Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
تفسير سورة آل عمران : ١٨١،١٨٠
حلقه منتقلة عنهم بموتهم ، وأنه لا أحد إلاّ وهو فان سواه ، فإنه الذى إذا أهلك
جميع خلقه فزالت أملاكهم عنهم ، لم يبق أحدٌ يكون له ما كانوا يملكونه غيره .
١٢٩/٤
وإنما معنى الآية: ((لا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو
خيراً لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة))، بعد ما يهاكون وتزولُ
عنهم أملاكهم، فى الحين الذى لا يملكون شيئاً، وصارلله ميراثه وميراث غيره
من خلقه .
ثم أخبر تعالى ذكره أنه بما يعمل هؤلاء الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضل
وغيرهم من سائر خلقه، ذو خبرة وعلم ، محيط بذلك کله ، حتى يجازى كلاًّ منهم
على قدر استحقاقه ، المحسنَ بالإحسان ، والمسىء على ما يرى تعالى ذكره .
#
القول فى تأويل قوله ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَلُوَاْ إِنَّ اللهَ
فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءِ سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقْلَهُمُ الْأَنِيَآءِ بِغَيْرِ حَقِّ)
قال أبو جعفر : ذكر أن هذه الآية وآيات بعدها نزلت فى بعض اليهود الذين
كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* ذكر الآثار بذلك :
٨٣٠٠-حدثنا أبو کریب قال، حدثنا يونس بن بکیر قال ، حدثنا
محمد بن إسحق قال ، حدثنا محمد بن أبى محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة:
أنه حدثه عن ابن عباس قال: دخل أبو بكر الصديق رضى الله عنه بيت الميدْراس،
فوجد من يهودَ ناساً كثيراً قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له فينخاص ، كان من
علمائهم وأحبارهم، ومعه حَبْرٌ يقال له أشْيع . فقال أبو بكر رضى الله عنه

٤٤٢
تفسير سورة آل عمران : ١٨١
الفنحاص: ويحك يافنحاص، اتق الله وأساسٍ، فوالله إنك لتعلم أنّ محمداً رسول
اللّه، قد جاءكم بالحقّ من عند الله، تجدونه مكتوباً عندكم فى التوراة والإنجيل!
قال فنخاص: والله يا أبا بكر، ما بنا إلى اللّه من فقر، وإنه إلينا الفقير! وما نتضرع
إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه الأغنياء ، ولو كان عنا غنيًّا ما استقرض منا كما
يزعم صاحبكم ! ينهاكم عن الربا ويعطيناه! ولو كان عنا غنيًا ما أعطانا الربا!(١)
فغضب أبو بكر فضرب وجه فنحاص ضربة شديدة ، وقال : والذى نفسى بيده ،
لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت عنقك يا عدو الله! فأكذ بونا ما استطعتم إن
كنتم صادقين . فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد ،
انظر ما صنع بى صاحبك! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبى بكر: ما حملك
على ما صنعت ؟ فقال: يا رسول الله، إن عدو الله قال قولا عظيماً، زعم أنّ
اللّه فقير وأنهم عنه أغنياء! فلما قال ذلك غضبت اللّه مما قال ، فضربتُ وجهه .
فجحد ذلك فنحاص وقال : ما قلت ذلك! فأنزل الله تبارك وتعالى فیما قال فنحاص،
ردًّا عليه، وتصديقاً لأبى بكر: ((لقد سمع اللّه قول الذين قالوا إنّ اللّه فقيرٌ ونحن
أغنياء سنكتبُ ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق )
= وفى قول أبى بكر وما بلغه فى ذلك من الغضب: ﴿وَلَقَدْمَعُنَّ مِنَ الَّذِين
أُوتُوا الْكِتَبَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذِينِ أَشْرَ كُواْ أَذّى كَثِرًا وَ إِنْ تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ
فإنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأَمُورِ﴾ [ سورة آل عمران: ١٨٦].(٢)
٨٣٠١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق ، عن محمد
(١) كان فى المخطوطة سقط بين، فيها: ((وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء.
ولو كان عنا غنياً ما أعطانا الربا، فغضب أبو بكر))، واستدركت المطبوعة هذا النقط من الدر المنثور
فيما أرجح (٢: ١٠٥)، فتركته كما هو، لموافقتة لما جاء فى تفسير ابن كثير ٢: ٣٠٨، وإن خالف
رواية ابن هشام فى سيرته ، فى بعض ألفاظ .
(٢) الأثران: ٨٣٠٠، ٨٣٠١ - سيرة ابن هشام ٢: ٢٠٧، ٢٠٨، وهو تابع الأثر
السالف رقم : ٧٦٩٥، مما روى الطبرى من سيرة ابن إسحق .

٤٤٣
تفسير سورة آل عمران : ١٨١
ابن أبى محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة مولى ابن عباس قال : دخل أبو
بكر - فذكر نحوه، غير أنه قال، ((وإنا عنه لأغنياء ، وما هو عنا بغنى ،
ولو كان غنيًّا))، ثم ذكر سائر الحديث نحوه. (١)
٨٣٠٢ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل ، قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((لقد سمع اللّه قول الذين قالوا إنّ اللّه فقير ونحن
أغنياء))، قالها فتحاص اليهودىّ من بنى مرثد، لقيه أبو بكر فكلمه فقال له:
يا فنحاص، اتق الله وآمن وصدّق، وأفرض الله قرضاً حسناً ! فقال فنحاص :
يا أبا بكر، تزعم أن ربنا فقير يستقرِضنا أموالنا ! وما يستقرض إلاّ الفقير من الغنى !
إن كان ما تقول حقًّاً، فإن اللّه إذاً لفقير! فأنزل الله عز وجل هذا، فقال
أبو بكر: فلولا هُدنة كانت بين النبى صلى الله عليه وسلم وبين بنى مرتد لقتلته .
٨٣٠٣ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، ١٣٠/٤
عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد قال : صك أبو بكر رجلا منهم = الذين قالوا :
((إِنّ اللّه فقير ونحن أغنياء))، لم يستقرِضنا وهو غنى؟! وهم يهود.
٨٣٠٤ -حدثنا المثنی قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن
أبى نجيح قال: ((الذين قالوا إنّ اللّه فقير ونحن أغنياء))، لم يستقرضنا وهو
غنى ؟ = قال شبل: بلغنى أنه فنحاص اليهودى، وهو الذى قال: ((إنّ اللّه
ثالث ثلاثة)) و ((يدُ اللّه مغلولة )).
٨٣٠۵ -حدثنا ابن حميد قال، حدثنى يحيى بن واضح قال ، حدثت عن
عطاء، عن الحسن قال: لما نزلت: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللهَ قَرْضَاً حَسَنَّاً﴾
[ سورة البقرة: ٢٤٥ / سورة الحديد: ١١]، قالت اليهود: إنّ ربكم يستقرض منكم! فأنزل
الله: ((لقد سمع الله قول الذين قالوا إنّ اللّه فقير ونحن أغنياء)).
(١) انظر خبر فنخاص أيضاً فى الأثر الآتى رقم : ٠٨٣١٦

