Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
تفسير سورة آل عمران : ٦٣،٦٣
٧١٨٣ - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا
أسباط، عن السدى: ((فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم))، الآية ،
فأنوذ .. يعنى النبيّ صلى الله عليه وسلم -- بيد الحسن والحسين وفاطمة، وقال
لعلى : اتبعنا، فخرج معهم. فلم يخرج يومئذ النصارى ، وقالوا : إنا نخاف أن
يكون هذا هو النبىّ صلى الله عليه وسلم، وليس دعوة النبيّ كغيرها !! فتخلفوا عنه
يومئذ ، فقال النبى صلى اللّه عليه وسلم: لو خرجوا لا حترقوا! فصالحوه على صلح :
على أنّ له عايهم ثمانين ألفاً، فما عجزت الدراهم ففى العُرُوض: الحلة بأربعين =
وعلى أن له عليهم ثلاثاً وثلاثين درعاً ، وثلاثاً وثلاثين بعيراً، وأربعة وثلاثين فرساً
غازية" كلّ سنة، وأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ضَامنٌ لها حتى نُؤدّ بها إليهم.
٧١٨٤ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال :
ذُكر لنا أن نبيّ اللّه صلى اللّه عليه وسلم دعا وفداً من وفد نجران من النصارى،
وهم الذين حاجوه ، فى عيسى، فنكصُوا عن ذلك وخافوا = وذُ كر لنا أن نبيّ اللّه
صلى الله عليه وسلم كان يقول : والذى نفس محمد بيده ، إن كان العذاب لقد
"تَدَلَّى على أهل نجران، ولو فعلوا لاستُؤصلوا عن جديد الأرض.(١).
٧١٨٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: ((فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل
تعالوا ندع أبناءنا وأبناء كم))، قال: بلغنا أن نبى اللّه صلى اللّه عليه وسلم خرج
ليُداعى أهل نجران، (٢) فلما رأوه خرج، هابوا وَفرِقوا فَرَجعوا = قال معمر ،
قال قتادة: لما أراد النبى صلى الله عليه وسلم أهل نجران، أخذ بيد حسن وحسين
وقال لفاطمة : اتبعينا . فلما رأى ذلك أعداءُ اللّه، رجعوا.
(١) جديد الأرض، وجدها (بفتح الجيم وكسرها) وجددها (بفتحات): هو وجه الأرض .
(٢) فى المطبوعة: ((خرج ليلاعن أهل نجران))، قرأ ((ليداعى)) ((ليلاعن))، و((يداهى))
من ((الدعاء))، يعنى هذه المباهلة والملاعنة .
ج ٦ (٣١)
...

٤٨٢
تفسير سورة آل عمران : ٦٣،٦٢
٧١٨٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن عبد الكريم الجزرى ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لو خرج
الذين يُباهلون النبيّ صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون أهلاً ولا مالاً.
٧١٨٧ - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا زكريا ، عن عدى قال، حدثنا
عبيد الله بن عمرو ، عن عبد الكريم ، عن عكرمة ، عن ابن عباس مثله .
٧١٨٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذى نفسى بيده،
٢١٣/٣ لو لاعنونى ما حال الحول وبحضرتهم منهم أحدٌ إلاّ أهلك الله الكاذبين.
٧١٨٩ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، حدثنا ابن زيد قال :
قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو لاعنت القوم ، بمن كنتَ تأتى حين قلت:
((أبناءَنا وأبناء كم )) ؟ قال : حسن وحسين .
٧١٩٠ - حدثنى محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفى قال ، حدثنا
المنذر بن ثعلبة قال ، حدثنا علياء بن أحمر اليشكرى قال : لما نزلت هذه الآية :
((فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناء كم ونساءنا ونساء كم))، الآية ، أرسل رسول الله
صلى اللّه عليه وسلم إلى علىّ وفاطمةَ وابنيهما الحسن والحسين، ودعا اليهود ليُلاعنهم،
فقال شاب من اليهود ، ويحكم ! أليس عهدُكم بالأمس إخوانُكم الذين مسخوا
قردةً وخنازير؟! لا تُلاعنوا! فانْهَوْا.(١)
(١) الأثر: ٧١٩٠ - ((المنذر بن ثعلبة بن حرب الطائى))، ذكره ابن حبان فى الثقات، مترجم
فى التهذيب. و((علباء بن أحمر اليشكرى)) روى عن عكرمة مولى ابن عباس. قال أحمد: ((لا بأس به،
لا أعلم إلا خيراً))، وذكره ابن حبان فى الثقات . مترجم فى التهذيب .
هذا وأحاديث هذا الباب كلها مرسلة ، كما رأيت ، إلا خبر ابن عباس .

٤٨٣
تفسير سورة آل عمران : ٦٤
٠٠.
القول فى تأويل قوله ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَّبِ تَعَلَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ
سَوَاءِ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّ اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَبَّا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَ
بَعْضًا أَرْبَباً مِّنِ دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْ فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (٥)
قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه: ((قل )). يا محمد ، لأهل الكتاب ،
وهم أهل التوراة والإنجيل = ((تعالوا))، هلموا (١) := ((إلى كلمة سواء)) . يعنى: إلى
كلمة عدل بيننا وبينكم، (٢) والكلمة العدل، هى أن نوحد الله فلا نعبد غيره،
وذبرأ من كل معبود سواه ، فلا نشرك به شيئاً .
=وقوله: ((ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً))، يقول: ولا يدين بعضُنا لبعض
بالطاعة فيما أمر به من معاصى اللّه، ويعظِّمه بالسجود له كما يسجدُ لربه == ((فإن
تولوا ))، يقول: فإن أعرضوا عما دعوتهم إليه من الكلمة السواء التى أمرُتك بدعائهم
إليها ، (٣) فلم يجيبوك إليها = ((فقولوا))، أيها المؤمنون، للستواتين عن ذلك=
(( اشهدوا بأنا مسلمون)).
واختلف أهل التأويل فيمن نزلت فيه هذه الآية .
فقال بعضهم : نزلت فى يهود بنى إسرائيل الذين كانوا حوالى مدينة رسول الله
صلى الله عليه وسلم.
ذكر من قال ذلك :
٧١٩١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة
قال: ذكر لنا أن نبىّ اللّه صلى اللّه عليه وسلم دعا يهود أهل المدينة إلى الكلمة
السواء ، وهم الذين حاجوا فى إبراهيم .
(١) انظر تفسير ((تعالوا)) فيما سلف قريباً: ٤٧٤، وسيأتى ص: ٤٨٥
(٢) انظر تفسير ((سواء)) فيما سلف ١ : ٢/٢٥٦: ٤٩٥ - ٤٩٧
(٣) انظر معنى ((تولى)) فيما سلف قريباً ص: ٤٧٧، تعليق: ١، والمراجع هناك.

