Indexed OCR Text
Pages 561-580
٥٦١ تفسير سورة آل عمران : ٨١ وأما قوله: ((قالوا أقررنا))، فإنه يعنى به : قال النبيون الذين أخذ الله ميثاقهم بما ذكر فى هذه الآية : أقرَرْنا بما ألزمتنا من الإيمان برسلك الذين ترسلهم مصدّقين لما معنا من كتبك ، وبنصرتهم . القول فى تأويل قوله ﴿ قَالَ فَاشْهَدُ واْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَِّدِينَ﴾ (4) قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : قال اللّه : فاشهدوا ، أيها النبيون ، بما أخذتُ به ميثاقكم من الإيمان بتصديق رسلى التى تأتيكم بتصديق ما معكم من الكتاب والحكمة، ونُصرتهم على أنفسكم وعلى أتباعكم من الأمم إذا أنتم أخذتم ميثاقهم على ذلك ، وأنا معكم من الشاهدين عليكم وعليهم بذلك ، كما : - ٧٣٣٨ - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسمق قال، حدثنا عبد الله بن هاشم قال، قال ، أخبرنا سيف بن عمر ، (١) عن أبى روق ، عن أبى أيوب ، عن على بن أبى طالب فى قوله: ((قال فاشهدوا))، يقول: فاشهدوا على أممكم بذلك = ((وأنا معكم من الشاهدين))، عليكم وعليهم . ٠ # (١) فى المطبوعة هنا أيضاً ((سيف بن عمرو))، مخالفاً لما فى المخطوطة وهو الصواب. وقد سلف تصويب ذلك فى الأثر رقم: ٧٣٢٩. وسيأتى خطأ فيما يلى، فى مواضع كثيرة ، سوف أصصحه دون إشارة إليه . ج ٦ (٣٦) ٥٦٢ تفسير سورة آل عمران : ٨٢ القول فى تأويل قوله ﴿ فَمَن تَوَلَّهُ بَعْدَ ذلِكَ فَأُوْلَنَّبِكَ مُ ١٠٠۵ الْفُسِقُونَ) ® قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : فمن أعرض عن الإيمان برسلى الذين أرسلتهم بتصديق ما كان مع أنبيائى من الكتب والحكمة ، وعن نصرتهم ، فأدبر ولم يؤمن بذلك، ولم ينصر، ونكث عهده وميثاقه = ((بعد ذلك))، يعنى بعد العهد والميثاق الذى أخذَه اللّه عليه = ((فأولئك هم الفاسقون))، يعنى بذلك: أن المتولين عن الإيمان بالرسل الذين وصف أمرَهم ، وُنُصرتهم بعد العهد والميثاق اللذين أخذاً ٢٣٩/٣ عليهم بذلك = ((هم الفاسقون))، يعنى بذلك: الخارجون من دين الله وطاعة ربهم، (١) كما :- ٧٣٣٩ - حدثنا المثنى قال حدثنا إسمق قال، حدثنا عبد الله بن هاشم قال ، قال ، أخبرنا سيف بن عمر ، عن أبى روق ، عن أبى أيوب ، عن على بن أبى طالب: فمن تولى عنك، يا محمد، بعد هذا العهد من جميع الأمم = ((فأولئك هم الفاسقون ))، هم العاصون فى الكفر . ٧٣٤٠ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه - قال أبو جعفر: يعنى الرازى = (٢): ((فمن تولى بعد ذلك)) يقول: بعد العهد والميثاق الذى أخذَ عليهم = ((فأولئك هم الفاسقون)). (١) انظر تفسير ((تولى)) و((الفاسقون)) فيما سلف من فهارس اللغة (ولى) و (فسق). (٢) قوله: ((قال أبو جعفر)) فيما بين الخطين، هو أبو جعفر الطبرى صاحب هذا التفسير. وقوله ((يعنى الرازى))، يعنى ((أبا جعفر الرازى)) الذى قال فى الإسناد (( حدثنا ابن أبى جعفر، عن أبيه)). وبيان الطبرى فى هذا الموضع عن ((أبى جعفر الرازى)) بعد أن مضى مئات من المرات فى هذا الإسناد وغيره من الأسانيد ، دليل على أن أبا جعفر الطبرى ، قد كتب تفسيره هذا على فترات متباعدة = أو لعل أحداً سأله وهو يملى تفسيره ، فبين له ، وأثبته الذين سمعوه منه كما قاله فى مجلسه ذاك . وقد مضى ((ذكر أبى جعفر الرازى)) فى التعليق على الأثر رقم : ١٦٤ . ٥٦٣ تفسير سورة آل عمران: ٨٣،٨٢ ٧٣٤١-حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبى جعفر، [عن أبيه]، عن الربيع مثله.(١) ٠ ٠ قال أبو جعفر : وهاتان الآيتان، وإن كان ◌َخْرَج الخبر فيهما من اللّه عز وجل بما أخبر أنه أشهد وأخذ به میثاق من أخذَ میثاقه به، عن أنبيائه ورسله، (٢) فإنه مقصودٌ به إخبارُ من كان حوالى مهاجَر رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهود بنى إسرائيل أيام حياته صلى الله عليه وسلم، تعمدًّا للّه عليهم من العهد فى الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم = (٣) ومعنىٌ" [ به] تذكيرُهم ما كان اللّه آخذاً على آبائهم وأسلافهم من المواثيق والعهود، وما كانت أنبياءُ اللّه عرَّفتهم وتقدّمت إليهم فى تصديقه واتباعه ونُصرته على من خالفه وكذبه = وتعريفهم ما فى كتب اللّه، التى أنزلها إلى أنبيائه التى ابتعثها إليهم ، من صفته وعلامته . ٠ القول فى تأويل قوله ﴿أَفَيْرِ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِىِ السَُّوَّتِ وَالْأَرْضِ طَوْعَاً وَكَرْهَا وَإِلَيْهِ يُرْجَمُونَ ) ( قال أبو جعفر : اختلفت القرأة فى قراءة ذلك : فقرأته عامة قرأة الحجاز من مكة والمدينة، وقرأةُ الكوفة: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اُللهِ تَبْغُونَ ﴾، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ على وجه الخطاب . (١) الأثر: ٧٣٤١ - هذا إسناد دائر فى التفسير، أقربه رقم: ٧٢٣٤، أسقط منه الناسخ ((عن أبيه))، فوضعتها بين القوسين فى مكانها. (٢) السياق: وإن كان مخرج الخبر ... عن أنبيائه ورسله، فإن مقصود به ... (٣) فى المطبوعة والمخطوطة: ((ومعنى تذكيرهم ... ))، والصواب الراجح زيادة ما زدت بين القوسين . وسياق هذه الجملة وما بعدها: فإنه مقصود به إخبار من كان حوالى مهاجر رسول الله ... ومعنى به تذكيرهم ... وتعريفهم ما فى كتب الله ... من صفته وعلامته)). فصلتها لتسهل قراءتها وتتبعها. ٥٦٤ تفسير سورة آل عمران : ٨٣ وقرأ ذلك بعض أهل الحجاز ﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ﴾ ﴿ وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ بالياء كلتيهما ، على وجه الخبر عن الغائب . وقرأ ذلك بعض أهل البصرة: ﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ ﴾، على وجه الخبر عن الغائب، ﴿وإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، بالتاء على وجه المخاطبة. # قال أبو جعفر: وأولى ذلك بالصواب، قراءةُ من قرأ: ((أفغير دين اللّه تبغون)) على وجه الخطاب (( وإليه ترجعون)) بالتاء. لأن الآية التى قبلها خطابٌ لهم، فإتباعُ الخطاب نظيره ، أولى من صرف الكلام إلى غير نظيره . وإن كان الوجه الآخر جائزاً ،ما قد ذكرنا فيما مضى قبل : من أن الحكاية يخرج الكلام معها أحياناً على الخطاب كله ، وأحياناً على وجه الخبر عن الغائب ، وأحياناً بعضُه على الخطاب، وبعضُه على الغيبة، فقوله: ((تبغون)) و ((إليه ترجعون)) فى هذه الآية، من ذلك .(١) وتأويل الكلام: يا معشرّ أهل الكتاب = (( أفغيرّ دين اللّه تبغون))، يقول : أفغير طاعة الله تلتمسون وتريدون. (٢) = ((وله أسلم من فى السموات والأرض))، يقول: وله خشع من فى السموات والأرض، فخضع له بالعبودة، (٣) وأقرّ له بإفراد الربوبية، وانقاد له بإخلاص التوحيد والألوهية (٤) = ((طوعاً وكرهاً))، يقول أسلم لله طائعاً من كان إسلامه منهم له طائعاً، وذلك كالملائكة والأنبياء والمرسلين ، (١) انظر ما سلف: ٤٦٤ والتعليق رقم: ٢، والمراجع هناك. وانظر فهرس مباحث العربية. (٢) انظر تفسير ((الدين)) فيما سلف ١: ١١٥، ٣/٢٢١: ٥٧١/ ثم ٢٧٤،٢٧٣:٦ ثم معنى ((يبغى)) فيما سلف ٣: ٤/٥٠٨: ١٠٣ / ثم ١٩٦:٦، تعليق: ٣. (٣) فى المطبوعة: ((العبودية))، وأثبت ما فى المخطوطة، كما سلف مراراً. انظر قريباً: ص : ٥٤٩ تعليق ٢، والمراجع هناك . (٤) انظر تفسير ((أسلم)) فيما سلف ص: ٤٤٩، تعليق: ١، والمراجع هناك. ٥٦٥ تفسير سورة آل عمران : ٨٣ فإنهم أسلموا لله طائعين = ((وكرهاً))، من كان منهم كارهاً . (١) واختلف أهل التأويل فى معنى إسلام الكاره الإسلام وصفته . فقال بعضهم: إسلامه، إقراره بأنّ اللّه خالقه وربُّه، وإن أشرك معه فى العبادة غيره . • ذكر من قال ذلك : ٧٣٤٢ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن سفيان ، عن منصور عن مجاهد: (( وله أسلم من فى السموات والأرض))، قال: هو كقوله: ﴿ وَآئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمُوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ الله﴾ [سورة الزمر: ٣٨]. ٧٣٤٣ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن منصور ، عن مجاهد مثله . ٧٣٤٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، عن أبى العالية فى قوله: ((وله أسلم من فى السموات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه ترجعون))، قال: كل آدمىّ قد أقرّ على نفسه بأن الله ربّى وأنا عبده . فمن أشرَكَ فى عبادته فهذا الذى أسلم كَرْهاً ، ومن أخلص له العبودة ، (٢) فهو الذى أسلم طوعاً . وقال آخرون : بل إسلام الكاره منهم ، كان حين أخذَ منه الميثاق فأقرَّ به. • ذكر من قال ذلك : ٧٣٤٥ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن مجاهد، عن ابن عباس: ((وله أسلم من فى السموات والأرض طوعاً وكرهاً )»، قال : حين أخذَ الميثاق . (١) انظر تفسير ((الكره)) فيما سلف ٤: ٢٩٧، ٢٩٨. (٢) فى المطبوعة: ((العبودية))، وانظر التعليق السالف رقم ص: ٥٦٤، رقم: ٣. تفسير سورة آل عمران : ١٣ وقال آخرون ؛ عنى بإسلام الكاره منهم ، سُجُودَ ظله . * ذكر من قال ذلك : ٢٤٠/٣ ٧٣٤٦ - حدثنا سوَّار بن عبد الله قال ، حدثنا المعتمر بن سليمان ، عن ليث، عن مجاهد فى قول الله عز وجل: ((وله أسلم من فى السموات والأرض "طوعاً وكرهاً))، قال: الطائع المؤمن = و((كرهاً))، ظلّ الكافر. ٧٣٤٧ -حدثی محمد بن عمرو قال حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: ((طوعاً وكرهاً))، قال: سجود المؤمن طائعاً ، وسجود الكافر وهو كاره . ٧٣٤٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((كَرْهاً))، قال: سجود المؤمن طائعاً، وسجود ظلّ الكافر وهو كاره . ٧٣٤٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثى حجاج ، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد قال: سجود وجهه طائعاً، وظله كارهاً. (١) ٠ ٠ * وقال آخرون: بل إسلامه بقلبه فى مشيئة الله ، واستقادته لأمره وإن أنكر ألوهته بلسانه . ذكر من قال ذلك : # ٧٣٥٠ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع ، عن إسرائيل، عن جابر ، عن عامر: ((وله أسلم من فى السموات والأرض ))، قال: استقاد كلهم له. (٢) (١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((سجود وجهه وظله طائعاً))، وهو لا يستقيم، واستظهرت من أخبار مجاهد السالفة ، أن هذا هو حق المعنى ، وأنه أولى بالصواب . (٢) الأثر: ٧٣٥٠ - ((جابر))، هو: ((جابر بن يزيد الجعفى)). روى عن أبى الطفيل وأبى الضحى وعكرمة وعطاء وطاوس. روى عنه شعبة والثورى وإسرائيل وجماعة. و((عامر))، هو الشعبى. وكان فى المخطوطة والمطبوعة: « جابر بن عامر»، وليس فى الرواة أحد بهذا الاسم . ٥٦٧ تفسير سورة آل عمران : ٨٣ وقال آخرون : عنى بذلك إسلام من أسلم من الناس كرْهاً ، حَذَر السيف على نفسه . * ذكر من قال ذلك : ٧٣٥١ - حدثی محمد بن سنان قال ، حدثنا أبو بكر الحنفى قال، حدثنا . عباد بن منصور، عن الحسن فى قوله: ((وله أسلم من فى السموات والأرض طوعاً وكرهاً)) الآية كلها، فقال: أكره أقوامٌ على الإسلام، وجاء أقوامٌ طائعين . ٧٣٥٢ - حدثنى الحسن بن قزعة الباهلى قال، حدثنا روح بن عطاء ، عن مطر الورّاق فى قول الله عز وجل: ((وله أسلم من فى السموات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه ترجعون))، قال: الملائكة طوعاً، والأنصار طوعاً، وبنو ◌ُسُليمُ وعبد القيس طوعاً، والناس كلهم كرهاً . .. . وقال آخرون معنى ذلك: أنّ أهل الإيمان أسلموا طوعاً ، وأنّ الكافر أسلم فى حال المعاينة، حينَ لا ينفعه إسلامٌ، كرهاً . ذكر من قال ذلك : * ٧٣٥٣ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ((أفغير دين الله تبغون))، الآية، فأما المؤمن فأسلم طائعاً فنفعه ذلك وقُبيل منه ، وأما الكافر فأسلم كارهاً حين لا ينفعه ذلك ، ولا يقبل منه . ٧٣٥٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر، عن قتادة فى قوله: ((وله أسلم من فى السموات والأرض طوعاً وكرهاً))، قال: أما المؤمن فأسلم طائعاً ، وأما الكافر فأسلم حين رأى بأسَ اللّه، ﴿ فَمَ يَكُ يَنَفَعُهُمْ إِيمَنْهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [سورة غافر: ٨٥]. ٥ ٥٦٨ تفسير سورة آل عمران: ٨٣ وقال آخرون: معنى ذلك: أىْ: عبادةُ الخلق الله عز وجل. (١) • ذكر من قال ذلك : ٧٣٥٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية، عن على ، عن ابن عباس قوله: (( أفغير دين الله تبغون وله أسلم من فى السموات والأرض طوعاً وكرهاً))، قال: عبادتهم لى أجمعين طوعاً وكرهاً، وهو قوله: ﴿وِلْهِ يَسْجُدُ مَنْ فِى السَّمَوَاتِ والأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهَا ﴾ [ سورة الرعد : ١٠ ] . وأما قوله: ((وإليه ترجعون))، فإنه يعنى: ((وإليه))، يا معشر من يبتغى غير الإسلام ديناً من اليهود والنصارى وسائر الناس = ((ترجعون))، يقول : إليه تصيرون بعد مماتكم: فمازيكم بأعمالكم، المحسنَ منكم بإحسانه، والمسىء بإساء ته . ٠ ٠٠ وهذا من اللّه عز وجل تحذيرٌ خلقه أن يرجع إليه أحدٌ منهم فيصيرُ إليه بعد وفاته على غير ملة الإسلام . (١) فى المطبوعة: ((فى عبادة الخلق))، وفى المخطوطة ((أن عبادة الخلق))، وصوابه قراءتها ما أثبت . ٥٦٩ تفسير سورة آل عمران : ٨٤ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿قُلْ اءَنَّا باللهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَاً أُنزِلَ عَىَ إِبْرَّهِيمَ وَإِنْمِيلَ وَ إِسْحَقَ وَ يَعْقُوبَ وَلْأَسْبَطِ وَمَاَ أُوْ فِمُوسَى وَعِيسَى وَالتَُّونَ مِن رَّبْهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَأَحَدٍمِنْهُمْوَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (3) قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه: (( أفغير دين اللّه تبغون))، يا معشر اليهود، ( وله أسلم "مَنْ فى السموات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه ترجعون)) = فإن ابتغوا غيرَ دين الله، يا محمد، فقل لهم: ((آمنا بالله))، فترك ذكر قوله: ((فإن قالوا: نعم))، أو ذكر قوله: (١) ((فإن ابتغوا غير دين اللّه))، لدلالة ما ظهر من الكلام عليه . وقوله: ((قل آمنا بالله))، يعنى به: قل لهم، يا محمد،: صدقنا باللّه أنه ربنا وإلهنا، لا إله غيره، ولا نعبد أحداً سواه = (( وما أنزل علينا))، يقول : وقل : وصدَّقنا أيضاً بما أنزل علينا من وَحيه وتنزيله ، فأقررنا به = (( وما أنزل على إبراهيم ))، يقول: وصدقنا أيضاً بما أنزل على إبراهيم خليل الله، وعلى ابنيه إسمعيل وإسحق، وابن ابنه يعقوب = وبما أنزل على ((الأسباط))، وهم ولد يعقوب الاثنا عشر، وقد بينا أسماء هم بما أغنى عن إعادته فى هذا الموضع (٢) = ((وما أوتى موسى وعيسى))، يقول: وصدّقنا أيضاً مع ذلك بالذى أنزل الله على ٢٤١/٣ موسى وعيسى من الكتب والوَحْى ، وبما أنزل على النبيين من عنده . والذى آتى الله موسى وعيسى = مما أمرَ الله عز وجل محمداً بتصديقهما فيه ، والإيمان به = التوراة التى آتاها موسى، والإنجيل الذى آتاه عيسى . = (( لا نفرق بين أحد منهم))، يقول: لا نصدّق بعضهم ونكذّب بعضَهم، (١) فى المطبوعة: ((وذكر قوله))، جعل الواو مكان ((أو))، والصواب ما فى المخطوطة. (٢) انظر ما سلف ٢: ١٢٠، ١٢١/ ٣: ١١١ - ٠١١٣ ٥٧٠ تفسير سورة آل عمران : ٨٤، ٨٥ ولا نؤمن ببعضهم ونكفر ببعضهم ، كما كفرت اليهود والنصارى ببعض أنبياء الله وصدّقت بعضاً، ولكنا نؤمن بجميعهم ونصدقهم = ((ونحن له مسلمون)). يعنى : ونحن ندين الله بالإسلام لا ندين غيره ، بل نتبرأ إليه من كل دين سواه ، ومن كل ملة غيره . ويعنى بقوله: ((ونحن له مسلمون)). ونحن له منقادون بالطاعة ، متذللون بالعبودة ، (١) مقرّون لهُ بالألوهة والربوبية، وأنه لا إله غيره . وقد ذكرنا الروايةَ بمعنى ما قلنا فى ذلك فيما مضى ، وكرهنا إعادته . (٢) ٥ القول فى تأويل قوله ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِثْلَمِ دِينَا فَلَن ◌ُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِ اْأَخِرَةِ مِنَ الْخِرِينَ﴾ (١) قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : ومن يطلب دينا غيرَ دين الإسلام ليدين به، فلن يقبل اللّه منه(٢) = ((وهو فى الآخرة من الخاسرين))، يقول: من الباخسين أنفسهم حظوظَها من رحمة الله عز وجل . (٤) وذُ كر أنّ أهل كل ملة ادعوا أنهم هم المسلمون ، لما نزلت هذه الآية ، فأمرهم الله بالحج إن كانوا صادقين، لأن من سُنة الإسلام الحج ، فامتنعوا ، فأدحض الله بذلك حجتهم . (١) فى المطبوعة: ((بالعبودية))، كما فعل فى سابقتها، وأثبت ما فى المخطوطة، وانظر ما سلف قريباً ص: ٥٦٥، تعليق : ٢ . (٢) يعنى ما سلف ٣: ١٠٩ - ١١١، وهى نظيرة هذه الآية، وانظر فهارس اللغة ((١)). (٣) انظر معنى ((يبتغى)) فيما سلف ص: ٥٦٤، تعليق: ٢، والمراجع هناك. (٤) انظر تفسير ((الخاسرين)) فيما سلف ١: ٢/٤١٧ : ١٦٦، ٥٧٢. ٠٧١ تفسير سورة آل عمران : ٨٥ • ذكر الخبر بذلك : ٧٣٥٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح قال، زعم عكرمة: ((ومن يبتغ غير الإسلام ديناً))، فقالت الملل : نحن المسلمون! فأنزل الله عز وجل: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ أُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإنَّ اللهَ غَنِىٌّ عَنِ العَلَمِينَ﴾ [سورة آل عمران: ٩٧] ، فحجٌ المسلمون ، وقعدَ الكفار . ٧٣٥٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا القعنى قال ، حدثنا سفيان ، عن ابن أبى نجيح، عن عكرمة قال: ((ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه))، قالت اليهود: فنحن المسلمون ! فأنزلَ الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم يُحُجُّهِمْ أنْ: ﴿لِلِهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعِ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَغَرَ فَإنَّ اللهَ غَنِىٌّ عَنِ العَمِينَ﴾.