Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
تغير سورة النساء : ١٩
والتضييق عليهن، لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن من صداق إن هنّ افتدين
منكم به.
٠٠٠
واختلفت القرأة فى قراءة قوله: ((مبينة)).
فقرأه بعضهم: ﴿ مُبَيِّنَةٍ﴾ بفتح ((الباء))، بمعنى أنها قد بُيِّنت لكم وأُ علنت
وأُظهرت .
وقرأه بعضهم: ﴿مُبِّيِّنَةٍ) بكسر ((الياء))، بمعنى أنها ظاهرة بينة للناس
أنها فاحشة .
٠ ٠
وهما قراءتان مستفيضتان فى قرأة أمصار الإسلام ، فبأيتهما قرأ القارئ نصيب
فى قراءته الصوابَ . لأن الفاحشة إذا أظهرها صاحبها فهى ظاهرة بيِّنّة . وإذا
ظهرت، فبإظهار صاحبها إياها ظهرت . فلا تكون ظاهرة بيِّنة إلاّ وهى مبيّنة ،
ولا مبيّنة إلاّ وهى مبيّنة. فلذلك رأيت القراءة بأيهما قرأ القارئ صواباً .
القول فى تأويل قوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفٍ ﴾
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((وعاشروهن بالمعروف))، وخالقوا ،
أيها الرجال، نساءكم وصاحبوهن = ((بالمعروف))، يعنى بما أمرتكم به من
المصاحبة، (١) وذلك: إمساكهن بأداء حقوقهن التى فرض الله جل ثناؤه لهنّ
عليكم إليهن ، أو تسريح منكم لهنّ بإحسان، كما : -
٨٩٠٧ - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا
(١) انظر تفسير ((المعروف)) فيما سلف: ٨: ١٣، والمراجع هناك، وأتم تعريف له
في سلف : ٧ : ١٠٥ .

١٢٢
تفسير سورة النساء : ١٩
أسباط، عن السدى: ((وعاشروهن بالمعروف))، يقول: وخالطوهن
. ..
= كذا قال محمد بن الحسين، وإنما هو ((خالقوهن))، من ((العشرة))،
وهی المصاحبة.(١)
٥
القول فى تأويل قوله: ﴿ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَسَىّ أَنْ
تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) (١)
قال أبو جعفر : يعنى بذلك تعالى ذكره : لا تعضلوا نساءكم لتذهبوا ببعض ما
آتيتموهن من غير ريبة ولا نشوز كان منهن ، ولكن عاشروهن بالمعروف وإن
كرهتموهن ، فاعلكم أن تكرهوهن فتمسكوهن ، فيجعل الله لكم = فى إمساككم
إياهن على كُره منكم لهن = خيراً كثيراً، من ولد يرزقكم منهن ، أو عطفكم عليهن
بعد كراهتكم إياهن، كما : -
٨٩٠٨ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: (( فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً
ويجعل الله فيه خيراً كثيراً))، يقول: فعسى الله أن يجعل فى الكراهة خيراً كثيراً.
٨٩٠٩ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
٢١٤/٤ ابن أبى نجيح ، عن مجاهد ٠٠له .
٨٩١٠ - حدثنى محمد بن الحسين قال ، حدثنى أحمد بن مفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى فى قوله: ((ويجعل الله فيه خيراً كثيراً))، قال : الولد .
(١) هذا التفريق الذى بين ((خالفوهن)) و((خالطوهن))، وتصحيح أبى جعفر، من حسن
البصر بافتراق المعانى ، وحقها فى أداء معانى اللغة ، ولا سيما فى تفسير ألفاظها .

١٢٣
تغير سورة النساء : ٢٠،١٩
٨٩١١ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثى عمى قال ،
حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: ((ويجعل الله فيه خيراً كثيراً))، والخير
الكثير : أن يعطف عليها ، فيرزق الرجل ولدها، ويجعل الله فى ولدها خيراً كثيراً.
٠٠٠
و «الهاء» فى قوله: « ويجعل الله فيه خيراً کثیراً))،على قول مجاهد الذی ذ کرناه،
كناية عن مصدر (( تكرهوا»، كأنّ معنى الكلام عنده: فإن كرهتموهمن فعسى
أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فى كُرْههه خيراً كثيراً . (١)
ولو كان تأويل الكلام: فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فى ذلك الشىء
الذى تكرهونه خيراً كثيراً، كان جائزاً صحيحاً .
...
القول فى تأويل قوله: ﴿وَإِنْ أَرَدُمُ اسْتِدَالَ زَوْجِ مَّكَانَ
زَوْجِ وَءَا تَيْتُمْ إِحْدَ مُهُنَّ قِطَرًا فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً)
قال أبو جعفر : يعنى جل ثناؤه بقوله: ((وإن أردتم استبدال زوج مكان
زوج)»، وإن أردتم، أيها المؤمنون، نكاح امرأة مكان امرأة لكم تطلقونها (٢) = (وآتيتم
إحداهن)»، يقول: وقد أعطيتم التى تريدون طلاقها من المهر (٣) = ((قنطاراً)).
٠
= و((القنطار)) المال الكثير، وقد ذكرنا فيما مضى اختلاف أهل التأويل فى
مبلغه ، والصواب من القول فى ذلك عندنا . (٤)
(١) فى المخطوطة والمطبوعة: كتب هذه الجملة كنص الآية: ((ويجعل الله فيه خيراً كثيراً)،،
وليس ذلك بشىء، بل السياق يقتضى أن يجعل ((فيه))، ((فى كرمه))، لأنه تأويل معنى قوله إن
(الماء)) فى ((فيه)) كناية من مصدر ((تكرهوا)).
(٢) انظر تفسير ((الاستبدال)) فيما سلف ٢: ٤٩٤،١٣٠ / ٧: ٥٢٧.
(٢) انظر تفسير ((الإيتاء)) فى فهارس اللغة، فيما سلف.
(٤) انظر تغير ((القنطار)) فيما سلف ٦: ٢٤٤ - ٢٥٠.

١٢٤
تفسير سورة النساء : ٢٠
= (( فلا تأخذوا منه شيئاً))، بقول: فلا تضرّوا بهن إذا أردتم طلاقهن ليفتدين
منکم بما آتیتموهن ، كما : -
٨٩١٢ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد فى قوله : (( وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج »،
طلاق امرأة مكان أخرى ، فلا يحل له من مال المطلقة شىء وإن كثر .
٨٩١٣ - حدثى المثى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبی نجیح ، عن مجاهد مثله .
القول فى تأويل قوله: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ، بُهْتَنَا وَإِثْمَا شُبِينًا) )
قال أبو جعفر : یعنی بقوله تعالى ذكره: (( أتأخذونه ))، أتأخذون ما آتیتموهن
من مهورهن = ((بهتاناً))، يقول: ظلماً بغير حق = ((وإنما مبيناً))، يعنى :
وإثماً قد أبان أمرٌ آخذه أنه بأخذه إياه لمن أخذَه منه ظالم . (١)
(١) انظر تفسير ((مبين)) فيما سلف ٣: ٣٠٠ / ٤: ٢٥٨ / ٧: ٣٧٠.

١٢٥
تفسير سورة النساء : ٢١
القول فى تأويل قوله: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ, وَقَدْ أَفْفَى بَعْذُ كُمْ
إلَىْ بَنْضٍ﴾
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((وكيف تأخذونه))، وعلى أى وجه
تأخذون من نسائكم ما آ تیتموهن من صدقاتهن ، إذا أردتم طلاقهن واستبدال غيرهن
بهن أزواجاً = ((وقد أفضى بعضكم إلى بعض »، فتباشرتم وتلامستم .
٠٠٠
وهذا كلام وإن كان مخرجه مخرج الاستفهام ، فإنه فى معنى النكير والتغليظ،
كما يقول الرجل لآخر: (( كيف تفعل كذا وكذا، وأنا غير راضٍ به؟»، على
معنی اتهدد الرعید . (١)
٥
٠
وأما ((الإفضاء)) إلى الشىء، فإنه الوصول إليه بالمباشرة له، كما قال الشاعر: (٢)
[يَلِينَ ) مِلَى أَفْضَى إِلَى [كُلِّ ] كُتْبَةٍ. بَدَا سَيْرُهَا مِنْ بَاطِنٍ بَعْدَ ظَاهِرٍ(٣)
يعنى بذلك أن الفساد والبلى وصل إلى الخُرَز. والذى عُنى به ((الإفضاء)) فى
هذا الموضع ، الجماعُ فى الفرج .
٥٠
٠
(١) فى المطبوعة: ((التجديد))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) لم أعرف قائله .
(٣) كان فى المخطوطة والمطبوعة:
أَفْضَى إِلَى كُتْبَةٍ بَدَا سَيْرُها من بَاطِنِ بَعد ظاهِر
بياض فى الأصل بين الكلمات ، وقد زوت ما بين الأقواس اجتهاداً واستظهاراً، حتى يستقيم
الشعر. و((الكتبة)) (بضم فكون)، هى الخرزة المضمومة التى ضم السير كلا وجهيها، من المزادة
والسقاء والقربة. يقال: ((كتب القربة)): خرزها بسيرين. وهذا بيت يصف مزاداً أو قرباً،
قد بليت خرزها بلى شديداً فقطر الماء منها ، فلم تعد صالحة لحمل الماء .

١٢٦
تفسير سورة النساء : ٢١
فتأويل الكلام إذ كان ذلك معناه : وكيف تأخذون ما آتيتموهن ، وقد
أفضى بعضكم إلى بعض بالجماع .
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال جماعة من أهل التأويل .
. ذكر من قال ذلك :
٨٩١٤ - حدثنى عبد الحميد بن بيان القنّاد قال، حدثنا إسحق، عن سفيان،
عن عاصم، عن بكر بن عبد اللّه، عن ابن عباس قال: الإفضاء المباشرة، ولكنّ
٢١٥/٤ الله كريم يكتى عما يشاء.
٨٩١٥ - حدثنا محمد بن بشارقال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا سفيان،
عن عاصم ، عن بكر ، عن ابن عباس قال : الإفضاء الجماع ، ولكن الله يكنى.
٨٩١٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير ، عن عاصم ، عن بكر بن
عبد الله المزنى ، عن ابن عباس قال : الإفضاء هو الجماع .
٨٩١٧ -حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((وقد أفضى بعضكم إلى بعض ))، قال :
مجامعة النساء .
٨٩١٨ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبی نجیح ، عن مجاهد مثله .
٨٩١٩ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا
أسباط، عن السدى: ((وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض)) ، يعنى
المجامعة .

١٢٧
تفسير سورة النساء : ٢١
مَّيثقَا غَلِيظاً) ))
القول فى تأويل قوله ﴿ وَأُخَذْنَ منكم
قال أبو جعفر: أىْ: ما وثَّقْتم به لهنَّ على أنفسكم، (١) من عهد وإقرار منكم
بما أقررتم به على أنفسكم ، من إمساكهن بمعروف ، أو تسريحهن بإحسان.
وكان فى عقد المسلمين النكاحَ قديماً فيما بلغنا - أن يقال لناكح: ((T لله
علیك لتمسکن بمعروف أو لتسرُّحن بإحسان)) !
٨٩٢٠ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة قوله: (( وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً)) . والميثاق الغليظ الذى أخذه للنساء على
الرجال : إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان . وقد كان فى عقد المسلمين عند
إنكاحهم: ((آلله عليك لتمسكنَّ بمعروف أو لتسرحن بإحسان)). (٢)
٠٠ ٠
واختلف أهل التأويل فى ((الميثاق)) الذى عنى الله جل ثناؤه بقوله: ((وأخذن
منكم ميثاقاً غليظاً » .
فقال بعضهم: هو إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان .
• ذكر من قال ذلك :
٨٩٢١ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا جويبر،
عن الضحاك فى قوله: (( وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً))، قال : إمساك بمعروف
أو تسريح بإحسان .
٨٩٢٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال ، حدثنا هشيم ،
عن جوبير ، عن الضحاك مثله .
(١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((ما وثقت به لهن على أنفسكم))، واختلاف الضمائر هنا خطأ،
وصوابه ما أثبت: ((وثقم)) . = وانظر تفسير ((الميثاق)) فيما سلف ١ : ٤١٤ / ٢: ١٥٦،
٢٢٨، ٣٥٦ / ٦ : ٠٥٥٠
(٢) فى المطبوعة: ((وقد كان فى عهد المسلمين))، وأثبت ما فى المخطوطة.