٤٨٤
تفسير سورة آل عمران : ٦٤
٧١٩٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبد الله بن أبى جعفر،
عن أبيه ، عن الربيع قال : ذكر لنا أنّ نبى الله صلى الله عليه وسلم دَعا اليهود
إلى كلمة السَّواء .
٧١٩٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قال: بلغنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم دعا يهود" أهل المدينة إلى
ذلك، فأبوا عليه، فجاهدهم = قال: دعاهم إلى قول الله عز وجل: ((قل يا أهل
الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم)) ، الآية.
#
#
وقال آخرون : بل نزلت فى الوفد من نصارى نجران .
ذكر من قال ذلك :
٠
٧١٩٤ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق ، عن محمد بن
جعفربن الزبير: ((قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم)) الآية، إلى
قوله: ((فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون))، قال: فدعاهم إلى النَّصّف، وقطع عنهم
الحجة - يعنى وفد نجران . (١)
٧١٩٥ - حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى
قال : ثم دعاهم رُسول الله صلى الله عليه وسلم ... يعنى الوفاء من نصارى نجران -
فقال: (( يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم))، الآية.
٢١٤/٣
٧١٩٦ - حدثنى يونس قال ، أخبرنى ابن وهب قال ، حدثنا ابن زيد
قال قال: يعنى جل ثناؤه: ((إنّ هذا هو القصص الحقّ))، فى عيسى = على ما قد
بيناه فيما مضى = (٢) قال: فأبوا - يعنى الوفدَ من نجران - فقال: ادعهم إلى
أيسر من هذا، قل: ((يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم))،
(١) الأثر ٧١٩٤ - سيرة ابن هشام ٢: ٢٣٢، ومضى أيضاً برقم: ٧١٨١، وهو من بقية
الآثار التى آخرها رقم : ٧١٨١ .
(٢) يعنى الأثر السالف رقم : ٧١٧٨.

٤٨٥
تغيير سورة آل عمران : ٦٤
فقرأْ حتى بلغ: ((أرباباً من دون الله))، فأبوا أن يقبلوا هذا ولا الآخر .
٠٠
قال أبو جعفر: وإنما قلنا عنى بقوله: ((يا أهل الكتاب))، أهلّ
الكتابين، لأنهما جميعاً من أهل الكتاب، ولم يخصص جل ثناؤه بقوله: ((يا أهل
الكتاب)) بعضاً دون بعض. فليس بأن يكون موجّهاً ذلك إلى أنه مقصود به أهلُ
التوراة، بأولى منه بأن يكون موجهاً إلى أنه مقصود به أهل الإنجيل ، ولا أهل
الإنجيل بأولى أن يكونوا مقصودين به دُون غيرهم من أهل التوراة . وإذ لم يكن
أحدُ الفريقين بذلك بأولى من الآخر = لأنه لا دلالة على أنه المخصوص بذلك من
الآخر، ولا أثر صحيح = فالواجب أن يكون كل كتابىّ معنيًّا به . لأن إفراد
العبادة لله وحدَه وإخلاصَ التوحيد له، واجبٌ على كل مأمور منهىٌ من خلق
الله. واسم ((أهل الكتاب))، يلزم أهل التوراة وأهل الإنجيل، (١) فكان معلوماً
بذلك أنه عنى به الفريقان جميعاً .
وأما تأويل قوله: ((تعالوا))، فإنه: أقبلوا وهلسَّوا. (٢)
وإنما ((هو تفاعلوا)) من ((العلوّ)) فكأن القائل لصاحبه: ((تعال" إلى"))،
قائلٌ ((تفاعل)) من ((العلوّ))، (٣) كما يقال: ((تَدَانَ منى)) من ((الدنوّ))،
و ((تقارَبْ منى))، من ((القرب)).
(١) فى المطبوعة: ((وأهل الكتاب يعم أهل التوراة وأهل الإنجيل))، غير ما فى المخطوطة حين
لم يحسن قراءة ما فيه من التصحيف، وكان فى المخطوطة: (( وأنتم أهل الكتاب يلزم أهل التوراة وأهل
الإنجيل)) صحف الكاتب فكتب مكان ((واسم))، ((وأنتم))، وصواب قراءتها ما أثبت .
(٢) قد فسر أبو جعفر ((تعالوا)) فى موضعين سلفا ص: ٤٧٤،، ص: ٤٨٣، ولكنه
استوفى هنا الكلام فى بيانها ، ولا أدرى لم يفعل مثل ذلك ، وكان الأولى أن يفسرها أول مرة .
(٣) فى المطبوعة: ((فكأن القائل تعالى إلى، فإنه تفاعل من العلو))، لأنه لم يفهم ما كان
فى المخطوطة، فبدله، ووضع علامة (٣) للدلالة على أنه خطأ لا معنى له، أو سقط فى الكلام. والصواب
ما أثبت .