تفسير سورة آل عمران : ١٨١
٨٣٠٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام ، عن عمرو ، عن عطاء ،
عن الحسن البصرى قال: لما نزلت: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًاً حَسَناً)،
قال: عجبت اليهود فقالت: إن اللّه فقير يستقرض! فنزلت: ((لقد سمع اللّه قول الذين
قالوا إنّ اللّه فقير ونحن أغنياء)).
٨٣٠٧ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((الذين قالوا إنّ الله فقير ونحن أغنياء))، ذكر لنا أنها نزلت فى حُيّىّ
ابن أخطب، لما أنزل الله: ﴿مَنْذَا الَّذِى يُفْرِضُ اللهَ قَرْضًاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ
أَضْعَفًا كَثِيرَةً﴾ قال : يستقرضنا ربنا ، إنما يستقرض الفقير الغنىَّ !
٨٣٠٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة قال: لما نزلت: ((من ذا الذى يقرضُ اللّه قرضاً حسناً))، قالت
اليهود: إنما يستقرض الفقير من الغنى !! قال: فأنزل الله: ((لقد سمع اللّه قول
الذين قالوا إنّ اللّه فقيرٌ ونحن أغنياء)).
٨٣٠٩ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، سمعت ابن زيدية ول
فى قوله: ((لقد سمع الله قول الذين قالوا إنّ اللّه فقير ونحن أغنياء))، قال: هؤلاء
يهود.(١)
٠
قال أبو جعفر : فتأويل الآية إذاً : لقد سمع اللّه قول الذين قالوا من اليهود :
((إن الله فقير إلينا ونحن أغنياء عنه))، سنكتب ما قالوا من الإفك والفرية على ربهم،
وقتلهم أنبياء هم بغير حق .
٠
واختلفت القرأة فى قراءة قوله: ((سنكتب ما قالوا وقتلهم)).
فقرأ ذلك قرأة الحجاز وعامة قرأة العراق: (سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ بالنون،
(١) فى المطبوعة: ((هؤلاء اليهود))، وأثبت ما فى المخطوطة.

٤٤٥
تفسير سورة آل عمران : ١٨١
(( وقَتْلَهُمُ الأَنْدِياءِ بغير حقّ)) بنصب ((القتل)).
وقرأ ذلك بعض قرأة الكوفيين ( سَيُكْتَبُ مَا قَالُوا وَقَتْلُهم الأنبياءِ بِغَيْرِ حَقّ﴾
بالياء من ((سيكتب)) وبضمها، ورفع ((القتل))، على مذهب ما لم يسمّ فاعله ،
اعتباراً بقراءة يذكر أنها من قراءة عبد الله فى قوله: ((ونقول ذوقوا))، يذكر أنها
فى قراءة عبد الله: ﴿وَيُقَلُ).(١)
فأغفل قارئ ذلك وجه الصواب فيما قصد إليه من تأويل القراءة التى تُنسب
إلى عبد الله ، وخالف الحجة من قرأة الإسلام . وذلك أن الذى ينبغى لمن قرأ
(( سيكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء)) على وجه ما لم يسم فاعله، أن يقرأ: ((ويقال))،
لأن قوله: ((ونقول)) عطف على قوله: ((سنكتب)). فالصواب من القراءة أن يوفق
بينهما فى المعنى بأن يقرآ جميعاً على مذهب ما لم يسم فاعله، أو على مذهب ما يسمى
فاعله . فأما أن يقرأ أحدهما على مذهب ما لم يسم فاعله ، والآخر على وجه ما قد
سُمّى فاعله، من غير معنى ألجأه على ذلك ، فاختيار خارج عن الفصيح من
كلام العرب .(٢)
a
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة فى ذلك عندنا: ﴿سَنَكْتُب) بالنون
﴿وَقَتْلَهُمْ﴾ بالنصب، لقوله: ﴿وَ نَقُول) ولو كانت القراءة فى ((سيكتب))
(١) هذا كلام الفراء بلا شك، فى معانى القرآن ١: ٢٤٩، ولكن وقع فى نسخ الفراء خرم
لم يتنبه إليه مصححو المطبوعة، تمامه مما ذكره الطبرى ورواه عنه كعادته . والنص الذى فى المطبوعة من
معانى القرآن: ((وقرئُ: سيكتب ما قالوا، قرأها حمزة اعتباراً، لأنها فى مصحف عبد الله))، وانقطع
الكلام ، فظاهر أن فيه سقطاً، وظاهر أن تمامه ما رواه الطبرى من قراءة عبد الله التى اعتبر بها حمزة فى
قراءة (( سيكتب)) .
(٢) المعروف فى كلامهم ((ألجأه إلى كذا))، واستعمل الطبرى (( ألجأه عليه)) بمعنى حمله عليه،
على إرادة التضمين ، وهو كلام فصيح لا يعاب، وهو من النوادر التى لم أجدها فى كتاب ، وإن كنت
أذكر أنى قرأتها فى بعض كتب الشافعى رحمه الله ، وغاب اليوم عى مكانها .