١٢٨
تفسير سورة النساء : ٢١
٨٩٢٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: (( وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً))، قال : هو ما أخذ
الله تبارك وتعالى للنساء على الرجال، فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. قال :
وقد كان ذلك يؤخذ عند عقد النكاح .
٧٩٢٤ -- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا
أسباط، عن السدى: أما ((وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً))، فهو أن ينكح المرأة فيقول
وليها : أنكحناكها بأمانة اللّه ، على أن تمسكها بالمعروف أو تسرِّحها بإحسان .
٨٩٢٥ - حدثنا عمرو بن على قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد،
عن قتادة فى قوله: ((وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً))، قال: ((الميثاق الغليظ)) الذى
أخذه الله للنساء: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وكان فى عُقْدة المسلمين
عند نكاحهن: ((أيْمُ اللّه عليك، لتمسكن بمعروف ولتسرحَنّ بإحسان)).
٨٩٢٦ - حدثنا عمرو بن على قال، حدثنا أبو قتيبة قال ، حدثنا أبو بكر
الهذلى، عن الحسن ومحمد بن سيرين فى قوله: ((وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً ))،
قال : إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان .
. .
وقال آخرون : هو كلمة النكاح التى استحلَّ بها الفرجَ .
• ذكر من قال ذلك :
٨٩٢٧ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: (( وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً))، قال : كلمة
النكاح التى استحلَّ بها فروجهن .
٨٩٢٨ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبی نجیح ، عن مجاهد مثله .
٨٩٢٩ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال ، حدثنا
٢٠٠/٤

١٢٩
تفسير سورة النساء : ٢١
سفيان، عن أبى هاشم المكى، عن مجاهد فى قوله: (( وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً))،
قال: قوله: ((نكحتُ)).(١)
٨٩٣٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام قال ، حدثنا عنبسة ، عن
محمد بن كعب القرظى: ((وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً))، قال: هو قولهم: ((قد
ملكتَ النكاح)).
٨٩٣١ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو نعيم قال ، حدثنا سفيان ، عن
سالم الأفطس، عن مجاهد: (( وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً))، قال : كلمة النكاح .
٨٩٣٢ -حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله:
(( وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً )) ، قال : الميثاق النكاح .
٨٩٣٣ - حدثنا عمرو بن على قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال ، حدثنا
سفيان قال، حدثنى سالم الأفطس، عن مجاهد: (( وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً ))،
قال: كلمة النكاح، قوله: ((نكحتُ)).
وقال آخرون: بل عنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أخذتموهن بأمانة
اللّه، واستحللتم فروجهن بكلمة الله)). (٢)
، ذكر من قال ذلك :
٨٩٣٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن إسرائيل ، عن جابر
وعكرمة: (( وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً))، قالا: أخذتموهن بأمانة اللّه، واستحللتم
فروجهن بكلمة الله .
٨٩٣٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ،
(١) الأثر: ٨٩٢٩ - ((أبو هاشم المكى))، هو: إسماعيل بن كثير ، صاحب مجاهد .
قال ابن سعد: (( ثقة كثير الحديث)). روى عنه سفيان الثورى، وابن جريج، ومسعر بن كدام ،
وغيرهم . مترجم فى التهذيب .
( ٢) انظر الأثرين السالفين رقم : ٨٩٠٥ ، ٨٩٠٦ .
ج ٨ (٩)

١٣٠
تفسير سورة النساء : ٢١
عن أبيه، عن الربيع: ((وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً))، والميثاق الغليظ: أخذتموهن
بأمانة اللّه، واستحللتم فروجهن بكلمة الله.
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل ذلك، قولُ من قال: الميثاق
الذى عُنى به فى هذه الآية: هو ما أخذ المرأة على زوجها عند عُقْدة النكاح من
عهدٍ على إمساكها بمعروف أو تسريحها بإحسان، فأقرَّ به الرجل . لأن الله جل
ثناؤه بذلك أوصى الرجال فى نسائهم .
وقد بينا معنى ((الميثاق)) فيما مضى قبل ، بما أغنى عن إعادته فى هذا
الموضع .(١)
. ..
٠
۵
واختلف فى حكم هذه الآية : أعمكمّ أم منسوخ ؟
فقال بعضهم : محكم ، وغير جائز للرجل أخذُ شىء مما آتاها ، إذا أراد
طلاقها ، إلا أن تكون هى المريدة الطلاق".
...
وقال آخرون : هى محكمة ، وغير جائز له أخذ شىء مما آتاها منها بحال ،
كانت هى المريدة للطلاق أو هو. ومن حُكى عنه هذا القول، بكر بن عبد الله
المزنى .
٨٩٣٦ - حدثنا مجاهد بن موسى قال، حدثنا عبد الصمد قال ، حدثنا
عقبة بن أبى الصهباء . قال : سألت بكراً عن المختلعة ، أيأخذ منها شيئاً ؟ قال :
لا، ((وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً)). (٢)
...
(١) انظر ما سلف ١: ٤١٤ / ٢: ١٥٦، ١٥٧، ٢٨٨ / ٦ : ٠٥٠.
(٢) الأثر: ٨٩٣٦ - مضى هذا الأثر برقم : ٤٨٧٧، وكان فيه هنا، كما كان هناك
((عقبة بن أبى المهنا))، فانظر التعليق عليه هناك، والمراجع مذكورة فيه ، وقد زاد أبو جعفر
هناك، إسناداً آخر ، عن عقبة بن أبى الصهباء ، عن بكر بن عبد اللّه المزنى ، لهذا الأثر ، وهذا
أحد الدلائل على اختصار أبى جعفر لتغيره هذا .