٤٨٦
تفسير سورة آل عمران : ٦٤
وقوله: ((إلى كلمة سواء)). فإنها الكلمة العدلُ، ((والسَّواء)) من نعتِ
((الكلمة)). (١)
٥
وقد اختلف أهل العربية فى وجه إتباع ((سواء)) فى الإعراب ((الكلمة))،
وهو اسمٌ لا صفة .
فقال بعض نحوبى البصرة: جر (سواء)) لأنها من صفة ((الكلمة)) وهى العدل،
وأراد: مستوية. قال: ولو أراد ((استواء))، كان النصب. وإن شاء أن يجعلها
على ((الاستواء)) ويجرّ، جاز، ويجعله من صفة ((الكلمة))، مثل ((الخلق))
لأن ((الخلق)) هو ((المخلوق)). ((والخلق)) قد يكونُ صفةً واسماً . ويجعل
((الاستواء)) مثل ((المستوى))، قال عز وجل: ﴿الَّذِى جَعَلْنَهُ لِلنَّاسِ
سَوَاءَ العَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [سورة الحج ٢٥]، لأن ((السواء)) للآخر، وهو اسم"
ليس بصفة فيجرى على الأول، وذلك إذا أراد به ((الاستواء)). فإن أراد به
((مستوياً)) جاز أن يُجرَى على الأول. والرفع فى ذا المعنى جيدٌ، لأنها لا تغيَّر
عن حالها ولا تثنى ولا تجمع ولا تؤنث، فأشبهت الأسماء التى هى مثل ((عدل))
و(رضّ)) و((جُنُبْ))، وما أشبه ذلك. وقالوا: [فى قوله]: (٢) ﴿أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ
آَمَنُوا وَعِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءٍ تَحْيَهُمْ وَتَتَهُمْ} [سورة الجاثية: ٢١]، (السواء) للمحيا
والممات بهذا ، المبتدأ .
وإن شئت أجريته على الأول ، وجعلتَه صفة مقدمة ، كأنها من سبب الأول
(١) انظر تفسير ((سواء)) فيما سلف قريباً من ٠٤٨٣ تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٢) الزيادة التى بين القوسين، زدتها ليستقيم الكلام ويستبين، وأخشى أن يكون فى هذه الجملة
سقط لم أستطع أن أتبينه، وراجع قول أبى جعفر فى هذه الآية من تفسيره، ٢٥: ٨٩، ٩٠ (بولاق).

٤٨٧
تفسير سورة آل عمران : ٦٤
فجرت عليه. وذلك إذا جعلته فى معنى ((مستوى)). والرفع وجه الكلام كما
فسَّرَتُ لك .
وقال بعض نحوبى الكوفة. ((سواء)) مصدرٌ وضع موضع الفعل ، (١) يعنى
موضع ((متساوية)): و((متساو))، فمرة يأتى على الفعل، ومرّةً على المصدر . وقد
يقال فى ((سواء))، بمعنى عدل: ((سٍوَّى وسُوّى))، كما قال جل ثناؤه:
﴿مَكَنَا سُوِّى﴾ و﴿سِوَى﴾ [سورة طه: ٥٨]، يراد به: عدل ونصفٌ بيننا
وبينك. وقد روى عن ابن مسعود رضى الله عنه أنه كان يقرأ ذلك ﴿إِلَى كَلِمَةٍ
عَدْلِ كَيْنَا وَبَيْنَكُمْ﴾.(٢)
٢١٥/٣
وبمثل الذى قلنا فى تأويل قوله: ((إلى كلمة سواء بيننا وبينكم))، بأن ((السواء))
هو العدل ، قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
٧١٩٧ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: (( يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم))، عدل بيننا وبينكم =
((ألا نعبد إلاّ اللّه))، الآية.
٧١٩٨ - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن
أبيه، عن الربيع فى قوله: ((قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم
ألا نعبد إلاّ اللّه ولا نشرك به شيئاً))، بمثله. (٣)
٥
۵
(١) ((النمل))، يعنى به الصفة المشتقة مثل فاعل ومفعول، كما هو ظاهر هنا، وراجع فهرس
المصطلحات .
(٢) هذه مقالة الفراء فى معانى القرآن ١: ٢٢٠.
(٣) الأثر: ٧١٩٨ - فى المخطوطة: ((و .. ولا نشرك به شيئاً)) الآية، وليس فيها (بمثله))،
زادها الناشر أو ناسخ قبله، لما رأى الأثر غير تام ، وهو صنيع حسن ، وإن كنت لا أرتضيه .
وظنى أنه قد سقط من الناسخ الأول بقية التفسير .

٤٨٨
تفسير سورة آل عمران : ٦٤
وقال آخرون: هو قولُ: (( لا إله إلا الله)).
* ذكر من قال ذلك :
٧١٩٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ،
عن أبيه، عن الربيع قال، قال أبو العالية: ((كلمة السواء))، لا إله إلا الله.
وأما قوله: ((ألاّ تعبُدَ إلا الله))، فإنّ((أنْ)) فى موضع خفض على معنى :
تعالوا إلى أنْ لانعبد إلاّ اللّه.(١)
٥
وقد بينا - معنى (( العبادة)) فى كلام العرب فيما مضى، ودللنا على الصحيح
من معانيه بما أغنى عن إعادته . (٢)
وأما قوله: ((ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً))، فإنّ ((اتخاذ بعضهم بعضاً))،
ما كان بطاعة الأتباع الرؤساء فيما أمروهم به من معاصى الله، (٣) وتركيهم ما نهوهم
عنه من طاعة اللّه، كما قال جل ثناؤه: ﴿اتَّخَذُوا أَخْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْ بَبَا مِنْ
دُونِ اللهِ وَالمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهَا وَاحِداً﴾ [سورة التوبة: ٣١]،
كما :-
٧٢٠٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج قال ،
قال ابن جريج: ((ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله))، يقول : لا يطع
بعضنا بعضاً فى معصية الله. ويقال إنّ تلك الرُّبوبية: أن يطيعَ الناس سادتهم
وقادتهم فى غير عبادة، وإن لم يصلُّوا لهم .
(١) هذه مقالة الفراء فى معانى القرآن ١: ٢٢٠، فانظر تمامها هناك.
(٢) انظر ما سلف ١: ١٦٠، ١٦١، ٣/٣٦٢: ١٢٠، ٣١٧.
(٣) فى المطبوعة: ((هو ما كان بطاعة الأتباع ... )) بزيادة ((هو))، وليست فى المخطوطة.

