Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
تغير سورة البقرة : ٢٨٢
وقول الآخر : (١)
وَلِهِ قَوِى: أَىُّ قَوْمٍ لِحُرَّةٍ إِذَا كَانَ يَوْمَاذَا كَوَاكِبَ أَشْتَعاً!(٢)
وإنما تفعل العرب ذلك فى النكرات ، لما وصفنا من إتباع أخبار النكرات
أسماءَها. و((كان)) من حكمها أن يكون معها مرفوع ومنصوب ، فإذا رفعوهما
جميعهما، تذكروا إتباع النكرة خبرها. وإذا تصبوهما، تذكروا صحبة ((كان))
المنصوب ومرفوع.(٣) ووجدوا النكرة يتبعها خبرُها، وأضمروا فى ((كان))
مجهولاً ، لاحتمالها الضمير.
٨٨/٣
٠
وقد ظن بعض الناس أن من قرأ ذلك. ((((إلاّ أن تكون تجارةً حاضرةً))،
إنما قرأه على معنى : إلا أن يكون تجارة حاضرة ، فزعم أنه كان يلزم قارئ ذلك
أنْ يقرأ ((يكون)» بالياء، وأغفل موضعَ صواب قراءته من جهة الإعراب ، وألزمه
غير ما يلزمه . وذلك أن العربَ إذا جعلوا مع ((كان)) نكرة مؤنثاً بنعتها أو خبرها ،
أنَّثوا ((كان)) مرة، وذكروها أخرى، فقالوا: ((إن كانت جارية صغيرة
فاشترُوها - وإن كان جاريةً صغيرةً فاشتروها))، تذكر ((كان)) - وإن نصبت
النكرة المنعوتة أو رفعت - أحياناً ، وتؤنث أحياناً .
٠
٠
٠
(١) هو عمرو بن شأس، على الشك فى ذلك كما سترى فى التعليق التالى.
(٢) معانى القرآن للفراء ١: ١٨٦، سيبويه ١: ٢٢، وصدره فى سيبويه منسوباً لعمرو
ابن شأس :
((بَبِى أَسَدٍ هَلْ تَعْلَمُونَ "بَلَاءَنا))
وأنا أخشى أن يكون الشعر لغير عمرو بن شأس ، ولكنى لم أجده ، وإن كنت أذكر أنى قرأته
فى أبيات غير شعر عمرو. وقوله: ((ذا كواكب))، أى شديد عصيب، قد ظهرت النجوم فيه
نهاراً، كأنه أظلم فبدت كواكبه، لأن شمسه كسفت بارتفاع الغبار فى الحرب . وإذا كسفت الشمس ،
ظهرت الكواكب. ويقال: ((أمر أشنع وشنيع))، أى فظيع قبيح. وكان فى المطبوعة: ((بحرة))،
وهو خطأ ، صوابه من المخطوطة، ومعانى القرآن الفراء . يعنى أن أمهم حرة ، فولدتهم أحراراً .
(٣) فى المطبوعة والمخطوطة: ((منصوب ومرفوع)) والصواب ما أثبت. وانظر ما قاله الفراء فى
معانى القرآن ١ : ١٨٥ - ١٨٧ .
ج ٦ (٦)

٨٢
تفسير سورة البقرة : ٢٨٢
وقد زعم بعض نحوبى البصرة أن قوله: ((إلا أن تكون تجارةٌ حاضرةٌ ))
مرفوعة فيه ((التجارة الحاضرة))، لأن ((تكون))، بمعنى التمام، ولا حاجة بها إلى
الخبر، بمعنى : إلاّ أن تُوجد أو تقعَ أو تحدث. فألزم نفسه ما لم يكن لها
لازماً، لأنه إنما ألزم نفسه ذلك، إذْ لم يكن يجدك ( ((كان)) منصوباً، (١)
ووجد ((التجارة الحاضرة)) مرفوعة، وأغفل جواز قوله: ((تديرونها بينكم)) أن
يكون خبراً لـ ((كان))، فيستغنى بذلك عن إلزام نفسه ما ألزم .
٠
٠
والذى قال من حكينا قوله من البصريين غيرُ خطأ فى العربية ، غيرَ أن الذى
قلنا بكلام العرب أشبه ، وفى المعنى أصحّ: وهو أن يكون فى قوله : (( تدیروها
بينكم )) وجهان: أحدهما أنه فى موضع نصب ، على أنه حل محل خبر ((كان))،
و((التجارة الحاضرة)) اسمها. والآخر: أنه فى موضع رفع على إتباع ((التجارة
الحاضرة))، لأن خبرَ النكرة يتبعها. فيكون تأويله: إلاّ أن تكون تجارةٌ حاضرةٌ
دائرةً بينكم.
٠٠٠
القول فى تأويل قوله ﴿وَأَشْهِدُوَ اْ إِذَا تَبَيَعُهُمْ﴾
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : وأشهدوا على صغير ما تبايعتم وكبيره
من حقوقكم ، عاجل ذلك وآجله، ونقده ونَسائه، فإنّ إرخاصى لكم فى ترك
اكتتاب الکتب بينكم فيما کان من حقوق تجری بینکم لبعضكم من قبل بعض
عن تجارة حاضرة دائرة بينكم يداً بيدٍ ونقداً ، ليس بإرخاص منى لكم فى ترك
الإشهاد منكم على مَنْ بعتموه شيئاً أو ابتعتم منه. لأن فى ترككم الإشهاد على ذلك
خوفَ المضرّة على كل من الفريقين: أما على المشترى ، فأنْ يجحد البائعُ
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((إذا لم يكن يجد))، والسياق يقتضى: ((إذ))

