Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ تفسير سورة آل عمران : ٤٣،٤٢ كانت مريم حبيساً فى الكنيسة، ومعها فى الكنيسة 'غلام اسمه يُوسف، وقد كان" أمه وأبوه جعلاه نذيراً حبيساً، فكانا فى الكنيسة جميعاً. وكانت مريم، إذا نَفِدَ ماؤها وماء يوسف، أخذا ◌ُقُلَّتهما فانطلقا إلى المفازة التى فيها الماء الذى يستعذ بان منه، (١) فيملآن قلتيهما ، ثم يرجعان إلى الكنيسة ، والملائكة فى ذلك مقبلة على مريم : (((يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين))، فإذا سمع ذلك زكريا قال : إنّ لابنة عمران لشأناً !! القول فى تأويل قوله ﴿يُمَرْيَمُ أَفْنُتِى لِرَ بُّكِ وَأَسْجُدِى وَأَرْ كَمِى مَعَ الرَّ كِمِينَ) ) قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله - خبراً عن قبيل ملائكته لمريم: ((يا مريم اقتنى لربك))، أخلصى الطاعة لربك وحده . ٠ ٠ ٠ وقد دللنا على معنى ((القنوت))، بشواهده فيما مضى قبل. (٢) والاختلافُ بين أهل التأويل فيه فى هذا الموضع ، نحو اختلافهم فيه هنالك . وسنذ کر قول بعضهم أيضاً فى هذا الموضع . فقال بعضهم: معنى ((اقنّى))، أطيلى الرُّ كود . * ذكر من قال ذلك : ٧٠٣٨ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، (١) يستعذبان: يستقيان، وأصله من قولهم: ((استعذب)): أى استقى أو طلب ماء عذباً. وفى الحديث: ((أنه كان يستعذب له من بيوت السقيا))، أى يحضر له منها الماء العذب. (٢) انظر ما سلف ٢: ٥٣٨، ٥٣٩ / ثم ٥ : ٢٢٨-٦/٢٣٧: ٢٦٤. ج ٦ (٢٦) ٤٠٢ تفسير سورة آل عمران : ٤٣ عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: (( يا مريم اقنّ لربك))، قال : أطيلى الركود ، يعنى القنوت . ٧٠٣٩ -حدثیالمثی قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبی نجیح ، عن مجاهد مثله . ٧٠٤٠ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج: ((اقنّى لربك))، قال قال مجاهد: أطيلى الركود فى الصّلاة = يعنى القنوت . ١٨٢/٣ ٧٠٤١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسمق قال ، حدثنا عبد الله بن إدريس ، عن ليث، عن مجاهد قال: لما قيل لها: (( يا مريم اقنّى لربك))، قامت حتى ورم کعباها . ٧٠٤٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسین قال، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن ليث ، عن مجاهد قال: لما قيل لها: (( يا مريم اقنّى لربك))، قامت حتى ورمت قدماها . ٧٠٤٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسمق قال ، حدثنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا الثورى ، عن ابن أبى ليلى ، عن مجاهد: ((اقنّ لربك))، قال: أطيلى الركود . ٧٠٤٤ - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع: ((يا مريم اقنّى لربك))، قال: القنوت الركود . يقول: قومى لربك فى الصلاة . يقول : اركدى لربّك: أى انتصبى له فى الصلاة = ((واسجدی وار كعى مع الراكعين )) . ٧٠٤٥ - حدثنى محمد بن سنان قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن سفيان ، عن ليث ، عن مجاهد: ((يا مريم اقنى لربك))، قال : كانت تصلى حتى ترم قدماها . ٤٠٣ تفسير سورة آل عمران: ٤٣ ٧٠٤٦ - حدثنى ابن البرقى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا الأوزاعى : (((يا مريم اقنّى لربك)»، قال: كانت تقوم حتى يَسيل القيح من قدميها . ٠٠٠ وقال آخرون : معناه : أخلصى لربك . • ذكر من قال ذلك : ٧٠٤٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا الحمانى قال، حدثنا ابن المبارك ، عن شريك ، عن سالم ، عن سعيد: (( يا مريم اقنّى لربك))، قال : أخلصى لربك . ٠٠٠ وقال آخرون : معناه : أطيعى ربك . • ذكر من قال ذلك : ٧٠٤٨ - حدثنى الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة فى قوله: ((اقنّ لربك))، قال : أطيعى ربك . ٧٠٤٩ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى: (( اقنّى لربك))، أطيعى ربك . ٧٠٥٠ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا محمد بن حرب قال ، حدثنا ابن لهيعة ، عن درّاج، عن أبى الهيثم ، عن أبى سعيد الخدرى، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: كل