١٣١
تفسير سورة النساء : ٢١
قال آخرون: بل هى منسوخة، نسخها قوله: ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا
يِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَنْ يَخَفَ أَلَّ يُقِيمَاَ حُدُ ودَ اللهِ﴾ [سورة البقرة: ٢٢٩].
• ذكر من قال ذلك :
٨٩٣٧ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله :
((وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج)) إلى قوله: ((وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً)) ،
قال: ثم رخص بعدُ فقال: ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئً
إلَّ أَنْ يَخَفَ أَلَّ يُقِيمَاَ حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّ يُقِيمَاَ حُدُودَ اللهِ فَلاَ جُنَحَ
عَلَيْهِمَاَ فِيمَا أَفْتَدَتْ بِهِ﴾ [سورة البقرة: ٢٢٩]. قال : فنسخت هذه تلك.
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب فى ذلك، قولُ من قال: ((إنها
محكمة غير منسوخة))، وغير جائز للرجل أخذ شىء مما آتاها، إذا أراد طلاقها
من غیر نشوز کان منها ، ولا ريبة أتت بها .
٠
وذلك أن الناسخ من الأحكام ، ما نَفَى خلافه من الأحكام ، على ما قد بيَّنا
فى سائر كتبنا. (١) وليس فى قوله: ((وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج))،
نَفْى حكمٍ قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُ أَلاَّ ◌ُقِيمَاَ حُدُودَ اللهِ فَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِياَ اُفْتَدَتْ بِهِ﴾
[سورة البقرة: ٢٢٩]. لأن الذى حرَّم اللّه على الرجل بقوله: ((وإن أردتم
استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً))، أخذُ
ما آتاها منها إذا كان هو المريدَ طلاقتها. وأما الذى أباح له أخذَه منها بقوله: ٤ /٢١٧
﴿فَلَاَ جُنَّكَحَ عَلَيْهِمَا فِيمَاَ أُفْتَدَتْ بِهِ﴾، فهو إذا كانت هى المريدةَ طلاقه وهو له
كاره ، يبعض المعانى التى قد ذكرنا فى غير هذا الموضع . (٢)
(١) انظر ما سلف، ما قاله فى كتابه هذا فى ((النخ)) فيما سلف ٣: ٣٨٥، ٦٣٥ /
٤ : ٥٨٢ / ٦ : ٥٤، ١١٨ ٠
(٢) انظر ما سلف ٤: ٥٤٩ - ٥٨٥، وانظر كلامه فى الناسخ والمنسوخ من الآيتين فى
ص: ٥٧٩ - ٥٨٣ ، من الجزء نفسه .

١٣٢
تفسير سورة النساء : ٢١، ٢٢
وليس فى حكم إحدى الآيتين نفى حكم الأخرى .
وإذ كان ذلك كذلك، لم يجز أن يُحكم لإحداهما بأنها ناسخة، وللأخرى بأنها
منسوخة ، إلاّ بحجة يجبُ التسليم لها .
وأما ما قاله بكر بن عبد اللّه المزنى (١) =: من أنه ليس لزوج المختلعة أخذُ
ما أعطته على فراقه إياها ، إذا كانت هى الطالبةَ الفرقة، وهو الكاره = فليس
بصواب، لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه أمرّ ثابت بن قيس
ابن شماس بأخذ ما كان ساق إلى زوجته وفراقها إذا طلبت فراقه، (٢) وكان النشوز
من قِبَلها . (٣)
القول فى تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ
، ٦َبَآؤُ كُم مِّنَ النِّسَاءِلَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُوَكَانَ فَحِشَةٌ وَمَقْتَوَسَّ ◌َسَبِيلًا﴾(
٢٢
قال أبو جعفر: قد ذكر أن هذه الآية نزلت فى قوم كانوا يختلُفُون علىحلائل
آبائهم ، فجاء الإسلام وهم على ذلك، فحرّم الله تبارك وتعالى عليهم المُقام عليهن،
وعفا لهم عما كان سلف منهم فى جاهليتهم وشرْكهم من فعل ذلك، لم يؤاخذهم به،
إن هم اتقوا الله فى إسلامهم وأطاعوه فيه .
• ذكر الأخبار التى رويت فى ذلك :
٨٩٣٨ - حدثنى محمد بن عبد اللّه المخرمىّ قال، حدثنا قراد قال ، حدثنا
(١) انظر رد أبى جعفر مقاله بكر بن عبد الله المزنى فيما سلف ٤: ٥٨١ ، ٥٨٢،
وقال هناك: إنه ((قول لا معنى له، فنتشاغل بالإبانة عن خطئه)) .
(٢) فى المخطوطة والمطبوعة: ((إن طلبت فراقه))، والصواب ((إذ)) كما أثبته.
(٣) انظر الأحاديث والآثار فيما سلف رقم: ٤٨٠٧ - ٤٨١١، والتعليق عليها ، وهو
خبر ثابت بن قيس بن شماس .

١٣٣
تفسير سورة النساء : ٢٢
ابن عيينة وعمرو، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : كان أهل الجاهلية يحرِّمون
ما يَحْزُم إلا امرأة الأب، والجمع بين الأختين. قال: فأنزل الله: ((ولا تنكحوا
ما نكخ أباؤكم من النساء إلا ما قد سلف)) = ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأَخْتَيْنِ﴾.(١)
٨٩٣٩ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد،
عن قتادة فى قوله: ((ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء)) الآية، قال: كان
أهل الجاهلية يحرّمون ما حرَّم اللّه، إلا أن الرجل كان يخلُف على حَكِيلة أبيه ،
ويجمعون بين الأختين، فمن ثمّ قال الله: (( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء
إلاّ ما قد سلف)»
٨٩٤٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، عن عكرمة فى قوله: ((ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلاّ
ما قد سلف))، قال: نزلت فى أبى قيس بن الأسلت، خلفَ على أمّ عبيد بنت
صخر، (٢) كانت تحت الأسلت أبيه = وفى الأسود بن خلف، وكان خَلَف على
بنت أبي طلحة بن عبد العُزّى بن عثمان بن عبد الدار، (٣) وكانت عند أبيه ٨/٤
خلف عت وفى فاختة بنت الأسود بن المطلب بن أسد، وكانت عند أمية بن خلف ،
فخلف عليها صفوان بن أمية = وفى منظور بن زبان، (٤) وكان خلف على مليكةٍ
ابنة خارجة ، وكانت عند أبيه زَبَّان بن سيّار . (٥)
(١) الآثر: ٨٩٣٨ - ((محمد بن عبد الله انخرى))، سلفت ترجمته برقم: ٣٧٣٠،
٤٩٢٩ ، ٥٤٤٧ ٠
و ((قراد))، لقب، وهو: عبد الرحمن بن غزوان))، سلفت ترجمته برقم : ٥٥٥ .
(٢) فى المخطوطة والمطبوعة: ((بنت ضمرة))، والصواب من المراجع فيها تخريج الأثر. وانظر
التعليق على الأثر فى آخره ، ففيه ذكر الاختلاف فى اسمها .
(٣) اسمها ((حينة بنت أبي طلحة)) تصغير ((حمنة))، كما جاء فى ترحتها فى المراجع.
(٤) فى المطبوعة: ((رباب)) فى الموضعين، وهى فى المخطوطة غير منقوطة، وصوابه من المراجع
بعد ، بالزاى المفتوحة ، وباء مشددة .
(٥) الأثر : ٨٩٤٠ - روى ابن الأثير هذا الخبر، فى ترجمة أم عبيد بنت صخر ،
ثم أشار إليها فى تراجم أصحابها ، ونسب رواية الخبر إلى أبى موسى محمد بن أبى بكر بن أبى عيسى

