Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
تفسير سورة آل عمران : ١٩٩ ، ٢٠٠
القول فى تأويل قوله ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِهِمْ إِنَّ
اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (١)
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه(١): ((أولئك لهم أجرهم))، هؤلاء الذين
يؤمنون بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم = ((لهم أجرهم عند ربهم))، يعنى : لهم
عوض أعمالهم التى عملوها ، وثواب طاعتهم ربيَّهم فيما أطاعوه فيه (٢) = ((عند ربهم))
يعنى: مذخور ذلك لهم لدبه، حتى يصيروا إليه فى القيامة، فيوفِّيهم ذلك = ((إنّ
الله سريع الحساب))، وسرعة حسابه تعالى ذكره : أنه لا يخفى عليه شيء من
أعمالهم قبل أن يعملوها وبعد ما عملوها ، فلا حاجة به إلى إحصاء عدد ذلك، فيقع
فى الإحصاء إبطاء، فلذلك قال: ((إن الله سريع الحساب)).(٢)
القول فى تأويل قوله ﴿ يَدَأَيُّهَا الَّذِينَ ء امَنُواْ أَحْبِرُواْ وَصَابِرُواْ
وَرَابِطُواْ﴾
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك .
فقال بعضهم: معنى ذلك: ((اصبروا على دينكم وصابروا الكفار ورابطوهم)).
* ذكر من قال ذلك :
٨٣٨٦ - حدثنا المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك :
(١) فى المطبوعة: ((يعنى بذلك جل ثناؤه))، والسياق يقتضى ما أثبت.
(٢) انظر تفسير ((الأجر)) فيسلف ٢: ١٤٨، ٥/٥١٢ : ٥١٩
(٣) انظر تفسير ((سريع الحساب)) فيما سلف ٤ : ٦/٢٠٧: ٢٧٩

٥٠٢
تفسير سورة آل عمران : ٢٠٠
عن المبارك بن فضالة، عن الحسن: أنه سمعه يقول فى قول الله: ((يأيها الذين آمنوا
اصبروا وصابروا ورابطوا)»، قال : أمرهم أن يصبروا على دينهم ، ولا يدعوه لشدة
ولا رخاء ولا سَرَّاء ولا ضراء، وأمرهم أن يُصابروا الكفار، وأن يُرابطوا المشركين.
١٤٨/٤
٨٣٨٧ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: (( يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا))، أى: اصبروا على طاعة
اللّه، وصابروا أهل الضلالة، ورابطوا فى سبيل الله = ((واتقوا الله لعلكم تفلحون)).
٨٣٨٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن قتادة فى قوله: ((اصبروا وصابروا ورابطوا))، يقول : صابروا
المشركين ، ورابطوا فى سبيل الله .
٨٣٨٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثى حجاج ، عن
ابن جريج : اصبروا على الطاعة ، وصابروا أعداء اللّه ، ورابطوا فى سبيل الله .
٨٣٩٠ - حدثنى يحيى بن أبى طالب قال ، أخبرنا یزید قال، أخبرنا جويبر،
عن الضحاك فى قوله: ((اصبروا وصابروا ورابطوا))، قال: اصبروا على ما أمرتم
به ، وصابروا العدو ورابطوهم .
وقال آخرون : معنى ذلك: اصبروا على دينكم ، وصابروا وَعدى إياكم
على طاعتكم لى ، ورابطوا أعداء كم .
. ذكر من قال ذلك :
٨٣٩١ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، أخبرنى أبو صخر ،
عن محمد بن كعب القرظى: أنه كان يقول فى هذه الآية: ( اصبروا وصابروا
ورابطوا)»، يقول : اصبروا على دينكم، وصابروا الوعد الذى وعدتكم ، ورابطوا
عدوِّى وعدوَّكم حتى يترك دينه لدينكم. (١)
٠٠٠
(١) الأثر: ٨٣٩١ - ((أبو صفر)) هو: حميد بن زياد بن أبى الخارق، أبو صخر الخراط،
صاحب العباء، سكن مصر . ذكره ابن حبان فى الثقات . مترجم فى التهذيب.