٨٣
تفسير سورة البقرة : ٢٨٢
البيع، (١) وله بيّنة على ملكه ما قد باع، ولا بيّنة للمشترى منه على الشراء منه ،
فيكون القولُ حينئذ قولَ البائع مع يمينه وُيُقضَى له به ، فيذهب مالُ المشترى
باطلاً = وأما على البائع، فأنْ يجحد المشترى الشراء وقد زال ملك البائع عما باع ،
ووجب له قِبل المبتاع ثمن ما باع، فيحلفُ على ذلك، فيبطل حقّ البائع قِبَلَ"
المشترى من ثمن ما باعه . فأمر الله عز وجل الفريقين بالإشهاد، لئلا يضيع حق
أحد الفريقين قبل الفريق الآخر .
٠
ثم اختلفوا فى معنى قوله: ((وأشهدوا إذا تبايعتم))، أهو أمر" من اللّه واجبٌ
بالإشهاد عند المبايعة ، أم هو ندب ؟
فقال بعضهم: ((هو تَدْبٌ، إن شاء أشهد، وإن شاء لم يُشهد)).
. ذكر من قال ذلك :
٦٤٠٢ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبى ، عن الربيع ، عن الحسن
وشقيق، عن رجل ، عن الشعبى فى قوله: ((وأشهدوا إذا تبايعتم))، قال: إن شاء
أشهد، وإن شاء لم يشهد، ألم تسمع إلى قوله: ((فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد
الذی اؤتمن أمانته » ؟
٦٤٠٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا الربيع
ابن صبيح قال: قلت للحسن: أرأيتَ قول الله عز وجل: ((وأشهدوا إذا تبايعتم))؟
قال : إن أُشهدت علیه فهو ثقة للذى لك ، وإن لم ◌ُشهد عليه فلا بأس .
٦٤٠٤ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن
الربيع بن صبيح قال: قلت للحسن: يا أبا سعيد، قول الله عز وجل: ((وأشهدوا
إذا تبايعتهم))، أبيع الرجل وأنا أعلم أنه لا ينقدنى شهرين ولا ثلاثة ، (٢) أترى
(١) فى المطبوعة: (( ... البائع المبيع ... ))، والصواب من المخطوطة.
(٢) فى المطبوعة: ((ينقد فى شهرين)) ... ، وأثبت ما فى المخطوطة.

٤ .٨
٠٢٨٢
تفسير سورة البقرة
بأساً أن لا أشهد عليه ؟ قال: إن أشهدت فهو ثقة للذى لك ، وإن لم تشهد
فلا بأس .(١)
٦٤٠٥ - حدثنى المثى قال، حدثنا الحجاج قال ، حدثنا يزيد بن زريع ،
٨٩/٣
عن داود، عن الشعبى: (( وأشهدوا إذا تبايعتم))، قال: إن شاؤوا أشهدوا ، وإن
شاؤوا لم يشهدوا .
٠
٠
وقال آخرون: ((الإشهاد على ذلك واجب)).
· ذكر من قال ذلك :
٦٤٠٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن
جويبر، عن الضحاك: (( إلاّ أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس
عليكم جناح أن لا تكتبوها))، ولكن أشهدوا عليها إذا تبايعتم . أمر اللّهُ ، ما كان
يداً بيد أن يشهدوا عليه، صغيراً كان أو كبيراً.
٦٤٠٧ - حدثنى يحيى بن أبى طالب قال ، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر ،
عن الضحاك قال : ما كان من بيع حاضر فإن شاء أشهد ، وإن شاء لم يشهد .
وما كان من بيع إلى أجل ، فأمر الله أن يكتب وُيُشْهد عليه . وذلك فى المقام .
...
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب: أنّ الإشهاد على كل مَبيع
وُمُشترَى، حقٌّ واجبٌ وفرضٌ لازم، لما قد بيِّنا: من أن كلّ أمرٍ لله، ففرضٌ،
(١) الأثران: ٦٤٠٣، ٦٤٠٤ - ((الربيع بن صبيح السعدى)). روى عن الحسن، وحميد
الطويل ومجاهد بن جبر ، وغيرهم . وروى عنه الثورى ، وابن المبارك ، وابن مهدى ، ووكيع وغيرهم .
قال حرملة عن الشافعى: ((كان الربيع بن صبيح غزاء - وإذا مدح الرجل بغير صناعته ، فقد وهص،
أى دق عنقه)). وقال أحمد: ((رجل صالح لا بأس به)). وقال ابن معين وابن سعد والنسائى: ((ضعيف
الحديث)). وقال ابن حبان: ((كان من عباد أهل البصرة وزهادهم، وكان يشبه بيته بالليل ببيت
النحل من كثرة التهجد، إلا أن الحديث لم يكن من صناعته، فكان يهم فيما يروى كثيراً، حتى وقع فى
حديثه المناكبير من حيث لا يتم لا يعجبنى الاحتجاج به إذا انفرد)». مترجم فى التهذيب ..