٤٨٩
تفسير سورة آل عمران : ٦٥،٦٤
وقال آخرون: ((اتخاذ بعضهم بعضاً أرباباً))، سجودُ بعضهم لبعض.
. ذكر من قال ذلك :
٧٢٠١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا حفص بن معمر، عن
الحكم بن أبان، عن عكرمة فى قوله: ((ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله))،
قال : سجود بعضهم البعض .
٠ ٠٠
وأما قوله: ((فإن تولّوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون))، فإنه يعنى: فإن تولّى
الذين تدعوهم إلى الكلمة السواء عنها وكفروا، فقولوا أنتم ، أيها المؤمنون ، لهم:
اشهدوا علينا بأنا = بما تولَّيتم عنه، من توحيد الله، وإخلاص العبودية له ، وأنه
الإلهُ الذى لاشريك له = ((مسلمون))، يعنى: خاضعون الله به، متذلِّلون له
بالإقرار بذلك بقلوبنا وألسنتنا .
وقد بينا معنى ((الإسلام)) فيما مضى، ودللنا عليه بما أغنى عن إعادته.(١)
#
القول فى تأويل قوله ﴿يََأَهْلَ الِكِتَّبِ لِمَ تُحَاجُونَ فِىّ
إِنْتَّاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ النَّوْرَمَةُ وَالْإِنجِلُ إِلَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) )
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: (( يا أهل الكتاب))، يا أهل
التوراة والإنجيل = ((لم تحاجون))، لم تجادلون = ((فى إبراهيم)) وتخاصمون
فيه ، يعنى : فى إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله عليه .
وكان حيجاجهم فيه: ادّعاءُ كل فريق من أهل هذين الكتابين أنه كان
(١) انظرما سلف ٢: ٥١٠، ٣/٥١١: ٧٣، ٧٤، ٩٢، ١١٠/ ثم ٢٨٠،٢٧٥:٦.

٤٩٠
تفسير سورة آل عمران : ٦٥
منهم، وأنه كان يدين دينَ أهل نيحْلته. فعابهم الله عز وجل بادِّعائهم ذلك، ودلّ"
على ◌ُناقضتهم ودعواهم، فقال: وكيف تدَّعون أنه كان على ملتكم ودينكم ،
ودينُكم إما يهودية أو نصرانية ، واليهودى منكم يزعُمُ أنّ دينه إقامةُ التوراة والعملُ
بما فيها، والنصرانى منكم يزعم أنّ دينه إقامةُ الإنجيل وما فيه ، وهذان كتابان
٢١٦/٣ لم ينزلا إلاّ بعد حين من مهلك إبراهيم ووفاته ؟ فكيف يكون منكم ؟ وما وجه
اختصامكم فيه، (١) وادعاؤكم أنه منكم، والأمر فيه على ما قد علمتم ؟
وقيل : نزلت هذه الآية فى اختصام اليهود والنصارى فى إبراهيم ، وادعاء كل
فريق منهم أنه كان منهم .
* ذكر من قال ذلك :
٧٢٠٢ -حدثنا أبو کریب قال، حدثنا يونس بن بکیر قال، حدثنى
محمد بن إسحق =وحدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحق = قال،
حدثنى محمد بن أبى محمد مولى زيد بن ثابت قال ، حدثنى سعيد بن جبير ،
أو عكرمة ، عن ابن عباس قال : اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند
رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار : ما كان إبراهيمُ
إلاّ يهوديًا! وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانياً! فأنزل الله عز وجل
فيهم: ((يا أهل الكتاب لم تحاجون فى إبراهيم وما أنزلت التوراةُ والإنجيل إلاّ من
بعده أفلا تعقلون))، قالت النصارى: كان نصرانيًّا! وقالت اليهود: كان يهوديًا !
فأخبرهم اللّه أنّ التوراة والإنجيل ما أنزلا إلا من بعده، وبعده كانت اليهودية
والنصرانية . (٢)
(١) فى المخطوطة: ( فكيف يكون منهم، أما وجه اختصامكم فيه ... ))، وهو خطأ من
عجلة الناسخ وصححه فى المطبوعة، ولكنه كتب ((فما وجه اختصامكم فيه))، وهو ليس بشىء ، والصواب
ما أثبت .
(٢) الأثر: ٧٢٠٢ - سيرة ابن هشام ٢: ٢٠١، ٢٠٢ مختصراً، والأثر الذى قبله فيما
روى الطبرى من سيرة ابن إسحق ، هو ما سلف رقم : ٦٧٨٢ .

٤٩١
تفسير سورة آل عمران : ٦٥
٧٢٠٣ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة
قوله: (( يا أهل الكتاب لم تحاجُون فى إبراهيم ))، يقول: ((لم تحاجون فى إبراهيم))
وتزعمون أنه كان يهوديًّا أو نصرانيًّا، = ((وما أنزلت التوراة والإنجيل إلاّ من
بعده))، فكانت اليهودية بعد التوراة، وكانت النصرانية بعد الإنجيل، = ((أفلا
تعقلون )» ؟
...
وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية فى دعوى اليهود إبراهيم أنه منهم.
• ذكر من قال ذلك :
٧٢٠٤ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قال: ذكر لنا أن نبى اللّه صلى اللّه عليه وسلم دعا يهود أهل المدينة إلى كلمة
السواء ، وهم الذين حاجُّوا فى إبراهيم، وزعموا أنه مات يهوديًّا، فأكذبهم الله
عز وجل ونفاهم منه فقال: (( يا أهل الكتاب لم تحاجون فى إبراهيم وما أنزلت التوراة
والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون )).
٧٢٠٥ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الله بن أبى
جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع مثله .
٧٢٠٦ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قول الله عز وجل: ((يا أهل الكتاب لم تحاجون
فى إبراهيم))، قال: اليهود والنصارى، برَّأه اللّه عز وجل منهم ، حين ادعت
كل أمة أنه منهم ، (١) وألحق به المؤمنين، مَنْ كان من أهل الحنيفية.
٧٢٠٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح ، عن مجاهد مثله .
...
(١) فى المخطوطة والمطبيعة: ((حين ادعى))، وهو سبق قلم من الناسخ.