٥٠٣
تفسير سورة آل عمران : ٢٠٠
وقال آخرون : معنى ذلك ، اصبر واعلى الجهاد ، وصابروا عدوكم ورابطوهم .
• ذكر من قال ذلك :
٨٣٩٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا جعفر بن عون قال ،
أخبرنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم فى قوله: (( اصبروا وصابروا ورابطوا))،
قال : اصبروا على الجهاد ، وصابروا عدوًّكم ، ورابطوا على عدوكم .
٨٣٩٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا مطرف بن عبد اللّه المدنىّ قال ، حدثنا
مالك بن أنس ، عن زيد بن أسلم قال : كتب أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر
ابن الخطاب، فذكر له جموعاً من الروم وما يتخوَّف منهم ، فكتب إليه عمر :
(( أما بعد، فإنه مهما نزل بعبد مؤمن من منزلة شدة، يجعل اللّه بعدها فرجاً، وإنه
لن يغلب عسر يسرين، وإن اللّه يقول فى كتابه: ((يا أيها الذين آمنوا اصبروا
وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون)). (١)
٠٠
(١) الأثر: ٨٣٩٣ - ((مطرف بن عبد الله بن مطرف بن سليمان الهلالى، المدنى، مولى ميمونة
أم المؤمنين، وأمه أخت مالك بن أنس . روى عن خاله مالك بن أنس، وابن أبي ذئب ، وعبد الله بن
عمر العمرى، وغيرهم. روى عنه البخارى والترمذى، عن محمد بن أبى الحسن عنه وابن ماجة ، عن
الذهلى عنه، والربيع المرادى، وأبو حاتم، وأبو زرعة وآخرون. قال أبو حاتم: ((مضطرب الحديث
صدوق)). وقال = ابن سعد ((كان ثقة،، وبه صمم)). مترجم فى التهذيب، والكبير ٤ /١/ ٣٩٧،
والجرح ٤ / ٣١٥/١. وكان فى المطبوعة: ((المرى))، وفى المخطوطة مثلها، وتقرأ ((المزنى))
والصواب ((المدنى)) أو ((المدينى)) فى نسبة كما جاءفى المراجع، وابن كثير ٢ : ٣٣٧.
وفى ابن كثير ٢ : ٣٣٧: (( مهما ينزل بعبد مؤمن من منزلة شدة)»، وفى الدر المنثور ٢: ١١٤
((مهما ينزل بعبد مؤمن من شدة))، وفى المطبوعة والمخطوطة: ((مهما نزل بعبد مؤمن منزلة شدة))، بحذف
((من)) والصواب إثباتها .
ومن الأخطاء الشائعة أن يقال إن ((مهما)) لا تدخل على الماضى، وقد وردت فى الآثار والأخبار
والأشعار، من ذلك قول أبى هريرة للفرزدق: ((مهما فعلت فقطك الناس فلا تقنط من رحمة الله))
( الكامل ١: ٧٠) وقول الأسود بن يعفر (نوادر أبى زيد : ١٥٩):
سِوَى النَّاسِ، مَهْاَ شَاءَ بِالنَّاسِ يَفْعَلِ
أَلَا هَلْ لِهَذَا الدَّهْرِ مِنْ مُتَعَلَّلٍ
وهذا الأثر رواه الحاكم مطولا فى المستدرك ٢ : ٣٠٠ بإسناده قال:

٥٠٤
تفسير سورة آل عمران : ٢٠٠
وقال آخرون ، معنى: ((ورابطوا)»، أى: رابطوا على الصلوات ، أى :
انتظروها واحدة بعد واحدة .
* ذكر من قال ذلك :
٨٣٩٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن
مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير قال ، حدثنى داود بن صالح قال ،
قال لى أبو سلمة بن عبد الرحمن : يا ابن أخى ، هل تدرى فى أى شىء نزلت
هذه الآية: ((اصبروا وصابروا ورابطوا))؟ قال قلت: لا !قال: إنه يا ابن أخى لميكن
فى زمان النبى صلى اللّه عليه وسلم غزو بُرَابَطُ فيه، ولكنه انتظار الصلاة خلف
الصلاة .(١)
((أخبرنا أبو العباس السبارى، حدثنا عبد الله بن على ، حدثنا عبد الله بن
المبارك ، أنبأنا هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب
رضى الله عنه: أنه بلغه أن أبا عبيدة حُصِر بالشأم، وقد تألَّ عليه القوم ، فكتب
إليه عمر: (( سلام الله عليك، أمّا بعد ، فإنه ما ينزل بعيد مؤمن من منزلة شدة ،
إلا يجعل الله له بعدها فرجاً، ولن يغلب عُشْرٌ يُسْرين، ﴿يَأَيُّهَاَ الذِّينَ آمَنُوا
أصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَائِقُوا اللهَ لَمَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
فكتب إليه أبو عبيدة: ((سلامٌ عليك، أما بعد، فإن الله يقول فى كتابه:
﴿أَعْلَوْا أَنََّ الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرُ بِيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِ الأَمْوَالِ
والأوْلاَدِ) - إلى آخرها)).
قال: فخرج عمر بكتابه ، فقعد على المنبر، فقرأ على أهل المدينة ثم قال: يا أهْل
المدينة ، إِنما يعرّضُ بكم أبو عبيدة: أنِ أرغبوا فى الجهادِ)).
قال الحاكم: ((هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه)). ووافقه الذهبي.
(١) الأثر: ٨٣٩٤ - ((مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير))، مضت ترجمته برقم:
٦٤٥٦. و((داود بن صالح التمار المدنى))،. روى عن أبى أمامة بن سهل بن حنيف، والقاسم،
وسالم، وأبى سلمة. قال أحمد: ((لا أعلم به بأساً))، وذكره ابن حبان فى الثقات، مترجم فى التهذيب.

