Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
تفسير سورة آل عمران : ٩٦
٧٤٢٩ - حدثنى محمد بن عبد الملك بن أبى الشوارب قال، حدثنا عبد الواحد
ابن زياد قال، حدثنا خصيف قال: سمعت مجاهداً يقول: إنّ أول ما خلق الله
الكعبةَ ، ثم دَحى الأرض من تحتها .
٧٤٣٠ -حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن
ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قول الله عز وجل: ((إن أول بيت وضع للناس))،
كقوله: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [سورة آل عمران:
٧٤٣١ - حدثنى محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط ، عن السدى:
(إن أوّل بيت وضع للناس للذي بيكة مباركاً وهدى للعالمين))، أما ((أول بيت))، فإنه
يوم كانت الأرض ماء، كان زَبْدَة على الأرض، فلما خلق الله الأرض"
خلق البيت معها ، فهو أوّل بيت وضع فى الأرض .
٧٤٣٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: ((إن أوّل بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً))، قال :
أوّل بيت وَضَعه الله عز وجل، فطاف به آدم وَمَنْ بعده.
٠ ٠ ٠
وقال آخرون : موضع الكعبة ، موضع أوّل بيت وضعه الله فى الأرض .
• ذكر من قال ذلك :
٧٤٣٣ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة :
ذُكر لنا أن البيتَ هبط مع آدم حين هبط ، قال: أهبط معك بيتى يُطاف
حوله کما یطاف حول عرشی . فطاف حوله آدم ومن كان بعده من المؤمنين ،
حتى إذا كان، زمنُ الطوفان، زَمنَ أغرقَ اللّه قوم نوح، رفعه الله وطهّره من أن
يصيبه عقوبة أهل الأرض، فصار معموراً فى السماء. ثم إنّ إبراهيم تتبع منه
أثراً بعد ذلك ، فبناء على أساسٍ قديم كان قبله .
٠٠

٢.٢
تفسير سورة آل عمران : ٩٦
قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك ما قال جل ثناؤه فيه : إن أول
بيت مبارك وهُدَّى وُضع للناس، للذى بيكة. ومعنى ذلك: ((إن أول بيت وُضع
للناس))، أى: لعبادة الله فيه = ((مباركاً وهدى))، يعنى بذلك: ومآباً لنُسْك
الناسكين وطواف الطائفين، تعظيماً لله وإجلالاً له = ((الذى بيكة)) = لصحة
الخبر بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذلك ، ما : -
٧٤٣٤ - حدثنا به محمد بن المثنى قال، حدثنا ابن أبى عدى ، عن شعبة ،
عن سليمان، عن إبراهيم التيمى ، عن أبيه ، عن أبى ذر قال ، قلت : يا رسول الله،
أىُّ مسجد وضع أوّل ؟ قال: المسجدُ الحرام. قال: ثم أىّ ؟ قال : المسجد
الأقصى . قال : كم بينهما ؟ قال: أربعون سنة .(١)
٠
فقد بين هذا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ المسجد الحرام هو
أوّل مسجد وضعه الله فى الأرض ، على ما قلنا. فأما فى موضعه بيتاً ، بغير معنى
بيت للعبادة والهدى والبركة، (٢) ففيه من الاختلاف ما قد ذكرت بعضَه فى هذا
الموضع ، وبعضه فى سورة البقرة وغيرها من ◌ُسُور القرآن ، وبينتُ الصواب من
القول عندنا فى ذلك ، بما أغنى عن إعادته فى هذا الموضع. (٣)
٠
٠
(١) الحديث: ٧٤٣٤ - سليمان: هو الأعمش.
إبرهيم التيمى: هو إبرهيم بن يزيد بن شريك. مضى هو وأبوه فى : ٢٩٩٨.
والحديث رواه أحمد فى المسند ٥ : ١٦٦ - ١٦٧ ( حلبي) ، عن محمد بن جعفر ، عن شعبة ،
به ، بزيادة فى آخره .
ورواه أيضاً ٥: ١٥٠، ١٥٦، ١٥٧، ١٦٠ (حلى)، بأسانيد، عن الأعمش، مطولا.
وكذلك رواه مسلم ١ : ١٤٦ - ١٤٧، من طريق على بن مسهر، عن الأعمش .
وذكره ابن كثير ٢: ١٩٠، من رواية المسند (٥: ١٥٠)، ثم قال: «وأخرجه البخارى،
ومسلم - من حديث الأعمش، به )) .
وذكره السيوطى ٢: ٥٢، وزاد نسبته لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والبيهقى فى الشعب .
(٢) فى المطبوعة: ((فأما فى وضعه بيتاً ... ))، غيروا ما فى المخطوطة وهو صواب.
(٣) انظر ما سلف ٣ : ٥٧ - ٦٤.

٢٣
تفسير سورة آل عمران : ٩٦
وأما قوله: ((الذى ببكة مباركاً))، فإنه يعنى: للبيت الذى بمُزْدَحم الناس
لطوافهم فى حجهم ومحمّدهم.
وأصل ((البكَ)) الزحم، يقال: منه: ((بكّ فلانٌ فلاناً)) إذا زحمه وصدمه -
((فهو يَبُكه بَكَّاً، وهم يتباكُون فيه )) ، يعنى به : يتزاحمون ويتصادمون فيه .
فكأن (بَكَّةَ)) ((فَعْلة)) من ((بَكَّ فلان فلاناً، زحمه، سميت البقعة بفعل المزدحمين بها.
٠
فإذا كانت ((بكة)) ما وصفنا ، وكان موضع ازدحام الناس حَوْل البيت ،
وكان لا طواف يجوز خارج المسجد = كان معلوماً بذلك أن يكون ما حول الكعبة
من داخل المسجد، وأن ما كان خارج المسجد فمكة، لا ((بكة)). لأنه لا معنى
خارجَه يوجب على الناس التَّاكَّ فيه . وإذْ كان ذلك كذلك ، كان بيناً بذلك
فسادُ قول من قال: ((بكة)) اسم لبطن ((مكة))، ومكّة اسم للحرم.(١)
• ذكر من قال فى ذلك ما قلنا: من أن ((بكة)) موضع مزدحم الناس للطواف:
(١) انتهى جزء من التقسيم القديم ، وفى المخطوطة ما نصه:
((يتلوهُ ذكر مَنْ قال فى ذلك ما قُلنا من أن بكة
موضع مزدحم الناس للطواف
والحمد لله على عونه وإحسانه، وصلى الله على محمد .
وآله الطاهرين وسلم تسليما)»
ثم يتلو ما نصه :
بسم الله الرحمن الرحيم
ربّ يَسِّر
أخبرنا أبو بكر محمد بن داود بن سليمان البغدادى قال
حدثنا محمد بن جرير)»
فأعاد إسناد المخطوطة التى نقل عنها، كما سلف فى تعليقنا ٦ : ٤٩٥، ٤٩٦ رقم: ٥، وهذا هو
الموضع الثانى لذكر هذا الإسناد الجديد .