٤٤٦
تفسير سورة آل عمران : ١٨١، ٠١٨٢
بالياء وضمها، لقيل: ((ويقال)، على ما قد بيّنا .
٠
٠
فإن قال قائل: كيف قيل: ((وقتلهم الأنبياء بغير حق))، وقد ذكرت فى الآثار
التى رويتَ أن الذين عنوا بقوله: (١) ((لقد سمع اللّه قول الذين قالوا إنّ اللّه فقيرً)،
بعض اليهود الذين كانوا على عهد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن من
أولئك أحدٌ قتل نبياً من الأنبياء ، لأنهم لم يدركوا نبياً من أنبياء الله فيقتلوه؟
قيل: إنّ معنى ذلك على غير الوجه الذى ذهبت إليه . وإنما قيل ذلك
كذلك ، لأن الذين عنى الله تبارك وتعالى بهذه الآية، كانوا راضين بما فعل أوائلهم
من قتل من قتلوا من الأنبياء ، وكانوا منهم وعلى منهاجهم من استحلال ذلك
واستجازته . فأضاف جلّ ثناؤه فعلّ ما فعله من كانوا على منهاجه وطريقته، إلى
جميعهم، إذ كانوا أهل ملة واحدة ونحلة واحدة، وبالرُّضى من جميعهم فعل
ما فعل فاعلُ ذلك منهم ، على ما بينا من نظائره فيما مضى قبل . (٢)
١٣١/٤
#
القول فى تأويل قوله ﴿ وَتَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْرِيقِ
ذُلِكَ بِمَ قَدَّعَتْ أَيْدِيَكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَبْسَ بِظَلَامٍ لِلْسِيدِ﴾ (١)
١٨١
قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه: ((ونقول)) القائلين بأن اللّه فقيرٌ ونحن
أغنياء، القاتلين أنبياء الله بغير حقّ يوم القيامه = ((ذوقوا عذاب الحريق ))، يعنى
بذلك : عذاب نار محرقة ملتهبة . (٣)
٠
(١) فى المطبوعة: ((وقد ذكرت الآثار التى رويت))، أسقطت ((فى))، وهى ثابتة فى المخطوطة.
(٢) انظر ما سلف ٢: ٢٣، ٢٤، ٣٨، ٣٩، ١٦٤، ١٦٥ وفهارس المباحث فى
الجزء الثانى ص ٦١١، ((إضافة أفعال الأسلاف إلى الأبناء ... ))
(٣) تفسير ((الحريق)) كما فسره أبو جعفر، مما لا تكاد تظفر به فى كتب اللغة، بل قالوا:

٤٤٧
تفسير سورة آل عمران : ١٨٢
و(( النار)) اسم جامع الملتهبة منها وغير الملتهبة، وإنما ((الحريق)) صفة لها يراد
أنها محرقة، كما قيل: ((عذاب أليم)، يعنى: مؤلم، و(((وجيع))، يعنى: موجع.
٠
وأما قوله: ((ذلك بما قدمت أيديكم)»، أى: قولنا لهم يوم القيامة، ((ذوقوا
عذاب الحريق ))، بما أسلفت أيديكم واكتسبتها أيام حياتكم فى الدنيا ، (١) وبأن
اللّه عَدْللا جورُ فیعاقبعبداً له بغیر استحقاقمنه العقوبة ،ولکنه یجازی کل نفس
بما كسبت ، ويوفى كل عامل جزاء ما عمل، فجازى الذين قال لهم [ ذلك ] يوم
القيامة (٢) = من اليهود الذين وصف صفتهم، فأخبر عنهم أنهم قالوا: ((إنّ اللّه
فقير ونحن أغنياء))، وقتلوا الأنبياء بغير حق = بما جازاهم به من عذاب الحريق،
بما اكتسبوا من الآثام ، واجترحوا من السيئات ، وكذبوا على اللّه بعد الإعذار إليهم
بالإنذار. فلم يكن تعالى ذكره بما عاقبهم به من إذاقتهم عذاب الحريق ظالماً، ولا
واضعاً عقوبته فى غير أهلها . وكذلك هو جل ثناؤه ، غيرُ ظلاً م أحداً من خلقه ،
ولكنه العادل بينهم ، والمتفضل على جميعهم بما أحبّ من فَوَاضله ونعمه .
الحريق: اضطرام النار وتلهبها. والحريق أيضاً اللهب)). وانظر مجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ١١٠،
وقصه: ((النار اسم جامع، تكون ناراً وهى حريق وغير حريق، فإذا التهبت، فهى حريق)).
(١) انظر تفسير ((بما قدمت أيديهم)) فيما سلف ٢ : ٣٦٧، ٣٦٨.
(٢) الزيادة بين القوسين لابد منها لاستقامة الكلام، ويعنى بقوله: ((الذى قال لهم ذلك))،
أى قال لهم: ((ذوقوا عذاب الحريق)). وسياق العبارة: ((فجازى الذين قال لهم ذلك يوم القيامة ...
بما جازاهم به من عذاب الحريق)).

٤٤٨
تفسير سورة آل عمران : ١٨٣
القول فى تأويل قوله ﴿الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا
نُؤْمِنَ ◌ِرَسُولٍ حَىُ يَأْتِنَا بِقُرْبَنٍ تَأُْ النَّارُ قُلْ قَدْبَءَ كُمْ رُ سُلٌ
مِن قَبْلِيٍ بِالََّْتِ وَ بِالَّذِي ◌ُلْتُمْ فَلِمَ قَلْتُمْ إِن كُنتُمْ صَِّقِينَ﴾ (
١٨٣
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه: لقد سمع الله قول الذين قالوا: ((إن
الله عهد إلينا أن لا نؤمن لرسول )).
وقوله: ((الذين قالوا إن اللّه))، فى موضع خفض ردًا على قوله: ((الذين قالوا
إن اللّه فقيرٌ )).
#
ويعنى بقوله: ((قالوا إن اللّه عهد إلينا أن لا نؤمن لرسول))، أوصانا، وتقدم
إلینا فی کتبه وعلیألسن أنبيائه(١) = (( أن لا نؤمن لرسول))، يقول : أنلا نصدِّق رسولا
فيما يقول إنه جاء به من عند الله من أمرونهى وغير ذلك = ((حتى يأتينا بقربان تأكله
النار))، يقول : حتى يجيئنا بقربان: وهو ما تقرّب به العبد إلى ربه من صدقة .
...
وهو مصدر مثل ((العدوان)) و((الخسران)) من قولك: ((قرَّبتُ قرباناً)).
...
وإنما قال: ((تأكله النار))، لأن أكل النار ما قربه أحدهم لله فى ذلك الزمان،
كان دليلا على قبول الله منه ما قرِّب له، ودلالة على صدق المقرَّب فيما ادعى أنه
محق فيما نازع أو قال ، كما : -
٨٣١٠ - حدثنا محمد بن سعد قال ، حدثی ابی قال ، حدثی عی قال،
حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((حتى يأتينا بقربان تأكله النار))،
(١) انظر تفسير (عهد إليه)) فيما سلف ٣ ٣٨، وتفسير ((العهد)) فى فهارس اللغة.

