل ثناؤه بأنهم أوتوا نصيباً من الكتاب = ((أن تضلوا)) أنتم،
يا معشر أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم، المصدقين به = ((أن تضلوا السبيل))،
يقول : أن تزولوا عن قصد الطريق ومَحَجَّة الحق ، فتكذبوا بمحمد ، وتكونوا
ضلاّلاً مثلهم .
وهذا من اللّه تعالى ذكره تحذيرٌ منه عباده المؤمنين ، أن يستنصحوا أحداً
من أعداء الإسلام فى شىء من أمر دينهم ، أو أن يسمعوا شيئاً من طعنهم فى
الحق .
ثم أخبر الله جلّ ثناؤه عن عداوة هؤلاءاليهود الذين نهى المؤمنين أن يستنصحوهم
فى دينهم إياهم، فقال جل ثناؤه := ((والله أعلم بأعدائكم))، يعنى بذلك تعالى ذكره:
والله أعلم منكم بعداوة هؤلاء اليهود لكم، أيها المؤمنون. يقول: فانتهوا إلى طاعتى فيما
نهيتكم عنه من استنصاحهم فى دينكم، (١) فإنى أعلم بما هم عليه لكم من الغش
والعداوة والحسد، وأنهم إنما يبغونكم الغوائل ، ويطلبون أن تضلوا عن محجة الحق
فتهلكوا .
٧٥/٥
#
٥
وأما قوله: ((وكفى بالله وليًّا وكفى بالله نصيراً))، فإنه يقول: فبالله، أيها المؤمنون،
فثقوا ، وعليه فتوكلوا، وإليه فارغبوا، دون غيره، يكفكم مهمّكم ، وينصركم على
أعدائكم = (وكفى بالله وليًّاً))، يقول: وكفاكم وحسبكم بالله ربكم وليًّا يليكم ويلى
أموركم بالحياطة لكم، والحراسة من أن يستفزّكم أعداؤكم عن دينكم، أو يصد وكم
(١) فى المخطوطة: (( ما نهيتكم عنه))، وفى المطبوعة: ((عما نهيتكم عنه))، والصواب ما أثبت.
٤٣٠
تفسير سورة النساء : ٤٥ ، ٤٦
عن اتباع نبيكم (١) = ((وكفى بالله نصيراً))، يقول: وحسبكم بالله ناصراً لكم على
أعدائكم وأعداء دينكم ، وعلى من بغاكم الغوائل، وبغى دينكم العَوّج .(٢)
القول فى تأويل قوله ﴿مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُعَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن
مَّوَاضِعِهِ)
قال أبو جعفر: ولقوله جل ثناؤه: ((من الذين هادوا يحرفون الكلم))، وجهان
من التأويل .
أحدهما : أن يكون معناه: ((ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب)) =
(((من الذين هادوا يحرفون الكلم))، فيكون قوله: ((من الذين هادوا)»، من صلة
(((الذين)). وإلى هذا القول كانت عامة أهل العربية من أهل الكوفة يوجهون
قوله: ((من الذين هادوا يحرِّفون)). (٣)
٠
والآخر منهما: أن يكون معناه: من الذين هادوا منُ يُحرِّف الكلم عن مواضعه،
فتكون (( مَن )) محذوفة من الكلام، اكتفاء بدلالة قوله: (( من الذين هادوا » عليها.
وذلك أن ((مِن)) لو ذكرت فى الكلام كانت بعضاً لـ((من))، فاكتفى بدلالة
(((مِنْ))، عليها. والعرب تقول: ((منا يقول ذلك، ومنا لا يقوله))، (٤) بمعنى: منا
(١) انظر تفسير ((الولى)) فيما سلف ٢: ٤٨٩، ٥/٥٦٤: ٦/٤٢٤: ١٤٢،
٤٩٧،٣١٣ ٠
(٢) انظر تفسير ((النصير)، فيما سلف ٢: ٤٨٩، ٥/٥٦٤: ٦/٥٨١: ٤٤٣، ٤٤٩.
(٣) انظر معانى القرآن الفراء ١ : ٢٧١.
(٤) فى المطبوعة: ((والعرب تقول: منا من يقول ذلك)) بزيادة ((من)) وهو خطأ، والصواب
من معانى القرآن الفراء. أما المخطوطة فكان فيها: (( والعرب تقول ذلك ومثالا لا يقوله)) وهو من
حيث الناسخ وإسقاطه .