٢٤
تفسير سورة آل عمران : ٩٦
٧٤٣٥ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم ، عن حصین، عن
أبى مالك الغفارى فى قوله: ((إن أوّل بيت وضع للناس الذى بيكة))، قال: (بكة))
موضع البيت ، (( ومكة )) ما سوى ذلك .
٨/٤
٧٤٣٦ - حدثنى يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم مثله.
٧٤٣٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام ، عن عمرو ، عن عطاء ، عن
أبى جعفر قال : مرّت امرأة بين يدى رجل وهو يصلى وهى تطوف بالبيت ،
فدفعها . قال أبو جعفر: إنها بَكَّةٌ ، يبكَ بعضها بعضاً.
٧٤٣٨ - حدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا عبد الصمد قال ، حدثنا شعبة
قال ، حدثنا سلمة، عن مجاهد قال: إنما سميت ((بكة))، لأن الناس يتباكُون
فيها ، الرجالَ والنساء.
٧٤٣٩ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبى ، عن سفيان ، عن حماد ،
عن سعيد قال: قلت: لأىّ شىء ◌ُسُميت ((بكة))؟ قال: لأنهم يتباكُّون فيها -
قال : يعنى : يزدحمون . (١)
٧٤٤٠ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن سفيان ، عن الأسود بن
قيس، عن أبيه، عن ابن الزبير قال: إنما سميت ((بكة))، لأنهم يأتونها حُجّاجاً. (٢)
٧٤٤١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة
قوله: ((إنّ أول بيت وضع للناس الذى ببكة مباركاً)) ،فإن الله بكَّ به الناس
جميعاً، فيصلى النساءُ قدّام الرجال ، ولا يصلح ببلد غيره .
٧٤٤٢٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة: ((بكة ))، بكَ الناس بعضُهم بعضاً، الرجال والنساء ، يصلى
بعضُهم بين يدَىْ بعض ، لا يصلح ذلك إلاّ بمكة .
(١) فى المطبوعة: ((يتزاحمون))، وأثبت ما فى الخطوطة.
(٢) الأثر: ٧٤٤٠ - ((الأسود بن قيس العبدى))، روى عن أبيه وجماعة، وروى عنه شعبة
والثورى وشريك وغيرهم. وأبوه: ((قيس العبدى)) الكوفى، مترجم فى الكبير ١٤٩/١/٤. وكان
فى المطبوعة والخطوطة: ((عن أخيه))، وهو تصحيف والصواب ما أثبت.
۔

٢٥
تفسير سورة آل عمران : ٩٦
٧٤٤٣ - حدثنا ابنوكيع قال ، حدثنا أبى ، عن فضيل بن مرزوق ،
عن عطية العوفى قال: ((بكة))، موضع البيت، و((مكة))، ما حولها .
٧٤٤٤ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، أخبرنى يحيى بن أزهر،
عن غالب بن عبيد اللّه: أنه سأل ابن شهاب عن ((بكة))، قال: ((بكة )) البيتُ
والمسجد. وسأله عن ((مكة))، فقال ابن شهاب: ((مكة))، الحرمُ كله.
٧٤٤٥ - حدثنا الحسين قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا حجاج ، عن
عطاء ومجاهد قالا: ((بكة))، بكّ فيها الرجالَ والنساء.
٧٤٤٦ - حدثنى عبد الجبار بن يحيى الرملى قال : قال ضمرة بن ربيعة،
(((بكة)) المسجد، و((مكة))، البيوت .(١)
وقال بعضهم بما : -
٧٤٤٧ - حدثنى به يحيى بن أبى طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا
جويبر، عن الضحاك فى قوله: ((إن أوّل بيت وضع للناس للذي ببكة))، قال:
هی مکة .
وقيل: ((مباركاً))، لأنّ الطواف به مغفرةٌ للذّنوب. (٢).
٠٠٠
فأما نصب قوله: ((مباركاً))، فإنه على الخروج من قوله: ((وضع))، لأن
فى ((وضع)) ذكراً من ((البيت)) هو به مشغول، وهو معرفة، و(مبارك)) نكرة،
لا يصلح أن يتبعه فى الإعراب . (٣)
(١) الأثر: ٧٤٤٦ - ((عبد الجبار بن يحي الرمل)) شيخ الطبرى، مضى برقم: ٧٤٢٥ .
(٢) هذا كلام الفراء فى معانى القرآن ١: ٢٢٧.
(٣) ((الخروج)) هنا، كأنه الحال، وقد سلف فى ٥: ٢٥٣، ٢٥٤ ما يشبه أن يكون
أيضاً بمعنى الحال. وانظر ما سلف ٦: ٥٨٦ (( أن الحال يجىء بعد فعل قد شغل بفاعله، فينصب كما
ينصب المفعول الذى يأتى بعد الفعل الذى شغل بفاعله).