حرف يذكر فيه القنوت من القرآن ، فهو طاعة الله. (١) ٧٠٥١ - حدثنى محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفى ، عن عباد بن منصور، عن الحسن فى قوله: ((يا مريم اقنتى لربك))، قال يقول: اعبدى ربك . (١) الأثر ٧٠٥٠ - هذا إسناد آخر الخبر السالف رقم: ٥٥١٨ من طريق الربيع بن سليمان ، عن أسد بن موسى ، عن ابن لهيعة . ٤٠٤ تفسير سورة آل عمران : ٤٣، ٤٤ قال أبو جعفر: وقد بينا أيضاً معنى ((الرّ كوع)) ((والسجود)) بالأدلة الدالة على صحته ، (١) وأنهما بمعنى الخشوع لله، والخضوع له بالطاعة والعُودة. (٢) * فتأويل الآية ، إذاً : يا مريم أخلصى عبادة ربك لوجهه خالصاً ، واخشعى لطاعته وعبادته مع من خشع له من خلقه ، شكراً له على ما أكرمك به من الاصطفاء والتَّطهير من الأدناس ، والتفضيل على نساء عالم دهرك . # القول فى تأويل قوله ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ قال أبو جعفر : يعنى جل ثناؤه بقوله ذلك : الأخبار التى أخبرَ بها عبادَه عن امرأة عمران وابنتها مريم، وزكريا وابنه يحيى، وسائر ما قصَّ فى الآيات من قوله: ((إن الله اصطفى آدم ونوحاً))، ثم جمعَ جميعَ ذلك تعالى ذكره بقوله: (( ذلك ))، فقال: هذه الأنباء من ((أنباء الغيب))، أى : من أخبار الغيب. ١٨٣/٣ ويعنىبـ ((الغيب))، أنها من خفىّ أخبار القوم التى لم تطَّلع أنت، يا محمد ، عليها ولا قومك ، ولم يعلمها إلا قليلٌ من أحبار أهل الكتابين ورهبانهم. ثم أخبر تعالى ذكره نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أنه أوحى ذلك إليه ، حجة على نبوته ، وتحقيقاً لصدقه ، وقطعاً منه به عذرَ منكرى رسالته من كفار أهل الكتابين ، الذين يعلمون أنّ محمداً لم يصل إلى علم هذه الأنباء مع خفائها ، ولم يدرك معرفتها مع ◌ُمولها عند أهلها، إلا بإعلام اللّه ذلك إياه . إذا كان معلوماً عندهم أنّ محمداً صلى الله عليه وسلم أمىٌّ لا يكتب فيقرأ الكتب ، فيصل إلى علم ذلك من (١) انظر تفسير ((السجود)) فيما سلف ٢: ١٠٤، ١٠٥، ٢٤٢، وفهارس اللغة، وتفسير ((الركوع)) فيما سلف ١: ٥٧٤، ٥٧٥ / ثم ٣ : ٤٣، ٤٤، وفهارس اللغة. (٢) فى المطبوعة: ((العبودية))، وأثبت صواب ما فى المخطوطة، والطبرى يكثر من استعمالها كذلك. انظر ما سلف : ٢٧١؛ والتعليق: ١ . ٤٠٥ تفسير سورة آل عمران : ٤٤ قِبَل الكتب ، ولا صاحبَ أهل الكتُب فيأخذ علمه من قِبلهم . وأما (الغيْب)) فمصدر من قول القائل: ((غاب فلان عن كذا فهو يَغيب عنه غَيْباً وَغيبةٌ)). (١) وأما قوله: (( ◌ُنُوحِيه إليك))، فإن تأويله: نُنْزِلِه إليك. # وأصل ((الإيحاء))، إلقاء الموحمى إلى الموحتى إليه. وذلك قد يكون بكتاب وإشارة وإيماء، وبإلهام، وبرسالة، كما قال جل ثناؤه: ﴿ وَأَوْحَى رَبَّكَ إلَى النَّخْلِ ﴾ [ سورة النحل: ٦٨]، بمعنى: ألقى ذلك إليها فألهمها، وكما قال: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ [سورة المائدة: ١١١]، بمعنى: ألقيت إليهم علمَ ذلك إلهاماً، وكما قال الراجز : (٢) ( أَوْحَى لَهَاَ القَرَارَ فَاسْتَقْرَّتِ.(٣) بمعنى ألقى إليها ذلك أمراً، وكما قال جل ثناؤه: ﴿فأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [سورة مريم: ١١]، بمعنى: فألقى ذلك إليهم إيماء. (٤) والأصل (١) انظر تفسير ((الغيب)) فيما سلف ١ : ٢٣٦، ٢٣٧. (٢) هو العجاج . (٣) ديوانه .، واللسان ((وَجَى))، وسيأتى فى التفسير ٤: ١٤٢ (بولاق)، وغيرها . ورواية ديوانه، وإحدى روايتى اللسان ((وحى)) ثلاثياً، وقال: ((أراد أوحى))، إلا أن من لغة هذا الراجز إسقاط الهمزة مع الحرف)»، وانظر ما سيأتى فى تفسير سورة مريم (١٦: ٤١ بولاق). والبيت من رجز العجاج يذكر فيه ربه ويشى عليه بآ لامه ، أوله: الحَمْدُ ثِ الَّذِى اُسْتَقَّتِ بِإِذْنِهِ السَّمَاءِ، وَأَطْأَنْتِ وَحَى لَهَ القرارَ فَأَسْتَقَرَّتِ يإِذْنِهِ الأرْضُ وما تَعَنْتِ رَبُّ الِلاَدِ وَالِبَادِ القُّنَّتِ وَشِدَّهَا بِالرَّاسِيَاتِ الثَّبَّتِ (٤) فى المخطوطة، والمطبوعة: ((فألقى ذلك إليهم أيضاً))، وهو خطأ بين، والصواب ما أثبته، وانظرما سلف قريباً فى بيان قوله تعالى: ((رمزاً))، ص: ٣٨٨، وما بعدها . ٤٠٦ تفسير سورة آل عمران : ٤٤ فيه ما وصفتُ، من