تفسير سورة آل عمران : ١٨٣
كان الرجل يتصدق ، فإذا تُقُبُّل منه، أنزلت عليه نارٌ من السماء فأكلته.
٨٣١١ - حدثت عن الحسين قال ، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرناعبيد ،
قال، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((بقربان تأكله النار))، كان الرجل إذا
تصدق بصدقة فتُقُبُّلت منه، بعث اللّه ناراً من السماء فنزلت على القربان فأكلته .
. .
= فقال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: [قل، يا محمد، للقائلين:
إنّ اللّه عهد إلينا] أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار: «[قد جاء كم]
رسل من قبل بالبينات))، (١) يعنى: بالحجج الدالة على صدق نبوتهم وحقيقة
قولهم = ((وبالذى قلتم )) ، يعنى: وبالذى ادَّعيتم أنه إذا جاء به لزمكم تصديقه
والإقرار بنبوته، من أكل النار قُربانه إذا قرَّب للّه دلالة على صدقه، (٢) = (فلم
قتلتموهم إن كنتم صادقين )) ، يقول له : قل لهم: قد جاءتكم الرسل الذين كانوا
من قبلى بالذى زعمتم أنه حجة لهم عليكم ، فقتلتموهم ، فلم قتلتموهم وأنتم مقرون
بأن الذى جاؤوكم به من ذلك كان حجة لهم عليكم = ((إن كنتم صادقين » فى
أن الّ عھد إلیکم أن تؤمنوا بمن أتا کم من رسله بقربان تأ کله النار حجة له
علی نبوته ؟
٥
٥
قال أبو جعفر : وإنما أعلم الله عباده بهذه الآية : أنّ الذين وصف صفتهم.
من اليهود الذين كانوا على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، لن يَعْدوا أن يكونوا ٤
(١) فى المخطوطة: ((فقال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا
بقربان تأكله النار رسل من قبل بالبينات ... ))، وقد وضع ناسخ المخطوطة أمام السطرين فى الهامش
(ط ط كذا)، يعنى أنه خطأ كان فى النسخة التى نقل عنها، فنقله هكذا كما وجده ، فجاء ناشر
المطبوعة - أو ناسخ قبله -فأراد أن يصححها، فزاد صدر الآية: ((قل قد جاءكم)) بعد قوله: ((بقربان
تأكله النار))، ولكن يبقى السياق غير حسن ، فزدت ما بين القوسين ، استظهاراً من نهج أبى جعفر فى
بيانه عن معانى آى كتاب اللّه، والله الموفق للصواب.
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((إذ قرب للّه))، والسياق يقتضى ((إذا)) ..
(٢٩)
٧٧٢

٤٥٠
تفسير سورة آل عمران: ١٨٤،١٨٣
فى كذبهم على اللّه وافترائهم على ربهم وتكذيبهم محمداً صلى الله عليه وسلم ، وهم
يعلمونه صادقاً محقًّا، وجحودهم نبوَّته وهم يجدونه مكتوباً عندهم فى عهد الله تعالى
إليهم أنه رسوله إلى خلقه ، مفروضة طاعته(١) = إلاّ كمن مضى من أسلافهم
الذين كانوا يقتلون أنبياء الله بعد قطع الله عذرهم بالحجج التى أيدهم الله بها ،
والأدلة التى أبان صدقهم بها ، افتراء على اللّه ، واستخفافاً بحقوقه .
القول فى تأويل قوله جل ثناؤه ﴿ فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ
رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ بَّهُوا بِالْبَيِّئَاتِ وَالزَّبُرِ وَالْكِتَّبِ الْمُشِرِ) (٨)
قال أبو جعفر: وهذا تعزية من الله جل ثناؤه نبيَّه محمداً صلى الله عليه وسلم
على الأذى الذى كان يناله من اليهود وأهل الشرك بالله من سائر أهل الملل .
يقول الله تعالى له: لا يحزنك، يا محمد، كذب هؤلاء الذين قالوا: ((إن الله
فقير))، وقالوا: ((إن الله عهد إلينا أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار))،
وافتراؤهم على ربهم اغتراراً بإمهال اللّه إياهم، ولا يتعظمن عليك تكذيبهم إياك، وادعاؤهم
الأباطيل من عهود اللّه إليهم ، فإنهم إن فعلوا ذلك بك فكذبوك وكذبوا على اللّه ،
فقد كذَّبت أسلافهم من رسل الله قبلك من جاءهم بالحجح القاطعة العذرّ ،
والأدلة الباهرة العقل، والآيات المعجزة الخلقَ، وذلك هو البينات.(٢)
...
وأما ((الزبر» فإنه جمع(( زبور ))،وهو الكتاب ، وکل کتاب فهو: ((زبور))،
ومنه قول امرئ القيس :
(١) فى المطبوعة: ((لن يفروا أن يكونوا فى كذبهم على الله))، وفى المخطوطة: ((((لن يقروا))
ولا معنى لما، وصوابهما ما أثبت. وسياق العبارة: ((لن يعدوا أن يكونوا فى كذبهم ... إلا كمن مضى
من أسلافهم )» .
(٢) انظر تفسير ((البينات)) فيما سلف ٢: ٣١٨، ٣/٣٥٥: ٤/٢٤٩: ٥/٢٥٩:
٣٧٩، وغيرها من المواضع فى فهارس اللغة .