٢٦
تفسير سورة آل عمران : ٩٦ ، ٩٧
وأما على قول من قال: ((هو أول بيت وضع للناس))، على ما ذكرنا فى
ذلك قول من ذكرنا قوله، فإنه نصب على الحال من قوله: (( للذی بیکة)».لأن معنى
الكلام على قولهم: إن أول بيت وضع للناس البيتُ [الذى] بيكة مباركاً. ف ((البيت))
عندهم من صفته ((الذى ببكة))، و((الذى)) بصلته معرفته، و((المبارك)» فكرة ،
فنصب على القطع منه ، فى قول بعضهم = وعلى الحال فى قول بعضهم (١) =
((وهدى)) فى موضع نصب على العطف على قوله: ((مباركاً)) ..
٥
القول فى تأويل قوله ( فِيهِ ،ايَاتٌ يَكِّنْتٌ مَّقَامُ إِنْرَاهِيمَ)(١)
قال أبو جعفر : اختلفت القرأة فى قراءة ذلك .
فقرأه قرأة الأمصار: (فِيهِ آيَاتٌ بِيَِّاتٌ) على جماع ((آية))، بمعنى:
فيه علامات بيناتٌ .
*
وقرأ ذلك ابن عباس: ﴿فِيهِ آيَةٌ بَيِّنَةٌ﴾، يعنى بها: مقام إبراهيم ،
يراد بها : علامة واحدةٌ .
٥
ثم اختلف أهل التأويل فى تأويل قوله: (فيه آيات بينات))، وما تلك الآيات؟
فقال بعضهم : مقامُ إبراهيم والمشعرُ الحرام ونحو ذلك .
ذكر من قال ذلك :
٠
٧٤٤٨ -حدثی محمد بن سعد قال ، حدثی أبی قال ، حدثی عى قال ،
(١) ((القطع)) كأنه باب من الحال، انظرما سلف ٦: ٢٧٠، ٤١٥،٣٧١ وما قبلها فى فهرس
المصطلحات من الأجزاء السالفة .
(٢) فى المخطوطة والمطبوعة، لم يكن ((مقام إبراهيم))، وأثبت تمام التلاوة.

٢٧
تفسير سورة آل عمران : ٩٧
حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((فيه آيات بينات ))، مقامُ إبراهيم
والمشعر .
٧٤٤٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة ومجاهد: ((فيه آيات بينات مقامُ إبراهيم)) ، قال: مقامُ
إبراهيم ، من الآيات البينات .(١)
وقال آخرون: ((الآيات البينات))، مقام إبراهيم = ((ومن دخله كانَ آمناً)).
• ذكر من قال ذلك :
٧٤٥٠ - حدثنى محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفى قال ، حدثنا
عباد، عن الحسن فى قوله: ((فيه آيات بينات))، قال: ((مقام إبراهيم ومن دخله
كان آمناً ».
وقال آخرون: ((الآيات البينات))، هو مقام إبراهيم .
• ذكر من قال ذلك :
٧٤٥١ - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بنالمفضل قال، حدثنا.
أسباط، عن السدى قوله: ((فيه آيات بينات مقام إبراهيم))، أما ((الآيات البينات))
فقام إبراهيم .
قال أبو جعفر: وأما الذين قرأوا ذلك: ((فيه آية بينة)) على التوحيد ، فإنهم ٧/٤
عنواب ((الآية البينة))، مقام إبراهيم .
• ذكر من قال ذلك :
٧٤٥٢ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبى
(١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((إسحق بن يحيى))، والصواب ((الحسن بن يحي))، وهو إسناد
يدور دوراناً فى التفسير أقربه رقم : ٧٤٤٢.

٢٨
تفسير سورة آل عمران : ٩٧
نجيح، عن مجاهد: ((فيه آية بينة))، (١) قال: قد مَاهُ فى المقام آية بينة . يقول:
((ومن دخله كان آمناً))، قال : هذا شىء آخر .
٧٤٥٣ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
ليث، عن مجاهد: ((فيه آية بينة مقام إبراهيم))، قال: أثرُ قدميه فى المقام،
آية بينة .
...
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال فى تأويل ذلك بالصواب ، قولُ من قال :
((الآيات البينات، منهنّ مقام إبراهيم))، وهو قول قتادة ومجاهد الذى رواه معمر
عنهما. فيكون الكلام مراداً فيه ((منهن))، فترك ذكرُه اكتفاء بدلالة الكلام
عليها .
٠
٥
فإن قال قائل : فهذا المقامُ من الآيات البينات ، فما سائر الآيات التى
من أجلها قيل: ((آيات بينات)) ؟
قيل : منهنّ المقام، ومنهن الحجرُ، ومنهن الحطيمُ.
٠٠
وأصحّ القراءتين فى ذلك قراءة من قرأه: (٢) ((فيه آياتٌ بيناتٌ)) على الجماع،
الإجماع قرأة أمصار المسلمين على أن ذلك هو القراءة الصحيحة دون غيرها .
٠٠
وأما اختلاف أهل التأويل فى تأويل: ((مقام إبراهيم))، فقد ذكرناهُ فى
((سورة البقرة))، وبينا أولى الأقوال بالصواب فيه هنالك، وأنه عندنا المقامُ
المعروف به . (٣)
٠
(١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((فيه آيات بينات))، وهوهنا يذكر قول مجاهد فى قراءة ابن عباس
على الإفراد، فكتبها الناسخ على قراءته بالجمع. ورددتها إلى ما ينبغى، ودليل ذلك السهو من الناسخ فى
الأثر التالى .
(٢) فى المطبوعة: ((من قرأ)). وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) انظر ما سلف ٣ : ٣٣ - ٣٧.