٥٠٥
تغير سورة آل عمران : ٢٠٠
٨٣٩٥ - حدثنى أبو السائب قال، حدثنا ابن فضيل ، عن عبد الله بن
سعيد المقبرى ، عن جده ، عن شرحبيل ، عن على قال: قال رسول الله صلى الله
صلى الله عليه وسلم: ألا أدلكم على ما يكفر الله به الذنوب والخطايا؟ إسباغ الوضوء
على المكاره ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلك الرباط .(١)
٨٣٩٦ - حدثنا موسى بن سهل الرملى قال، حدثنا يحيى بن واضح قال ،
حدثنا محمد بن مهاجر قال ، حدثنى يحيى بن يزيد ، عن زيد بن أبى أنيسة ،
و ((أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف )) من التابعين، روى عن خلق من الصحابة والتابعين. كان ثقة فقيها
كثير الحديث .
والأثر خرجه ابن كثير فى تفسيره ٢ : ٣٢٢، وذكر سياق ابن مردويه له (٢: ٣٣١) من طريق
((محمد بن أحمد، حدثنا موسى بن إسحاق، حدثنا أبو جحيفة على بن يزيد الكوفى، أنبأنا ابن أبى كريمة ،
عن محمد بن يزيد ، عن أبى سلمة بن عبد الرحمن قال : أقبل على أبو هريرة يوماً فقال: أتدرى يا ابن أخى
فيم نزلت هذه الآية))، وساق الخبر بغير هذا اللفظ.
ورواه الحاكم فى المستدرك ٢ : ٣٠١ من طريق سعيد بن منصور ، عن ابن المبارك، بمثل رواية
الطبرى، إلا أنه قال فى جواب السؤال: ((قال: قلت: لا. قال: يا ابن أخى إنى سمعت أبا هريرة
يقول: لم يكن فى زمان النبى ... )) بلفظه .
وكذلك خرجه السيوطى فى الدر المنثور ٢ : ١١٣، ونسبه لابن المبارك وابن المنذر، والحاكم ،
وصححه ، والبيهتى فى شعب الإيمان .
وفى جميع هذه المواضع: ((انتظار الصلاة بعد الصلاة))، والثابت فى المخطوطة ((خلف الصلاة))،
وكان الكاتب قد كتب فيها ((بعد)) ثم جعل الياء والعين خاء، ومد الدال وعقد عليها فاء، فالظاهر أنه
كتبها كما كان يخفظها، ثم استدرك، لأنه رأى فى النسخة التى كتب عنها ((خلف)).
(١) الحديث: ٨٣٩٥ - أبو السائب: هو سلم بن جنادة. وابن فضيل: هو محمد بن
فصيل بن غزوان .
عبد الله بن سعيد بن أبى سعيد المقبرى: ضعيف جداً، رمى بالكذب. وقد مضى فى : ٧٨٥٥.
شرحبيل: لست أدرى من هو؟ والإسناد ضعيف من أجل عبد الله بن سعيد ، كما ترى .
ولو صح هذا الإسناد لظننت أنه ((شرحيل بن السمط الكندى))، من كبار التابعين ، مختلف فى
صحبته . وهو معاصر لعلى . ومن المحتمل أن يروى عنه أبو سعيد المقبرى، الذى يروى عن على مباشرة .
والحديث نقله ابن كثير ٢ : ٣٣٢، عن هذا الموضع. ولم ينسبه لغير الطبرى.
وأشار إليه السيوطى ٢: ١١٤، بعد حديث جابر، الآتى بعد هذا، فقال: ((وأخرج ابن جرير
عن على مثله)» .
ومعنى الحديث ثابت عن على، من وجه آخر صحيح. ولكن ليس فيه قوله: ((فذلك الرباط)) - ذكره
الهيشمى فى مجمع الزوائد ٢: ٣٦، وقال: ((رواه أبو يعلى، والبزار، ورجاله رجال الصحيح)).
وذكره المنذرى فى الترغيب والترهيب ١: ٩٧، وقال: ((رواه أبو يعلى والبزار بإسناد صحيح.
والحاكم ، وقال: صحيح على شرط مسلم)).

٥٠٦
تفسير سورة آل عمران : ٢٠٠
عن شرحبيل، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - فى اللّه عليه وسلم:
ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويكفّر به الذنوب ؟ قال : قلنا : بلى ، يارسول
اللّه! قال: إسباغ الوضوء فى أماكنها، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة
بعد الصلاة، فذلكم الرباط . (١)
٨٣٩٧ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا خالد بن مخلد قال ، ، حدثنا
محمد بن جعفر ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبى هريرة قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أدلكم على ما يحطُّ الله به الخطايا، ويرفع به
(١) الحديث: ٨٣٩٦ - محمد بن مهاجر بن أبى مسلم، الأنصارى الشامى: ثقة ، وثقه أحمد ،
وابن معين، وغيرهما. مترجم فى التهذيب. والكبير البخارى ١ / ١/ ٢٢٩، وابن أبى حاتم ٤ / ١ / ٩١.
يحيى بن يزيد الجزرى، أبو شيبة الرهاوى: قال البخارى فى الكبير ٤ /٣١٠/٢: ((لم يصح حديثه))
وذكره فى الضعفاء أيضا، ص: ٣٧، وقال مثل ذلك. وقال ابن أبى حاتم ٤ /١٩٨/٢، عن أبيه:
(( ليس به بأس، أدخله البخارى فى كتاب الضعفاء، يحول من هناك)).
فمثل هذا حديثه حسن . ثم هو لم ينفرد برواية هذا الحديث، كما ستذكر فى التخريج ، إن شاء الله .
زيد بن أبى أنيسة الجزرى الرهاوى: ثقة، وثقه ابن معين وغيره. قال ابن سعد ١٨٠/٢/٧:
(( كان ثقة كثير الحديث ، فقيها راوية للعلم)). أخرج له الجماعة كلهم.
شرحبيل - هنا -: هو ابن سعد الخطمى المدنى مولى الأنصار. مختلف فيه، والحق أنه ثقة . إلا أنه
اختلط فى آخر عمره، إذ جاوز المئة . وقد فصلنا القول فيه فى شرح المسند: ٢١٠٤، وأخرج له ابن
خزيمة وابن حبان فى صحيحيهما. مترجم فى التهذيب، والكبير للبخارى ٢٥٢/٢/٢، ولم يذكر فيه
جرحاً، وابن سعد ٥ : ٢٢٨، وابن أبى حاتم ٣٣٨/١/٢ - ٣٣٩.
وقد بين ابن حبان فى صحيحه، فى رواية هذا الحديث ، أنه شرحبيل بن سعد .
والحديث رواه ابن حبان فى صحيحه (٢ : ٣٣٠ من مخطوطة الإحسان)، من طريق أبى عبد الرحيم،
عن زيد بن أبى أنيسة ، عن شرحبيل بن سعد ، عن جابر، به .
وأبو عبد الرحيم : هو خالد بن أبى يزيد الحرانى ، وهو ثقة ، وثقه ابن معين وغيره . فروايته متابعة
صحيحة ، توثق رواية يحيى بن يزيد ، التى هنا ، وتؤيدها .
والحديث نقله ابن كثير ٢ : ٣٣٢، عن رواية الطبرى هذه.
وذكره المنذرى فى الترغيب والترهيب ١: ١٦٠ - ١٦١، عن رواية ابن حبان فى صحيحه، وأشار
إليه أيضاً قبل ذلك ، ص : ١٢٨ .
وذكره الهيشى فى مجمع الزوائد ٢: ٣٧، ونسبه للبزار، وذكر أن ((فى إسناده شرحبيل بن سعد،
وهو ضعيف عند الجمهور، وذكره ابن حبان فى الثقات، وأخرج له فى صحيحه هذا الحديث)).
وذكره السيوطى ٢: ١١٤، ونسبه لابن جرير ، وابن حبان.