٨٥
تفسير سورة البقرة : ٢٨٢
إلا ما قامت حجته من الوجه الذى يجب التسليم لهُ بأنه ندبٌ وإرشاد. (١)
٠٠٠
وقد دللنا على وَهْىٍ قول من قال: (٢) ذلك منسوخ بقوله: ((فليؤدُ الذى
اؤتمن أمانته)»، فيما مضى فأغنى عن إعادته. (٣)
القول فى تأويل قوله (وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ )
قال أبو جعفر : اختلف أهلُ التأويل فى تأويل ذلك .
فقال بعضهم : ذلك نهىٌّ من اللّه الكاتبَ الكتابَ بين أهل الحقوق والشهيد
أن يضارّ أهله، (٤) فيكتب هذا ما لم يُملله المملى، ويشهد هذا بما لم يستشهده
المستشهد . (٥)
• ذكر من قال ذلك :
٦٤٠٨ - حدثنى الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه فى قوله: (( ((ولا يضارّ كاتب ولا شهيد))،
((ولا يضار كاتب)) فيكتب ما لم يملَّ عليه =، ((ولا شهيد)) فيشهد بما لم يُستشهد.
٦٤٠٩ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا ابن علية ، عن يونس
قال: كان الحسن يقول: ((لا يضارّ كاتب)) فيزيد شيئاً أو يحرّف = ((ولا
شهيد))، قال: لا يكتم الشهادة ، ولا يشهدْ إلاّ بحق.
(١) انظر ما سلف قريباً ص: ٥٣.
(٢) فى المخطوطة: ((على وهاء قول من قال))، وقد سلف ما قلته فى قول الفقهاء ((الوهاء)) بمعنى
((الوهى))، وهو الضعف الشديد فى ٤: ١٨/ ثم ص: ١٥٥ تعليق: ١/ ثم ص: ٣٦١، تعليق ٣، فراجعه.
(٣) انظر ما سلف قريباً ص : ٥٣ - ٥٥.
(٤) فى المطبوعة: ((نهى من الله لكاتب الكتاب))، وأثبت ما فى المخطوطة. وقوله: ((الكاتب
الكتاب ... والشهيد)) منصوب بالمصدر ((نهى))، و((الكتاب)) منصوب باسم الفاعل ((الكاتب)).
(٥) فى المخطوطة والمطبوعة: ((بما لم يستشهده الشهيد))، وهو محال وخطأً، وإنما ((الشهيد
الشاهد، وهو لا يعنى إلا ((المستشهد))، فكذلك أثبتها.

٨٦
تفسير سورة البقرة : ٢٨٢
٦٤١٠ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قال : اتقى الله شاهدٌ فى شهادته، لا ينقص منها حقًّا ولا يزيد فيها باطلاً.
اتقى الله كاتب فى كتابه، فلا يَدَعنَّ منه حقًّا ولا يزيدنَّ فيه باطلاً.(١)
٦٤١١ - حدثنى المثى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الرزاق ، عن
معمر، عن قتادة: ((ولا يضار كاتب ولا شهيد))، قال: ((لا يضار كاتب))
فيكتب ما لم يُملل = ((ولا شهيد))، فيشهد بما لم يستشهد .
٦٤١٢ - حدثنى المثى قال، حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن
معمر ، عن قتادة نحوه .
٦٤١٣ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد فى
قوله: (ولا يضار كاتب ولا شهيد)»، قال: ((لا یضار کاتب)) فیکتب
غير الذى أملى عليه . قال: والكتاب يومئذ قليلٌ ، ولا يدرون أى شىء يُكتب ،
فيضار فيكتبَ غير الذى أملى عليه ، فيبطل حقهم . قال : والشهيد يضارّ فيحوّل
شهادته ، فيبطل حقهم .
٠
٥
قال أبو جعفر: فأصل الكلمة على تأويل من ذكرنا من هؤلاء : ولا يضارِرْ
كاتبٌ ولا شهيد، ثم أدغمت (الراء)) فى ((الراء))، لأنهما من جنس، وحُرُّكت
إلى الفتح وموضعها جزم ، لأنّ الفتح أخفّ الحركات. (٢)
٠٠
وقال آخرون ممن تأول هذه الكلمة هذا التأويل : معنى ذلك: ، ((ولا يضارّ
كاتب ولا شهيد)) بالامتناع عمن دعاهما إلى أداء ما عندهما من العلم أو الشهادة .
(١) الأثر: ٦٤١٠ - فى المطبوعة: ((قال حدثنا يزيد عن قتادة)»، وفى المخطوطة: ((قال
حدثنا يزيد، قال حدثنا يزيد، عن قتادة))، وهو إسناد دائر فى الطبرى كما أثبته ، أقربه رقم :
٦٣٩٣، هذا وقد سلف هذا الأثر مختصراً برقم : ٦٣٣٨.
(٢) انظر ما سلف ٥: ٤٦ - ٥٣، فى (تضار) وقراءاتها، وفى قوله: ((لأن الفتح أخف
الحركات "٥ ٠١:٠٥٢ ١٠، ثم هذا فيما سلف قريبا ص : ٦٥ س: ٢ .

٨٧
تفسير سورة البقرة : ٢٨٢
• ذكر من قال ذلك :
٦٤١٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا ابن
جریج ، عن عطاء فى قوله: (( ولا یضار كاتب ولا شهيد))، يقول : أن يؤديا
ما قِبلهما .
٦٤١٥ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قال: قلت لعطاء. ((ولا يضار كاتب ولاشهيد))؟ قال: ((لايضار))،
أن يؤديا ما عندهما من العلم . (١)
٦٤١٦ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن
سفيان، عن يزيد بن أبى زياد، عن مقسم، عن ابن عباس قال: ((لايضار))
كاتب ولا شهيد))، قال: أن يدعوهما، فيقولان: إن لنا حاجة . (٢)
٦٤١٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبد الرزاق ، عن
ابن جريج ، عن عطاء ومجاهد: (( ولا يضار كاتب ولا شهيد))، قالا: واجب على
على الكاتب أن يكتب = ((ولا شهيد))، قالا: إذا كان قد شهد، اقبلْهُ. (٣) ٩٠/٣
٠
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ((ولا يضارّ المستكتِب والمستشهيد الكاتب
والشهيد)). وتأويل الكلمة على مذهبهم: ولا يضَارَرْ، على وجه ما لم يسمَ فاعله .
● ذكر من قال ذلك :
٦٤١٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق، عن ابن عيينة ،
عن عمرو، عن عكرمة قال: كان عمر يقرأ: ((ولا يُضَارَرْ كاتبٌ ولا شهيد)).
(١) فى المطبوعة: ((لا يضارا أن يؤديا)) وهو خطأ، وفاسد المعنى، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) فى المطبوعة: ((فيقولا))، والصواب من المخطوطة.
(٣) قوله: ((اقبله))، هكذا فى المخطوطة والمطبوعة، وأنا فى شك منها، وضبطتها على أقرب
المعانى إلى الصواب . ولكنى أخشى أن يكون فى الكلمة تحريف لم أقف على وجهه .