٢٩
تفسير سورة آل عمران : ٩٧
فتأويل الآية إذاً: إنّ أول بيت وضع للناس مباركاً وهدى للعالمين، للَّذى
ببكة، فيه علاماتٌ بيناتٌ من قدرة اللّه وآثار خليله إبراهيم، منهن أثر قَدَم خليله
إبراهيم صلى الله عليه وسلم فى الحجر الذى قامَ عليه .
القول فى تأويل قوله ﴿ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنّاً﴾
اختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك .
فقال بعضهم: تأويله : الخبرُ عن أنّ كل من جرّ فى الجاهلية جريرةً ثم
عاذَ بالبيت ، لم يكن بها مأخوذاً .
* ذكر من قال ذلك :
٧٤٥٤ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((ومن دخله كان آمناً))، وهذا كان فى الجاهلية، كان الرّجل لو جرّ كل
جريرة على نفسه ، ثم لجأ إلى حَرَم اللّه، لم يُتناول ولم يُطلب. فأما فى الإسلام
فإنه لا يمنع من حدود الله، مَنْ سَرَق فيه ◌ُقُطع، ومن زَنى فيه أقيمَ عليه الحدّ ،
ومن قَتل فيه قُتل = وعن قتادة: أن الحسن كان يقول: إنّ الحرم لا يمنع من
حدود الله. لو أصاب حدًا فى غير الحرم ، فلجأ إلى الحرم ، لم يمنعه ذلك أن
"يُقام عليه الحدّ.
...
، ورأى قتادةُ ما قاله الحسن .
٥
٧٤٥٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة قوله: (( ومن دخله كان آمناً)) ، قال : كان ذلك فى الجاهلية .

٣٠
1
تفسير سورة آل عمران : ٩٧
فأما اليوم ، فإن سرق فیه أحدٌ قطع، وإن قتل فيه قتل ، ولو قدر فيه على
المشركين قُتِلوا.
٧٤٥٦ -حدثنا سعيد بن یحی الأموی قال، حدثنا عبد السلام بنحرب
قال ، حدثنا خصيف ، عن مجاهد = فى الرجل يقتل ثم يدخل الحرم = قال :
يؤخَذ، فيخرج من الحرم ، ثم يقام عليه الحد . يقول : القتل.
٧٤٥٧ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة ،
عن حماد ، مثل قول مجاهد .
٧٤٥٨ - حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا ، حدثنا ابن إدريس قال ،
أخبرنا هشام ، عن الحسن وعطاء = فى الرجل يصيب الحدّ ويلجأ إلى الحرم =
يُخرج من الحرم، فيقامُ عليه الحد .
قال أبو جعفر: فتأويل الآية على قول هؤلاء : فيه آيات بينات مقام إبراهيم،
والذى دخله من الناس كان آمناً بها فى الجاهلية .
وقال آخرون : معنى ذلك : ومن يَدْخله يكن آمناً بها= بمعنى الجزاء،
كنحو قول القائل: ((من قامَ لى أكرمته))، بمعنى: من يَقم لى أكرمه . وقالوا:
هذا أمرٌ كان فى الجاهلية ، كان الحرمُ مَفزّع كل خائف. وملجأ كل جانٍ ،
لأنه لم يكن يُهاجُ به ذو جريرة ، ولا يَعرِض الرّجل فيه لقاتل أبيه وابنه بسوء.
قالوا : وكذلك هو فى الإسلام ، لأن الإسلام زادَه تعظيماً وتكريماً .
• ذكر من قال ذلك :
٧٤٥٩ - حدثنى محمد بن عبد الملك بن أبى الشوارب قال، حدثنا عبد الواحد
ابن زياد قال ، حدثنا خصيف قال ، حدثنا مجاهد قال ، قال ابن عباس : إذا
أصاب الرجل الحدَّ: قتل أو سرق، فدخل الحرم، لم يُبايع ولم يُؤْوَ، حتى يتبرّم
فيخرج من الحرم ، فيقام عليه الحد. قال: فقلت لابن عباس: ولكنى لا أُرَى

٣١
تفسير سورة آل عمران : ٩٧
ذلك! أرى أن يؤخذ برُمّته، (١) ثم يخرج من الحرم ، فيقام عليه الحد ، فإن
الحرم لا يزيده إلاّ شدّة.
٧٤٦٠ - حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا، حدثنا ابن إدريس قال ، ١٠٤
حدثنا عبد الملك ، عن عطاء قال : أخذَ ابن الزبير سعداً مولى معاوية - وكان
فى قلعة بالطائف - فأرسل إلى ابن عباس من يُشاوره فيهم: إنهم لنا عدوّ. (٢)
فأرسل إليه ابن عباس: لو وجدت قاتل أبى لم أعرض له . قال : فأرسل إليه ابن
الزبير : ألا نخرجهم من الحرم؟ قال : فأرسل إليه ابن عباس : أفلا قبل أن
تدخلهم الحرم ؟ = زاد أبو السائب فى حديثه: فأخرجهم فصلبهم ، ولم ينظر إلى
قول ابن عباس .(٣)
٧٤٦١ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا حجاج،
عن عطاء ، عن ابن عباس قال : من أحدث حدثاً فى غير الحرم ، ثم لجأ إلى
الحرم لم يُعرَض له، ولم يبايع، ولم يكلَّم، ولم يؤوَ، حتى يخرج من الحرم.
فإذا خرج من الحرم ، أخيذ فأقيم عليه الحد . قال : ومن أحدث فى الحرم حدثاً
أقيم عليه . (٤)
(١) الرمة ( بضم الراء وتشديد الميم المفتوحة): قطعة حبل يشد بها الأسير أو القاتل إذا قيد
إلى القتل للقود. وقوله: أخذ برمته ( بالبناء للمجهول): أى أخذ قسراً حتى يقتل .
(٢) فى المطبوعة ((لنا عين))، ولا معنى لها. وفى المخطوطة: ((لنا عرق))، ولم أجد لها وجهاً،
وهى مصحفة، فرأيت أن أقرب ذلك إليها ((عدو)) فأثبتها ، مع مخافى أن لا تكون كذلك .
(٣) فى المطبوعة: ((ولم يصغ إلى قول ابن عباس))، وفى المخطوطة ((لم ينطق إلى قول ابن عباس))
وهى لا معنى لها ، وهى مصحفة ، وأقرب ما يكون صوابها ، هو ما أثبته .
هذا ولم أجد هذا الأثر فى مكان بعد الجهد ، وقد أشاروا إلى خبر ابن عباس وابن الزبير فى
كثير من الكتب، ولكنهم لم يأتوا فيه بهذا النص. وقد روى الأزرق فى أخبار مكة ٢ : ١١١ معنى
هذا الأثر فقال: ((حدثنا أبو الوليد، قال حدثنى جدى ، عن سعيد بن سالم ، عن ابن جريج ، عن
عطاء: أفكر ابن عباس قتل ابن الزبير سعداً مولى عتبة وأصحابه ... )) ولم يقل ((مولى معاوية)).
وأخشى أن يكون ((مولى عتبة))، يعنى: عتبة بن أبى سفيان. وقد ذكر الطبرى سعداً مولى معاوية فى تاريخه
٦ : ١٨٣، ١٨٤ فقال: ((وكان على حجابه سعد مولاء)). وهذا يحتاج إلى تحقيق لم يتيسر لى عند
كتابة هذا . فأرجو أن أبلغ منه ما أريد إن شاء الله .
(٤) فى المطبوعة: ((أقيم عليه الحد))، زاد!(( الحد))، وأثبت ما فى المخطوطة، فهو صواب.