٤٣١
تفسير سورة النساء : ٤٦
من يقول ذاك، ومنا من لا يقوله = فتحذف ((مَن)) اكتفاء بدلالة ((منْ)) عليه،
كما قال ذو الرمة :
فَظَلُوا، وَمِنْهُمْ دَثْمُهُ سَائِقٌ لَهُ وَآَخَرُ يَلِْ دَفْعَةَ الَيْنِ بِلَمْلِ (١)
يعنى: ومنهم مَن دمعه، وكما قال الله تبارك وتعالى ﴿وَمَا مِنَّا إلَّا لَهُ مَقَمٌ مَعْلُومٌ﴾
[سورة الصافات ١٦٤]. وإلى هذا المعنى كانت عامة أهل العربية من أهل
البصرة يوجِّهون تأويل قوله: (( من الذين هادوا يحرفون الكلم )) ، غير أنهم كانوا
يقولون: المضمر فى ذلك ((القوم))، كأن معناه عندهم : من الذين هادوا قوم
يحرِّفون الكلم ، ويقولون : نظير قول النابغة :
يُقَعْقَعُ خَلْفَ رِجْلَيْهِ بِشَنّ(٢)
"=(٢)
كَأَنَّكَ مِنْ ◌ِمَالِ بَنِى أَقَيْشِ
يعنى : كأنك جمل من جمال بنى أقيش .
فأما نحويو الكوفة فينكرون أن يكون المضمر مع ((مِن)) إلا ((مَن)) أو
ما أشبهها. (٣)
(١) ديوانه ٤٨٥، وقبله: مع اختلاف الرواية :
بَكَيْتُ عَى مَيّ بِهَاَ إذْ عَرَفْتُهَ وَهِجْتُ الْهَوَى حَتّى بَكَى القَوْمُ مِنْ أَخْلِى
وَآخَرُ: يَثْنِى عَبْرَةَ العَيْنِ بالهَمْلِ
فَظَلُّوا وَمِنْهُمْ دَمْعُهُ غَلٌِ لَهُ
مِنَ الوَجْدِ، أوْ مُدْنِيكِ يَا مَىُّ مِنْ أَهْلِي ؟
وَهَلْ هَمَلَانُ الْعَيْنِ رَاجِعُ مَآَ مَضَى
وكان فى المطبوعة: ((يذرى دمعة العين بالمهل)) وهو خطأ، وتغيير من الطابع ، وفى المخطوطة
((يثنى)) كما فى الديوان .
وقوله: (( يثنى دمعة العين))، أى يرد هملانها. وقوله ((بالهمل)) متعلق بقوله ((دمعة)) ووضع
(( دمعة)) هنا مصدراً لقوله: ((دمعت عينه دمعاً ودمعاناً ودموعاً))، وزاده هو ((دمعة)) على وزن
((رحمة)) فى المصادر = وكذلك فى رواية ((عبرة))، كلاهما مصدر، ولم تثبته كتب اللغة. يقول :
وآخر يرد إرسال العين دمعها منهملا ، يعنى : لولا ذلك لسالت دموعه غزاراً .
(٢) مضى تخريجه فيما سلف ١ : ١٧٩، تعليق: ٢، ونسيت هناك أن أرده إلى هذا
المكان ، فأثبته .
(٣) انظر مقالة الفراء فى معانى القرآن ١: ٢٧١.
٤٣٢٠
تفسير سورة النساء : ٤٦
قال أبو جعفر : والقول الذى هو أولى بالصواب عندى فى ذلك : قول من
قال: قوله: ((من الذين هادوا ))، من صلة ((الذين أوتوا نصيباً من الكتاب))،
لأن الخبرين جميعاً والصفتين ، من صفة نوع واحد من الناس ، وهم اليهود الذين
وصفَ اللّه صفتهم فى قوله: ((ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب)).
وبذلك جاء تأويلُ أهل التأويل ، فلا حاجة بالكلام = إذا كان الأمر كذلك =
إلی أن یکون فيه متر وك .
٠
وأما تأويل قوله: (( يُحَرِّفون الكليمّ عن مواضعه))، (١) فإنه يقول: يبدُّلُون
معناها ويغيِّرونها عن تأويله .
و(الكلم)) جماع ((كلمة)).
٠
٠
وكان مجاهد يقول: عنى بـ ((الكلم))، التوراة .