٠ ٤٩٢
تفسير سورة آل عمران : ٦٥، ٦٦
وأما قوله: ((أفلا تعقلون)) فإنه يعنى: ((أفلا تعقلون))، تفقَهون خطأ قيلكم:
إنّ إبراهيم كان يهوديًا أو نصرانيًّا، وقد علمتم أنّ اليهودية والنصرانية حدّت من
بعد مهلکه بحين ؟
القول فى تأويل قوله ﴿مَكَأَنْتُمْ عَلَوْلَآء تَجْتُمْ فِياَ لَكُم بِهِ
عِلْمٌّ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَاَ لَيْسَلَكُمْ بِهِ عِلِمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) )
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((ها أنتم))، القوم" الدين (١) [قالوا فى إبراهيم
ما قالوا = ((حاججتم))]، (٢) خاصمتم وجادلتم (٣) = ((فيما لكم به علم))، من أمر
دینکم الذى وجدتموه فی کتبکم ، وأنتكم به رسل الله من عنده، وفى غير ذلك مما
أوتيتموه وثبتت عندكم صحته (٤) = ((فلم تحاجون»، يقول: فلم تجادلون وتخاصمون س
(( فيما ليس لكم به علم)) ، يعنى : فى الذى لا علم لكم به من أمر إبراهيم ودينه،
٢١٧/٣ ولم تجدوه فى كتب الله، ولا أتتكم به أنبياؤكم، ولا شاهد تموه فتعلموه؟ كما : -
٧٢٠٨ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا
أسباط، عن السدى: ((ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجًّون فيما
(١) فى المطبوعة: ((يعنى بذلك جل ثناؤه: ما أنتم هؤلاء، القوم ... ))، ومثله فى المخطوطة،
وليس فيها ((هؤلاء))، وصواب السياق يقتضى أن يكون كما أثبت، وقوله: ((القوم)» مفعول به لقوله:
((يمنى . .. )) ..
(٢) هذه الزيادة التى بين القوسين، أو ما يقوم مقامها، لا بد منها ، ولا يستقيم الكلام إلا بها ،
وظاهر أن الناسخ قد تخطى عبارة أو سطراً من فرط عجلته أو تعبه . واستظهرتها من نهج أبى جعفر
وسياق تفسيره .
(٣) انظر تفسير ((حاج)) فيما سلف ٣: ١٢٠، ١٢١، ٤٧٣،٢٨٠:٦/٤٢٩:٥/٢٠٠
(٤) فى المطبوعة والمخطوطة: ((ومن غير ذلك))، والصواب ما أثبت، تصحيف ناسخ.

٤٩٣
تفسير سورة آل عمران : ٦٦، ٦٧
ليس لكم به علم، أما ((الذى لهم به علم))، فما حرّم عليهم وما أمروا به. وأما
((الذى ليس لهم به علم))، فشأن إبراهيم.
٧٢٠٩ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:
((ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم))، يقول: فيما شهدتم ورأيتم وعايتم = ((فلم
تحاجُّون فيما ليس لكم به علم))، فيما لم تشاهدوا ولم تروا ولم تعاينوا = ((والله يعلم
وأنتم لا تعلمون )) .
٧٢١٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن
أبيه، عن الربيع مثله .
وقوله: ((والله يعلم وأنتم لا تعلمون))، يقول: والله يعلم ما غاب عنكم فلم
تشاهدوه ولم تروه، ولم تأتكم به رسلُه من أمر إبراهيم وغيره من الأمور ومما تجادلون
فيه، لأنه لا يغيب عنه شىء، ولا يعزُبُ عنه علم شىء فى السموات ولا فى
الأرض = ((وأنتم لا تعلمون))، من ذلك إلا ما عاينتم فشاهدتم ، أو أدركتم علمه
بالإخبار والسَّماع .
هـ
القول فى تأويل قوله عز وجل ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُوِيًّا وَلَا
نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) )
قال أبو جعفر: وهذا تكذيبٌ من الله عز وجل دعوى الذين جادلوا فى
إبراهيم وملته من اليهود والنصارى ، وادَّعوا أنه كان على ملتهم = وتبرئة لهم منه ،
وأنهم لدينه مخالفون = وقضاءٌ منه عز وجل لأهل الإسلام ولأمة محمد صلى الله
عليه وسلم أنهم هم أهل دينه، وعلى منهاجه وشرائعه ، دون سائر أهل الملل والأديان
غيرهم .

٤٩٤
تفسير سورة آل عمران : ٦٧
يقول الله عز وجل : = ما كان إبراهيم هوديًا ولا نصرانيًا ولا كان من المشركين، (١)
الذين يعبدون الأصنامَ والأوثانَ أو مخلوقاً دون خالقه الذى هو إله الخلق وبارهم =
((ولكن كان حنيفاً))، يعنى: متبعاً أمر الله وطاعته، مستقيماً على محجَّة الهدى
التى أمير بلزومها = ((مسلماً))، يعنى: خاشعاً لله بقلبه ، متذللا له بجوارحه ،
مذعناً لما فرض عليه وألزمه من أحكامه . (٢)
. . .
وقد بينا اختلاف أهل التأويل فى معنى ((الحنيف)) فيما مضى، ودللنا على
القول الذى هو أولى بالصحة من أقوالهم ، بما أغنى عن إعادته. (٣)
وبنحو ما قلنا فى ذلك من التأويل قال أهل التأويل .
*
ذكر من قال ذلك :
٧٢١١ - حدثنى إسحق بن شاهين الواسطى قال، حدثنا خالد بن عبد اللّه،
عن داود، عن عامر قال : قالت اليهود : إبراهيم على ديننا . وقالت النصارى :
هو على ديننا. فأنزل الله عز وجل: ((ما كان إبراهيم يهوديًا ولا نصرانيًّا)) الآية،
فأكذبهم الله، وأدحض حجتهم-يعنى: اليهود الذين ادعوا أن إبراهيم ماتَ يهوديًّا.(٤)
٧٢١٢ - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا ابن أبى جعفر ،
عن أبيه ، عن الربيع مثله .
(١) فى المطبوعة: ((ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من
المشركين))، ساق الآية كقراءتها، وذلك لأن ناسخ المخطوطة كان كتب ((وكان من المشركين)) ثم
كتب بين الوا و((كان)). ((لا)" ضعيفة غير بينة، فلم يحسن الناشر قراءتها، فساق الآية، ولم يصب
فيما فعل . ورددت عبارة الطبرى إلى صوابها .
(٢) انظر تفسير ((الإسلام)) فيما سلف قريباً: ٤٨٩ تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٣) انظر ما سلف ٣ : ١٠٤ - ١٠٨.
(٤) الأثر: ٧٢١١ - ((إسحق بن شاهين الواسطى))، روى عنه أبو جعفر فى مواضع من
تاريخه، ولم أجد له ترجمة. و((خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن)) أبو الهثيم المزنى الواسطى. ثقة
حافظ صحيح الحديث. مترجم فى التهذيب، و(داود)) هو: ((ابن أبى هند)) و ((عامر)) هو الشعبى.