٤٥١
تفسير سورة آل عمران : ١٨٤
وِّنْ طَلَلٌ أَبْصَرْتُهُ فَتَجَنِى؟ كَخَطُ زَبُورٍ فِى عَسِيبٍ بِمَانِى (١)
٠٠٠
ويعنى: ؛ ((الكتاب))، التوراة والإنجيل. وذلك أن اليهود كذَّبت عيسى
وما جاء به ، وحرَّفت ما جاء به موسى عليه السلام من صفة محمد صلى الله عليه
وسلم ، وبدلت عهده إليهم فيه ، وأن النصارى جحدت ما فى الإنجيل من نعته ،
وغيرت ما أمرهم به فى أمره .
٠
وأما قوله: ((المنير))، فإنه يعنى: الذى يُثير فيبين الحق لمن التبس عليه
و یوضحه .
٠٠٠
وإنما هو من ((النور)) والإضاءة، يقال: ((قد أثار لك هذا الأمر))،
بمعنى: أضاء لك وتبين، ((فهو ينير إنارة، والشى ء منيرٌ))، (٢) وقد :-
٨٣١٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن
جويبر، عن الضحاك: ((فإن كذبوك فقد كُذِّب رسل من قبلك))، قال:
يعزّى نبيه صلى الله عليه وسلم .
٨٣١٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قوله: ((فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك))، قال: يعزّى نبيه
صلى الله عليه وسلم .
وهذا الحرف فى مصاحف أهل الحجاز والعراق ﴿وَالزُّبُر) بغير ((باء))، وهو فى
مصاحف أهل الشام: ﴿وبالزُّبُرِ﴾ بالباء، مثل الذى فى ((سورة فاطر)): [٢٥].
٠٠
(١) ديوانه: ١٨٦، وهو مطلع قصيدته. قال الشنتمرى فى شرح البيت: ((يقول: نظرت
إلى هذا الطلل فشجانى، أى: أحزنى. وقوله: ((كخط زبور)»، أى قد درس وخفيت آثاره، فلا يرى منه
إلا مثل الكتاب فى الخفاء والدقة. والزبور: الكتاب. وقوله: ((فى عسيب يمان»، كان أهل اليمن يكتبون
فى عسيب النخلة عهودهم وصكاكهم. ويروى: ((عسيب يمانى»، على الإضافة، أراد: فى عسيب رجل يمان.
(٢) فى المخطوطة والمطبوعة: ((والشىء المنير))، وعبارة بيان اللغة تقتضى ما أثبت.

٤٥٢
تفسير سورة آل عمران : ١٨٥
القول فى تأويل قوله ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَهُ الْمَوْتٍ وَإِنَّ
تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَّمَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ أَثَارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ
فَقَدْ فَزَ وَمَ أْخَيُّوَةُ الدُّنْيَا إِلَّ مَتَعُ الْغُرُورِ﴾ (١)
قال أبو جعفر : يعنى بذلك تعالى ذكره : أن مصير هؤلاء المفترين على الله
من اليهود ، المكذبين برسوله ، الذين وصف صفتهم ، وأخبر عن جراءتهم على
ربهم = ومصير غيرهم من جميع خلقه تعالى ذكره ، ومرجع جميعهم ، إليه . لأنه
قد حتم الموت على جميعهم ، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: لا يحزنك تكذيبُ
من كذبك ، يا محمد ، من هؤلاء اليهود وغيرهم، وافتراء من افترى علىَّ ، فقد
كُذِّب قبلك رسِلٌ جاؤوا من الآيات والحجج من أرسلوا إليه، بمثل الذى جئتَ
من أرسلت إليه . فلك فيهم أسوة تتعزى بهم ، ومصيرُ من كذَّبك وافترى علىّ
وغیرهم ومرجعهم إلىّ ، فأوفی کل نفسمنهم جزاء عمله يوم القيامة، کما قال جل
ثناؤه: ((وإنما توقَّون أجوركم يوم القيامة))، يعنى: أجور أعمالكم، إن خيراً فخيرٌ،
وإن شرًّا فشر = ((فمن زحزح عن النار))، يقول: فمن نُحِّى عن النار وأبعد
منها (١) = ((فقد فاز))، يقول: فقد نجا وظفر بحاجته.
٠ ٠
يقال منه: ((فاز فلان بطلبته، يفوز فوزاً ومفازاً ومفازة))، إذا ظفر بها.
٠
وإنما معنى ذلك : فمن نُحى عن النار فأبعد منها وأدخل الجنة، فقد نجا
وظفر بعظيم الكرامة = ((وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور))، يقول: وما لذّات
الدنيا وشهواتها وما فيها من زينتها وزخارفها = ((إلامتاع الغرور))، يقول: إلا متعة
١٣٣/٤
(٢٠) انظر تفسير ((زحزح)) فيما سلف ٢ : ٣٧٥.

٤٥٣
تفسير سورة آل عمران : ١٨٥
يمتعكموها الغرور والخداع المضمحلّ الذى لا حقيقة له عند الامتحان، ولا صحة
له عند الاختبار. فأنتم تلتذون بما متعكم الغرور من دنياكم ، ثم هو عائد عليكم
بالفجائع والمصائب والمكاره . يقول تعالى ذكره: ولا تر كنوا إلى الدنيا فتسكنوا إليها،
فإنما أنتم منها فى غرور تمتَّعون ، ثم أنتم عنها بعد قليل راحلون.(١)
وقد روى فى تأويل ذلك ، ما : -
٨٣١٤ - حدثنى به المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا جرير ، عن
الأعمش ، عن بكير بن الأخنس، عن عبد الرحمن بن سابط فى قوله: (( وما
الحياة الدنيا إلاّ" متاع الغرور))، قال: كزاد الراعى، تزوِّده الكفّ من التمر، أو
الشىء من الدقيق ، أو الشىء يشرب عليه اللبن .
*
فكأن ابن سابط ذهب فى تأويله هذا ، إلى أن معنى الآية : وما الحياة الدنيا
إلاَ متاعٌ قليلٌ، لا يُبلِّغ مَنْ تمتعه، ولا يكفيه لسفره. وهذا التأويل، وإن كان
وجهاً من وجوه التأويل، فإن الصحيح من القول فيه هو ما قلنا. لأن ((الغرور))
إنما هو الخداع فى كلام العرب. وإذا كان كذلك ، فلا وجه لصرفه إلى معنى
القلة ، لأن الشىء قد يكون قليلا وصاحبه منه فى غير خداع ولا غرور . وأما
الذی هو فی غرور ، فلا القلیل یصح له ولا الكثير مما هو منه فى غرور .
٠ ٥
و((الغرور)) مصدر من قول القائل: ((غرنى فلان فهو يغرّفى غروراً) بضم ((الغين)).
وأما إذا فتحت ((الغين)) من ((الغرور))، فهو صفة للشيطان الغرور، الذى يغر
ابن آدم حتى يدخله من معصية الله فيما يستوجب به عقو بته .
٥
٠ ٠
وقد :
٨٣١٥ - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عبدة وعبد الرحيم قالا ، حدثنا
(١) انظر تفسير: ((المتاع)) فيها سلف ١: ٥٣٩، ٥٤٠ / ٣: ٥٥