٩٦٩١ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: (( يحرفون الكلم عن مواضعه)» ، تبديل
اليهود التوراة
٩٦٩٢ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح، عن مجاهد مثله .
وأما قوله: ((عن مواضعه))، فإنه يعنى: عن أماكنه ووجوهه التى هى
وجوهه .
(١) انظر تفسير ((التحريف)) فيما سلف ٢: ٢٤٨، ٢٤٩ ..
٤٣٣
تفسير سورة النساء : ٤٦
القول فى تأويل قوله ﴿ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾
يعنى بذلك جل ثناؤه : من الذين هادوا يقولون : سمعنا ، يا محمد ، قولك ،
وعصينا أمرك ، كما : -
٩٦٩٣ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن محمد
ابن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد فى قوله: ((سمعنا وعصينا))،
قال : قالت اليهود : سمعنا ما نقول ولا نطيعك .
٩٦٩٤ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد مثله .
٩٦٩٥ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد مثله .
٩٦٩٦ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد فى قوله:
(( سمعنا وعصينا))، قالوا: قد سمعنا، ولكن لا نطيعك .
٧٦/٥
القول فى تأويل قوله ﴿وَأَشْمَعْ غَيْرِ مُسْتَعٍ﴾
قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن اليهود الذين كانوا حوالی
مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فى عصره : أنهم كانوا يسبّون رسول اللّه صلى
الله عليه وسلم ويؤذونه بالقبيح من القول، ويقولون له : اسمع منا غير مسمع، كقول
القائل للرجل يَسُبُّه: ((اسمع، لا أسمعتك الله))، كما : -
٩٦٩٧ -حدثنی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله :
(( واسمع غير مسمع))، قال: هذا قول أهل الكتاب يهود، كهيئة ما يقول الإنسان :
.
ج ٨ (٢٨)
١٣٤
تفسير سورة النساء : ١٦
((اسمع لا سمعت))، أذّى لرسول الله صلى الله عليه وسلى، وشتماً له واستهزاء".
٩٦٩٨ - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشربن عمارة، عن أبى روق،
عن أرحاك، عن ابن عباس: ((واسمع غير مسمع))، قال: يقولون لك:
((واسمع لاسمعت).
٠
وقد روى عن مجاهد والحسن: أنهما كانا يتأوّلان فى ذلك بمعنى: واسمع غير
مقبول منك .
= ولو كان ذلك معناه لقيل: ((واسمع غير مسموع))، ولكن معناه: واسمع
لا تسمع، ولكن قال الله تعالى ذكره: ((ليًّا بألسنتهم وطعناً فى الدين))، فوصفهم
بتحريف الكلام بألسنتهم ، والطعن فى الدين بسب النبى صلى الله عليه وسلم .
٠
٠٠
وأما القول الذى ذكرته عن مجاهد: ((واسمع غير مسمع))، يقول : غير
مقبول ما تقول ، فهو كما : -
٩٦٩٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج، عن
ابن جريج، عن مجاهد: ((واسمع غير مسمع »، قال: غير مُسْتمع - قال ابن
جريج، عن القاسم بن أبى بزة، عن مجاهد: ((واسمع غير مسمع))، غير مقبول
ما تقول .
٩٧٠٠ -حدثنی المثی قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد مثله .
٩٧٠١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن الحسن فى قوله: ((واسمع غير مسمع))، قال : كما تقول اسمع غير
مَسْموع منك .
٩٧٠٢ - وحدثنا موسى بن هرون قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط،
١٣٥
تفسير سورة النساء : ٤٦
عن السدى قال : كان ناس منهم يقولون: ((اسمع غير مسمع))، كقولك :
اسمع غير صاغيرٍ . (١)
القول فى تأويل قوله (وَرُّمِنَا لَيًّاْ بِأَلْسِفَتِهِمْ وَطَعْا فِ الدينِ﴾
قال أبو جعفر: يعنى بقوله: ((وراعنا))، أى: راعنا سمعك، افهم عنّا
وأفهمنا. وقد بينا تأويل ذلك فى ((سورة البقرة)» بأدلته، بما فيه الكفاية عن
إعادته .(٢)
ثم أخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم يقولون ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم،
(« ليًّا بألسنتهم)»، يعنى تحريكاً منهم بألسنتهم بتحريفٍ منهم لمعناه إلى المكروه
من معنييه، (٣) واستخفافاً منهم بحق النبى صلى الله عليه وسلم، وطعنًّا فى الدين، كما :-
٩٧٠٣ - حدثنى الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرازق قال ،
أخبرنا معمر قال ، قال قتادة ، كانت اليهود يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم :
((راعنا سمعك))! يستهزئون بذلك، فكانت فى اليهود قبيحة أن يقال: (٤) (( راعنا
سمعك )) = ((ليًّا بألسنتهم))، واللىّ: تحريكهم ألسنتهم بذلك = ((وطعناً فى الدين)).