٤٩٥
تفسير سورة آل عمران : ٦٧
٧٢١٣ - حدثنى يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرنى
يعقوب بن عبد الرحمن الزهرى، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله - لا أراه
إلاّ يحدثه عن أبيه - : أنّ زيد بن عمرو بن نفيل خرَج إلى الشام يسأل عن
الدِّين ويتبعه، فلقى عالماً من اليهود، فسأله عن دينه وقال: إنى لعلّى أنْ أدين
دينكم، فأخبرنى عن دينكم . فقال له اليهودى : إنك لن تكون على ديننا حتى
تأخذ بنصيبك من غضب الله. قال زيد: ما أفرّ إلاّ من غضب اللّه، ولا أحمل
من غضب الله شيئاً أبداً وأنا أستطيع. فهل تدلنى على دين ليس فيه هذا؟(١)
قال: ما أعلمه إلاّ أن يكون حنيفاً! (٢) قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم،
لم يك يهوديًّا ولا نصرانيًّا، وكان لا يعبد إلا الله. فخرج من عنده فلقى عالماً من
النصارى ، فسأله عن دينه فقال: إنى لعلَّى أن أدين دينكم ، فأخبرنى عن دينكم.
قال: إنك لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله . قال : لا أحتمل
من لعنة اللّه شيئاً، ولا من غضب الله شيئاً أبداً، وأنا أستطيع ، (٣) فهل تدلنى
على دين ليس فيه هذا ؟ فقال له نحواً مما قاله اليهودى: لا أعلمه إلا أن يكون
حنيفاً . (٢) فخرج من عنده وقد رَضِى الذى أخبراه والذى اتفقا عليه من شأن
إبراهيم، فلم يزل رافعاً يديه إلى اللّه وقال: (٤) اللهم إنى أشهدك أنى على دين إبراهيم. (٥)
٢١٨/٣
(١) فى المطبوعة: ((وأنا لا أستطيع))، زاد ((لا))، وليست فى المخطوطة، وهى خطأ فاحش،
ومخالف لرواية الحديث فى البخارى كما سيأتى فى تخريجه. وفى رواية البخارى: (( وأنا أستطيعه،
فهل تدلى على غيره ؟ ))
(٢) فى المطبوعة: ((إلا أن تكون))، بالتاء فى الموضعين والصواب بالياء كرواية البخارى.
(٣) فى المطبوعة هنا أيضاً: ((وأنا لا أستطيع)) بزيادة ((لا))، وليست فى المخطوطة، وانظر التعليق: ١.
(٤) هكذا فى المخطوطة والمطبوعة: ((فلم يزل رافعاً يديه إلى اللّه))، وأنا فى شك من لفظ هذا
الكلام ، وأ کبر ظی أنه تصحیف من کاتب قديم، ونص رواية البخاری « فلما برز رفع يديه فقال "
فجعل ((فلما)) ((فلم))، وجعل ((برز)) ((يزل))، وجعل ((رفع)) ((رافعاً))، والسياق يقتضى مثل
رواية البخارى .
(٥) الأثر: ٧٢١٣ - ((يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الزهرى)»، سكن الإسكندرية.
ثقة، روى له البخارى ومسلم وأبو داود والترمذى والنسائى ، مترجم فى التهذيب .

٤٩٦
: تفسير سورة آل عمران : ٦٧
أخبرنا أبو بكر محمد بن داود بن سليمان قال ، حدثنا محمد بن جرير
الطبرى :
ه **
وهذا الخبر، رواه البخارى (الفتح ٧ : ١٠٩ ، ١١٠) من طريق فضيل بن سليمان، عن موسى
ابن عقبة ، بمثل لفظ المطبزى مع بعض الاختلاف .
٠٠٠
وعند هذا الموضع انتهى جزء من التقسيم القديم ، وفى المخطوطة ما نصه :
( يتلوه القول فى تأويل قوله عزّ وجلّ:
﴿ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَّذِيْنَ أَتَّبَعُوهُ
وَهْذَا النَّبِىُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ ولِىُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾
والحمد لله على ( ..!! ) وصلى الله على محمد وآله وسلم))
۵
ثم يتلوه ما نصه :
((بسم الله الرحمن الرحيم
ربّ يُّزْ
أخبرنا أبو بكر محمد بن داود بن سليمان قال ، حدثنا محمد بن جرير الطبرى))
وهذا شىء جديد قد ظهر فى هذه النسخة ، فإن ما مضى جميعه، كان ختام التقسيم القديم ، رواية
أبى محمد الفرغانى ، عن أبى جعفر محمد بن جرير الطبرى، ثم بدأت رواية التفسير بإسناد آخر لم نكن
نعرفه عن رجل آخر غير أبى محمد الفرغانى، وهو المشهور برواية التفسير، فأثبت الإستاد فى صلب
التفسير لذلك : فلا بد من التعريف هنا بأبى بكر البغدادى. حتى نرى بعد كيف تمضى رواية التغير ،
أهى رواية أبى محمد الفرغانى إلى آخر الكتاب ، غير قسم منه دواء أبو بكر، أم انقضت رواية أبى محمد
انفرغانى ، ثم ابتدأت رواية أبى بكر من عند هذا الموضع ؟
وراوى هذا التفسير، من أول هذا الموضع هو: ((محمد بن داود بن سليمان سيار بن بيان، البغدادى،
الفقيه، أبو بكر))، نزل مصر، وحدث بها عن أبى جعفر الطبرى، وعثمان بن نصر الطائى. روى
عنه أبو الفتح عبد الواحد بن محمد بن مسرور البلخى ، كان ثقة . قال الخطيب البغدادى فى تاريخه
● : ٢٦٥ بإسناده إلى أبى سعيد بن يونس: «محمد بن داود بن سليمان، يكنى أبا بكر، بغدادى،