٨٨
تفسير سورة القرة ٢٨٢
٦٤١٩ - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاد قال، أخبرنا عبيد قال ،
سمعت الضحاك قال كان ابن مسعود يقرأ: ﴿ ولا يُضَارَرْ﴾
٦٤٢٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثى حجاج ، عن ابن
جريج، قال أخبرنى عبد الله بن كثير، عن مجاهد أنه كان يقرأ: ((ولا يُضَارَرْ
كاتب ولا شهيد))، وأنه كان يقول فى تأويلها : ينطلق الذى له الحق فيدعو كاتبه
وشاهده إلی أن یشهد، ولعله أن یکون فی شغل أو حاجة، لیؤمه إن ترك ذلك حينئذ
لشغله وحاجته = وقال مجاهد: لا يقمْ عن شغله وحاجته، فيجدَ فى نفسه أو يحرّج .
٦٤٢١ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد اللّه قال ، حدثى معاوية ، عن
على؛ عن ابن عباس قال: ((ولا يضار كاتب ولا شهيد))، والضّرار أن يقول
الرجل للرجل وهو عنه غنىّ: إنّ اللّه قد أمرك أن لا تأبى إذا دعيت! فيضارُّ.
بذلك، وهو مكتف بغيره. فنهاه الله عز وجل عن ذلك وقال: ((وإن تفعلوا فإنه
فسوق بكم )) .
٦٤٢٢ - حدثنى محمد بن سعد قال ، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال ،
حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قال: ((ولا يضار كانب ولا شهيد))،
يقول : إنه يكون للكاتب والشاهد حاجةٌ" ليس منها بدّ ؛ فيقول: خلُّوا سبيله.
٦٤٢٣ - حدثنى يعقوب قال ، حدثنا ابن علية ، عن يونس ، عن عكرمة
فى قوله: (( ولا يضار كاتب ولا شهيد))، قال: يكون به العلة أو يكون مشغولا،
يقول : فلا يضاره .
٦٤٢٤ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح ، عن مجاهد أنه كان يقول: (( ولا يضار كاتب ولا شهيد)»، يقول:
لا يأت الرجل فيقول: انطلق فاكتبْ لى، واشهد لى! فيقول: إن لى حاجة فالتمس"
غيرى ! فيقول: اتق الله، فإنك قد أميرت أن تكتب لى! فهذه المضارّة، ويقول :
دعه والتمس غيره، والشاهدُ بتلك المنزلة

٨٩
تفسير سورة البقرة : ٢٩٢
٦٤٢٥ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسمق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن
جويبر، عن الضحاك فى قوله: ((ولا يضار كاتب ولا شهيد))، يقول : يدعو
الرجل الكاتبَ أو الشهيدَ ، فيقولُ الكاتب أو الشاهد: إن لنا حاجة! فيقولُ الذى
يدعوهما : إن الله عز وجل أمر كما أن تجيبا فى الكتابة والشهادة! يقول الله عز
وجل : لا يضارّهما .
٦٤٢٦ - حدثت عن الحسن قال ، سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا عبيد بن
سليمان قال ، سمعت الضحاك فى قوله: ((ولا يضار كاتب ولا شهيد))، هو الرجل
يدعو الكاتب أو الشاهدَ وهما على حاجة مهمة ، فيقولان : إنّا على حاجة مهمة
فاطلب غيرنا ! فيقول : والله لقد أمر كما أن تجيبا! (١) فأمره أن يطلب غيرهما
ولا يضارهما ، = يعنى : لا يشغلهما عن حاجتهما المهمة وهو يجد غيرهما .
٦٤٢٧ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط ، عن السدى
قوله: ((ولا يضار كاتب ولا شهيد))، يقول: ليس ينبغى أن تعترض رجلاً له
حاجة فتضاره فتقول له : اكتب لى ! فلا تتركه حتى يكتب لك وتفوته حاجته = (٢)
ولا شاهداً من شهودك وهو مشغول فتقول : اذهب فاشهد لى ! تحبسه عن حاجته
وأنتَ تجد غيره .
٦٤٢٨ - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبى جعفر، عن أبيه ، عن
الربيع قوله: (( ولا يضار كاتب ولا شهيد))، قال: لما نزلت هذه الآية: ( ولا یأب
کاتب أن یکتب کما علّمه الله ))، كان أحدهم یجیء إلی الکاتب فيقول: ا کتب لى!
فيقول : إنى مشغول = أو: لى حاجة، فانطلق إلى غيرى! فيلزمه ويقول : إنك
(١) فى المطبوعة: ((اللّه أمركما أن تجيبا))، والصواب من المخطوطة.
(٢) فى المخطوطة والمطبوعة: ((حتى يكتب له))، والسياق يقتضى ((لك)). وقوله بعد (( ولا شاهداً
من شهودك.)) معطوف على قوله قبل: ((أن تعترض رجلا ... )).