(١) ٧٣٥٨ - حدثنى يونس قال، أخبرنا سفيان ، عن ابن أبى نجيح ، عن عكرمة قال: لما نزلت: ((ومن يبتغ غير الإسلام ديناً)) إلى آخر الآية ، قالت اليهود: فنحن مسلمون! قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل لهم أنْ : ﴿ لِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعِ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ ) من أهل الل ﴿فَإِنَّ اللّهَ غَنِىٌّ عَنِ العَالَمِينَ﴾. ... وقال آخرون : فى هذه الآية بما : - ٧٣٥٩ - حدثنا به المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى (١) الأثر: ٧٣٥٧ - ((القعنى))، هو: ((عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنى الحارثى))، روى عنه الأئمة. قال ابن سعد: ((كان عابداً فاضلا، قرأ عن مالك كتبه)). وقال العجل: ((قرأ عليه مالك نصف الموطأ، وقرأ هو على مالك النصف الباقى))، وسئل ابن المدينى عنه فقال: (( لا أقدم من رواة الموطأ أحداً على المعنى)) . ٥٧٢ تفسير سورة آل عمران : ٨٥ - ٨٩ معاوية، عن على، عن ابن عباس قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنِّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) إلى قوله: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [سورة البقرة: ٦٢]، فأنزل الله عز وجل بعد هذا: ((ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه )) . ٠ ٠٠ القول فى تأويل قوله عز وجل ﴿كَيْفَ بَهْدِى اللهُ قَوْمَا كَفَرُوا بَعْدَ إِيَعْنِهِمْ وَشَهِدُوّا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٍّ وَجَآءُمُ الْبَيْنَتُ وَاللهُ لاَ يَهْدِى اَلْقَوْمَ الَّلِينَ ﴿ أُوْلَّكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَمْنَةَ اللهِ وَالْمَلْبِكَةِ وَأَلْنَاسِ أَنْجَمِينَ (*) خُلِينَ فِيهَاَ لاَ يُحَقَّفُ عَنْهُمْ أَلْعَذَابُ وَلَهُمْ يُنظَرُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنِ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) () ٨٨ اختلف أهل التأويل فيمن عنى بهذه الآية ، وفيمن نزلت . فقال بعضهم: نزلت فى الحارث بن سويد الأنصارى ، وكان مسلماً فارتد بعد إسلامه . • ذكر من قال ذلك : ٧٣٦٠ - حدثنى محمد بن عبد الله بن بزيع البصری قال، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا داود بن أبى هند ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : كان رجل من الأنصار أسلم ثم ارتد ولحق بالشرك ، ثم ندم فأرسل إلى قومه : أرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هل لى من توبة ؟ قال: فنزلت : (( کیف یهدى اللّه قوماً كفروا بعد إيمانهم)) إلى قوله: ((وجاءَ هم البيناتُ واللّه لا يهدى القوم ٥٧٣ تفسير سورة آل عمران : ٨٦ - ٨٩ الظالمين ، إلاّ الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم))، فأرسل إليه قومه فأسلم . ٧٣٦١ - حدثنى ابن المثنى قال، حدثنى عبد الأعلى قال ، حدثنا داود ، عن عكرمة بنحوه ، ولم يرفعه إلى ابن عباس = إلاّ أنه قال : فكتب إليه قومه ، فقال : ١٠ كذ ◌ّببنى قومى ! فرجع . ٧٣٦٢ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا حكيم بن جميع ، عن على بن مُسْهر، عن داود بن أبى هند، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : ارتد رجل من الأنصار، فذكر نحوه . (١) ٢٤٢/٣ ٧٣٦٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق ، قال ، أخبرنا جعفر بن سليمان قال ، أخبرنا حميد الأعرج ، عن مجاهد قال : جاء الحارث بن ◌ُسوَيد فأسلم مع النبى صلى اللّه عليه وسلم، ثم كفر الحارث فرجع إلى قومه ، فأنزل الله عز وجل فيه القرآن: ((كيف يهدى اللّه قوماً كفروا بعدَ إيمانهم)) إلى ((إلاّ الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإنّ الله غفورٌ رحيمٌ))، قال: فحملها إليه رجل من قومه فقرأها عليه، فقال الحارث: إنك والله ما علمتُ لصّدُوقٌ، وإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصدقُ منك، وإنّ اللّه عز وجل لأصدق الثلاثة. قال : مرجع الحارث فأسلم فحسن إسلامه . ٧٣٦٤ - حدثنى موسى بن هرون قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى: ((كيف يهدى اللّه قوماً كفروا بعد إيمانهم وشهدُوا أنّ الرسول حق))، قال : أنزلت فى الحارث بن سويد الأنصارى، كفر بعد إيمانه ، فأنزل الله عز وجل فيه هذه الآيات، إلى: ((أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون))، (١) الأثر: ٧٣٦٢ - ((حكيم بن جميع الكوفى))، مترجم فى الكبير ١٨/١/٢، والجرح ٠٢٠٢/٢/١ ٥٧٤ تفسير سورة آل عمران : ٨٦ - ٨٩ ثم تاب وأسلم ، فنسخها اللّه عنه، فقال: (( إلاّ الذين تابوا من بعد ذلك ، وأصلحوا فإنّ اللّه غفورٌ رحيمٌ)). ٧٣٦٥ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد فى قول الله عز وجل: (( كيف يهدى اللّه قوماً كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءَ هم البينات))، قال : رجلٌ من بنی عمرو بن عوف ، كفر بعد إيمانه . ٧٣٦٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد مثله . ٧٣٦٧ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد قال : هو رجل من بنى عمرو بن عوف ، كفر بعد إيمانه = قال ابن جريج ، أخبرنى عبد الله بن كثير ، عن مجاهد قال : لحق بأرض الرّوم فتنصَّر، ثم كتب إلى قومه: ((أرسلوا، هل لى من توبة؟)) قال: فحسبتُ أنه آمن ، ثم رجع = قال ابن جريج ، قال عكرمة ، نزلت فى أبى عامر الرّاهب، والحارث بن سويد بن الصامت، ووَحْوَح بن الأسلت = فى اثنى عشر رجلا رَجعوا عن الإسلام ولحقوا بقريش ، ثم كتبوا إلى أهلهم : هل لنا من توبة ؟ فنزلت: ((إلاّ الذين تابوا من بعد ذلك))، الآيات . ٥ وقال آخرون : عنى بهذه الآية أهل الكتاب ، وفيهم نزلت . * ذكر من قال ذلك : ٧٣٦٨ - حدثی محمد بن سعد قال، حدثی ابی قال ، حدثی عمی قال، حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: (( كيف يهدى اللّه قوماً كفرُوا بعد إيمانهم))، فهم أهلُ الكتاب ، عرفوا محمداً صلى الله عليه وسلم ثم كفروا به. ٥٧٥ تفسير سورة آل عمران : ٨٦ - ٨٩ ٧٣٦٩ - حدثنا محمد بن سنان قال ، حدثنا أبو بكر الحنفى قال ، حدثنا عباد بن منصور، عن الحسن فى قوله: (( كيف يهدى اللّه قوماً كفروا بعد إيمانهم)) الآية كلها ، قال : اليهود والنصارى . ٧٣٧٠ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال: كان الحسن يقول فى قوله: ((كيف يهدى الله قوماً كفروا بعد إيمانهم)) الآية، هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، رأوا نعتَ محمد صلى الله عليه وسلم فى كتابهم وأقرّوا به، وشهدوا أنه حقٍّ. فلما بعث من غيرهم حسدوا العربَ على ذلك فأنكروه، وكفروا بعد إقرارهم ، حسدًا للعرب ، حين بُعثَ من غيرهم. ٧٣٧١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر، عن الحسن فى قوله: ((كيف يهدى الله قوماً كفروا بعد إيمانهم))، قال : هم أهل الكتاب ، كانوا يجدون محمداً صلى الله عليه وسلم فى كتابهم ، ويستفتحون به ، فكفروا بعد إيمانهم . ٠ قال أبو جعفر: وأشبه القولين بظاهر التنزيل ما قال الحسن : منْ أنّ هذه الآية معنىٌّ بها أهل الكتاب على ما قال ، غيرَ أنّ الأخبار بالقول الآخر أكثر، والقائلين به أعلم، بتأويل القرآن. (١) وجائز أن يكون الله عز وجل أنزل هذه الآيات بسبب القوم الذين ذُ كر أنهم كانوا ارتدّوا عن الإسلام، فجمع قصّتهم وقصة من كان سبيله سبيلهم فى ارتداده عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فى هذه الآيات . ثم عرّف عباده ◌ُسنته فيهم، فيكون داخلاً فى ذلك كلّ" من كان مؤمناً بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث، ثم كفر به بعد أن بُعث، وكل من كان كافراً ثم أسلم على عهده صلى اللّه عليه وسلم، ثم ارتد وهو حىّ عن ٢٤٣/٣ (١) هذا حكم جيد فاصل فى هذه الآية، وفى غيرها مما اختلف فى معانيه المختلفون. ٥٧٦ تفسير سورة آل عمران : ٨٦ - ٨٩ إسلامه . فيكون معنيًّا بالآية جميعُ هذين الصنفين وغيرهما ممن كان بمثل معناهما ، بل ذلك كذلك إن شاء الله . فتأويل الآية إذاً: ((كيف يهدى اللّه قوماً كفروا بعد إيمانهم))، يعنى : كيف يُرشد اللّه للصواب ويوفق للإيمان، قوماً جحدُوا نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم = ((بعد إيمانهم))، أى : بعد تصديقهم إياه، وإقرارهم بما جاءَهم به من عند ربه = (( وَشهدوا أن الرسول حقّ))، يقول: وبعد أن أقرّوا أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خلقه حقًّاً= (( وجاءهم البينات))، يعنى: وجاءهم الحجج من عد اللّه والدلائلُ بصحة ذلك؟ = ((والله لا يهدي القوم الظالمين))، يقول : والله لا يوفّق للحق والصّواب الجماعة الظَّلمة، وهم الذين بدّلوا الحق إلى الباطل ، فاختارُوا الكفر على الإيمان . وقد دللنا فيما مضى قبل على معنى ((الظلم))، وأنه وضعُ الشىء فى غير موضعه، بما أغنى عن إعادته . (١) ٠ . = ((أولئك جزاؤهم))، يعنى: هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم ، وبعد أن شهدوا أن الرسول "حَقّ - ((جزاؤهم))، ثوابهم من عملهم الذى عملوه (٢) = (( أنّ عليهم لعنة اللّه))، يعنى: أن يحلّ بهم من اللّه الإقصاء والبعد،(٣) ومن الملائكة والناس الدعاءُ بما يسوؤهم من العقاب (٤) = ((أجمعين))، يعنى: من جميعهم، لامن (١) انظر ما سلف ١: ٥٢٣، ٥٢٤٪ ثم باقى المواضع فى فهرس اللغة ((ظلم))، وانظر أيضاً فهارس اللغة فى سائر ألفاظ الآية . (٢) انظر تفسير ((الجزاء)) فيما سلف ٢: ٢٧، ٢٨، ٣١٤، وغيره فى فهارس اللغة ((جزى)). (٣) فى المخطوطة والمطبوعة: ((أن حل بهم))، فعل ماض، والسياق يقتضى المضارع. (٤) فى المخطوطة والمطبوعة: ((ومن الملائكة والناس إلا مما يسومهم ... ))، وهو كلام غير ٥٧٧ تفسير سورة آل عمران : ٨٦ - ٨٩ بعض من سَّه جل ثناؤه من الملائكة والناس ، ولكن من جميعهم. وإنما جعل ذلك جل ثناؤه ثواب عملهم، لأن عملهم كان باللّه كفراً . ٠ ۵ وقد بينا صفة ((لعنة الناس)) الكافرَ فى غير هذا الموضع، بما أغنى عن إعادته.(١) ٠ = ((خالدين فيها)) يعنى: ما كثين فيها، يعنى فى عقوبة اللّه (٢) = (( لا يخفّف عنهم العذاب))، لا ينقصون من العذاب شيئًا فى حال من الأحوال ، ولا ينفَّسون فيه (٣) = ((ولا هم ينظرون))، يعنى: ولا هم ينظرون لمعذرة يعتذرون. (٤) وذلك كله عَينُ الخلود فى العقوبة فى الآخرة . (٥) ثم استثنى جل ثناؤه الذين تابوا ، من هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم فقال تعالى ذكره: ((إلاّ الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا))، يعنى: إلا الذين تابوا مستقيم، وهو تصحيف لما كتبت، كان فى الأصل ((الداما يسومهم)) بغير همزة ((الدعاء))، وبغير فقط ((بما))، فاشتبهت الحروف على الناسخ، فحرفها إلى ما ترى. (١) انظر ما سلف ٢: ٣٢٨، ٣٢٩/ ثم ٣: ٢٥٤ - ٢٥٨، ٢٦١ - ٢٦٣، وفيها نظير ما فى هذه الآية . (٢) انظر تفسير ((خالدين)) فيما سلف ١: ٣٩٧، ٢/٣٩٨: ٤/٢٨٧: ٣١٧، وفهارس اللغة . (٣) انظر تفسير ((يخفف)) فيما سلف ٢: ٣١٦، ٣١٧، والتنفيس: والترفيه والتفريج هنا. (٤) انظر تفسير ((ينظرون)) فى نظيرة هذه الآية فيما سلف ٣: ٢٦٤، ٢٦٥، وقبله ٢ : ٤٦٧ ، ٤٦٨ ٠ (٥) فى المخطوطة والمطبوعة: ((وذلك كله أعنى الخلود فى العقوبة فى الآخرة))، وهى جملة فاسدة البناء والمعنى ، أخطأ الناسخ فهم مراد أبى جعفر ، فكتب ما كتب ، والصواب هو ما أثبت ، فإن أبا جعفر قد لجأ إلى الاختصار فى مواضع كثيرة من تفسيره ، منها هذا الموضع ، فلم يبين إعراب قوله تعالى: ((لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون))، وأهل الإعراب يعربونها حالا متداخلة - أى حالا من حال - لأن ((خالدين)) حال من الضمير فى ((عليهم)). وأما أبو جعفر، فهو يعدها حملة مستأنفة ، وهى بذلك بيان عن الخلود فى النار . والدليل على صحة ذلك ، وعلى صحة ما أثبت من الصواب فى نص أبى جعفرهنا، أنه قال فى تفسير نظيرة هذه الآية من ((سورة البقرة: ١٦٢)» فى الجزء ٣ : ٢٦٤ مائصه. ((وأما قوله: ((لا يخفف عنهم العذاب))، فإنه خبر من اللّه تعالى ذكره عن دوام العذاب أبداً من غير توقيت ولا تخفيف)». فهذا نص قاطع فى أن إعراب الطبرى لهذا الموضع من الآية هو ما ذهبت إليه، وفى أنه يرى أن معنى هذه الجملة من الآية، هو معنى ((الخلود)) بعينه. والحمد لله أولا وآخراً. ج ٦ (٣٧) ٥٧٨ تفسير سورة آل عمران : ٨٩، ٩٠ من بعد ارتدادهم عن إيمانهم، فراجعوا الإيمان بالله وبرسوله، وصدّقوا بما جاءهم به نبيهم صلى اللّه عليه وسلم من عند ربهم = ((وأصلحوا))، يعنى : وعملوا الصالحات من الأعمال = ((فإنّ الله غفور رحيم))، يعنى: فإن اللّه لمن فعل ذلك بعد كفره = ((غفور))، يعنى: ساتر عليه ذنبه الذى كان منه من الرّدّة، فتاركٌ عقوبته عليه ، وفضيحته به يوم القيامة ، غيرُ مؤاخذه به إذا مات على التوبة منه = ((رحيم))، متعطّف عليه بالرحمة. القول فى تأويل قوله جل ثناؤه ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوْ بَعْدَ إِيَمَنِهِمْ ثُمَّ أَزْدَادُواْ كُفْرَا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْ لَّبِكَ هُمْ الضَّالُّونَ) ) قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك . فقال بعضُهم: عنى الله عز وجل بقوله: ((إنّ الذين كفروا)) ببعض أنبيائه الذين بعثوا قبل محمد صلى الله عليه وسلم (١) = ((بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً)) بكفرهم