٥٠٧
تفسير سورة آل عمران : ٢٠٠
الدرجات ؟ قالوا : بلى يا رسول الله! قال: إسباغ الوضوء عند المكاره، وكثرة
الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط. (١)
٨٣٩٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا إسمعيل بن جعفر ، ١٤٩/٤
عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه ، عن أبى هريرة ، عن النبى صلى اللّه عليه
وسلم ، بنحوه . (٢)
٠
٥
(١) الحديث: ٨٣٩٧ - خالد بن مخلد: هو القطوانى. ومحمد بن جعفر: هو ابن أبى كثير .
وقد مضى مثل هذا الإسناد فى حديث آخر : ٢٢٠٦.
والحديث رواه أحمد فى المسند : ٧٢٠٨، من طريق شعبة ، عن العلاء ، عن أبيه ، دون كلمة
((فذلك الرباط)» .
ورواه أحمد أيضاً : ٧٧١٥، مع هذه الكلمة - من طريق مالك عن العلاء.
ثم رواه ثالثاً: ٨٠٠٨، (ج ٢ ص ٣٠٣ حلبى)، من طريق مالك أيضاً. وفى آخره: ((فذلكم
الرباط» - ثلاث مرات .
وهو بهذا اللفظ ، فى الموطأ ، ص : ١٦١.
وكذلك رواه النسائى ١: ٣٤، من طريق مالك.
وكذلك رواه ابن حبان فى صحيحه (٢: ٣٢٩ - ٣٣٠ من مخطوطة الإحسان)، من طريق مالك.
ونقله ابن كثير ٢ : ٣٣١، من رواية ابن أبى حاتم ، من حديث مالك، كرواية الموطأ .
ورواه مسلم ١: ٨٦، من طريق مالك، ومن طريق شعبة. وذكر أن رواية مالك - عنده -
(فذلكم الرباط)» مرتين.
وذكره المنذرى فى الترغيب والترهيب ١: ٩٧، ١٢٨، ونسبه لمالك، ومسلم، والترمذى، والنسائى.
وذكره السيوطى ٢: ١١٤، وزاد نسبته الشافعى، وعبد الرزاق.
وانظر الإسناد التالى لهذا .
(٢) الحديث : ٨٣٩٨ - القاسم: هو ابن الحسن، والحسين: هو ابن داود المصيصى،
ولقبه ((سنيد)».
وهذا الإسناد ((القاسم، عن الحين)) يدور عند الطبرى كثيراً، فى التفسير والتاريخ، فيما مضى منه
فى التفسير: ١٤٤، ١٦٥، ١٦٨٨ . وفى التاريخ - مثلا - ١: ٢١، ٤١.
أما ((سنيد)) فقد ترجمنا له فى : ١٤٤، ١٦٨٨.
وأما ((القاسم بن الحسن)) - شيخ الطبرى: فلم أجد له ترجمة. ولكن فى تاريخ بغداد ١٢ : ٤٣٢-
٤٣٣ ترجمة ((القاسم بن الحسن بن يزيد، أبو محمد الهمذانى الصائغ))، المتوفى سنة ٢٧٢. فهذا يصلح
أن يكون هو المراد، ولكن لا أطمئن إلى ذلك، ولا أستطيع الجزم به ، بل لا أستطيع ترجيحه .
وعسى أن نجد ما يدل على حقيقة هذا الشيخ ، فى فرصة أخرى ، إن شاء الله .