١٣٤
تفسير سورة النساء : ٢٢
٨٩٤١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثفى حجاج ، عن
ابن جريج قال : قلت لعطاء بن أبي رباح : الرجل ينكح المرأة ، ثم لا يراها
الأصفهانى ، فى مستدركة على ابن منده . وأشار إليها أيضاً الحافظ ابن حجر في الإصابة، فى تراجم
المذكورين فى هذا الخبر .
هذا ، ومضى الخبر رقم: ٨٨٧٣، وفيه أن أبا قيس بن الأسلت جنح على كبيشة بنت معن
ابن عاصم امرأة أبيه ، فأخشى أن يكون الخبر السالف وهذا الخبر، مجتمعين على أنه جنح على
امرأتين من نساء أبيه ، كبيشة بنت معن ، وعلى أم عبيد بنت صخر . ولكن الواحدى فى أسباب
النزول: ١٠٩ قال إنها نزلت فى حصن بن أبى قيس، تزوج امرأة أبيه كبيشة بن معن ، وهو
ما ذكره الثعلبى فى تفسيره. ورواه الحافظ فى الإصابة فى ترجمة ((قيس بن صيفى بن الأسلت))
(٥: ٢٥٧) عن الفريابي وابن أبى حاتم من طريق عدى بن ثابت. ثم قال: ((وفى سنده قيس
ابن الربيع، عن أشعث بن سوار، وهما ضعيفان، والخبر مع ذلك منقطع)) وقال: ((وقد تقدم
فى ترجمة حصن بن أبى قيس بن الأسلت أن القصة وقعت مع امرأة أبيه كبيشة بنت معن . هكذا
سماها ابن الكلبى، وخالفه مقاتل، فجعل القصة لقيس. وعند أبي الفرج الأصفهانى ( ١٥: ١٥٤)
ما يوهم أن قيساً قتل فى الجاهلية، فإنه ذكر أن يزيد بن مرداس السلمى قتل قيس بن أبى قيس
ابن الأسلت فى بعض حروبهم)) .
وهذا أمر يحتاج إلى تحقيق طويل كما ترى، اكتفيت بهذه الإشارة إليه، وقد مضى فى التعليق
على اسم ((أم عبيد بنت صخر))، أنه كان فى المطبوعة والمخطوطة ((أم عبيد بنت ضمرة))، وقد
تابعت ما جاء فى ترجمتها فى كتب التراجم، واستأنست بتسمية أخيه: «جرول بن مالك بن عمرو
ابن عزيز)» (جمهرة الأنساب: ٣١٥) وأم عبيد هى: (أم عيد بنت صخر بن مالك بن عمرو
ابن عزيز»، و((الجرول)): الحجر يكون ملء كف الرجل، فكأن أباه سماه جرولا، وسمى أخاه
صحراً، على عادة العرب فى ذلك، والأنصار أيضاً، يكثر فى أنسابهم ((صخر))، ولم أجد منهم
من تسمى ((ضرة))، فلذلك رجحت ما أثبت. ولكن ابن كثير نقل هذا الأثر فى تفسيره ٢: ٣٨٨،
وفيه ( أم عبيد اللّه بنت غمرة))، ولكن الثقة بنقل ابن كثير فى مثل هذا غير صحيحة.
أما الحافظ ابن حجر فقد ذكرها فى ترجمة ((قيس بن صيفى بن الأسلت))، فنقل عن سيف
من تفسيره، وسماها ((ضمرة أم عبيد الله))، ثم ترجم ((ضمر، زوج أبى قيس بن الأسلت)) (الإصابة
٨: ١٣٤)، وقال: ((ذكرها الطبرى فيمن نزلت فيه: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء))،
وهذا خلط وعجب من العجب، ولم أجد من ذكر ((ضمرة)» هذه، ولا ذكرها الطبرى كما سها الحافظ
فى ذكرها وإفراد ترجمتها، وأخطأ . وهو من الأدلة على عجلة الحافظ فى تأليفه كتاب الإصابة ،
وصحة ما قيل من أنه لم يكن إلا مسودة لم يبيضها ، فيمحصها .
وهذا الاختلاف محتاج إلى إطالة ، اقتصرت منه على هذا القدر .
وأما ((الأسود بن خلف))، فهو ((الأسود بن خلف بن أسعد بن عامر بن بياضة الخزاعى))،
وهو غير ((الأسود بن خلف بن عبد يغوث))، كما ذكره الحافظ فى الإصابة، وابن سعد ه : ٣٣٩
فإن يكن ذلك، فهو أخو ((عبد الله بن خلف بن أسعد)) والك ((طلحة الطلحات)). ولم أجد ابن حجر
قد أشار فى الإصابة إلى خبر خلفه على امرأة أبيه، مع أنه ذكره فى تراجم النساء المذكورات فى