٩٧٠٤ -حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ یقول ، حدثنا
عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((راعنا ليًا بألسنتهم))، كان
(١) فى المطبوعة: ((غير صاغ))، والصواب من المخطوطة.
(٢) الظر ما سلف ٢ : ٤٥٩ - ٤٦٧.
(٣) انظر تفسير ((اللى)) و((اللى بالألسنة)) فيما سلف ٦ : ٥٣٠ - ٠٣٧.
(٤) فى المخطوطة والمطبوعة: ((فكان فى اليهود قبيحة فقال)»، وهو كلام لا يستقيم البعة،
وصوابه الذى لا شك فيه ما أثبت، وانظر كونها كلمة قبيحة اليهود فى ٢ : ٤٦٠.
٤٣٦
تفسير سورة النساء : ٤٦
الرجل من المشركين يقول: ((أرعنى سمعك))! يلوى بذلك لسانه، يعنى: يحرِّف
معناه.
!
٩٧٠٥ - حدثنا محمد بن سعد قال، حدثی أبی قال، حدثی عمى قال ،
حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس: (( من الذين هادوا يحرّفون الكلم عن
مواضعه))، إلى ((وطعنًا فى الدين ))، فإنهم كانوا يستهزئون، ويلوون ألسنتهم
برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويطعنون فى الدين .
٩٧٠٦ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد :
(((وراعنا ليا بألسنتهم وطعناً فى الدين))، قال: ((راعنا))، طعنهم فى الدين ، وليهم
بألسنتهم ليبطلوه، ويكذبوه. قال: و((الرَّاعن))، الخطأ من الكلام.(١)
٩٧٠٧ - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر قال ، حدثنا أبو روق ،
عن الضحاك، عن ابن عباس فى قوله: ((ليا بألسنتهم))، قال : تحريفاً
بالكذب .
٠
القول فى تأويل قوله ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمْنَا وَأَطَمْنَا وَأَسْتَعْ
وَأَنْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ ﴾
قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه: ولو أن هؤلاء اليهود الذين وصف الله
صفتهم ، قالوا لنبى الله: ((سمعنا يا محمد قولك، وأطعنا أمرك ، وقبلنا ما جئتنا
به من عند الله ، واسمع منا ، وانظرنا ما نقول، وانتظرنا نفهم عنك ما تقول لنا))
٧٧/٥ =(لكان خيراً لهم وأقوم))، يقول: لكان ذلك خيراً لهم عند الله = (( وأقوم ))، يقول:
وأعدل وأصوبَ فى القول .
(١) انظر القول فى ((الرامن)) فيها سلف ٢ : ٤٦٥، ٤٦٦.
٤٣٧
تفسير سورة النساء : ٤٦
وهو من ((الاستقامة)) من قول الله: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ [سورة المزمل: ٦]،
بمعنى: وأصوبُ قبلاً، (١) كما : -
٩٧٠٨ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله :
((ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيراً لهم))، قال: يقولون اسمع
منا ، فإنا قد سمعنا وأطعنا ، وانظرنا فلا تعجل علينا .
٩٧٠٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا أبو تميلة ، عن
أبى حمزة، عن جابر، عن عكرمة ومجاهد قوله: ((وانظُرُنا))، قال: اسمع منا .
٩٧١٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثى حجاج ، عن
ابن جريج، عن مجاهد: (( وانظرنا))، قال : أفهمنا .
٩٧١١ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد، (( وانظرنا ))، قال : أفهمنا .