٥٠٨
تفسير سورة آل عمران : ٢٠٠
قال أبو جعفر : وأولى التأويلات بتأويل الآية ، قول من قال فى ذلك :
((يا أيها الذين آمنوا))، يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، = ((اصبروا)) على دينكم
وطاعة ربكم. وذلك أنّ الله لم يخصص من معانى ((الصبر)) على الدين والطاعة
شيئاً، فيجوز إخراجه من ظاهر التنزيل. فلذلك قلنا إنه عنى بقوله: ((اصبروا ))،
الأمرَ بالصبر على جميع معانى طاعة اللّه فيما أمر ونهى ، صعبها وشديدها ، وسهلها
وخفيفها . (١)
= ((وصابروا))، يعنى: وصابروا أعداء كم من المشركين .
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن المعروف من كلام العرب فى (( المفاعلة))
أن تكون من فريقين ، أو اثنين فصاعداً ، ولا تكون من واحد إلا قليلا فى أحرف
معدودة . فإذْ كان ذلك كذلك، فإنما أمر المؤمنون أن يصابروا غيرهم من أعدائهم،
حتى يظفرهم الله بهم، ويعلى كلمته، ويخزى أعداءهم، وأن لا يكون عدوّهم
أصبر منهم .(٢)
وكذلك قوله: ((ورابطوا))، معناه : ورابطوا أعداء كم وأعداء دينكم من أهل
الشرك، فى سبيل الله.
#
قال أبو جعفر: ورأى أن أصل ((الرباط))، ارتباط الخيل للعدوّ، كما
إسمعيل : هو ابن جعفر بن أبى كثير الأنصارى القارىء، وهو ثقة مأمون . مضت الإشارة إليه فى
شرح : ٦٨٨٤ .
وهذا الحديث تكرار لما قبله .
وكذلك رواه مسلم ١: ٨٦، والترمذى. (رقم: ٥١ بشرحنا) = كلاهما من طريق إسمعيل بن
جعفر. ورواه الترمذى أيضاً: ٥٢٠، من طريق الدراوردى، عن العلاء. وقال: ((حديث أبى هريرة
حديث حسن صحيح)).
(١) انظر تفسير ((الصبر)) فيما سلف ٢: ١١، ٣/١٢٤: ٢١٤، ٥/٣٤٩: ٣٥٢/
٦ : ٢٦٤ / ١٨١:٧
(٢) فى المطبوعة: ((وإلا يكن عددهم))، وهو خطأ، صوابه من المخطوطة.

٥٠٩
تفسير سورة آل عمران : ٢٠٠
ارتبط عدوهم لهم خيلهم ، (١) ثم استعمل ذلك فى كل مقيم فى ثغر يدفع عمن وراءه
من أراده من أعدائهم بسوء ، ويحمى عنهم من بينه وبينهم ممن بغاهم بشر ، كان
ذا خيل قد ارتبطها، أوذا رُجْلة لا مركب له. (٢)
وإنما قلنا معنى: (( ورابطوا))، ورابطوا أعداء كم وأعداء دينكم ، لأن ذلك
هو المعنى المعروف من معانى ((الرباط)). وإنما يوجه الكلام إلى الأغلب المعروف
فى استعمال الناس من معانيه ، دون الخفى، حتى تأتى بخلاف ذلك مما يوجب صرفه
إلى الخفى من معانيه = حجة يجب التسليم لها من كتاب، أو خبر عن الرسول صلى
اللّه عليه وسلم، أو إجماع من أهل التأويل. (٣)
القول فى تأويل قوله ﴿وَأَتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (
٢٠٠
قال أبو جعفر: يعنى بذلك تعالى ذكره: ((واتقوا الله))، أيها المؤمنون،
واحذروه أن تخالفوا أمره أوتتقدموا نهيه(٤) = ((لعلكم تفلحون))، يقول : لتفلحوا
فتبقوا فى نعيم الأبد ، وتنجحوا فى طلباتكم عنده، (٥) كما : -
(١) فى المخطوطة: ((كما ارتبط عددهم لهم حاهم))، ولعل صواب قراءتها ((جيادهم))، ولكنى
تركت ما فى المطبوعة على حاله ، فهو صواب حسن .
(٢) ((الرجلة)) (بضم الراء وسكون الجيم): المشى راجلا غير راكب.
(٣) قوله: ((حجة))، فاعل قوله: ((حتى تأتى بخلاف ذلك .. )). وكان فى المطبوعة والمخطوطة:
((حتى يأتى بخلاف ذلك ما يوجب صرفه ... ))، والصواب ((مما يوجب)) كما أثبتها، وفى المطبوعة أيضاً:
((إلى الخفى من معاينة)) ، وهو خطأ ظاهر.
(٤) فى المطبوعة: ((وتتقدموا)) بالواو، والصواب من المخطوطة. وقوله: ((تتقدموا تهيه)) هكذا
جاء متعدياً، وكأنه أراد: أو تسبقوا نهيه، وسبقهم نهيه . أن يخاطروا بالإسراع إلى المحارم بشهواتهم ،
قبل أن يردهم نهى اللّه عن إتيانها .
(٥) انظر تفسير ((لعل)) فيما سلف ١: ٣٦٤، ٣٦٥، ومواضع أخرى كثيرة. وانظر تفسير
(( الفلاح)) فيما سلف ١ : ٢٤٩، ٣/٢٥٠: ٠٩١:٧/٥٦١

٥١٠
تفسير سورة آل عمران : ٢٠٠
٨٣٩٩ - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرنى أبو صفر ، عن
محمد بن كعب القرظى: أنه كان يقول فى قوله: ((واتقوا الله لعلكم تفلحون))،
واتقوا الله فيما بينى وبينكم، لعلكم تفلحون غداً إذا لقيتمونى .
● آخر تفسير سورة آل عمران. (١)
٥
(١) عند هذا الموضع، انتهى جزء من التقسيم القديم الذى نقلت عنه نسختنا، وفيها ما نصه:
((يتلوه القول فى تفسير السورة التى يذكر فيها النساء.
وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وصحبه وسلم کثیرا )»
ثم يتلوه ما أثبتناه فى أول تفسير سورة النساء .