٤٩٧
تفسير سورة آل عمران : ٦٨
القول فى تأويل قوله جَلّ ثناؤه ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِنْرُ هِيمَ
لَّذِينَ أَتْعُوهُ وَهَذَا النَّبِىُّ وَالَّذِينَ ء امَنُواْ وَاللهُ وَلِيُّ الْمُوْمِنِينَ ) (٨)
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((إن" أولى الناس بإبراهيم))، إنّ
أحقّ الناس بإبراهيم ونصرته وولايته = ((الذين اتبعوه ))، يعنى : الذين سلكوا
طريقه ومنهاجه، فوحَّدوا الله مخلصين له الدين، وسنُّوا سُنته، وشرعوا شرائعه ،
وكانوا لله حنفاء مسلمين غير مشركين به = ((وهذا النبى))، يعنى: محمداً صلى الله
عليه وسلم = (( والذين آمنوا))، يعنى: والذين صدّقوا محمداً، وبما جاءهم به من
عند الله = ((والله ولى المؤمنين))، يقول: والله ناصرُ المؤمنين بمحمد، (١) المصدّقين
له فى نبوته وفيما جاءهم به من عنده، على من خالفهم من أهل الملل والأديان.
وتمثل الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
٧٢١٤ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه))، يقول: الذين اتبعوه على ملّته
وسنّته ومنهاجه وفطرته = ((وهذا النبى))، وهو نبى الله محمد = ((والذين آمنوا))
معه، وهم المؤمنون الذين صدّقوا نبيّ اللّه واتبعوه. كان محمد رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم والذين معه من المؤمنين، أولى الناس بإبراهيم .
قدم مصر ، وكان يتولى القضاء بتنيس ، وكان يروى كتب محمد بن جرير الطبرى عنه . حدث
عنه جماعة من البغداديين . وكان نظيفاً عاقلا . وولى ديوان الأحباس بمصر . توفى يوم الخميس لثلاث
بقين من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين وثلثمئة)) .
ولم أجد له غير هذه الترجمة فى تاريخ بغداد ، لا فى قضاة مصر للكندى، ولا فى غيره من الكتب
التى تحت يدى الآن، ولعلى أجد فى موضع آخر من التفسير ، شيئاً يكشف عن روايته التفسير ، غير
هذا القدر الذى وصلت إليه، والله الموفق .
(١) انظر تفسير ((الولى)) فيما سلف ١: ٤٨٩، ١٤٢:٦/٤٢٤:٥/٥٦٤، ٣١٣.
ج ٦ (٣٢)

٤٩٨
تفسير سورة آل عمران: ٦٨
٧٢١٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا ابن أبى جعفر ،
عن أبيه ، عن الربيع مثله.
٧٢١٦ - حدثنا محمد بن المثنى، وجابر بن الكردى، والحسن بن أبی یحی
المقدسى ، قالوا: حدثنا أبو أحمد قال : حدثنا سفيان ، عن أبيه ، عن أبى
الضحى، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم : إن لكل نبيّ ولاةً من النبيين، وإن وليِى منهم أبِى وخليل رَبّى، ثم
قرأ: ((إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبى والذين آمنوا والله ولى
المؤمنين )). (١)
(١) الحديث : ٧٢١٦ - جابر بن الكردى بن جابر الواسطى البزار: ثقة من شيوخ النسائى ،
مترجم فى التهذيب .
الحسن بن أبى يحيى المقدسى : لم أصل إلى معرفة من هو ؟
أبو أحمد : هو الزبيرى، محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدى .
سفيان : هو الثورى .
وأبوه : سعيد بن مسروق الثورى الكوفى ، وهو ثقة معروف ، أخرج له أصحاب الكتب الستة .
أبو الضحى: هو مسلم بن صبيح - بالتصغير . مضت ترجمته فى : ٥٤٢٤.
مسروق : هو ابن الأجدع بن مالك الهمدانى . مضت ترجمته فى : ٤٢٤٢.
وهذا إسناد صحيح متصل .
وسيأتى - عقبه - بإسناد منقطع: من طريق أبى نعيم ، عن سفيان ، عن أبيه ، عن أبى الضحى ،
عن عبد الله - وهو ابن مسعود - منقطعاً، بإسقاط ((مسروق)) بين أبي الضحى وابن مسعود.
وأبو الضحى لم يدرك ابن مسعود. مات ابن مسعود سنة ٣٣ . ومات أبو الضحى سنة ١٠٠ .
وهكذا روى هذا الحديث فى الدواوين بالوجهين : متصلا ومنقطعاً . والوصل زيادة ثقة ، فهى مقبولة .
فرواه الترمذى ٤: ٨٠ - ٨١، عن محمود بن غيلان، عن أبى أحمد الزبيرى ، بهذا الإسناد ،
متصلا . كمثل رواية الطبرى هذه من طريق أبى أحمد .
وكذلك رواه البزار ، من طريق أبى أحمد الزبيرى، فيما نقل عنه ابن كثير ٢ : ١٦٣.
ولم ينفرد أبو أحمد الزبيرى بوصله بذكر ((مسروق)) فى إسناده . تابعه على ذلك راويان ثقتان.
فرواه الحاكم فى المستدرك ٢ : ٢٩٢، من طريق محمد بن عبيد الطنافسى ، عن سفيان ، عن أبيه ،
عن أبى الضحى، عن مسروق، عن عبد الله - مرفوعاً موصولا. وقال الحاكم: ((هذا حديث صحيح على
شرط الشيخين، ولم يخرجاه)). ووافقه الذهبي.
ونقل ابن كثير ٢ : ١٦١ - ١٦٢ أنه رواه سعيد بن منصور: « حدثنا أبو الأحوص ،
عن سعيد بن مسروق [ هو والد سفيان] عن أبى الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود ... )) - فذكره.