إلقاء ذلك إليهم . وقد يكون إلقاؤه ذلك إليهم إيماءً ، ويكون بكتاب. ومن ذلك قوله: (١) ﴿ وَ إِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيْهِمْ﴾ [سورة الأنعام: ١٢١]، يلقون إليهم ذلك وسوسة"، وقوله: ﴿وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأَنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [سورة الأنعام: ١٩]، (٢) ألقى إلىّ بمجىء جبريل عليه السلام به إلىّ من عند الله عز وجل . وأما ((الوحْى))، فهو الواقع من الموحى إلى الموحتى إليه، ولذلك سمت العرب الخط والكتاب ((وحياً))، لأنه واقع فيما كُتِب ثابتٌ فيه، كما قال كعب بن زهير: أُنَى المُجْمَ والآفَاقَ مِنْهُ قَصَائِدٌ بَقِيْنَبَقَاءَ الوَحْىِ فِىِ الحَجَرِ الأَصَ(٣) يعنى به: الكتابَ الثابت فى الحجر . وقد يقال فى الكتاب خاصةً ، إذا كتبه الكاتب: ((وحتى )) بغير ألف، ومنه قول رؤبة : كَأَنَّهُ بَعْدَ رِيَاحِ تَدْهَمُهْ وَمُرْتَعِنَّاتِ الدُّجُونِ تَشِمُهُ إِنْجِيلُ أَحْبَارٍ وَحَى مُتَمَنِمُهُ(٤) ٠ (١) فى المخطوطة: ((وذلك قوله))، والصواب ما فى المطبوعة. (٢) قوله: ((لأنذركم به ومن بلغ))، ليس فى المخطوطة. (٣) ديوانه: ٦٤، من قصيدة مضى منها بيت فيما سلف ١ : ١٠٦، وهى قصيدة جيدة، يرد فيها ما قاله فيه مزرد ، أخو الشماخ، حين ذكر كعب الحطيئة فى شعره وقدمه وقدم نفسه ، فغضب مزرد وهجاه، فقال يفخر بأبيه ثم بنفسه ، بعد البيت السالف فى الجزء الأول فى التفسير: أَنَا أَبْنُ أَبِ سُلَى عَلَى رَغْمِ مَنْ رَغِمْ فَإِنْ تَسْأَّلِ الأَقْوَامَ عَنِّى، فَإِنَّنِى فَ يَخْزَ يَوْمًا فِى مَعَدٍ وَلَمْ لَمّ أَنَا ابْنُ الَّذِىِ قَدْ عَاشَ تِسْعِينَ حِجَّةً وَأَكْرَمَهُ الأَكْفَهِ فِى كُلِّ مَعْشَرٍ كِرَامٍ فَإِنْ كَذَّبْتَنِى، فَلِ الْأُمَمْ أُنَى المُجْمَ (٤) ديوانه: ١٤٩، من رجز طويل بارع غريب المعانى والوجوه، يذكر فيه مآثر أبى العباس ٤٠٧ تفسير سورة آل عمران : ٤٤ القول فى تأويل قوله ﴿وَمَا كُنْتَ لَيْهِمْ إِذْ يُلْتُونَ أَقْلُهُمْ أَنْهُمْ يَكْفُلُ مَرْتَ﴾ قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((وما كنت لديهم))، وما كنت ، يا محمد ، عندهم فتعلم ما نعلّمكه من أخبارهم التى لم تشهدها، ولكنك إنما تعلم ذلك فتدركُ معرفته ، بتعريفناكَهُ . * ومعنى قوله : ( لديهم )) ، عندهم. ومعنى قوله: ((إذ يلقون))، حينَ يلقون أقلامهم. ٠ ٠ ٠ وأما ((أقلامهم))، فسهامهم التى استهم بها المستهمون من بنى إسرائيل على ١٨٤/٣ كفالة مريم، على ما قد بينا قبل فى قوله: (( وكفَّلها زكريا)).(١) ٠ ٠ وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . . ذكر من قال ذلك : ٧٠٥٢ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا هشام بن عمرو ، عن سعيد، عن قتادة فى قوله: ((وما كنت لديهم))، يعنى محمداً صلى الله عليه وسلم . ٧٠۵٣ - حدثی محمد بن عمر و قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، السفاح . وهو غريب الكلام ، ولكنه حسن المعانى إذا فتشته ، فأقرأه وتأمله . وهذه الأبيات فى مطلع الرجز، والضمير عائد فيها على ربع دارس طال قدمه، وعفته الرياح. وقوله: ((تدهمه)) تغشاه كما يغثى المغير جيشاً فيبيده . وارثعن المطر ( بتشديد النون): كثر وثبت ودام . فهو مرثعن. ووثم المطر الأرض يشها وثماً : ضربها فأثر فيها ، كما يتم الفرس الأرض بحوافره: أى يدقها، إلا أن هذا أخفى وأكثر إلحاحاً . ونمنم الكتاب : رقشه وزخرفه وأدق خيله: وقارب بين حروفه الدقاق، وتلك هى النمنمة. (١) انظر ما سلف ص : ٣٤٥-٣٥٢ ٤٠٨ تفسير سورة آل عمران : ٤٤ عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: ((يلقون أقلامهم))، زكريا وأصحابه ، استهموا بأقلامهم على مريم حين دخلتْ عليهم . ٧٠٥٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد مثله . ٧٠٥٥ - حدثنا بشرقال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله : ((وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون)) ، كانت مريم ابنة إمامهم وسيدهم، فتشاحٌ عليها بنو إسرائيل، فاقترعوا فيها بسهامهم أيُّهم يكفلها، فقَرَعهم زكريا، وكان زوج أختها ، ((فكفَّلها زكريا))، يقول : ضمها إليه .