تفسّيْ
سُورَة النّساء

٠١٣
تفسير سورة النساء : ١
﴿ القول فى تفسير السورة التى يذكر فيها النساء)
◌ِقْهُ الرَِّ الرَّيَسْمِ
رَبِّ يسِّرْ
القول فى تأويل قوله عز وجل ﴿ يَأَيُّاَ النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ
الَّذِىِ خَلَقَكُمْ مِّنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾
قال أبو جعفر : يعنى بقوله تعالى ذكره: (( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى
خلقكم من نفس واحدة))، احذروا، أيها الناس ، ريكم فى أن تخالفوه فيما أمركم
وفيما نهاكم، فيحلّ بكم من عقوبته ما لا قبل لكم به .
ثم وصف تعالى ذكره نفسه بأنه المتوحِّد بخلق جميع الأنام من شخص واحد ،
مُعَرِّفاً عباده كيف كان مُبتدأ إنشائه ذلك من النفس الواحدة، (١) ومنبِّهَهم بذلك
على أن جميعهم بنو رجل واحد وأم واحدة = وأن بعضهم من بعض ، وأن حق
بعضهم على بعض واجبٌ وجوبَ حق الأخ على أخيه ، لاجتماعهم فى النسب إلى
أب واحد وأم واحدة = وأن الذى يلزمهم من رعاية بعضهم حقّ بعض، وإن بَعُدَّ
التلاقى فى النسب إلى الأب الجامع بينهم ، مثل الذى يلزمهم من ذلك فى النسب
(١) فى المطبوعة والخطوطة ((وعرف عباده ... ))، واستظهرت من نهج أبى جعفر فى بيانه،
ومن قوله بعد: ((ومنبههم)) ثم قوله: ((وعاطفاً))، على أن الصواب ((ومعرفاً))، وهو مقتضى سياق
الكلام بعد ذلك كله .
ج ٧ (٣٣)

٥١٤
تفسير سورة النساء : ١
الأدنى =(١) وعاطفاً بذلك بعضهم على بعض، ليتناصفوا ولا يتظالموا، وليبذل
١٥٠/٤ القوى من نفسه للضعيف حقه بالمعروف على ما ألزمه الله له، فقال: ((الذى
خلقكم من نفس واحدة )) ، يعنى : من آدم ، كما : -
٨٤٠٠ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا
أسباط ، عن السدى: أمّا ((خلقكم من نفس واحدة))، فمن آدم عليه السلام. (٢)
٨٤٠١ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا
سعيد ، عن قتادة قوله: (( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة )»،
يعنى آدم صلى اللّه عليه. (٣)
٨٤٠٢- حدثنا سفيان بنو کیع قال،حدثنا أبی ، عن سفيان،عن رجل،
عن مجاهد: ((خلقكم من نفس واحدة))، قال : آدم .
٠ ٥
ونظير قوله: ((من نفس واحدة))، والمعنىّ به رجل ، قول الشاعر.
أَبُوكَ خَلِيفَةٌ وَلَدَتْهُ أُخْرَى وَأَنْتَ خَلِيفَةٌ، ذَاكَ الكَمَال((٤)
فقال: ((ولدته أخرى))، وهو يريد ((الرجل))، فأنّث للفظ ((الخليفة)). وقال
تعالى ذكره: ((من نفس واحدة)) لتأنيث ((النفس))، والمعنى: من رجل واحد.
ولو قيل: ((من نفس واحد))، وأخرج اللفظ على التذكير المعنى، كان صواباً .(٥)
٥
٥
(١) قوله: ((وعاطفاً))، عطف على قوله: ((معرفاً عباده ... ومنبههم ... ))
(٢) فى المطبوعة: ((صلى الله عليه وسلم)»، وأثبت ما فيه المخطوطة.
(٣) فى المطبوعة: ((((صلى الله عليه وسلم))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٤) سلف البيت وتخريجه فى ٦ : ٣٦٢ -
(٥) هذه مقالة الفراء فى معانى القرآن ١: ٢٥٢

٥١٥
تفسير سورة النساء : ١
القول فى تأويل قوله جل ثناؤه ﴿ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَاَ وَبَثَّ
مِنْهُمَرِجَالاً كَثِرًا وَنِسَآءَ﴾
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((وخلق منها زوجها ))، وخلق من
النفس الواحدة زوجها = يعنىبـ ((الزوج))، الثانى لها . (١) وهو فيما قال أهل التأويل،
امرأتها حواء .
• ذكر من قال ذلك :
٨٤٠٣ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: ((وخلق منها زوجها))، قال:
حواء ، من قُصَيرى آدم وهو نائم، (٢) فاستيقظ فقال: ((أثا)) = بالنبطية، امرأة .
٨٤٠٤ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبی نجیح ، عن مجاهد مثله .
٨٤٠٥ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:
((وخلق منها زوجها ))، يعنى حواء، خلقت من آدم ، من ضِلَع من أضلاعه .
٨٤٠٦ - حدثی موسی بن هرون قال ، أخبرنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا
أسباط ، عن السدى قال : أسكن آدمَ الجنة ، فكان يمشى فيها وَحْشاً ليس له
زوج يسكن إليها. (٢) فنام نومةً، فاستيقظ، فإذا عند رأسه امرأة قاعدة، خلقها
(١) انظر تفسير ((الزوج)) فيما سلف ١: ٢/٥١٤: ٤٤٦، وأراد بقوله فى تفسير ((الزوج))
((الثانى لها))، أن ((الزوج)) هو ((انفرد الذى له قرين))، فكل واحد من القرينين، يقال له :
((زوج))، ثم قيل لامرأة الرجل، والرجل صاحب المرأة: ((زوج)).
(٢) القصرى (بضم القاف وسكون الصاد وفتح الراء) والقصيرى ( بضم القاف وفتح الصاد،
على التصغير ): أسفل الأضلاع، أو هى الضلع التى تلى الشاكلة ، بين الجنب والبطن .
(٣) قوله: ((وحشا))، أى وحده ليس معه غيره.