٣٢
تفسير سورة آل عمران : ٩٧
٧٤٦٢ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا إبراهيم بن إسمعيل بن نصر السُّلمى،
عن ابن أبى حبيبة ، عن داود بن حصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أنه قال :
من أحدث حدثاً ثم استجار بالبيت فهو آمن ، وليس للمسلمين أن يعاقبوه على
شىء إلى أن يخرج. فإذا "خرَج أقاموا عليه الحدّ.(١)
٧٤٦٣ - حدثنى يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، حدثنا حجاج ، عن عطاء
عن ابن عمر قال : لو وجدتُ قاتل عمر فى الحرَم ، ما هِجْتُه.
٧٤٦٤ - حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا، حدثنا ابن إدريس قال ،
حدثنا ليث ، عن عطاء : أن الوليد بن عتبة أرادَ أن يُقيم الحدّ فى الحرم، فقال
له ◌ُبيد بن عمير : لا تقم عليه الحد فى الحرَم ، إلا أن يكون أصابه فيه .
٧٤٦٥ - حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا، حدثنا ابن إدريس قال ،
أخبرنا مطرف ، عن عامر قال : إذا أصاب الحدّ ثم هرب إلى الحرم ، فقد أمن .
فإذا أصابه فى الحرم ، أقيم عليه الحدّ فى الحرم .
٧٤٦٦ - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا مؤمل قال ، حدثنا سفيان ، عن
فراس ، عن الشعبى قال : من أصاب حدًّا فى الحرم أقيم عليه فى الحرم . ومن
أصابه خارجاً من الحرم ثم دخل الحرم، لم يكلّم ولم يبابع حتى يخرج من الحرم ،
فيقام عليه .
٧٤٦٧ - حدثنا سعيد بن یحی الأموی قال، حدثنا عبد السلام بن حرب
قال ، حدثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير= وعن عبد الملك، عن عطاء
ابن أبى رباح = فى الرجل يقتل ثم يدخل الحرم = قال : لا يبيعه أهلُ مكة
ولا يشترون منه ، ولا يسقونه ولا يطعمونه ولا يؤونه = عدّ أشياء كثيرة = حتى
(١) الأثر: ٧٤٦٢ - ((إبراهيم بن إسماعيل بن نصر السلمى)) هو التبان، مضى فى مثل هذا
الإسناد رقم: ٣٤٣٩، ٣٤٨٤، ٣٥٢١. ((وابن أبى حبيبة))، هو إبراهيم بن إسماعيل بن أبى حبيبة
الأشهل . مضى فيها وفى رقم : ٤٣١٩.

٣٣
تفسير سورة آل عمران : ٩٧
يخرج من الحرم ، فيؤخذ بذنبه .
٧٤٦٨ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : أن الرجل إذا أصاب
حدًّا ثم دخل الحرم، أنه لا يُطعَّمَ، ولا يُسقى، ولا يؤوَى، ولا يكلَّم، ولا يُنكح،
ولا يبايع . فإذا خرج منه أقيم عليه الحد .
٧٤٦٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنى حجاج قال، حدثنا حماد ، عن عمرو
ابن دينار ، عن ابن عباس قال : إذا أحدث الرجل حدثاً ثم دخل الحرم ، لم
يُؤْوَ، ولم يجالس، ولم يبايع، ولم يطعَمَ، ولم يُسْق، حتى يخرج من الحرم.
٧٤٧٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا حجاج قال ، حدثنا حماد ، عن عطاء
ابن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس مثله .
٧٤٧١ - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى: أما قوله: ((ومن دخله كان آمناً))، فلو أنّ رجلا
قتلَ رجلاً ، ثم أتى الكعبة فعاذَ بها ، ثم لقيه أخو المقتول لم يحلّ له أبداً أن
يقتله .
٠ ٠
وقال آخرون : معنى ذلك : ومن دخله يكن آمناً من النار .
• ذكر من قال ذلك :
٧٤٧٢ - حدثنا على بن مسلم قال، حدثنا أبو عاصم قال ، أخبرنا رزيق
ابن مسلم المخزومى قال ، حدثنا زياد بن أبى عياش، عن يحيى بن جعدة فى قوله :
(((ومن دخله كان آمناً))، قال: آمناً من النار .(١)
...
(١) الخبر: ٧٤٧٢ - هذا أثر ليس بحجة فى نفسه على أحد. هو قول فى معنى الآية قاله
تابعى، رأى من الآراء . فإن يحيى بن جعدة بن هبيرة القرشى المخزومى: تابعى ثقة . ولكنه فى هذا الخبر
لم يرو شيئاً عن غيره .
ج ٧ (٣)