١٣٥
.
تفسير سورة النساء : ٢٢
حتى يُطلقها، أتحل لابنه؟ قال: هى مُرْسَلة، (١) قال الله تعالى: (( ولا تنكحوا
ما نكح آباؤكم من النساء)). قال: قلت لعطاء: ما قوله: ((إلا ما قد سلف))؟
قال : كان الأبناء ينكحون نساء آبائهم فى الجاهلية . (٢)
٨٩٤٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية
الخبر، وفى ترجمة امرأة أبيه ((حمينة بنت أبى طلحة))، وكذلك لم يذكره بتة ، ابن الأثير ، مع
أنه ذكره فى ترجمته ((حمينة)). وفى الإصابة وابن الأثير: ((خلف بن أسد بن عاصم بن بياضة))،
وهو تصحيف، بل هو ((أسعد بن عامر)).
وهذا أيضاً يحتاج إلى تحقيق أوفى ، ليس هذا مكانه .
وأما خبر ((منظور بن زبان بن سيار المازنى))))، وفى شأن قصته اختلاف ذكره الحافظ
ابن حجر فى ترجمته وتربة ((مليكة))، ورجح أن هذه القصة كانت على عهد عمر بن الخطاب،
وأن عمر فرق بينهما ، فاشتد ذلك عليه ، وكان يحبها ، فقال فيها شعراً منه :
لَعَمْرُ أَبِى دِينِ يُفَرِّقُ بَيْنَا وَبَيْنَكِ قَسْرًا، إِنّهُ لَعَظِيمُ
وقصته فى الأغانى ١٢ : ١٩٤ (دار الكتب )
(١) هكذا جاءت فى المخطوطة والمطبوعة هنا، وفى رقم: ٨٩٥٧ فيما يلى والدر المنثور ،
٢: ١٣٤،((مرسلة))، والذى جاء فى كتب اللغة ((امرأة مراسل))، قالوا: هى التى فارقها
زوجها بأى وجه كان، مات أو طلقها. وقيل : هى التى يموت زوجها، أو أحست منه أنه يريد
تطليقها، فهى تزين لآخر . وقيل: هى التى طلقت مرات . وقيل: هى التى تراسل الخطاب .
وذلك كله قريب بعضه من بعض ، فإن المرأة إذا مات زوجها أو طلقها ، كانت خليقة أن تراسل
الخطاب وتلتمس الطريق إلى زواج. وفى الحديث: (( أن رجلا من الأنصار تزوج امرأة مراساذ
ينى : ثيباً = فقال النبى صلى الله عليه وسلم: فهلا بكراً تلاعيها وتلاعبك !! »، فقال أصحاب
اللغة: (( المراسل: التى قد أسنت وفيها بقية شباب)). وكأن شرح هذا اللفظ يقتضى الجمع بين هذه
الأقوال جميعاً فيقال: إنها التى قد فارقت الشباب فمات عنها زوجها أو طلقها ، فهى أحوج من ذات
الشباب إلى طلب الزينة ومراسلة الخطاب ، لقلة رغبتهم فيها ، كرغبتهم فى الأبكار الجميلات الشواب .
وأما فى هذا الخبر، فإن صح أن اللفظ ((مرسلة)) على الصواب، كان تفسيره: أنها التى أرسلها
زوجها، أى أطلقها، وإنما عنى به : البكر المطلقة التى تنزل فى الحكم منزلة الثيب . وإن كان
الصواب ((هى مراسل))، فينبغى أن يزاد فى معنى ((مراسل)) أنها البكر التى طلقت، فهى بمنزلة
الثيب . وانظر الأثر التالى .
(٢) سيأتى هذا الأثر برقم: ٨٩٥٧، مع اختلاف فى لفظه ، انظر التعليق عليه هناك .

١٣٦
تفسير سورة النساء : ٢٢
ابن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله: (( ولا تنكحوا ما نكح
آباؤكم من النساء)) الآية ، يقول : كل امرأة تزوجها أبوك وابنك ، دخل أو لم
يدخل ، فهى عليك حرام .
٠
٠
واختلف فى معنى قوله: ((إلا ما قد سلف)).
فقال بعضهم : معناه : لكن ما قد سلف فدعوه . وقالوا: هو من الاستثناء
المنقطع .
وقال آخرون : معنى ذلك : ولا تنكحوا نكاح آبائكم = بمعنى : ولا تنكحوا
كنكاحهم، كما نكحوا على الوجوه الفاسدة التى لا يجوز مثلها فى الإسلام = ((إنه
کان فاحشة ومقتاً وساء سبيلا ) ، یعنی : أن نكاح آبائكم الذی کانوا ینكحونه
فى جاهليتهم، كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلاً - إلا ما قد سلف منكم فى جاهليتكم
من نكاح ، لا يجوز ابتداء مثله فى الإسلام ، فإنه معفوٌّ لكم عنه .
وقالوا: قوله: ((ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء))، كقول القائل للرجل:
(( لا تفعل ما فعلتُ))، و((لا تأكل ما أكلت)»، بمعنى: لا تأكل كما أكلت،
ولا تفعل كما فعلتُ.
٥ ٥
وقال آخرون : معنى ذلك : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء بالنكاح
الجائز کان عقده بينهم، إلاّ ما قد سلفمنهم من وجوه بالزنا عندهم، فإنّ نكاحهن
لكم حلال ، لأنهن لم يكن لهم حلائل ، وإنما كان ما كان من آبائكم ومنهن
من ذلك ، (١) فاحشة ومقتاً وساء سبيلاً .
· ذکر من قال ذلك .
(١) فى المطبوعة: ((من آبائكم منمن)) فيإسقاط الواو، وهو خطأ، صوابه من المخطوطة.