٩٠
تفسير سورة البقرة : ٢٨٢
قد أمرتَ أن تكتب لى! فلا يدعه ويضارّه بذلك وهو يجد غيره. ويأتى الرجل
فيقول : انطلق معى فاشهد لى ! فيقول : انطلق إلى غيرى فإنى مشغول = أو : لى
حاجة! (١) فيلزمه ويقول : قد أمرت أن تتبعنى! فيضاره بذلك وهو يجد غيره ،
فأنزل الله عز وجل: ((ولا يضار كاتب ولا شهيد)).
٩١/٣
٦٤٢٩ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن
معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه: ((ولا يضار كاتب ولا شهيد))، يقول : إن
لی حاجة فدعنى ! فيقول: اكتب لی= (( ولا شهيد))، كذلك.
٠٠
٠
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب قول من قال : معنى ذلك :
((ولا يضار كاتب ولا شهيد))، بمعنى: ولا يضارهما من استكتّبَ هذا أو استشهدَ
هذا ، بأن يأبى على هذا إلا أن يكتب له وهو مشغول بأمر نفسه ، ويأبى على هذا
إلاّ أن يجيبه إلى الشهادة وهو غير فارغ = (٢) على ما قاله قائلو ذلك من القول
الذی ذ کرنا قبل .
وإنما قلنا هذا القول أولى بالصواب من غيره ، لأن الخطاب من الله عز وجل
فى هذه الآية من مُبتدئها إلى انقضائها على وجه: ((افعلوا = أو: لا تفعلوا))،
إنما هو خطابٌ لأهل الحقوق والمكتوب بينهم الكتابُ ، والمشهود لهم أو عليهم بالذى
تداينوه بينهم من الديون . فأما ما كان من أمر أو نهى فيها لغيرهم ، فإنما هو على
وجه الأمر والنهى للغائب غير المخاطب، كقوله: ((وليكتب بينكم كاتب))،
وكقوله: ((ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا))، وما أشبه ذلك. فالوجهُ = إذْ
كان المأمورون فيها مخاطبين بقوله: ((وإن تفعلوا فإنه ◌ُفُسوق" بكم)) = [ بأن يكون
(١) فى المطبوعة: ((وياتى الرجل فيقول: انطلق معى. فيقول: اذهب إلى غيرى فإنى مشغول))
وكان فى المخطوطة: ((ويأتى الرجل فيقول: انطلق معى إلى غيرى فإنى مشغول))، وهو فاسداً، وآثرت
تصحيحه على وجه غير الوجه الذى كان فى المطبوعة ، ليكون أوضح وأقرب إلى معنى الشهادة
(٢) فى المطبوعة (( أن يجيب)) وأثبت ما فى المخطوطة

٩١
تفسير سورة البقرة : ٢٨٢
الأمر مردوداً على المستكتب والمستشهد ] ، أشبه منه بأن یکون مردوداً علی الکاتب
والشهيد. (١) ومع ذلك، فإنّ الكاتب والشهيد لو كانا هما المنهيّين عن الضرار لقيل: (٢)
وإن يفعلا فإنه فسوق بهما. لأنهما اثنان، وأنهما غير مخاطبين بقوله: (( ولا
يضارّ))، بل النهى بقوله: ((ولا يضار))، نهىّ للغائب غير المخاطب.
فتوجيهُ الكلام إلى ما كان نظيراً لما فى سياق الآية، أولى من توجيهه إلى ما كان
منعدلاً عنه .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه: وإن تضارّوا الكاتب أو الشاهدَ ،
وما نُهيتم عنه من ذلك = ((فإنه فسوق بكم))، يعنى: إثم بكم ومعصيةٌ. (٣)
واختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك .
فقال بعضهم بنحو الذى قلنا .
• ذكر من قال ذلك :
٦٤٣٠ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسمق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن
جويبر، عن الضحاك: ((وإن تفعلوا فإنه 'فُسوق بكم))، يقول: إن تفعلوا غير
الذى آمركم به ، فإنه فسوق بكم .
(١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((فالواجب إذ كان المأمورون مخاطبين بقوله: وإن تفعلوا فإنه
فسوق بكم، أشبه منه بأن يكون مردوداً على الكاتب والشهيد))، وهو كلام مختل أشد الاختلال ، وهو فى
المطبوعة أشد اختلالا إذ جعل ((إذا كان المأمورون)) - ((إذا كان ... ))، وقد وضعت بين القوسين
ما هو أشبه بسياق المعنى ، وكأنه الصواب إن شاء الله .
(٢) فى المخطوطة والمطبوعة: ((ومع ذلك إن الكاتب والشهيد)) والصواب ما أثبت.
(٣) انظر تفسير ((الفسوق)) فيما سلف ١: ٤٠٩، ٤١٠ / ثم ٢: ١١٨، ١١٩، ٣٩٩
/ ثم ٤ : ١٣٥ - ١٤٠.

٩٢
تفسير سورة البقرة : ٢٨٢
٦٤٣١ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد اللّه قال ، حدثنا معاوية ، عن
على، عن ابن عباس: ((وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم))، والفسوقُ المعصية.
٦٤٣٢ - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيع: ((وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم)) ، الفسوق العصيان .
٠
وقال آخرون : معنى ذلك: وإن يضارّ كاتبٌ فيكتب غير الذى أملى المعلى،
ويضارّ شهيدٌ فيحوِّلَ شهادته ويغيرها = (( فإنه فسوق بكم)) ، يعنى : فإنه كذب .
• ذكر من قال ذلك :
٦٤٣٣ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد :
((وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم))، الفسوق الكذب . قال : هذا فسوق ، لأنه كذب
الكاتبُ فحوَّل كتابه فكذَب ، وكذب الشاهدُ فحوّل شهادته. فأخبرهم اللّه أنه
کذب.
٠
قال أبو جعفر: وقد دللنا فيما مضى على أن المعنىّ بقوله: (( ولا يضار كاتب
ولا شهيد))، إنما معناه: لا يضارّهما المستكتب والمستشهد، بما فيه الكفاية. (١)
فقوله: ((وإن تفعلوا)) إنما هو إخبارُ من يضارّهما بحكمه فيهما، وأنّ من
يضارّهما فقد عصى ربه وأثم به، (٢) وركب ما لا يحلّ له، وخرج عن طاعة ربه
فى ذلك .
٠ ٠
(١) انظر ما سلف قريباً فى تفسير الآية.
(٢) قوله: ((((أثم به)). قد سلف فى ٤: ٥٣٠ تعليق ٣ ما نصه: ((آ ثما بربه)) غير منقوطة،
كأنها ((بربه)) ولكنى لم أجد فى كتب اللغة (( أثم بربه)) وإن كنت أخشى أن تكون صواباً له وجه لم
أتحققه)) وغيرتها هناك ((أثم بريائه))، فقد جاء هذا النص هنا محققاً ما خشيت، فصح أن الصواب
هناك ((آ ثماً بربه))، فقيده هناك، وفى كتب اللغة. ومعنى: ((أثم بربه)): أى: قدم الإثم إلى ربه
بمعصيته، فالباء فيه الغاية، كما فى قوله تعالى ﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِى إِذْ أُخْرَجَنِى مِنَ السِّجْنِ﴾
وكما قال كثير :