٣٤
٠٠
تفسير سورة آل عمران : ٩٧
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال فى ذلك عندنا بالصواب ، قول ابن الزبير
ومجاهد والحسن، ومن قال: « معنى ذلك: ومن دخله من غيره ممن لجأ إليه عائذاً به،
كان آمناً ما كان فيه ، ولكنه يُخرج منه فيقام عليه الحد ، إن كان أصاب
ما يستوجبه فى غيره ثم لجأ إليه . وإن كان أصابه فيه أقيمَ عليه فيه )) .
٥
فتأويل الآية إذاً : فيه آيات بينات مقامُ إبراهيم ، ومن يدخله من الناس
مستجیراً به ، یکن آمناً مما استجار منه ما كان فيه ، حتى يخرج منه .
٠ ٠
فإن قال قائل : وما منعك من إقامة الحد عليه فيه ؟
قيل : لاتفاق جميع السلف على أنّ من كانت جريرته فى غيره ثم عاذ به ،
١١/٤
إنما المشكل هنا رجال الإسناد !
رزيق بن مسلم المخزومى : هكذا ثبت هنا فى المطبوعة والمخطوطة ، ولكن المخطوطة لم تنقط فيها الزاى ،
فاحتمل أن يكون ((رزيق)) بتقديم الراء، أو ((زريق)) بتقديم الزاى. ووقع فى ابن كثير ٢ : ١٩٣،
نقلا عن إسناد هذا الأثر من تفسير ابن أبى حاتم «زريق بن مسلم الأعمى مولى بنى مخزوم)) - بتقديم
الزاى . وليست مطبوعة ابن كثير بعمدة فى التصحيح .
ولم أجد لهذا الرجل ترجمة بعد طول البحث والعناء . إلا أن الحافظ الذهبى فرق فى المشتبه ، ص :
٢٢٠ - ٢٢٤ بين تقديم الراء وتأخيرها فى هذا الرسم، مستوعباً كل الأعلام فيه أو يكاد . وتبعه الحافظ
فى تحرير المشتبه ( مخطوط). وزاد عليه ما فاته. فقال الذهبى - فى تقديم الراء -: ((ورزيق بن هشام ،
عن زياد بن أبى عياش)). ثم ذكر آخر، ثم قال: ((ورزيق الأعمى، عن أبى هريرة. واه)).
وهذا الواهى مترجم بإيجاز فى لسان الميزان .
ولم أستطع الجزم بأن هذين أو أحدهما هو المذكور فى هذا الإسناد . فإن اتفاق روايتى الطبرى
وابن أبى حاتم على تسميته ((رزيق بن مسلم)) - يبعد معه الظن بتحريفه عن ((رزيق بن هشام)). ولكن
اتفاق اسم شيخه عند ابن أبى حاتم مع ما ذكره الذهبي يكاد يرجح أنه هو .
وأما ترجيح أنه بتقديم الراء ، خلافاً لما ثبت فى مطبوعة ابن كثير ، فرده إلى ارتفاع الثقة بتصحيحها .
وشيخه ((زياد بن أبى عياش)): لم أجد له ترجمة أيضاً، إلا ذكره فى المشتبه والتحرير. وثبت
فى مطبوعة الطبرى هنا ((زياد بن أبى عياض))، بالضاد . وهو تحريف، صوابه ما فى ابن كثير عن
إسناد ابن أبى حاتم. وكذلك ثبت فى مخطوطة الطبرى، ولكن بدون نقط على الشين، كأنه ((عباس)).
وهو خطأ واضح، أو تساهل فى إعجام الحرف. ورجح إعجامه ثبوته بالشين معجمة فى المشتبه والتحرير .
وزادنا توثيقاً الحافظ حين نص عليه فى تحرير المشتبه ، فقال فيما زاد، على الذهبى استكمالا لمن عرف
باسم ((عياش)) -: ((وزياد بن أبى عياش، عن يحيى بن جمدة)).
٠٠

٣٥
تفسير سورة آل عمران : ٩٧
فإنه لا يؤخذ بجريرته فيه . وإنما اختلفوا فى صفة إخراجه منه لأخذه بها .
فقال بعضهم : صفة ذلك : منعه المعانىَ التى يضطرّ مع منعه وفقده إلى
الخروج منه .
وقال آخرون : لا صفة لذلك غيرُ إخراجه منه بما أمكن إخراجه من المعانى
التى تُوصِّل إلى إقامة حدّ اللّه عليه معها .
فلذلك قلنا : غيرُ جائز إقامة الحد عليه فيه إلاّ بعد إخراجه منه . فأما من
أصاب الحدّ فيه ، فإنه لا خلاف بين الجميع فى أنه يقامُ عليه فيه الحد . فكلتا
المسألتين أصل ◌ُجْمَعَ على حكمهما على ما وصفنا.
٠ ٠
فإن قال لنا قائل : وما دلالتك على أن إخراج العائذ بالبيت = إذا أتاه
مستجيراً به من جريرة جرّها . أو من حدٌّ أصابه = من الحرم ، جائزٌ لإقامة
الحد عليه، وأخذه بالجريرة، وقد أقررتَ بأن الله عز وجل قد جعل من دخله آمناً،
ومعنى ((الآمن)) غير معنى ((الخائف))؟ فما هما فيه مختلفان ؟(١)
قيل : قلنا ذلك ، لإجماع الجميع من المتقدمين والمتأخرين من علماء الأمة ،
على أنّ إخراج العائذ به = من جريرة أصابها أو فاحشة أتاها وجبتْ عليه بها عقوبة
منه = ببعض معانى الإخراج لأخذه بما لزمه ، واجبٌ على إمام المسلمين وأهلِ
الإسلام معه . (١)
وإنما اختلفوا فى السبب الذى ◌ُخرّج به منه .
فقال بعضهم: السبب الذى يجوز إخراجه به منه: ترك جميع المسلمين مبايعته
وإطعامَه وسقيه وإيواءَه وكلامه ، وما أشبه ذلك من المعانى التى لا قرار للعائذ به
(١) فى المطبوعة: ((فيما هما فيه مختلفان))، وفى المخطوطة ((مما)) غير منقوطة، وصواب قراءتها
ما أثبته ، على الاستفهام. يقول: فيم يختلف معنى الآمن ومعى الخائف فى الحرم ؟
(٢) سياق هذه الجملة: (( ... على أن إخراج العائذ به ... ببعض معانى الإخراج ... واجب
على إمام المسلمين ... » .