٤٥٤
تفسير سورة آل عمران: ١٨٦،١٨٥
محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو سلمة ، عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم: موضع سوط فى الجنة، خير من الدنيا وما فيها، واقرأوا إن شئتم :
((وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور)). (١)
٠٠٠
القول فى تأويل قوله ﴿الَتْلَوُنَّ فِىَ أَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَنَسْتَمُنَّ
مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتْبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ أَلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَنَّى
كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (١)
قال أبو جعفر يعنى بقوله: تعالى ذكره: (٢) ((لتبلون فى أموالكم))، لتختبرن
بالمصائب فى أموالكم (٣) = ((وأنفسكم))، يعنى: وبهلاك الأقرباء والعشائر من
(١) الحديث : ٨٣١٥ - عبدة: هو ابن سليمان الكلابى الكوفى. وعبد الرحيم: هو ابن سليمان
المروزى الأشل .
والحديث رواه أحمد فى المسند : ٩٦٤٩ (ج ٢ ص ٤٣٨ حلى)، عن يحيى بن سعيد، عن محمد
ابن عمرو - بهذا الإسناد .
وكذلك رواه الترمذى ٤: ٨٥، عن عبد بن حميد وغيره، عن محمد بن عمرو. وقال: ((هذا
حديث حسن صحيح )) .
وكذلك رواه الحاكم فى المستدرك ٢ : ٢٩٩، من طريق شجاع بن الوليد ، عن محمد بن عمرو.
وقال: ((هذا حديث على شرط مسلم، ولم يخرجاه)). ووافقه الذهبي.
وذكره ابن كثير ٢ : ٣١١، من رواية ابن أبى حاتم، عن أبيه، عن محمد بن عبد الله الأنصارى،
عن محمد بن عمرو .
ثم قال ابن كثير: ((هذا حديث ثابت فى الصحيحين، من غير هذا الوجه، بدون هذه الزيادة
[ يمنى ذكر الآية فى الحديث]. وقد رواه بهذه الزيادة أبو حاتم بن حبان فى صحيحه ، والحاكم فى
مستدركه ، من حديث محمد بن عمرو)).
وذكره السيوطى ٢: ١٠٧، وزاد نسبته لابن أبي شيبة ، وهناد ، وعبد بن حميد .
وذكره المنذرى فى الترغيب والترهيب ٤: ٢٧٧، من رواية الترمذى - ضمن ألفاظ الحديث بمعناه،
عند أحمد، والبخارى، والطبرانى فى الأوسط ((بإسناد رواته رواة الصحيح))، وابن حبان فى صحيحه.
. (٢) فى المطبوعة والمخطوطة ((يعنى بذلك تعالى ذكره))، وسياق التفسير هنا يقتضى ما أثبت.
(٣). انظر تفسير ((الابتلاء) فيما سلف ٢: ٧:٣/٤٩، ٥/٢٢٠: ٧/٣٣٩: ٢٩٧، ٢٣٥.

٤٠٠
تفسير سورة آل عمران : ١٨٦
أهل نصرتكم وملتكم (١) = (( ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم))، يعنى :
من اليهود وقولهم: ((إن الله فقير ونحن أغنياء))، وقولهم: ((يد الله مغلولة))، وما
أشبه ذلك من افترائهم على اللّه = ((ومن الذين أشركوا)) ، يعنى النصارى =
((أذى كثيراً))، (٢) والأذى من اليهود ما ذكرنا، ومن النصارى قولهم: ((المسيح
ابن اللّه))، وما أشبه ذلك من كفرهم باللّه = ((وإن تصبروا وتتقوا))، يقول : وإن
تصبروا لأمر الله الذى أمركم به فيهم وفى غيرهم من طاعته = ((وتتقوا)) ، يقول :
وتتقوا الله فيما أمركم ونهاكم، فتعملوا فى ذلك بطاعته = ((فإن ذلك من عزم
الأمور))، يقول : فإن ذلك الصبر والتقوى مما عزم الله عليه وأمركم به .
٥
وقيل: إن ذلك كله نزل فى فنخاص اليهودى، سيد بنى قَيُْفَاع، كالذى : -
٨٣١٦ - حدثنا به القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج ، عن
ابن جريج قال: قال عكرمة فى قوله: ((لتبلون فى أموالكم وأنفسكم واتسمعن من
الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً)) ، قال : نزلت هذه
الآية فى النبى صلى الله عليه وسلم ، وفى أبى بكر رضوان الله عليه ، وفى فنحاص
اليهودى سيد بنى قينُفاع قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق
رحمه اللّه إلى فنخاص يستمدّه، وكتب إليه بكتاب، وقال لأبى بكر: ((لا تقتاتنَّ
علىّ بشىء حتى ترجع)).(٣) فجاء أبو بكر وهو متوشّح السيف، فأعطاه الكتاب ،
فلما قرأه قال: ((قد احتاج ربكم أن نمده))! فهم" أبو بكر أن يضربه بالسيف،
ثم ذكر قول النبى صلى الله عليه وسلم: ((لا تفتاتن" على بشىء حتى ترجع))،
(١) انظر تفسير ((أنفسهم)) فيما سلف ٦ : ٥٠١
(٢) انظر تفسير ((الأذى)) فيما سلف٤ : ٣٧٤ ."
(٣) كل من أحدث دونك شيئاً، ومضى عليه ولم يستشرك، واستبد به دونك، فقد فاتك بالشىء
وافتات عليك به أوفيه. هو ((افتعال)) من ((الفوت))، وهو السبق إلى الشىء دون اثمار أو مشورة.