١٣
تفسير سورة البقرة : ٢٨٢
القول فى تأويل قوله ﴿وَأَتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلْمُكُمُ اللهُ وَاللهُ
بكلِّ شَىْءٍ عَلِيمْ)
٢٨٢
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((واتقوا الله))، وخافوا اللّه، أيها المتداينون
فى الكتاب والشهود، أن نضاروهم، وفى غير ذلك من حدود الله أن تُضِيعوه = ويعنى
بقوله: (( وُيُعلّمكم الله))، ويبين لكم الواجب لكم وعليكم، فاعملوا به = ((والله
بكل شىء عليم ))، يعى: [ بكل شىء ] من أعمالكم وغيرها، (١) يحصيها عليكم،
لیجاز یکم بها .
٠ ٠
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك :
٦٤٣٤ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن
جويبر، عن الضحاك قوله: ((ويعلمكم الله))، قال: هذا تعليم علّمكموه،
فخذُوا به
٠
٠ ٠
أَسِ بِنَا أَوْ أَحْسِى، لا مَلُومَةً لَدَيْنَ، ولا مقِلِيَّةً إن تَقَلَّتِ
فهذه هى الحجة الناهضة فى صواب التعبير الذى جاء فى كلام الطبرى، والحمد لله رب العالمين
على حسن توفيقه إيانا إلى الصواب .
(١) هذه الزيادة بين القوسين لا بد منها، وليست فى المخطوطة ولا المطبوعة.
١

٩٤
تفسير سورة البقرة ٢٨٣
القول فى تأويل قوله ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلِمْ تَجِدُواْ كَاتِاً
فَرِهْنٌ مَّقْبُوضَةٌ)
قال أبو جعفر : اختلفت القرأة فى قراءة ذلك .
فقرأته القرأة فى الأمصار جميعاً (كَاتِباً)، بمعنى: ولم تجدوا من يكتب لكم
كتابَ الدّين الذى تداينتموه إلى أجل مسمى، ((فرهان مقبوضة))
...
وقرأ جماعةٌ من المتقدمين: ﴿وَلَمَ تَجِدُوا ◌ِكِتَابًا)، بمعنى: ولم يكن لكم إلى
اكتتاب كتاب الدين سبيلٌ، إما بتعذّر الدواة والصحيفة ، وإما بتعدر الكاتب
وإن وجدتم الدواة والصحيفة .
#
والقراءة التى لا يجوز غيرها عندنا هى قراءة الأمصار ((ولم تجدوا كاتباً))،
بمعنى : من يكتب . لأن ذلك كذلك فى مصاحف المسلمين .
[قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه]: (١) وإن كنتم، أيها المتداینون، فى سفر
بحيث لا تجدون كاتباً يكتب لكم، ولم يكن لكم إلى اكتتاب كتاب الدين الذى
تداينتموه إلى أجل مسمى بينكم الذى أمرتكم باكتتابه والإشهاد عليه سبيلٌ، فارتهنوا
بديونكم التى تداينتموها إلى الأجل المسمى رهوناً تقبضونها ممن تداينونه كذلك ،
ليكون ثقةً لكم بأموالكم.
. ذكر من قال ما قلنا فى ذلك :
٦٤٣٥ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن
جويبر، عن الضحاك قوله: ((وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان
مقبوضة))، فمن كان على سفر فبايع بيعاً إلى أجل فلم يجد كاتباً ، فرخص له
(١) هذه الزيادة بين القوسين لابد منها، حتى يستقيم الكلام.

٥ ٩
تفسير سورة البقرة : ٢٨٣
فى الرهان المقبوضة ، ولیس له إن وجد كاتباً أن يرتهن .
٦٤٣٦ - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبى جعفر، عن أبيه، عن
الربيع قوله: ((وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً)) ، يقول: كاتباً يكتب لكم =
((فرهان مقبوضة)).
٦٤٣٧ - حدثنى يحيى بن أبى طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر ،
عن الضحاك قال: ما كان من بيع إلى أجل، فأمر الله عز وجل أنْ يكتب وُيُشْهد
عليه، وذلك فى المُقام. فإن كان قوم على سفر تبايعوا إلى أجل فلم يجدوا [ كاتباً ]،
فرهان مقبوضة . (١)
• ذكر قول من تأول ذلك على القراءة التى حكيناها :
٠ ٠
٦٤٣٨ - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا يزيد بن
أبى زياد ، عن مقسم ، عن ابن عباس : (( فإن لم تجدوا كتاباً ))، یعنی بالكتاب،
الكاتب والصحيفة والدواة والقلم .
٦٤٣٩ - حدثنى يعقوب قال ، حدثنا ابن علية قال ، أخبرنا ابن جريج
قال، أخبرنى أبى، عن ابن عباس أنه قرأ: ((فإن لم تجدوا كتاباً))، قال : ربما
وجد الرجل الصحيفة ولم يجد كاتباً .
٦٤٤٠ -حدثی یعقوب قال ، حدثنا ابن علیة قال، حدثنا ابن أبى نجیح،
عن مجاهد: كان يقرؤها: ((فإن لم تجدوا كتاباً))، ويقول: ربما وجد الكاتبُ
ولم تُوجد الصحيفة أو المداد ، ونحو هذا من القول .
٦٤٤١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن ابن
أبى نجيح ، عن مجاهد: ((وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كتاباً))، يقول :
مداداً - يقرؤها كذلك - يقول: فإن لم تجدوا مداداً، فعند ذلك تكون الرهون
المقبوضة = ((فرهن مقبوضة))، قال : لا يكون الرهن إلاّ فى السفر.
(١) الزيادة بين القوسين، أخشى أن تكون سقطت من الناسخ.