٠٠
٠
قال أبو جعفر : وهذا الذى قاله مجاهد وعكرمة ، من توجيههما معنى :
(((وانظرنا)) إلى: ((اسمع منا))= وتوجيه مجاهد ذلك إلى ((أفهمنا)) = فما لا نعرف فى
كلام العرب، (٢) إلا أن يكون أراد بذلك من توجيهه إلى ((أفهمنا))، انتظرنا
نفهم ما تقول = أو: انتظرنا نقل حتى تسمع منا = فيكون ذلك معنَى مفهوماً، وإن
كان غير تأويل للكلمة ولا تفسير لها. (٣) ولا نعرف: ((انظرنا)» فى كلام العرب، (٤)
إلا بمعنى: انتظرنا وانظر إلينا = فأما ((انظرنا)) بمعنى: انتظرنا، فمنه قول الحطيئة:
وَقَدْ نَظَرْتُكُمْ لَوْ أَنَّ دِرَّتَكُمْ يَوْمًا يَجِىء بها مَنْحِى وَإِبْتَاسِ(٥)
(١) انظر تفسير ((أقوم)) فيما سلف ٦ : ٧٧، ٧٨.
(٢) فى المطبوعة والخطوطة: ((ما لا نعرف)» بغير فاء، ولكنى زدتها لأنها أعرق فى العربية
وأقوم السياق .
(٣) فى المخطوطة والمطبوعة: ((غير تأويل الكلمة)) والصواب ما أثبت.
(٤) فى المطبوعة: ((فلا نعرف)» بالفاء، والأجود ما فى المخطوطة، كما أثبته.
(٥) ديوانه: ٥٢، والكامل ١: ٣٥١، وهذا خطأً لاشك فيه فى رواية البيت، وأثبته
١٣٨
تفسير سورة النساء : ٤٦
وأما ((انظرنا))، بمعنى: انظر إلينا، فمنه قول عبد الله بن قيس الرقيات:
ظَاهِرَاتُ الْجَالِ وَاُخْنٍ يَنْظُرْ نَ كَمَا يَنْظُرُ الأَرَاكَ الغَلَّمَاءِ(١)
على حاله ، لأنه دلالة على عجلة أبى جعفر أحياناً فى كتابة تفسيره، ودليل على حفظه الشعر ،
ولولا ذلك لم يخنط هذا الخلط . فإن هذه القصيدة، هى التى هجا بها الزبرقان بن بدر، ومدح بغيض
ابن عامر، والتى شكاه من أجلها الزبرقان إلى عمر بن الخطاب فحبسه ، يقول الزبرقان لما غضب
حين استضافه بغيض :
فِى بَآئِسٍ جَاءَ يَمْدُو آخِرَ الناسِ
مَا كانَ ذَنْبُ بَفِيضِ لاَ أبَا لَكُمُ
يَوْماً يجِيءُ بِهاَ مَنْحِى وَ إِبْسَاسِ
لَقَدْ مَّرَيْئُكُمُ ، لَوْ أَنَّ دِرَّتَكُ
كَيْئاً يَكُونَ لَكُمْ مَتْحِى وَإِمْرَاسِ
وَقَدْ مَدَخْتُكُمْ عَمْدًا لِأُرْشِدَكُ
ثم يليه بيت الشاهد الذى كان ينبغى أن يذكره هنا أبو جعفر، كما ذكره فيما سلف فى تفسير
((الظرنا)) من سورة البقرة ٢: ٤٦٧، ٤٦٨، وقد شرحته هناك. ولولا أن أثبت حال أبى جعفر
فى كتابه ، لألغيت البيت المذكور فى المتن، ولوضعت هذا البيت:
وَقَدْ نَظَرُّتُكُ أَعْشَاءَ صَادِرَةٍ لِلْخِِْ، لَالَ بِهَا حَوْزِى وَتَّنْسَاسِ
وقوله: ((لقد مريتكم)) من قولهم: ((مرى الناقة يمريها مرياً)): إذا مسح ضرعها لتدر.
و("الدرة)): الدفعة من اللبن. و(المسح)) مسح الضرع للحلب. و((الإبساس)»: هو صوت
الراعى ، يلينه لناقته عند الحلب لتسكن ويسهل حلبها. يقول: لقد ترفقت لكم، أستخرج خيركم
بالمديح الرقيق والقول اللين ، فلم ألمق خيراً، ولم تجودوا به .
وكان فى المخطوطة: ((يجىء به)) وهو خطأ.
(١) ديوانه: ١٧١، من قصيدته التى فخر فيها بقريش، ومدح مصعب بن الزبير ،
وذكر نساء عبد شمس بن عبد مناف فقال :
ت"، عَلَيْنِ بَهْجَةٌ وَحَيَه
الدِّمَى عَبْدَمِيًّا
وَحِسَانٌ مِثْلُ
لاَ يَبْنَ الِيَبِ فى مَوْسِمِ الفَا سٍ، إِذَا طَفَ بالعِيَابِ النَّتَاءِ
ظَاهِرَاتُ الجَمَالِ والسّرْو.