٤٩٩
تفسير سورة آل عمران : ٦٨
٧٢١٧ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين قال،
حدثنا سفيان ، عن أبيه ، عن أبى الضحى ، عن عبد اللّه ، أراه قال : عن النبى
صلى الله عليه وسلم، فذكر نحوه. (١)
٧٢١٨ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية بن صالح، عن على، عن ابن عباس: يقول الله سبحانه: ((إنّ أولى
الناس بإبراهيم الذين اتبعوه))، وهم المؤمنون .
٢١٩/٣
...
وأبو الأحوص سلام بن سليم: ثقة متقن حافظ ، مضى فى : ٢٠٥٨ , فقد رواه مرفوعاً متصلا،
عن سعيد الثورى - والد سفيان - كما رواه سفيان عن أبيه .
فهذا يرجح رواية من رواء عن سفيان موصولا ، على رواية من رواه عنه منقطعاً. فإذا اختلفت الرواية
على سفيان بين الوصل والانقطاع ، فلم تختلف على أبى الأحوص .
بل الظاهر عندى أن هذا ليس اختلافاً على سفيان . وأن سفيان هذا هو الذى كان يصله مرة ،
ويقطعه مرة . ومثل هذا فى الأسانيد كثير .
(١) الحديث: ٧٢١٧ - هذه هى الرواية المنقطعة لهذا الحديث. رواه الطبرى من طريق
أبى نعيم عن سفيان ، منقطعاً .
وكذلك رواه الترمذى ٤: ٨١، عن محمود، وهو ابن غيلان، عن أبى نعيم ، بهذا الإسناد.
وتابع أبا نعيم على روايته هكذا منقطعاً رواة آخرون ثقات :
فرواه أحمد فى المسند : ٣٨٠٠، عن وكيع ، عن سفيان ، عن أبيه ، عن أبى الضحى ، عن
عبد الله - هو ابن مسعود - مرفوعاً .
وكذلك رواه الترمذى ٤ : ٨١، عن أبي كريب ، عن وكيع .
ولكن نقله ابن كثير ٢ : ١٦٣ - ١٦٤ عن تفسير وكيع، بهذا الإسناد، وفيه ((عن أبى إسحق))
بدل ((عن أبي الضحى)). وأنا أرجح أن هذا خطأ من بعض ناسخى تفسير وكيع ، ترجيحاً لرواية أحمد
عن وكيع، والترمذى من طريق وكيع - وفيهما: ((عن أبى الضحى)).
ورواه أحمد أيضاً : ٤٠٨٨، عن يحيى، وهو القطان، وعن عبد الرحمن، وهو ابن مهدى - 3.
كلاهما عن سفيان ، عن أبيه، عن أبى الضحى ، عن عبد اللّه، مرفوعاً .
وقد رجح الترمذى الرواية المنقطعة ، وهو ترجيح بغير مرجح . والوصل زيادة تقبل من الثقة دون شك .
وفى رواية الطبرى هذه قوله: ((أراء عن النبى صلى اللّه عليه وسلم))، مما يفهم منه الشك فى رفعه أيضاً.
وهذا الشك لعله من ابن المثى شيخ الطبرى، أو من الطبرى نفسه، لأن رواية الترمذى من طريق أبي نعيم
ليس فيها الشك فى رفعه .
والحديث ذكره السيوطى ٢: ٤٢، دون بيان الروايات المتصلة من المنقطعة - وزاد نسبته لعبد
ابن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبى حاتم ، ولم يذكر نسبته لمسند أحمد ولا للبزار.

٥٠٠
تفسير سورة آل عمران : ٦٩
القول فى تأويل قوله ﴿ وَدَّت طَّائِقَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَّبِ لَوْ
يُضِلُونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) )
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((ودّت))، تمنت =(١) ((طائفة))، يعنى
جماعة = ((من أهل الكتاب))، وهم أهل التوراة من اليهود ، وأهل الإنجيل من
النصارى = ((لو يضلُّونكم))، يقولون: لو يصدّ ونكم أيها المؤمنون، عن الإسلام
ويردُونكم عنه إلى ما هم عليه من الكفر، فيهلكونكم بذلك .
...
((والإضلال)) فى هذا الموضع، الإهلاكُ، (٢) من قول الله عز وجل:
﴿ وَقَلُوا أَئِذَا ضَلَلْنَ فِى الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ [سورة السجدة: ١٠]
يعنى : إذا هلكنا ، ومنه قول الأخطل فى هجاء جرير :
كُنْتَ القَذَى فِى مَوْجٍ أَ كْدَرَ مُزْبِدٍ قَذَفَ الأَنِىُّ بِهِ فَضَلْ ضَلَاَلَا(٣)
يعنى : هلك هلاكاً ، وقول نابغة بنى ذبيان :
فَآَبَ مُضِلُوهُ بِعَيْنِ حَلَّةٍ وَغُدِرَ بِالْجَوْلَانٍ حَزْمٌ ونَائِلُ(٤)
يعنى : مهلكوه .
٠ ٠ ٠
(١) انظر تفسير ((ود)) فيما سلف ٢ : ٥٤٢:٥/٤٧٠
(٢) انظر تفسير ((ضل)) فيما سلف ١: ١٩٥/ ٢ : ٤٩٥، ٤٩٦.
(٣) مضى تخريجه وشرحه فى ٢ : ٤٩٦.
(٤) ديوانه: ٨٣، واللسان (ضلل) (جلا)، من قصيدته الغالية فى رثاء أبى حجر النعمان بن
الحارث بن أبى شمر الغسانى ، وقبل البيت :
أَوَاسِىَ مُلْكٍ ثَبَتْهُ الأَوَائِلُ
فإِنْ تَكُ قَدْ وَدَّعْتَ غَيْرَ مُذَمَّمٍ
◌َكُلُّ أَعْرِئْ يَوْمًا به الحالُ زَائِلُ
فَلاَ تَبْعَدَنْ، إِنّ الَنِيَّةَ مَوْعِدٌ ،