٩٦
تفسير سورة البقرة : ٢٨٣
٦٤٤٢ -حدثی المثی قال، حدثنا الحجاج قال ، حدثنا حماد بن زيد ،
عن شعيب بن الحبحاب قال: إن أبا العالية كان يقرؤها،: ((فإن لم تجدوا كتاباً)» ،
قال أبو العالية: تُوجد الدواةُ ولا توجد الصحيفة.
٠٠٠
قال أبو جعفر: واختلف القرأة فى قراءة قوله: ((فرِهان مقبوضة)).
فقرأ ذلك عامة قرأة الحجاز والعراق: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ)، بمعنى جماع
((رَهْن)) كما ((الكباش)) جماع ((كبش))، و((البغال)) جماع ((بغل)) و((النعال))
جماع ((فعل)).
٠
وقرأ ذلك جماعة آخرون: (فَرُهُنٌ مَقْبُوضَة) على معنى جمع: ((رِهان))، (( ورُهن ))
جمع الجمع. وقد وجهه بعضهم إلى أنها جمع ((رَهْن)):، مثل ((سَقْف وسُقُف)).
٠
٠
٠
وقرأه آخرون ﴿فَرُهْنٌ) مخفقة الهاء على معنى جماع ((رَهْن))، كما تجمع
(((السَّقْفُ سُقْفاً)). قالوا: ولا نعلم اسماً على ((فَعْل)) يجمع على ((فُعُل وفُعْل))
إِلاّ ((الرُّهُنُ والرُّمْن)). و((السُّقُف والسُّفْف)).
٠
٠
قال أبو جعفر : والذى هو أولى بالصواب فى ذلك قراءة من قرأه: ((فرمان
مقبوضة)). لأن ذلك الجمعُ المعروفُ لما كان من اسم على ((فَعْل))، كما يقال :
(((حَبْلٌ وحبال)) و((كَعْب وكعاب))، ونحو ذلك من الأسماء. فأما جمع ((الفَعْل))
على ((الفُعُل أو الفُعْل)) فشاذّ قليل، إنما جاء فى أحرف يسيرة وقيل: ((سَقْف
وسُقُفٌ وسُقْف)) ((وقدْبٌ وَقُلُب وقُلْب)) من: ((قلب النخل)). (١) ((وجَدَّ
وجُدُّ))، للجد الذى هو بمعنى الحظّ. (٢) وأما ما جاء من جمع ((فَعْل)) على ( فُعْل))
٩٣/٣
(١) هذا كله غريب لم يرد فى كتب اللغة
(٢) وهذا أيضاً غريب لم أجده فى كتب اللغة، وإنما قالوا فى جمعه ((أجداد وأجد وجدود ))
وكان فى المطبوعة ((حد وحد)) بالحاء، و((الخط))، وهو خطأ، وفى المخطوطة غير منقوط

٩٧
تفسير سورة البقرة : ٢٨٣
ـة (ثَطُّ، وَثُطَ))، و((وَرْدٌ وَوُرْد)) و((خَوْدٌ وُخود)).
وإنما دعا الذى قرأ ذلك: (فرُمْنٌ مقبوضة)) إلى قراءته فيما أظن كذلك،
مع شذوذه فى جمع ((فَعْل))، أنه وجد ((الرُّهان)) مستعملة فى رِهَان الخيل، فأحبّ
صرف ذلك عن اللفظ الملتبس برهان الخيل، الذى هو بغير معنى ((الرهان)) الذى
هو جمع ((رَمْن))، ووجد ((الرُّهُن)) مقولاً فى جمع ((رَهْن))، كما قال قَعْنّب:
بَأَنَّتْ سُعادُ وأَمْتَى دُونَهاَ عَدَنُ وَغَلِقَتْ عِنْدَهَا مِنْ قَلْبِكَ الرُّهُنُ(١)
القول فى تأويل قوله ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدُ الَّذِى
آوَثُمِنَ أَمْنَتَهُ وَلْتَّقِ اللهَ رَبَّهُ﴾
قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه : فإن كان المدين أميناً عند رب المال
واللّين فلم يرتهن منه فى سفره رَهْناً بدينه لأمانته عنده على ماله وثقته، = (( فليتق
اللّه))، المدينُ = ((رَبّه))، يقول: فليخف اللّه ربه فى الذى عليه من دين صاحبه
أن يجحده، أو يَلُطّ دونه، (٢) أو يحاول الذهاب به، فيتعرّض من عقوبة الله
لما لا قبل له ، (٣) به وليؤدّ دينه الذی ائتمنه عليه ، إليه .
٠٠٠
وقد ذكرنا قول من قال: ((هذا الحكم من الله عز وجل ناسخٌ الأحكام التى
(١) مختارات ابن الشجرى ١: ٦، ولباب الآداب ٤٠٢ - ٤٠٤، اللسان (رهن )،
وروايته هناك ((من قبلك))، وهى أجود فيما أرى. غلق الرهن غلقاً (بفتحتين ) وغلوقاً: إذا لم تجد
ما تخلص به الرهن وتفكه فى الوقت المشروط ، فعندئذ يملك المرتهن الرهن الذى عنده . كان هذا على رسم
الجاهلية ، فأبطله الإسلام . يقول : فارقتك بعد العهود والمواثيق والمحبات التى أعطيتها ، فذهبت بذلك
كله ، كما يذهب بالرمان من كانت تحت يده .
(٢) يقال: ((لط الغريم بالحق دون الباطل)): دافع ومنع الحق .. و((لط حقه، ولط عليه))
جحده ومنعه .
(٣) فى المطبوعة والمخطوطة: ((ما لا قبل)) بحذف اللام، وما أثبت هو أقرب إلى الجودة.