(١) ٧٠٥٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر، عن قتادة فى قوله: ((يلقون أقلامهم))، قال: تساهموا على مريم أيُّهم يكفلها ، فقر عهم زكريا . ٧٠٥٧ - حدثنى محمد بن سعد قال ، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال ، حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: (( وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم))، وإنّ مريم لما وضعت فى المسجد، اقترع عليها أهلُ المصلَّى وهم يكتبون الوَحْى، فاقترعوا بأقلامهم أيُّهم يكفُلها، فقال الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم: (( وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذْ يختصمون)». ٧٠٥٨ - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال ، أخبرنا عبيد (١) قوله: ((وكان زوج أختها))، ينى زوج أخت أم مريم، لا زوج أخت مريم ، وكأن الخبر لما اختصر ، سقط منه ذكر أم مريم ، وبى باقى الخبر على حاله ، وقد بينت ذلك فيما سلف ص : ٣٤٩، تعليق : ٤ . ٤٠٩ تفسير سورة آل عمران : ٤٤ قال، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم))، اقترعوا بأقلامهم أيُّهم يكفل مريم ، فقرَعهم زكريا . ٧٠٥٩ - حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفى ، عن عباد ، عن الحسن فى قوله: (( وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم))، قال: حيث اقترعوا على مريم، وكان غيباً عن محمد صلى الله عليه وسلم حين أخبرَه اللّه . ... وإنما قيل: ((أيهم يكفل مريم))، لأن إلقاء المستهمين أقلامهم على مريم، إنما كان لينظروا أيهم أولى بكفالتها وأحقّ. ففى قوله عز وجل: ((إذ يلقون أقلامهم))، دلالة على محذوف من الكلام، وهو: ((لينظروا أيهم يكفل، وليتبيَّنوا ذلك ويعلموه)). ٠. فإن ظن ظان" أنّ الواجب فى ((أيهم)) النصبُ، إذ كان ذلك معناه، فقد ظن خطأ. وذلك أن ((النظر)) و((التبين)) و((العلم)) مع ((أىّ)) يقتضى استفهاماً واستخباراً، وحظ ((أىّ)) فى الاستخبار، الابتداءُ وبطولُ عمل المسألة والاستخبار عنه. وذلك أن معنى قول القائل: ((لأنظُرَنّ أيهم قام))، لأستخبرنَ الناس: أيهم قام ، وكذلك قولهم: ((لأعلمن)). ٠ ٠٠ وقد دللنا فيما مضى قبل أن معنى ((يكفل))، يضمُّ، بما أغنى عن إعادته فى هذا الموضع .(١) ١٨٥/٣ (١) انظر ما سلف فى هذا الجزء: ٣٤٨. ٤١٠ تفسير سورة آل عمران : ٤٥،٤٤ القول فى تأويل قوله ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) (١) قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه: وما كنتَ ، يا محمد ، عند قوم مريم، إذ يختصمون فيها أيُّهم أحقّ بها وأولى. وذلك من الله عز وجل، وإن كان خطاباً لنبيه صلى اللّه عليه وسلم ، فتوبيخٌ منه عز وجل للمكذبين به من أهل الكتابين . يقول : كيف يشكّ أهل الكفر بك منهم وأنت تنبئهم هذه الأنباءَ ولم تشهدها، ولم تكن معهم يوم فعلوا هذه الأمورَ ، ولست ممن قرأ الكتب فعَلِمِ نبأهم، ولا جالس أهلها فسمع خبرهم ؟ كما :- ٧٠٦٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق، عن محمد ابن جعفر بن الزبير: ((وما كنت لديهم إذ يختصمون))، أى ما كنت معهم إذ يختصمون فيها . يخبره بخفىّ ما كتموا منه من العلم عندهم، لتحقيق نبوته والحجة علیهم لما يأتيهم به مما أخفوا منه . (١) ٠ القول فى تأويل قوله ﴿ إِذْ قَتِ آلْمََّكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُّكِ بَكْلِمَةٍ مِنْهُ أَنْمُهُ اُلْسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ﴾ قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((إذ قالت الملائكة))، وما كنت لديهم إذ يختصمون، وما كنت لديهم أيضاً إذ قالت الملائكة: يا مريم إنّ الله يبشرك . ٠٠٠ (١) الأثر: ٧٠٦٠ - سيرة ابن هشام ٢: ٢٢٩، وهو من بقية الآثار التى كان آخرها : ٠٦٩١١ ٤١١ تفسير سورة آل عمران : ٤٥ ((والتبشير)) إخبار المرء بما يسره من خبر. (١) ... وقوله: ((بكلمة منه))، يعنى برسالة من اللّه وخبر من عنده ، وهو من قول القائل: ((ألقى فلانٌ إلىّ كلمةً سرّنى بها))، بمعنى: أخبرنى خبراً فرحت به ، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَكَلِمَّتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [سورة