٣٦
تفسير سورة آل عمران : ٩٧
فيه مع بعضها ، فكيف مع جميعها؟
وقال آخرون منهم : بل إخراجه لإقامة ما لزمه من العقوبة ، واجبٌ بكل
معانى الإخراج .
= فلما كان إجماعاً من الجميع على أنّ حكم الله - فيمن عاذ بالبيت من حدّ
أصابه أو جريرة جرّها - إخراجه منه، لإقامة ما فرض الله على المؤمنين إقامته
عليه ، ثم اختلفوا فى السبب الذى يجوز إخراجُه به منه = كان اللازم لهم ولإمامهم
إخراجه منه بأىّ معنى أمكنهم إخراجه منه ، حتى يقيموا عليه الحدّ الذى لزمه
خارجاً منه إذا كان لجأ إليه من خارج ، على ما قد بينا قبل .
٠
وبعدُ، فإن الله عز وجل لم يضع حدًّا من ◌ُحُدُوده عن أحد من خلقه من أجل
بُقعة وموضع صار إليها من لزمه ذلك، وقد تظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم أنه قال :
٧٤٧٣ - ((إنى حرمت المدينة كما حرّم إبراهيم مكة)).(١)
= ولا خلاف بين جميع الأمة أنّ عائذاً لو عاذّ من عقوبة لزمته بحرَم النبى
صلى اللّه عليه وسلم ، يؤاخذ بالعقوبة فيه . ولولا ما ذكرت من إجماع السلف
على أنّ حرَم إبراهيم لا يقام فيه على من عاذَ به من عقوبة لزمته حتى يخرج منه
ما لزمه ، لكان أحقّ البقاع أن تؤدّى فيه فرائض اللّه التى ألزمها عبادَه من قتل
أو غيره، أعظم البقاع إلى الله، كحرم اللّه وحرَم رسوله صلى الله عليه وسلم، ولكنا
أمرنا بإخراج من أمرنا بإخراجه من حَرَم اللّه لإقامة الحد ، لما ذكرنا من فعل
الأمة ذلك وراثة .
٠
(١) الأثر: ٧٤٧٣ - رواه أبو جعفر بغير إسناد، وهو حديث صحيح، ولفظه فى مسلم:
٩ : ١٣٤ والبخارى ( الفتح ٤: ٢٩٠).

٣٧
تفسير سورة آل عمران : ٩٧
فمعنى الكلام = إذ كان الأمر على ما وصفنا =: ومن دخله كان آمناً ما كان
فيه . فإذ كان ذلك كذلك ، فمن لجأ إليه من عقوبة لزمته عائذاً به ، ، فهو آمن
ما كان به حتى يخرج منه، وإنما يصير إلى الخوف بعد الخروج أو الإخراج
منه ، فحينئذ هو غيرُ داخله ولا هو فيه .
...
القول فى تأويل قوله ﴿وَلِلْهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَعَ
إِلَيْهِ سَيلاً﴾
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه: وفرضٌ واجبٌ للّه = على من استطاع
من أهل التكليف السبيل إلى حجّ بيته الحرام = الحج إليه .
٠ ٠
وقد بينا فيما مضى معنى ((الحج))، ودللنا على صحة ما قلنا من معناه ، بما
أغنى عن إعادته فى هذا الموضع . (١)
واختلف أهل التأويل فى تأويل قوله عز وجل: ((من استطاع إليه سبيلاً ))،
وما السبيل التى يجبُ مع استطاعتها فرض الحج ؟
فقال بعضهم : هى الزّاد والراحلة .
• ذكر من قال ذلك :
٧٤٧٤ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن بكر قال، أخبرنا
ابن جريج قال ، قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: (( من استطاع إليه سبيلا))،
قال : الزاد والراحلة .
٧٤٧٥ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن بكر قال ، أخبرنا ابن
(١) انظر ما سلف ٣: ٢٢٨، ٤/٢٢٩: ٢١.

٣٨
تفسير سورة آل عمران : ٩٧
جريج قال ، قال عمرو بن دينار : الزاد والراحلة .
٧٤٧٦ - حدثنا أبو کریب قال ، حدثنا و کیع ، عن أبى جناب ، عن
الضحاك، عن ابن عباس فى قوله: ((من استطاع إليه سبيلاً))، قال : الزاد
والبعير . (١)
٧٤٧٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
١٢/٤ معاوية، عن على، عن ابن عباس قوله: ((ولله على الناس حج البيت من استطاع
إليه سبيلا ))، والسبيل ، أن يصحّ بدن العبد ، ويكون له ثمن زاد وراحلة من غير
أن يُجتحف به .
٧٤٧٨ - حدثنا خلاد بن أسلم قال ، حدثنا النضر بن شميل قال ، أخبرنا
إسرائيل، عن أبى عبد الله البجلى قال: سألت سعيد بن جبير عن قوله: ((من
استطاع إليه سبيلاً ))، قال قال أبن عباس: من ملك ثلثمئة درهم فهو السبيل إليه .
٧٤٧٩ - حدثنى محمد بن سنان قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن إسحق بن
عثمان قال : سمعت عطاء يقول : السبيلُ ، الزاد والراحلة .
٧٤٨٠ -حدثی محمد بن الحسین قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا
أسباط ، عن السدى: أما ((من استطاع إليه سبيلا))، فإن ابن عباس قال:
السبيلُ ، راحلةٌ وزادٌ .
٧٤٨١ - حدثنى المثنى وأحمد بن حازم قالا، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا
سفيان، عن محمد بن سوقة ، عن سعيد بن جبير: ((من استطاع إليه سبيلا)) ،
قال : الزاد والراحلة .
(١) الأثر: ٧٤٧٦ - ((أبو جناب الكلبى)). هو ((يحيى بن أبى حية))، واسم ((أبى حية)» حى.
روى عن أبيه، وعبد الرحمن بن أبى ليلى، والضحاك بن مزاحم، والحسن البصرى وغيرهم . روى عنه
الثورى ، وابن عيينة ، وهشيم ، ووكيع وغيرهم. فتكلم فيه لأنه كان يدلس فأفسد أحاديثه ، كان
يحدث بما لم يسمع. مترجم فى التهذيب. وكان فى المطبوعة: ((أبو خباب))، وهو خطأ، وفى المخطوطة:
(( أبو خباب)) غير منقوطة.