١٣٧
تفسير سورة النساء : ٢٢
٨٩٤٣ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله :
((ولا تنكحواما نكح آباؤكم من النساء إلاّ ما قد سلف)) الآية، قال: الزنا = ((إنه
كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلا )) = فزاد ههنا ((المقت)).(١)
٠٠٠
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب ، على ما قاله أهل التأويل ٠٩/٤
فی تأويله ، أن يكون معناه : ولا تنكحوا من النساء نكاح آبائكم ، إلا ما قد
سلف منكم فَمَضى فى الجاهلية، فإنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلاً = فيكون
قوله: ((من النساء)) من صلة قوله: ((ولا تنكحوا)»، ويكون قوله: (( ما نكح
آباؤكم)» بمعنى المصدر، ويكون قوله: ((إلا ما قد سلف)) بمعنى الاستثناء المنقطع،
لأنه يحسن فى موضعه: ((لكن ما قد سلف فمضى)) = («إنه كان فاحشة ومقتاً
وساء سبيلا)) .
٠ ٠
فإن قال قائل : وكيف يكون هذا القول موافقاً قولَ من ذكرت قولَه من
أهل التأويل ، وقد علمتَ أن الذين ذكرتَ قولهم فى ذلك ، إنما قالوا : أنزلت
هذه الآية فى النَّهى عن نكاح حلائل الآباء ، وأنت تذكر أنهم إنما نهوا أن ينكحوا
نكاحهم ؟
قيل له : إنما قلنا إن ذلك هو التأويل الموافق لظاهر التزيل، (٢) إذا كانت
((ما)» فى كلام العرب لغير بنى آدم، وأنه لو كان المقصودَ بذلك النهىُ عن حلائل
الآباء، دون سائرما كان من منّاكح آبائهم حراماً ابتداءُ مثله فى الإسلام بِنَهى الله
(١) يعنى بقوله: ((زادههنا))، زاد على ما جاء فى ((سورة الإسراء: ٣٣)):
﴿ وَلاَ تَقْرَبُوا الزَّنَا إِنّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾.
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((وإن قلنا إن ذلك هو التأويل))، وهو كلام لا يستقيم مع
الله بعده ، والصواب الموافق السياق هو ما أثبت .

١٣٨
تفسير سورة النساء : ٢٢
جل ثناؤه عنه، (١) لقيل: ((ولا تنكحوا مَنْ نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد
سلف))، لأن ذلك هو المعروف فى كلام العرب، إذ كان ((مَنْ)) لبنى آدم،
و((ما)) لغيرهم = ولم يُقَلْ: ((ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء)). (٢) [ وأما
قوله تعالى ذكره: (( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء )) ] ، فإنه يدخل فى
((ما))، (٣) ما كان من مناكح آبائهم التى كانوا يتنا كحونها فى جاهليتهم . فحرّم عليهم
فى الإسلام بهذه الآية، نكاحَ حلائل الآباء وكلَّ نكاح سواه نهى الله تعالى ذكره
[عن ] ابتداء مثله فى الإسلام، (٤) مما كان أهل الجاهلية يتنا كحونه فى شركهم.
ومعنى قوله: ((إلا ما قد سلف))، إلاما قد مضى (٥) = ((إنه كان فاحشة))،
يقول : إن نكاحكم الذى سلف منكم كنكاح آبائكم المحرَّم عليكم ابتداءُ مثله فى
الإسلام بعد تحريمى ذلك عليكم = (( فاحشة))، يقول : معصية (٦) =
(( ومقتاً وساء سبيلا))، (٧) أى: بئس طريقاً ومنهجاً، (٨) ما كنتم تفعلون فى
(١) فى المطبوعة: (( ... حراماً ابتدىء مثله فى الإسلام))، ولم يحسن قراءة المخطوطة ((ابتدا))
فبدلها إلى ما أفسد الكلام إفساداً .
(٢) فى المخطوطة والمطبوعة: ((إذ كان من لبنى آدم، وما لغيرهم ولا تقل: ولا تنكحوا
ما نكح آباؤكم من النساء))، وهو كلام لا يستقيم البتة، وصواب قوله ((ولا تقل)) ((ولم يقل)»
(بالبناء للمجهول)، وهو معطوف على قوله آنفاً: ((لقيل: ولا تنكحوا من نكح آباؤكم)). واختلط
على الناسخ تكرار الآية مرتين فسبق بصره ، فأسقط من الكلام ما أثبته بعد بين القوسين ، مما لا يتم
الكلام ولا يستقيم إلا بإثباته ، واجتهدت فيه استظهاراً من كلامه وحجته ، كما ترى .
(٣) فى المخطوطة: ((فإنه يدخل فيما كان من مناكح آبائهم))، وهو سهو وخطأ من الناسخ
لما اختلط عليه الكلام، والصواب هو الذى استظهره ناشر المطبوعة الأولى ، كما أثبتها .
(٤) ما بين القوسين زيادة لا بد منها ، ساقطة من المخطوطة والمطبوعة.
(٥) انظر تفسير ((سلف)) فيما سلف ٦ : ١٤.
(٦) انظر تفسير ((فاحشة)) فيما سلف: ١١٥ تعليق: ٢ والمراجع هناك.
(٧) لم يفسر أبو جنرهنا ((المقت)) فى هذا الموضع، ولا فى سائر المواضع التى جاء فيها ذكر
((المقت))، إلا تضميناً. و((المقت)): أشد البغض، ثم سمى هذا النكاح الذى كانوا يتناكحونه
فى الجاهلية ((فكاح المقت))، وسمى المولود عليه ((المقتى)) على النسبة.
(٨) انظر تفسير ((السبيل)) فيما سلف: ٣٧، تعليق: ٦، والمراجع هناك.
وأما ((ساء)»، فإن أبا جعفر لم يبين معناها، ولم يذكر أن أصحاب العربية يعدونها فعلا جامداً