النساء: ١٧١]، يعنى: بشرى الله مريمَ بعيسى ، ألقاها إليها . ... فتأويل الكلام : وما كنت ، يا محمد ، عند القوم إذ قالت الملائكة لمريم : يا مريم إنّ اللّه يبشرك ببُشرى من عنده، هى ولدٌ لك اسمهُ المسيحُ عيسى بن مریم . وقد قال قوم - وهو قول قتادة -: إن (( الكلمة)) التى قال الله عز وجل: ((بكلمة منه ))، هو قوله: (( کن )). ٧٠٦١ - حدثنا بذلك الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر، عن قتادة قوله: ((بكلمة منه))، قال: قوله: ((كن)). ٠ ٠ فسماه اللّه عز وجل ((كلمته))، لأنه كان عن كلمته، كما يقال لما قدّر اللّه من شىء: ((هذا قدَرُ اللّه وقضاؤُه))، يعنى به: هذا عن قدر اللّه وقضائه حدث، وكما قال جل ثناؤه: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا﴾ [ سورة النساء: ٤٧ / وسورة الأحزاب : ٣٧]، يعنى به: ما أمر الله به، وهو المأمور [به] الذى كان عن أمر الله عز وجل . (٢) ٠ ٠ (١) انظر معنى((التبشير)) فيما سلف فى هذا الجزء: ٣٦٩، تعليق: ٢، والمراجع هناك. وكان فى المطبوعة هنا ((من خير)) . وفى المخطوطة غير منقوطة، وصوابه ما أثبت . (٢) ما بين القوسين زيادة لا يستقيم الكلام إلا بها . ٤١٢ تفسير سورة آل عمران : ٤٥ وقال آخرون : بل هى اسم لعيسى سماه الله بها ، كما سمى سائر خلقه بما شاء من الأسماء. ۵ وروى عن ابن عباس رضى الله عنه أنه قال: ((الكلمة)) هى عيسى . ٧٠٦٢ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس فى قوله: (( إذ قالت الملائكة يا مريم إنّ اللّه يبشرك بكلمة منه)) ، قال : عيسى هو الكلمة من اللّه . قال أبو جعفر : وأقربُ الوُجوه إلى الصواب عندى، القولُ الأول . وهو أنّ الملائكة بشَّرت مريم بعيسى عن الله عز وجل برسالته وكلمته التى أمرَها أن تُلقيها إليها: أنّ الله خالقٌ منها ولداً من غير بَعْل ولا فحل، ولذلك قال عز وجل: ((اسمه المسيح))، فذكَّر، ولم يقُل: ((اسمُها)) فيؤنث، و((الكلمة)) ١٨٦/٣ مؤنثة، لأن ((الكلمة)) غير مقصود بها قصدُ الاسم الذى هو بمعنى ((فلان))، وإنما هى بمعنى البشارة، فذكرت كنايتها كما تذكر كناية ((الذرية)) و((الدابة)) والألقاب، (١) على ما قد بيناه قبل فيما مضى. (٢) ٠ * فتأويل ذلك كما قلنا آنفاً ، من أنّ معنى ذلك : إن الله يبشرك ببشرى = ثم بيِّن عن البشرى أنها ولدٌ اسمه المسيح. وقد زعم بعض نحوبى البصرة أنه إنما ذكر فقال: ((اسمه المسيح))، وقد قال: (((بكلمة منه))، و((الكلمة))، عنده هى عيسى = لأنه فى المعنى كذلك ، كما قال جل ثناؤه: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَ حَسْرَتَا﴾، ثم قال: ﴿إِلى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِى فَكَذَّبْتَ بها﴾ [سورة الزمر: ٥٦ - ٥٩]، وكما يقال: ((ذو النُّدَيَّة))، لأن يده (١) الكناية: الضمير، كما سلف مراراً، وهو من اصطلاح الكوفيين. (٢) انظر ما سلف ٢ : ٢١٠/ ثم هذا الجزء: ٣٦٣،٣٦٢، ومواضع أخرى. ٤١٣ تفسير سورة آل عمران : ٤٥ كانت قصيرة قريبة من ثدييه، (١) فجعلها كأنّ اسمها ((أَدْيَة))، ولولا ذلك لم تدخل ((الهاء)) فى التصغير . ٠ ٠ وقال بعض نحوبى الكوفة نحو قول من ذكرنا من نحوبى البصرة : فى أنّ ((الهاء)) من ذكر ((الكلمة))، وخالفه فى المعنى الذى من أجله ذكر قوله : (((اسمه))، و((الكلمة))، متقدمة قبله. فزعم أنه إنما قيل: ((اسمه))، وقد قدّمت ((الكلمة))، ولم يقل: ((اسمها))، لأن من شأن العرب أن تفعل ذلك فيما كان من النعوت والألقاب والأسماء التى لم توضع لتعريف المسمى به، كـ((فلان)) و((فلان))، وذلك، مثل ((الذرّية)) و((الخليفة)) و((الدابة))، ولذلك جاز عنده أن يقال: ((ذرية طيبة)) و((ذرّيةً طيباً))، ولم يجز أن يقال: ((طلحة أقبلت = ومغيرة قامت)) . (٢) ... وأنكر بعضهم اعتلالَ من اعتلّ فى ذلك بـ ((ذى الثدية))، وقالوا : إنما أدخلت ((الهاء)) فى ((ذى الثدية))، لأنه أريد بذلك القطعة منَ الشَّدْى، كما قيل: ((كنا فى لحمة ونبيذة))، يراد به القطعة منه . وهذا القول نحو قولنا الذى قلناه فى ذلك . وأما قوله: ((اسمهُ المسيح عيسى بن مريم))، فإنه جل ثناؤه أنبأ عباده عن نسبة عيسى ، وأنه ابن أمّه