بمحمد = ((لن تقبل توبتهم))، عند حضور الموت وحشرجته بنفسه. * ذكر من قال ذلك : ٧٣٧٢ - حدثنی محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفی قال ، حدثنا عباد بن منصور ، عن الحسن فى قوله: ((إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تُقبل توبتهم وأولئك هم الضالون))، قال : اليهودُ والنصارى ، لن تُقبل توبتهم عند الموت . ٧٣٧٣ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة (١) فى المطبوعة: ((أى ببعض أنبيائه))، زاد ما ليس فى المخطوطة ٥٧٩ تفسير سورة آل عمران : ٩٠ قوله: ((إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً))، أولئك أعداء الله اليهود، كفروا بالإنجيل وبعيسى ، ثم ازدادوا كفراً بمحمد صلى الله عليه وسلم والفُرْقان. ٧٣٧٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر، عن قتادة فى قوله: ((ثم ازدادوا كفراً))، قال : ازدادوا كفراً حتى حضرهم الموت ، فلم تقبل توبتهم حين حضرهم الموت = قال معمر : وقال مثل ذلك عطاءً الخراسانى . ٧٣٧٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبد الله بن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن قتادة قوله: ((إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون))، وقال : هم اليهود، كفروا بالإنجيل ، ثم ازدادوا كفراً حين بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم، فأنكرُوه وكذبوا به. ٠ ٥ وقال آخرون : معنى ذلك : إن الذين كفروا من أهل الكتاب بمحمد ، بعد إيمانهم بأنبيائهم = ((ثم ازدادوا كفراً))، يعنى: ذنوباً = ((لن تقبل توبتهم)) من ٢٤٤/٣ ذنوبهم ، وهم على الكفر مقيمون . • ذكر من قال ذلك : ٧٣٧٦ - حدثنا المثنى قال ، حدثنا عبد الوهاب ، قال ، حدثنا داود ، عن رفيع: ((إنّ الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً))، ازدادوا ذنوباً وهم كفار = (( لن تقبل توبتهم )) من تلك الذنوب ، ما كانوا على كفرهم وضلالتهم . ٧٣٧٧ - حدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا ابن أبى عدى ، عن داود قال : سألت أبا العالية ، قال ، قلت: ((إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تُقبل توبتهم)»؟ قال: إنما هم هؤلاء النصارى واليهود الذين كفروا ، ثم ازدادوا كفراً بذنوب أصابوها ، فهم يتوبون منها فى كفرهم. ٧٣٧٨ - حدثنا عبد الحميد بن بيان السُّكرى قال، أخبرنا ابن أبى عدى ، ٥٨٠٠ تفسير سورة آل عمران : ٩٠ عن داود قال : سألت أبا العالية عن: الذين آمنوا ثم كفروا، فذكر نحواً منه.(١) ٧٣٧٩ - حدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا عبد الأعلى قال ، حدثنا داود قال : سألت أبا العالية عن هذه الآية: ((إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تُقبل توبتهم وأولئك هم الضالون))، قال : هم اليهود والنصارى والمجوس ، أصابوا ذنوباً فى كفرهم ، فأرادوا أن يتوبوا منها ، ولن يتوبوا من الكفر ، (٢) ألا ترى أنه يقول: ((وأولئك هم الضالون))؟ ٧٣٨٠ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا سفيان ، عن داود ، عن أبى العالية فى قوله: ((لن تقبل توبتهم))، قال : تابوا من بعضٍ ، ولم يتوبوا من الأصل . ٧٣٨١ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن داود بن أبى هند ، عن أبى العالية قوله: (( إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً))، قال: هم اليهود والنصارى، يصيبون الذنوبَ فيقولون: ((نتوب))، وهم مشركون . قال اللّه عز وجل : لن تُقبل التوبة فى الضّلالة. ٠٠٠ وقال آخرون : بل معنى ذلك : إن الذين كفروا بعد إيمانهم بأنبيائهم = ((ثم ازدادوا كفراً))، يعنى: بزيادتهم الكفر: تمامُهم عليه، (٣) حتى هلكوا وهم عليه مقيمون = ((لن تقبل توبتهم))، أن تنفعهم توبتهم الأولى وإيمانهم ، لكفرهم الآخير وموتهم . . ذكر من قال ذلك : (١) الأثر: ٧٣٧٨ - فى المطبوعة: ((عبد الحميد بن بيان اليشكرى))، وهو خطأ والصواب ما أثبت من المخطوطة. وقد مضت الرواية عنه كثيراً، ينسبه أحياناً ((السكرى))، وأخرى ((القناد)) نسبة إلى ((القند))، وهو السكر. وقد مضت ترجمته برقم: ٣٠، وسيأتى خطأ مثله فى رقم: ٧٥٨٠. (٢) أخشى أن يكون الصواب ((ولم يتوبوا من الكفر))، وانظر التالى. (٣) فى المطبوعة ((بما هم عليه))، وهو كلام غث. وفى المخطوطة: ((مامهم عليه)) غير منقوطة وهذا صواب قراءتها. يقال: ((تم على الشىء تماماً)) ثبت عليه وأقام، وأمضى أمره فيه.