٤٥٦
تفسير سورة آل عمران : ١٨٦
١٣٤/٤ فكف، ونزلت: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينِ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُ اللهُ مِن فَضْلِهِ هُو خَيْرًا
لَّهُمْ بَلْ هُو شَرٌّ لَّهُمْ﴾. (١) وما بين الآيتين إلى قوله: (( لتبلون فى أموالكم وأنفسكم)»،
نزلت هذه الآيات فى بنى قينقاع إلى قوله: (( فإن كذبوك فقد كذب رسل من
قبلك )) = قال ابن جريج : يعزى نبيه صلى الله عليه وسلم، قال: (( لتبلون فى
أموالكم وأنفسكم ))، قال : أعلم اللّه المؤمنين أنه سيبتليهم ، فينظر كيف صبرهم
على دينهم. ثم قال: ((ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم )) ، يعنى اليهود
والنصارى = ((ومن الذين أشركوا أذى كثيراً)، فكان المسلمون يسمعون من اليهود
قولهم: ((عزير ابن الله))، ومن النصارى: ((المسيح ابن الله))، فكان المسلمون
ينصبون لهم الحرب إذ يسمعون إشراكهم، (٢) فقال الله: ((وإن تصبروا وتتقوا فإن
ذلك من عزم الأمور )) ، يقول : من القوة مما عزم الله عليه وأمركم به.
وقال آخرون : بل نزلت فى كعب بن الأشرف ، وذلك أنه كان يهجو رسول
اللّه صلى الله عليه وسلم، ويتشبّب بنساء المسلمين.
• ذكر من قال ذلك :
٨٣١٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن الزهرى فى قوله: (( ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن
الذين أشركوا أذى كثيراً))، قال: هو كعب بن الأشرف ، وكان يحرض
المشركين على النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه فى شعره، ويهجو النبى صلى الله
عليه وسلم . فانطلق إليه خمسة نفر من الأنصار، فيهم محمد بن مسلمة، ورجل
(١) انظر أخبار فنخاص اليهودى فى الآثار السالفة: ٨٣٠٠ - ٨٢٠٢.
(٢) فى المطبوعة: ((ويسمعون إشراكهم)) بالوار، وفى المخطوطة، هذه الواو كأنها (د)،
فآ ثرت أن أجعلها ((إذ))، لأنها حق المعنى.

٤٥٧
تفسير سورة آل عمران : ١٨٦
يقال له أبو عبس. فأتوه وهو فى مجلس قومه بالعَوالى، (١) فلما رآهم ذعر منهم ،
فأنكر شأنهم ، وقالوا: جئناك لحاجة ! قال: فليدن إلىّ بعضكم فليحدثنى بحاجته.
فجاءه رجل منهم فقال : جئناك لنبيعك أدراعاً عندنا لنستنفق بها . (٢) فقال:
والله لئن فعلتم لقد جُهدتم منذ نزل بكم هذا الرجل! فواعدوه أن يأتوه عشاءً حين
هدأ عنهم الناس، (٣) فأتوه فنادوه، فقالت امرأته: ما طَرقِك هؤلاء ساعتهم هذه
لشیء مما تحب! قال : إنهم حدثونى بحديثهم وشأنهم .
(٤) قال معمر: فأخبرنى أيوب، عن عكرمة: أنه أشرف عليهم فكلمهم فقال:
أترهَنُونى أبناء كم؟ وأرادوا أن يبيعهم تمراً. قال، فقالوا: إنا نستحيى أن تعير أبناؤنا
فيقال: ((هذا رهينة وَسْتى، وهذا رهينة وسقين))!(٥) فقال: أترهنونى نساءكم؟
قالوا : أنت أجملُ الناس ، ولا نأمنك! وأى امرأة تمتنع منك لجمالك !
ولكنا نرهنك سلاحنا، فقد علمت حاجتنا إلى السلاح اليوم . فقال: ائتونى بسلاحكم،
واحتملوا ما شئتم. قالوا: فأنزل إلينا نأخذ عليك وتأخذ علينا . فذهب يغزل ، (٦)
(١) ((العوالى))، جمع عالية. ((العالية)): اسم لكل ما كان من جهة نجد من المدينة،
من قراها وعمائرها إلى تهامة، وما كان دون ذلك من جهة تهامة فهو ((السافلة)). وعوالى المدينة، بينها
وبين المدينة أربعة أميال ، وقيل ثلاثة، وذلك أدناها ، وأبعدها ثمانية .
(٢) استنفق بالمال : جعله نفقة يقضى بها حاجته وحاجة عياله.
(٣) هدأ عنهم الناس: سكن عنهم الناس وقلت حركتهم وناموا. وفى المخطوطة: ((حين هدى عنهم
الناس)) بطرح الهمزة ، وهو صواب جيد، جاء فى شعر ابن هرمة، من أبياته الأليمة الموجعة :
وَأَنَّنَاَ لا تَرَى مِمَّنْ نَرَى أَحَدًا
لَيْتَ السِّبَعَ لَنَا كَانَتْ مُجَاوِرَةً
وَالنَّسُ لَيْسَ بِهَادٍ شَرُهُمْ أَبَدَا
إِنَّ السِّبَعَ لَتَهْدَا عَنْ فَرَائِهاَ
يريد: ((لبدأ)) و«هادئ شرهم».
(٤) هذا بدأ سياق آخر الخبر، منقطع عما قبله من خبر الزهرى ، ولم يتم خبر الزهرى ، بل
أتم خبر عكرمة الذى أدخله على سياقه .
(٥) ((الوسق)) كيل معلوم، قيل: هو حمل بعير، وقيل: ستون صاعاً بصاع النبى صلى الله
عليه وسلم .
(٦) قوله: ((ذهب ينزل))، أى تحرك لينزل، و((ذهب)) من ألفاظ الاستعانة التى تدخل على الكلام
لتصوير حركة، أو بيان فعل مثل قولهم: ((قعد فلان لا يمر به أحد إلا مبه))، أو وقعد لا يسأله سائل