مريم، ونفى بذلك عنه ما أضاف إليه الملحدون فى الله جل ثناؤه من النصارى، من إضافتهم بنوّته إلى الله عز وجل، وما قَرَفَتْ أمَّه به المفتريةُ عليها من اليهود ، (٣) كما : - (١) خبر ذى الثدية مشهور معروف، انظر سنن أبى داود ((باب قتال الخوارج)) ٤: ٣٣٤ - ٣٣٨ . (٢) انظر ما سلف فى هذا الجزء : ٣٦٣،٣٦٢ (٣) فى المطبوعة: ((قذفت به))، والصواب من المخطوطة. قرف الرجل بسوء: رماه به واتهمه، فهو مقروف. وقوله: ((المفترية)) مرفوعة فاعل ((قرفت أمه به))، ويعنى الفئة المفترية. : ٤١٤ تفسير سورة آل عمران : ٤٥ ٧٠٦٣ - حدثنى به ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير: ((إذ قالت الملائكة يا مريم إنّ اللّه يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيهاً فى الدنيا والآخرة ومن المقربين)»، أى : هکذا کان أمرُه ، لا ما يقولون فيه . (١) ٠ ٠ وأما ((المسيح))، فإنه ((فعيل)) صرف من ((مفعول)) إلى ((فعيل))، وإنما هو ((ممسوح))، يعنى: مسحه اللّه فطهّره من الذنوب، ولذلك قال إبراهيم: ((المسيح)) الصدّيق . .. . (٢) ٧٠٦٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى، عن سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم مثله . ٧٠٦٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا ابن المبارك، عن سفيان ، عن منصور عن إبراهيم مثله . وقال آخرون : ◌ُسح بالبركة . ٧٠٦٦ - حدثنا ابن البرقى قال، حدثنا عمرو بن أبى سلمة قال ، قال سعيد: إنما سى ((المسيح))، لأنه مُسيح بالبركة . ٠ (١) الأثر: ٧٠٦٣ - سيرة ابن هشام ٢: ٢٢٩ - ٢٣٠، وهو من بقية الآثار التى آخرها: ٧٠٦٠، ونصه: ((لا كما تقولون فيه )». (٢) مكان هذه النقط سقط لا شك فيه عندى، وأستظهر أنه إسناد واحد إلى ((إبراهيم)) ثم يليه الأثر رقم : ٧٠٦٤، فيه أن المسيح هو الصديق ، كما ذكر . وكان فى المخطوطة والمطبوعة موضع هذه النقط: ((وقال آخرون: مسح بالبركة))، وهو كلام لا يستقيم، كما ترى، فأخرت هذه الجملة إلى مكانها قبل الأثر رقم : ٧٠٦٦، واستجزت أن أصنع ذلك ، لأنه من الوضوح بمكان لا يكون معه شك أو لخلجة . هذا، وفى تفسير ((المسيح)) أقوال أخر كثيرة ، لا أظن الطبرى قد غفل عنها، ولكنى أظن أن فى النسخة سقطاً قديماً، ولذلك اضطرب الناسخ هنا . هذا إذا لم يكن الطبرى قد أغفلها اختصاراً . ٤١٥ تفسير سورة آل عمران : ٤٥ القول فى تأويل قوله ﴿وَجِها فِ الدُّنْاَ وَاْأُخِرَةِ وَمِنَ الْقَرَّبِينَ) ) قال أبو جعفر: يعنى بقوله: ((وجيهاً))، ذا وَجْهِ ومنزلة عالية عند الله، وشرفٍ وكرامة . ومنه يقال للرجل الذى يَشرُف وتعظمه الملوك والناس (( وجيه)» ، يقال منه: ((ما كان فلان وجيهاً، ولقد وَجُهَ وَجاهةً)) = ((وإن له لوجْهاً عند ١٨٧/٣ السلطان وَجاهاً ووجاهةً))، و((الجاه)) مقلوب، قلبت ، واوه من أوّله إلى موضع العين منه، فقيل: ((جاه))، وإنما هو ((وجه))، و((فعل)) من الجاه: ((جاه يجوه)). مسموع من العرب: ((أخاف أن يجومنى بأكثر من هذا))، بمعنى: أن يستقبلنى فى وجهى بأعظم منه . ٠ وأما نصب ((الوجيه))، فعلى القطع من ((عيسى))، (١)لأن ((عيسى)) معرفة، و ((وجيه)) نكرة، وهو من نعته. ولو كان مخفوضاً على الردّ على ((الكلمة)) كان" جائزاً . ٠ ٠ ٠ وبما قلنا (٢) = من أنّ تأويل ذلك: وجيهاً فى الدنيا والآخرة عند الله - قال ، فيما بلغنا ، محمد بن جعفر . ٧٠٦٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق ، عن محمد ابن جعفر بن الزبير: ((وجيهاً))، قال: وجيهاً فى الدنيا والآخرة عند اللّه. (٣) ٠٠٠ وأما قوله: ((ومنَ المقرّبين))، فإنه يعنى أنه ممن يقرِّبه الله يوم القيامة، فيسكنه فی جواره ویدنیه منه ، کما : - (١) ((القطع))، كما أسلفنا فى مواضع متفرقة، هو الحال، انظرما سلف فى هذا الجزء: ٣٧١، تعليق: ٢، وانظر معانى القرآن للفراء ١ : ٢١٣. (٢) فى المطبوعة: ((كما قلنا))، والصواب من المخطوطة. (٣) الأثر: ٧٠٦٧ - سيرة ابن هشام ٢: ٢٣٠، وهو بقية الآثار التى آخرها رقم : ٧٠٦٣. ٤١٦ تفسير سورة آل عمران ٤٦،٤٥ ٧٠٦٨ - حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ((ومن المقربين))، يقول: من المقربين عند الله يوم القيامة. ٧٠٦٩ - حدثت عن عمار بن