١٣٩
تفسير سورة النساء : ٢٢
جاهليتكم من المناكج التى كتم تناكحونها . (١)
#
يجرى مجرى (( نعم)) و ((بئس))، وإن كان تفسيره قد تضمن ذلك. وهذا من الأدلة على أنه اختصر
هذا التفسير فى مواضع كثيرة .
(١) حجة أبى جعفر فى هذا الموضع، حجة رجل بصير عارف بالكلام ومنازله ، متمكن
من أصول الاستنباط ، قادر على ضبط ما ينتشر من المعانى ، متابع لسياق الأحكام والأخبار
فى كتاب ربه ، خبير بما كان عليه العرب فى جاهليتهم .
وقد رد العلماء على أبى جعفر قوله، وقال بعضهم: هو قول غير وجيه. وذكروا أن ((ما))
تقع على أنواع من يعقل ، وإن كانت لا تقع على آحاد من يعقل ، عند من يذهب هذا المذهب .
فجعلوا قول الطبرى أن (( ما)) مصدرية باقية على معنى المصدر، قولا ضعيفاً. بيد أن مذهب أبى جعفر
صحيح مستقيم لا ينال منه احتجاجهم عليه . وإنما ساقهم إلى ذلك ، ترك أبى جعفر البيان عن
حجته ، وأنا قائل فى ذلك ما يشفى إن شاء الله .
وذلك أن الذين ردوا مقالة أبى جعفر، أرادوا أن هذه الآية نس فى تحريم نكاح حلائل
الآباء وحده، وكأنهم حسبوا أن لو جعلوا ((ما)) معدرية، لم يكن فى الآيات نص صريح فى
تحريم حلائل الآباء غيرها. والصواب غير ذلك. فإن الله سبحانه وتعالى قد حريم نكاح حلائل
الآباء الذى كان أهل الجاهلية يرتكبونه بقوله فى الآية التاسعة عشرة من سورة النساء فيما مضى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لاَ يُحِلُ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهَا﴾، وقال أبو جعفرفى تفسيرها:
(( لا يحل لكم أن ترثوا نكاح نساء أقاربكم وآبائكم كرماً))، وساق هناك الآثار المبينة عن صورة
نكاح حلائل الآباء والأقارب جميعاً . وهذا الذى ساق هناك فيه البيان عن صورة نكاح حلائل الآباء
والأقارب بالوراثة ، كما كان أهل الجاهلية يعرفونه . فكانت هذه الآية نصاً قاطعاً بيناً فى تحريم
نكاح حلاقل الآباء والأقارب بالوراثة ، كما عرفه أهل الجاهلية ، لأنهم لم يعرفوا نكاح حلائل الآباء
إلا على هذه الصورة التى بينها الله فى كتابه، والتى أجمعت الأخبار على صفتها، أن يخلف الرجل
على امرأة أبيه .
وأنا أرجح أن الله تبارك وتعالى إنما قال: ((لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً»، فذكر وراثتهن
كرماً ، ثم أتبع ذلك بالنهى عن عضل النساء عامة، وبالبيان عن مقصدهم من عضل النساء ، وهو
الذهاب ببعض ما أوتين من صدقاتهن = لأن أهل الجاهلية، إنما تورطوا فى نكاح حلائل الآباء ،
لشىء واحد: هو أخذ ما آتاهن الآباء من المال، ولئلا تذهب المرأة بما عندها من مال آبائهم ،
فلذلك أتبعه بالنهى عن العضل عامة ، لأن فعلهم بحلائل آبائهم عضل أيضاً ، ومقصدهم منه هو
مقعدهم من عضل نسائهم .
وأيضاً ، فإن أهل الجاهلية لم يرتكبوا نكاح العمات والخالات والأخوات ، كما سترى بعد ، بل
استنكرود، فاستنكارهم نكاح حلائل الآباء - وهن بمنزلة أمهاتهن فى حياة آبائهن - كان خليقاً
أن يكون من فعلهم وعادتهم ، ولكن حملهم حب المال على مخالفة ذلك .
ثم أتبع اللّه ذلك - كما قال أبو جعفر - (( بالنهى عن مناكح آبائهم التى كانوا يتنا كحوها فى

١٤٠
تفسير سورة النساء : ٢٢
٠
الجاهلية ، فحرم عليهم بهذه الآية نكاح حلائل الآباء وكل نكاح سواء ، نهى الله عن ابتداء مثله
فى الإسلام، ما كان أهل الجاهلية يتناكحونه)). وقد ذكرت عائشة رضى الله عنها فى حديث البخارى
(الفتح ٩: ١٥٨) أن نكاح الجاهلية كان على أربعة أنحاء، منها: ((نكاح الناس اليوم))،
ثم عددت ضروب النكاح ووصفتها ، فأقر الإسلام منها نكاحاً واحداً: يخطب الرجل إلى الرجل
وليته أو ابنته ، فيصدقها ، ثم ينكحها .
فهذه الآية مبطلة ضروب نكاح الجاهلية جميعاً، ما كان منها نكاحاً فاسداً ، كالاستبضاع ،
وذكاح البغايا ، ونكاح البدل، والشغار ، فكل ذلك كان : فاحشة ومقتاً وساء سبيلا ، كما تعرفه
من صفته فى حديث عائشة ، ويدخل فيه ، كما قال أبو جعفر ، نكاح حلائل الآباء .
ثم أتبع الله سبحانه وتعالى هذه الآية التى حرمت جميع نكاح الجاهلية، آية أخرى حرمت كل
نكاح كان معروفاً فى الأم الأخرى ، غير العرب ، أو فى الملل الأخرى غير ملة الإسلام فقال :
((حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم)) إلى آخر الآية. والعرب لم تعرف قط
نكاح الأمهات ، أو البنات أو الأخوات أو العمات أو الحالات ، بل كان ذلك فى غيرهم كالمصريين
واليهود وأشباههم، ينكح الرجل أخته أو عمته أو خالته . ومن الدليل على أن العرب لم تعرف نكاح
الأخوات ، ولا نكاح المات أو الخالات ، أنهم كانوا فى جاهليتهم ، يقسمون على طلاق نسائهم
أو تحريمهن على أنفسهم، أو هجرانهن، بقولهم للزوجة: ((أنت على كظهر أختى، أو كظهر
حتى، أو كظهر خالتى))، فكان ذلك عندهم تحريماً على أنفسهم غشيان الزوجة . وهذا باب
لم أجد أحداً وفاء حقه، فعسى أن أوفق فى موضع آخر إلى استيعابه إن شاء الله. وهو باب مهم
فى تفسير هذه الآيات ، والله المستعان .
وإذن فهذه الآية الأخيرة ، غير خاصة فى نكاح أهل الجاهلية ، بل هى تحريم لكل نكاح
كرهه الله للمؤمنين ، مما كان عند الأمم قبلهم جائزاً أو مرتكباً ، أو كان بعضه عندهم قليلا غير مشهور
شهرة أنكحة الجاهلية التى ذكرها الله فى وراثة حلائل الآباء والأقارب، والتى ذكرتها عائشة فى حديثها،
والتى جاء تحريمها عاماً فى قوله: ((ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء)) بمعنى ((ما)) المصدرية،
كما ذهب إليه أبو جعفر . وكتبه : محمود محمد شاكر .