٠١٦
تفسير سورة النساء : ١
اللّه من ضلعه ، فسألها ما أنت ؟ قالت : امرأة . قال : ولم خلقت ؟ قالت :
تسكن إلى" . (١)
٨٤٠٧ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق قال : ألقى
على آدم صلى الله عليه وسلم السّنّة - فيما بلغنا عن أهل الكتاب من أهل التوراة
وغيرهم من أهل العلم، عن عبد الله بن العباس وغيره . ثم أخذ ضلَعاً من أضلاعه،
من شيِّقه الأيسر، ولأم مكانه، (٢) وآدم نائمٌ لم يهبَّ من نومته، حتى خلق الله تبارك
وتعالى من ضِلَعه تلك زوجته حواء ، فسوَّاها امرأة ليسكن إليها، فلما كُشِفت عنه
السُّنة وهبَّ من نومته، رآها إلى جنبه، فقال - فيما يزعمون، والله أعلم - : لحمى
ودمی وزوجتی ! فسكن إليها . (٣)
٨٤٠٨ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا
أسباط، عن السدى: ((وخلق منها زوجها)) . جعل من آدم حواء .
٠ ٠
وأما قوله: (( وبثَّ منهما رجالا كثيراً ونساء))، فإنه يعنى: ونشر منهما، يعنى من آدم
وحواء = ((رجالا كثيراً ونساء))، قد رآهم، كما قال جل ثناؤه: ﴿كَالْفَرَاشِ
الْتَبْتُوثِ﴾ [سورة القارعة: ٤]. (٤)
٠ ٠ ٥
يقال منه: ((بثَّ اللّه الخلق، وأبْهم)). (٥)
٠٠٠
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
(١) الأثر: ٨٤٠٦ - مضى هذا الأثر مطولا برقم: ٧١٠، وكان فى المطبوعة هنا: ((لتسكن
إلى)) باللام فى أولها، وأثبت نص المخطوطة، وما سلف فى الأثر : ٧١٠
(٢) لأم الشىء لأماً، ولامعه، فالتأم: أصلحه حتى اجتمع وذهب ما كان فيه من الصدع.
وفى روايته فى الأثر رقم: ٧١١: ((ولأم مكانه لما)).
(٢) الأثر: ٨٤٠٧ - مضى هذا الأثر برقم: ٧١١، وتخريجه هناك.
(٤) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٢٥٢.
(٥) انظر تفسير ((بث)) فيا سلف ٣ : ٢٧٥

٥١٧٠
تغير سورة النساء : ١
. ذكر من قال ذلك :
٨٤٠٩ - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل، قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((وبث منهما رجالا كثيراً ونساء))، وبثَّ، خلق.
٥
القول فى تأويل قوله جل ثناؤه ﴿وَأَتَّقُواْ اللّهَ الَّذِى تَسَآءُلُونَ بِهِ
وَالْأَرْحَامَ ﴾
قال أبو جعفر : اختلفت القرأة فى قراءة ذلك .
فقرأه عامة قرأة أهل المدينة والبصرة ( تَسَّاءلُونَ) بالتشديد، بمعنى: تتساءلون،
ثم أدغم إحدى ((التاءين)) فى ((السين))، فجعلهما ((سيناً)) مشددة.
...
وقرأه بعض قرأة الكوفة: ( تَسَاءَلُونَ﴾، بالتخفيف، على مثال ((تفاعلون))،
٥
وهما قراءتان معروفتان ، ولغتان فصيحتان = أعنى التخفيف والتشديد فى قوله: ١٠١٧/٤
((تساءلون به)) = وبأىُّ ذلك قرأ القارئ أصابَ الصواب فيه . لأن معنى ذلك،
بأىّ وجهيه قرئ ، غير مختلف .
وأما تأويله: واتقوا الله، أيها الناس، الذى إذا سأل بعضكم بعضاً سأل به ، فقال
السائل للمسئول: ((أسألك بالله، وأنشدك بالله، وأعزِم عليك باللّه))، وما أشبه ذلك.
يقول تعالى ذكره: فكما تعظّمون، أيها الناس، ربكم بألسنتكم حتى تروا أنّ من أعطاكم
عهده فأخفر كموه، (١) فقد أتى عظيماً. فكذلك فعظّموه بطاعتكم إياه فيما أمركم،
(١) أغفر الذمة والعهد: نقضه وغدره وخاس به، ولم يف بعهده.

٥١٨
تفسير سورة النساء : ١
واجتنابكم ما نهاكم عنه ، واحذروا عقابه من مخالفتكم إياه فيما أمركم به أو نهاكم
عنه ، كما : -
٨٤١٠ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن
جويبر، عن الضحاك فى قوله: ((واتقوا الله الذي تساءلون به))، قال يقول: اتقوا
الله الذی تعاقدون وتعاهدون به .
٨٤١١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ،
عن أبيه، عن الربيع: ((واتقوا الله الذي تساءلون به))، يقول: اتقوا الله الذى
به تعاقدون وتعاهدون .
٨٤١٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس مثله .
٨٤١٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، أخبرنا حجاج ، عن
ابن جريج قال، قال ابن عباس: ((تساءلون به))، قال: تعاطفون به .
وأما قوله: (( والأرحام))، فإن أهل التأويل اختلفوا فى تأويله .
فقال بعضهم : معناه : واتقوا الله الذى إذا سألتم بينكم قال السائل المسئول:
, أسألك به وبالرّحيم )»
• ذكر من قال ذلك :
٨٤١٤ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام ، عن عمرو، عن منصور ،
عن إبراهيم: ((اتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام))، يقول: اتقوا الله الذى تعاطفون
به والأرحام . يقول: الرجل يسأل بالله وبالرّحم .
٨٤١٥ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا هشيم ، عن مغيرة ، عن
إبراهيم قال: هو كقول الرجل: ((أسألك بالله، أسألك بالرحم))، يعنى قوله :
((واتقوا الله الذى تساءلون به والأرحام)).