الحسن قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه، عن الربيع قوله: ((ومن المقرّبين))، يقول: من المقربين عند اللّه يوم القيامة . ٧٠٧٠ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع مثله . ـي القول فى تأويل قوله ﴿وَيُكِّلِمُ النَّاسَ فِىِ اُلْتَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّلحينَ ) ١ قال أبو جعفر: وأما قوله: ((ويكلمُ الناس فى المهد))، فإن معناه : إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيهاً عند اللّه، ومُكلَّماً الناس" فى المهد . =فـ ((يكلم))، وإن كان مرفوعاً، لأنه فى صورة ((يفعل)) بالسلامة من العوامل فيه ، فإنه فى موضع نصب، وهو نظير قول الشاعر : (١) يَقْصِدُ فِى أَسْوُقِهَا وَجَائِرٍ (٢) بتُّ أُعَشِّيهَا بِعَضْبٍ بَاتِرٍ # (١) لم أعرف قائله (٢) معانى القرآن الفراء ١ ٢١٣ وأمالى ابن الشجرى ٠٢ ١٦٧، والخزانة ٢ : ٣٤٥، ٤١٧ تفسير وزان عين : ٤٦ وأما ((المهد))، فإنه يعنى به : مضجع الصبىّ فى رضاعه، كما :- ٧٠٧١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: ((ويكلم الناس فى المهد))، قال : مضجع الصبى فى رضاعه . ... وأما قوله: ((وكهلاً))، فإنه: وُمُحتَنِكاً فوق الغُلومة، (١) ودُون الشيخوخة، يقال منه: ((رجل كهل = وامرأة كهلة))، كما قال الراجز: (٢) وَلَا أَعُودُ بَعْدَهَا كَرِيًّا أُمَارِسُ الكَهْلَةَ وَالصَِّّ(٣) # واللسان (كهل). وقد ذكر البغدادى اختلاف رواية الشعر، ((ويعشيها)) من العشاء ، وهو طعامها عند العشاء . يصف كرم الكريم ينحر عند مجىء الأضياف إبله فى قراهم ، والعضب : السيف القاطع ، والباتر : الذى يفصم الضريبة . وأسوق جمع ساق. وقصد يقصد: توسط فلم يجاوز الحد . يقول : يضرب سوقها بسيفه لا يبالى أيقصد أم يجور ، من شدة عجلته وحفاوته بضيفه . هذا ، وانظر تفصيل ما قال أبو جعفر فى معانى القرآن للفراء ١ : ٢١٣، ٢١٤. (١) يقال: ((غلام بين الغلومة والغلومية والغلامية))، مثل: «الطفولة والطفولية». (٢) هو عذافر الفقيمى . (٣) الجمهرة ٣: ٣٣٩، المخصص ١: ٤٠ أمالى، القالى ٢: ٢١٥، والسمط: ٨٣٦، شرح أدب الكاتب لابن السيد: ٢١٧، ٣٨٩، والجواليقى: ٢٩٥، واللسان ( كهل) (كرا) (شعفر) (أم)، وغيرها، وكان العذافر يكرى إبله إلى مكة ، فأكرى معه رجل من بى حنيفة، من أهل البصرة، بعيراً يركبه هو وزوجته، وكان اسمها ((شعفر))، فقال يرجز بهما: لَوْ شَاءَ رَبِی لَمْ أُ كُنْ وَلَمْ أَسُقْ بِشَعْفَرَ المطِيًّا کرِيًّا يَطْعِمُهَاَ المَلِحَ والطّرِيًّا بَصْرِيَّةٌ تَزَوَّجَتْ بَضْرِيًا وَجَيِّدَ البُرِّ لَهَا مَقْلِيًّا حَتَّى نَقَتْ سُرُُّها نِيًّا وَفَعَلَتْ تُنْتُهَا فَرِيًّا والرجز المروى بعد هذه الأبيات ، فيما يظهر . والكرى : المكارى ، الذى يستأجر الركاب دابته . وبعد البيتين اللذين رواهما أبو جعفر : ج ٦ (٢٧) ٤١٨ تفسير سورة آل عمران : ٤٦ وإنما على جل ثناؤه بقوله: ((ويكلم الناسَ فى المهد وكهلاً))، ويكلم الناس طفلاً فى المهد = دلالةٌ على براءة أمه مما قَرَفها به المفترون عليها، (١) وحجة له على نبوته = وبالغاً كبيراً بعد احتناكه، (٢) بوحى الله الذى يوحيه إليه ، وأمره ونهيه، وما ينزَّل عليه من كتابه. (٣) # ۵ وإنما أخبر الله عز وجل عبادَه بذلك من أمر المسيح، وأنه كذلك كان ، وإن كان الغالب من أمر الناس أنهم يتكلمون كهولاً وشيوخاً = احتجاجاً به على القائلين فيه من أهل الكفر بالله من النصارى الباطل ، (٤) وأنه كان = [ منذ أنشأه] مولوداً طفلا، ثم كهلاً = يتقلب فى الأحداث ، (٥) ويتغير بمرُور الأزمنة عليه والأيام ، من صغر إلى كبر ، ومن حال إلى حال = وأنه لو كان ، كما قال الملحدون فيه ، كان ذلك غير جائز عليه. فكذّب بذلك ما قاله الوفدُ من أهل نجران الذين حاجُّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، واحتج به عليهم • وَالْعَزَبَ المُنَفَّهَ الأُمِيًّا. ١٨٨/٣ والمنفه : الذى قد أعياه السير ونفهه ، فضعف وتساقط . والأمى : العربى الجلف الجافى القليل الكلام . (١) فى المطبوعة: ((قذفها))، وانظر آنفاً: ص ٤١٣، تعليق: ٣. (٢) قوله: ((وبالغاً)) معطوف على قوله آنفاً: ((طفلا فى المهد)). ثم قوله: بعد ((بوحى