٤٥٨
تفسير سورة آل عمران : ١٨٧،١٨٦
فتعلقت به امرأته وقالت : أرسل إلى أمثالهم من قومك يكونوا معك . قال : لو
وجدنى هؤلاء نائماً ما أيقظونى ! قالت : فكلِّمهم من فوق البيت. فأبى عليها ،
فنزل إليهم يفوحُ ريحه . قالوا : ما هذه الريح يا فلان؟ قال : هذا عطرُ أم
فلان! امرأته . فدنا إليه بعضهم يشم رائحته، ثم اعتنقه، ثم قال: اقتلوا عدو الله!
فطعنه أبو عبس فى خاصرته، وعلاه محمد بن مسلمة بالسيف ، فقتلوه ثم رجعوا .
فأصبحت اليهود مذعورين ، فجاؤوا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: قتل
سيدنا غيلة! فذكرهم النبي صلى الله عليه وسلم صَّنيعه، وما كان يحضّ عليهم
ويحرض فى قتالهم ويؤذيهم ، ثم دعاهم إلى أن يكتب بينه وبينهم صلحاً ، قال :
فكان ذلك الكتابُ مع علىَ رضوان الله عليه .
القول فى تأويل قوله ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيتْقَ الَّذِينَ أُوتُواْ
الْكِتْبَ لَتُبِنَنَّهُ, لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ ،فَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ
بِهِ ثَمَنَا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ (
قال أبو جعفر : يعنى بذلك تعالى ذكره: واذكر أيضاً من [ أمر ] هؤلاء
اليهود وغيرهم من أهل الكتاب منهم، يا محمد ، (١) إذا أخذ الله ميثاقهم ليبينن
للناس أمرك الذى أخذ ميثاقهم على بيانه للناس فى كتابهم الذى فى أيديهم ،
وهو التوراة والإنجيل، وأنك للّه رسول مرسل بالحق ولا يكتمونه = ((فنبذوه وراء
إلا حرمه))، لا يراد به حقيقة القعود، بل استمرار ذلك منه واتصاله ، وحاله عند رؤية الناس ، أو
طروق السائل. واستعمال ((ذهب)) بهذا المعنى كثير الورود فى كلامهم، وإن لم تذكره كتب اللغة.
(١) الزيادة بين القوسين مما لا يستقيم الكلام إلا بها أو بشبهها .

٤٥٩
تفير سورة آل عمران : ١٨٧
ظهورهم ))، يقول: فتركوا أمر الله وضيعوه، (١) ونقضوا ميثاقه الذى أخذ عليهم
بذلك، فكتموا أمرك، وكذبوا بك= ((واشتروا به ثمناً قليلا))، يقول: وابتاعوا بكتماتهم
ما أخذ عليهم الميثاق أن لا يكتموه من أمر نبوتك ، عوضاً منه خسيساً قليلا من
عرض الدنيا(٢) = ثم ذم جل ثناؤه شراءهم ما اشتروا به من ذلك فقال: ((فبئس ١٣٥/٤
ما يشترون )).(٣)
واختلف أهل التأويل فيمن عُنى بهذه الآية .
فقال بعضهم : عنى بها اليهود خاصّة .
• ذكر من قال ذلك :
٨٣١٨-حدثنا أبو کریب قال، حدثنا يونس بن بكير قال ، حدثنا
محمد بن إسحق قال، حدثنى محمد بن أبى محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة :
أنه حدثه، عن ابن عباس: ((وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبينته
للناس ولا تكتمونه)) إلى قوله: ((عذاب أليم))، يعنى فنحاص وأشيع وأشباههما
من الأحبار .
٨٣١٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق، عن محمد ابن أبى
محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة مولى ابن عباس مثله. (٤)
(١) انظر تفسير ((فبد)) فيما سلف ٢: ٤٠١ = وتفسير ((وراء ظهورهم)) فيما سلف ٢ : ٤٠٤.
(٢) انظر تفسير ((اشترى)) فيما سلف ١: ٣١٢ - ٣٤٠:٢/٣١٥ - ٣٤٢، ٤٥٥/ ٣:
٣٣٠ / ٤: ٦:٢٤٦: ٥٢٧ /٤٢٠:٧
وانظر تفسير ((الثمن)) فيما سلف ١: ٣/٥٦٥: ٥٢٧:٦/٣٢٨ بولاق
(٣) انظر بيان معنى ((بتس)) فيا سلف ٢ : ٣٣٨ - ٣/٣٤٠: ٥٦
(٤) الأثران: ٨٣١٨، ٨٣١٩ - سيرة ابن هشام ٢: ٢٠٨، وهو تابع الأثر السالف
رقم : ٨٣٠٠ ، ٨٢٠١

٤٦٠
تفسير سورة آل عمران : ١٨٧
٨٣٢٠ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال ،
حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: (( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا
الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم)) ، كان أمرهم أن يتبعوا
النبيّ الأمىّ الذى يؤمن باللّه وكلماته، وقال: ﴿اَتْبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾
[سورة الأعراف: ١٥٨]. فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم قال: ﴿أَوْفُوا
:
بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَ إِيَّىَ فَرْهَبُون﴾ [سورة البقرة: ٤٠]، عاهدهم على ذلك،
فقال حين بعث محمداً : صدّقُوه، وتلقون الذى أحبيتم عندى .
٨٣٢١ - حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال ، حدثنا أسباط، عن السدى:
(( وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس)) الآية، قال: إن الله أخذ
ميثاق اليهود ليبيننه للناس، محمداً صلى الله عليه وسلم، ولا يكتمونه ،= ((فنبذوه
وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلا)).
٨٣٢٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
الثورى ، عن أبى الجحّاف ، عن مسلم البطين قال : سأل الحجاج بن يوسف
جُلساءه عن هذه الآية: ((وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب))، فقام رجل
إلى سعيد بن جبير فسأله فقال: ((وإذ أخذ الله ميثاق أهل الكتاب))، يهود ،
(((ليبيننه للناس))، محمداً صلى الله عليه وسلم، (ولا يكتمونه فنبذوه )).
٨٣٢٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جریج قوله: « وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبینته للناس ولا تكتمونه)»،
قال : وكان فيه أن الإسلام دين الله الذى افترضه على عباده ، وأن محمداً يجدونه
مكتوباً عندهم فى التوراة والإنجيل .
وقال آخرون : عنى بذلك كل من أوتى علماً بأمر الدين .
• ذكر من قال ذلك :