٣٩
تفسير سورة آل عمران : ٩٧
٧٤٨٢ - حدثنا أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال ، أخبرنا الربيع
ابن صبيح، عن الحسن ، قال : الزادُ والراحلة .
٧٤٨٣ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير، عن منصور، عن الحسن
قال: قرأ النبى صلى الله عليه وسلم هذه الآية: ((ولله على الناس حج البيت من
استطاع إليه سبيلاً ))، فقال رجلٌ: يا رسول اللّه، ما السبيل؟ قال: الزاد
والراحلة .
٠ ٠
واعتل قائلو هذه المقالة بأخبار رويت عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بنحو
ما قالوا فى ذلك .
* ذكر الرواية بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
٧٤٨٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
إبراهيم بن يزيد الخوزى قال : سمعت محمد بن عباد بن جعفر يحدث ، عن ابن
عمر قال: قام رجلٌ إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: ما السبيل ؟ قال:
الزاد والراحلة .(١)
(١) الحديث: ٧٤٨٤ - إبرهيم بن يزيد المكى الخوزى: ضعيف جداً. ضعفه أحمد، وابن
معين ، وأبو زرعة ، وأبو حاتم ، وغيرهم .
((الخوزى)) بضم الخاء المعجمة: نسبة إلى ((شعب الخوز بمكة))، كما فى اللباب وغيره.
محمد بن عباد بن جعفر المخزومى المكى : تابعى ثقة .
والحديث جزء من حديث مطول، رواه الترمذى٤: ٨١ - ٨٢، عن عبد بن حميد ، عن عبد الرزاق ،
بهذا الإسناد. وقال: ((هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث إبرهيم بن يزيد الحوزى المكى . وقد تكلم
بعض أهل العلم فى إبرهيم بن يزيد من قبل حفظه)) .
ورواه قبل ذلك ٢ : ٧٩ ، مختصراً، من طريق وكيع ، عن إبرهيم بن يزيد ، بهذا الإسناد .
وقال: ((هذا حديث حسن)). ثم ذكر علته بإبرهيم الحوزى.
ورواء الشافعى فى الأم ٢ : ٩٩ - مطولا - عن سعيد بن سالم، عن إبرهيم الخوزى. وأشار
إلى ضعف إسناده. ومن طريقه رواه البيهقى فى السنن الكبرى ٤: ٣٣٠.
ورواه ابن ماجة: ٢٨٩٦ - مطولا أيضاً - من طريق وكيع ، عن إبرهيم الحوزى.
وسيأتى عقب هذا ، من رواية أبي حذيفة ، عن سفيان ، وهو الثورى ، عن إبرهيم الخوزى .
وكذلك رواه البيهقى ٤ : ٣٢٧، من طريق ثلاثة أحدهم أبو حذيفة ، عن سفيان .

٤٠
تفسير سورة آل عمران : ٩٧
٧٤٨٥ - حدثنى محمد بن سنان قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا
سفيان ، عن إبراهيم الخوزى ، عن محمد بن عباد ، عن ابن عمر : أن النبى
صلى الله عليه وسلم قال فى قوله عز وجل: ((من استطاع إليه سبيلا))، قال :
السبيل إلى الحج ، الزاد والراحلة .(١)
٧٤٨٦ - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا
يونس - وحدثنى يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا ابن علية ، عن يونس = عن
الحسن قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ولله على الناس حج البيت من
استطاع إليه سبيلاً))، قالوا: يا رسول اللّه، ما السبيل؟ قال: الزادُ والراحلة.(٢)
وذكره السيوطى ٢: ٥٥ - ٥٦، مطولا، وزاد نسبته لابن أبى شيبة، وعبد بن حميد، وابن
المنذر ، وابن أبى حاتم ، وابن عدى ، وابن مردويه .
وذكره ابن كثير ٢ : ١٩٥ - ١٩٦، من رواية الترمذى المطولة. ثم أشار إلى روايته الأخرى ،
وإلى رواية ابن ماجة. ثم قال: ((لا يشك أن هذا الإسناد رجاله كلهم ثقات، سوى الخوزى هذا،
وقد تكلموا فيه من أجل هذا الحديث . لكن قد تابعه غيره)). ثم ذكره من رواية ابن أبى حاتم ، عن
أبيه ، عن عبد العزيز بن عبد الله العامرى، عن محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثى، عن محمد
ابن عباد بن جعفر، عن عبد الله بن عمر - بهذا الحديث نحوه، متصراً. ثم ذكر أنه «رواه ابن
مردويه ، من رواية محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير، به)).
وهذا الإسناد الآخر الذى نقله ابن كثير عن ابن أبى حاتم وابن مردويه - ضعيف أيضاً:
محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثى المكى: ضعيف جداً. قال البخارى فى الكبير ١/١ /١٤٢:
((ليس بذاك الثقة)). وروى ابن أبى حاتم ٢٠٠/٢/٣ عن ابن معين قال: ((ليس حديثه بشىء)).
وقال النسائى فى الضعفاء، ص ٢٦: ((متروك الحديث)). وانظر ترجمته فى لسان الميزان ٥ : ٢١٦ -
٢١٧ .
وانظر الأحاديث الآتية : ٧٤٨٥ - ٧٤٩١ .
وانظر أيضاً قول الطبرى، الآتى، ص: ٤٥، ((أنها أخبار فى أساقيدها نظر، لا يجوز
الاحتجاج بمثلها فى الدين » .
(١) الحديث: ٧٤٨٥ - أبو حذيفة: هو النهدى البصرى، موسى بن مسعود. وقد مضى
توثيقه : ٢٨٠، ١٦٩٣.
سفيان : هو الثورى .
والحديث مكرر ما قبله . وقد بينا هناك أن البيهقى رواه ٤ : ٣٢٧، من طريق أبي حذيفة - هذا -
وغيره ، عن الثورى .
(٢) الحديث : ٧٤٨٦ - هذا حديث مرسل عن الحسن البصرى.