الله)) جار ومجرور متعلق بقوله آنفاً: ((ويكلم الناس .. )). (٣) فى المطبوعة: ((وما تقول عليه))، ومعاذ الله أن يكون ذلك !! والكلمة فى المخطوطة سيئة الكتابة ، مستفسدة مستصلحة ، وهى على ذلك بينة لمن يدرك بعض معانى الكلام ! ! (٤) فى المطبوعة: ((بالباطل))، وهو تبديل لعبارة الطبرى التى يألفها قارئ كتابه . وقوله: ((الباطل)) منصوب مفعول به لقوله: ((القائلين .. )) (٥) فى المطبوعة: ((وأنه كان فى معناه أشياء مولوداً ... ))، وفى المخطوطة: ((وأنه كان فى معانيه أشيا مولوداً ... ))، ولم أستطع أن أجد لشىء من ذلك معنى أرتضيه ، وقد جهدت فى معرفة تصحيفه أو تحريفه زمناً، حتى ضقت به ، وحتى ظننت أنه سقط من الناسخ شىء يستقيم به هذا الكلام ، مع ترجيح التصحيف والتحريف فيه . فرأيت أن أضع بين القوسين ما يستقيم به الكلام، وأن أخل الأصل من هذه الجملة. هذا مع اعتقادى أن ((معه أشيا)) هى ((منذ أنشأه))كما أثبتها. والسياق: ((أنه كان ... يتقلب فى الأحداث))، وما بينهما فصل وضعته بين الخطين . ٤١٩ تفسير سورة آل عمران : ٤٦ لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وأعلمهم أنه كان كسائر بنى آدم، إلاّ ما خصه الله به من الكرامة التى أبانه بها منهم ، كما :- ٧٠٧٢ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق ، عن محمد ابن جعفر بن الزبير: ((ويكلم الناس فى المهد وكهلا ومن الصالحين )» : يخبرهم بحالاته التى يتقلب بها فى عمره، كتقلب بنى آدم فى أعمارهم صغاراً وكباراً ، إلا أن الله خصّه بالكلام فى مهده آيةً لنبوته ، وتعريفاً للعباد مواقع قدرته . (١) ٧٠٧٣ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة : (( ويكلم الناس فى المهد وكهلا ومن الصالحين ))، يقول : يكلمهم صغيراً وكبيراً . ٧٠٧٤ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه، عن الربيع: ((ويكلم الناس فى المهد وكهلا))، قال: يكلمهم صغيراً و کبیراً . ٧٠٧٥ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((وكهلا ومن الصالحين))، قال : الكهلُ الحليم . ٧٠٧/٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج قال : كلمهم صغيراً وكبيراً وكهلا = وقال ابن جريج ، وقال مجاهد : الكهل الحليم . ٧٠٧٧ - حدثنى محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفى ، عن عباد ، عن الحسن فى قوله: ((ويكلم الناس فى المهد وكهلا))، قال : كلمهم فى المهد صبياً، وكلمهم كبيراً . . .. (١) الأثر: ٧٠٧٢ - سيرة ابن هشام ٢: ٢٣٠، وهو من تمام الآثار التى آخرها رقم: ٧٠٦٧ . ٤٢٠ تفسير سورة آل عمران : ٤٧،٤٦ وقال آخرون: معنى قوله: ((وَكهلاً ))، أنه سيكلمهم إذا ظهر. ذكر من قال ذلك : ٧٠٧٨ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، سمعته - يعنى ابن زيد - يقول فى قوله: ((ويكلم الناس فى المهد وكهلا))، قال : قد كلمهم عيسى فى المهد ، وسيكلمهم إذا قتل الدجال، وهو يومئذ كهلٌ" . ٠ ٠ ونصب ((كهلا))، عطفاً على موضع ((ويكلم الناس)). وأما قوله: ((ومن الصالحين))، فإنه يعنى: من عِدَادهم وأوليائهم، لأنّ أهل الصلاح بعضهم من بعض فى الدين والفضل . ٠ ٥ القول فى تأويل قوله ﴿ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِىَ وَلَدْ وَلَمْ يَمْسَبْنِى بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللهُ يَخْلُقُ مايَشَاءِ إِذَا قَضَىٌ أَمْرًا فَإِنَّمَا يُقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ٤٧ قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه ، قالت مريم = إذ قالت لها الملائكة إنّ اللّه يبشرك بكلمة منه =: ((ربُّ أنَّى يكون لى ولد))، من أىُّ وجه يكون لى لی ولد؟(١) أمین قبل زوج أتزوجه وبعل أنكحه، أم تبتدئ فىّ خلقه من غیر بعل ولا فحل، (٢) ومن غير أن يمسَّّى بشر؟ فقال اللّه لها =: ((كذلك اللّه يخلق ما يشاء))، يعنى: هكذا يخلق الله منك ولداً لك من غير أن يمسَّك بشر، فيجعله آيهً للناس وعبرة، فإنه يخلق ما يشاء ويصنعُ ما يريد ، فيعطى الولد (١) انظر تفسير ((أنى)) فيما سلف ٤: ٣٩٨ - ٤١٦ / ٣٥٨:٦/٤٤٧،٣١٢:٥. (٢) فى المخطوطة: ((أى تبتدئٌ))، وهو خطأ، وفى المطبوعة: ((أو تبتدى))، وآ ثرت الذى أثبت .