٥١٩
تفسير سورة النساء : ١
٨٤١٦ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ،
عن منصور، عن إبراهيم: ((اتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام))، قال يقول:
(( أسألك بالله وبالرحم )).
٨٤١٧ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا هشيم، عن مغيرة ، عن إبراهيم :
هو كقول الرجل: ((أسألك بالرحم)).
٨٤١٨ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((اتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام))، قال
يقول: ((أسألك بالله وبالرحم)).
٨٤١٩ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا الحمانى قال ، حدثنا شريك ، عن
منصور - أو مغيرة - عن إبراهيم فى قوله: ((واتقوا الله الذى تساءلون به والأرحام))،
قال: هوقول الرجل: ((أسألك بالله والرحم)).
٨٤٢٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن
معمر، عن الحسن قال: هو قول الرجل: ((أنشدك بالله والرحم)).
قال محمد: (١) وعلى هذا التأويل قول بعض من قرأ قوله: ﴿وَالأَرْحَمِ﴾
بالخفض عطفاً بـ ((الأرحام))، على ((الهاء)) التى فى قوله: ((به))، كأنه أراد:
واتقوا الله الذي تساءلون به وبالأرحام = فعطف بظاهر على مكنىّ مخفوض. وذلك
غير فصيح من الكلام عند العرب، لأنها لا تنسُق بظاهر على مكنىّ فى الخفض، (٢)
(١) قوله: ((قال محمد)»، يعنى محمد بن جرير الطبرى، أبا جعفر صاحب التفسير. وهذه
أول مرة يكتب فيها الطبرى، أو أحد تلامذته، أو بعض ناسخى تفسيره ((قال محمد))، دون كنيته
قال ((أبو جعفر)). وانظر ما سيأتى ص: ٥٦٩، تعليق: ٢.
(٢) قوله: ((تنسق))، أى تعطف. و((النسق)) العطف، انظر فهارس المصطلحات فى هذه
الأجزاء من التفسير، و((المكنى)) الضمير، انظر فهارس المصطلحات.

٥٢٠
٠
تفسير سورة النساء : ١
إلا فى ضرورة شعر، وذلك لضيق الشعر. (١) وأما الكلام ، فلا شىء يضطر
المتكلم إلى اختيار المكروه من المنطق ، والردىء فى الإعراب منه . ومما جاء فى الشعر
من ردّ ظاهر على مكنىّ فى حال الخفض ، قول الشاعر : (٢)
نُعَلَُّ فِى مِثْلِ السَّوَارِى سُفَنَا وَمَ بْنَهَا والكَسْبِ غُوطٌ نَغَنُِ(٣)
فعطف : ((الكعب)) وهو ظاهر، على ((الهاء والألف)) فى قوله: (( بينها))
وهی مکنیة .
٠ ٠
٠
وقال آخرون: تأويل ذلك : واتقوا الله الذي تساءلون به ، واتقوا الأرحام
أن تقطعوها .
١٥٢/٤
(١) هذه مقالة الفراء فى معانى القرآن ١: ٢٥٢، ٢٥٣، وقد ذكر هذه القراءة بإسنادها
إلى إبراهيم بن يزيد النخعى ، وهى قراءة حمزة وغيره .
(٢) هو مسكين الدارى.
(٣) معانى القرآن الفراء ١: ٢٥٣، الحيوان ٦: ٤٩٣، ٤٩٤، الإنصاف: ١٩٣،
الخزانة، ٢: ٣٣٨، العينى (بهامش الخزانة) ٤: ١٦٤، وهو من أبيات ذكرها الجاحظ، وأتمها
العينى ، يمجد نفسه وقومه ، قال :
بِغْرِهِمُ مِنْ عَرِمِ النَّاسِ وَاقُِ
لَقَدْ عَلِمَتْ قَيْسٌ وَخِنْذِفُ أَنَّنِى
إِذَا قَذَفَتْهُ فِى يَدَىّ القَوَازِفُ
وَقَدْ عَلِمُوا أَنْ لَنْ يُبَقِّى عَدُؤُهُمْ
وأنَّ أَبَنَا بِكَرُ آدَمَ، فَأَعْلَمُوا ،
وَحَوَّاءَ، قَرْمٌ ذُو عَثَنِينَ شَارِفُ
مِنَ القُطْنِ هَاجَتْهُ الأَّكُمُّ النَّوَادِفُ
كَأَنَّ عَلَى خُرْطُومِ مُتَهَافِتَاً
عِنْدَنَاَ
وَصَّدَأُ المُنْوَدُّ أَطْيِبُ
مِنَ المِسْكِ، دَافَتْهُ الأَكْفُّالتَّوَُِّ
وما بَيْنَهَا والكَعْبِ غُوطٌ تفانِفُ
تُعَلَّقُ فى مِثْلِ السَّوَارِى سُيُفُنَا
إِذَا جَاءَ يَوْمٌ مُظْلِمُ اللّوْن كاسِفُ
وَتَضْحَكُ عِرْفَنَ الدِرُوعِ جُلُودُنَا
فى أبيات أخر، ورواية الحيوان: ((والكعب منا تنائف))، وفى الطبرى ومعانى القرآن والخزافة
((نعلق)) بالنون، وكلتاهما صواب. و((السوارى)) جمع سارية، وهى الأسطوانة. و((الغوط)) جمع
غائط، وهو المطمئن من الأرض. و((النتافف)) جمع نفنف: وهو الهواء بين شيئين، وكل شىء بينه
و بين الأرض مھوی بعيد فهو نفنف .