و((السرو)): الشرف وكرم المحتد. وهى أجود الروايتين، وقوله: (( كما ينظر الأراك الظباء»،
من حسن التشبيه ، ودقة الملاحظة للعلاقة بين الشرف والسؤدد. وما يكون المرء من شمائل وسمت
وحياة. ويعنى أنهن قد ينصبن أجيادهن، كأنهن لياء تعطو الأراك لتناله. وذلك أظهر بجمال
أجيادهن ، وحركتهن . والجيد فيه دلالة من دلائل الخلق لا يخطئها بصير .
٤٣٩
تفسير سورة النساء : ٤٦
بمعنى : كما ينظر إلى الأراك الظباء . (١)
القول فى تأويل قوله ﴿ وَلْكِن لََّنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا
يُؤْمِنُونَ إِلَّ قَلِيلًا) )
قال أبو جعفر : يعنى بذلك: ولكن الله تبارك وتعالى أخْزى هؤلاء اليهود الذين
وصف صفتهم فى هذه الآية، فأقصاهم وأبعدهم من الرشدواتباع الحق (٢)=( بكفرهم))،
يعنى : بمجحودهم نبوّة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به من عند ربهم
من الهدى والبينات = ((فلا يؤمنون إلاّ قليلا))، يقول : فلا يصدقون بمحمد صلى
الله عليه وسلم وما جاءهم به من عند ربهم، ولا يقرُّون بنبوته == ((إلاّ قليلا))،
يقول: لا يصدقون بالحق الذي جئتهم به، يا محمد، إلاّ إيماناً قليلا، كما : -
٩٧١٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: ((فلا يؤمنون إلا قليلا)»، قال: لا يؤمنون هم إلا
قليلا .
٠ ٠ ٠
قال أبو جعفر: وقد بيّنا وجه ذلك بعلله فى (( سورة البقرة)). (٣)
(١) انظر تفسير نظيرة هذه الكلمة من آية البقرة: «وقولوا انظرنا)) ٢ : ٤٦٧ - ٤٦٩.
(٢) انظر تفسير ((اللعنة)) فيما سلف ٢: ٣/٣٢٨: ٢٥٤، ٦/٢٦١ : ٠٧٧ .
(٣) يعنى تفسير قوله تعالى ((فقليلا ما يؤمنون)) ٢: ٣٢٩ - ٠٣٣١
٤٤٠
تفسير سورة النساء : ٤٧
القول فى تأويل قوله ﴿يَكَأيُّهاَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ ءَامِنُواْ
بِمَ نَزَّلْنَا مُصَدَّقَاً لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهَا فَرُدَّهَ عَىّ
أَدْبَرِمَآَ ﴾
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: (( يا أيها الذين أوتوا الكتاب))، اليهود
من بنى إسرائيل، الذين كانوا حوالىْ مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله
لهم: يا أيها الذين أنزل إليهم الكتاب فأعطوا العلم به = (( آمنوا)) يقول: صدّقُوا بما
نزلنا إلى محمد من الفرقان =(مصدقاً لما معكم))، يعنى: محقّقاً للذى معكم من
التوراة التى أنزلتها إلى موسى بن عمران = ((من قبل أن نطمس وجوها فردها على
أدبارها )).
واختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك .
فقال بعضهم: ((طمسه إياها))، محوه آثارها حتى تصير كالأقْفَاء.
...
وقال آخرون : معنى ذلك أن نطمس أبصارها فنصيرها عمياء ، ولكن
الخبر خرج بذكر ((الوجه))، والمراد به بصره = ((فتردّها على أدبارها))، فنجعل
أبصارَها من قبل أقفائها .
• ذكر من قال ذلك :
٩٧١٣ -حدثی محمد بن سعد قال، حدثی أبی قال ، حدثنا عمی قال
حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: (( يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا))
إلى قوله: ((من قبل أن نطمس وجوهاً))، وطمسها : أن تعمى = ((فتردها على
أدبارها ))، يقول: أن نجعل وجوههم من قبل أقفِيتهم ، فيمشون القهقرى،
ونجعل لأحدهم عينين فى قفاه .