٩٨
تفسير سورة البقرة : ٢٨٣
فى الآية قبلها: من أمر اللّه عز وجل" بالشهود والكتاب)). وقد دللنا على أولى ذلك
بالصواب من القول فيه، فأغنى ذلك عن إعادته فى هذا الموضع. (١) وقد :-
٦٤٤٣ - حدثنى يحيى بن أبى طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر،
عن الضحاك فى قوله: ((فإن أمين بعضكم بعضاً فليؤد الذى اؤتمن أمانته))، إنما
يعنى بذلك: فى السفر ، فأما الحضر فلا ، وهو واجد كاتباً ، فليسَ له أن يرتهن
ولا يأمن بعضهم بعضاً .
#
قال أبو جعفر : وهذا الذى قاله الضحاك = من أنه ليس لرب الدين ائتمانُ
المدين وهو واجد إلى الكاتب والكتاب والإشهاد عليه سبيلاً ، وإن كانا فى سفر =،
فكما قال ، لما قد دللنا على صحّته فيما مضى قبل .
وأما ما قاله = من أنّ الأمر فى الرّهن أيضاً كذلك، مثل الائتمان : فى أنه
ليس لربّ الحق الارتهان بماله إذا وجد إلى الكاتب والشهيد سبيلاً، فى حضر أو
سفر = فإنه قولٌ لا معنى له، لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : -
٦٤٤٤ - أنه اشترى طعاماً نَسَاءً، ورهن به درعاً لهُ . (٢)
٥
فجائز للرجل أن يرهن بما عليه ، ويرتهن بمالَهُ من حقّ، فى السفر والحضر -
لصحة الخبر بما ذكرنا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وأنّ معلوماً أنّ النبيّ
صلى الله عليه وسلم لم يكن- حين رهن من ذكرنا- غير واجد كاتباً ولا شهيداً، لأنه
لم يكن متعذراً عليه بمدينته فى وقت من الأوقات الكاتبُ والشاهدُ ، غير أنهما إذا
تبايعا برَهْن ، فالواجب عليهما = إذا وجدا سبيلاً إلى كاتب وشهيد، أو كان البيع
(١) انظر ما سلف آنفاً: ص ٥٣ - ٥٥
(٢) الأثر: ٦٤٤٤ - ذكره الطبرى بغير إسناد. وقد رواه البخارى فى صحيحه (الفتح ه :
١٠٠ - ١٠٢) ومسلم فى صحيحه ١١: ٣٩، ٤٠ من طرق، عن عائشة أم المؤمنين . وسنن البيهقى ٦:
٣٦. يقال نسأت عنه دينه نساء: (بالمد وفتح النون): أخرته. و((بعته بنسيئة))، أى: بأخرة.
٠

٩٩
تفسير سورة البقرة : ٢٨٣
أو الدّين إلى أجل مسمى (١) = أن يكتبا ذلك ويشهداً على المال والرّهن. وإنما
يجوز ترك الكتاب والإشهاد فى ذلك ، حيث لا يكون لهما إلى ذلك سبيلٌ .
#
القول فى تأويل قوله ﴿ وَلاَ تَكْتُواْ الَّهُدَةَ وَمَن يَكْتُهْاَ
فَإِنَّهُ بِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِمَ تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) (٥)
قال أبو جعفر: وهذا خطابٌ من الله عز وجل للشهود الذين أمر المستدين
وربَّ المال بإشهادهم ، فقال لهم: ((ولا يأب الشهداءُ إذا ما دعوا)) - ولا تكتموا ،
أيها الشهود، بعد ما شهدتم شهاد تكم عند الحكام، كما شهدتم على ما شهدتم عليه،
ولكن أجيبوا من شهدتم له إذا دعاكم لإقامة شهادتكم على خصمه على حقه عند
الحاكم الذى يأخذُ له بحقه .
ثم أخبر الشاهدَ جل ثناؤه ما عليه فى كتمان شهادته ، وإبائه من أدائها والقيام
بها عند حاجة المستشهد إلى قيامه بها عند حاكم أو ذى سلطان، فقال: ((ومن
يَكتمها)). يعنى: ومن يكتم شهادته = ((فإنه آثم قلبه))، يقول: فاجرٌ قلبه،
مكتسبٌ بكتمانه إياها معصية الله، (٢) كما : -
٦٤٤٥ - حدثنى المثنى قال، أخبرنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ،
عن أبيه، عن الربيع فى قوله: ((ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثمٌ قلبه)) ،
فلا يحل لأحد أن يكتم شهادةً هى عنده ، وإن كانت على نفسه والوالدين ، ومن
يكتمها فقد ركب إثماً عظيماً .
٦٤٤٦ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمروقال، حدثنا أسباط ، عن السدى
(١) فى المطبوعة: ((وكان البيع ... )) وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) انظر تفسير ((الإثم)) فيما سلف من فهارس اللغة.
٩٤/٣

١٠٠
تفسير سورة البقرة : ٢٨٣
قوله: ((ومن يكتمها فإنه آثم قلبه))، يقول : فاجر قلبه .
٦٤٤٧ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية ، عن
على ، عن ابن عباس قال : أكبر الكبائر الإشراك بالله، لأن اللّه يقول:
﴿إِنْهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْحَرِّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارِ﴾ (١) [سورة المائدة: ٧٢]،
وشهادة الزور، وكتمان الشهادة، لأن الله عز وجل يقول: ((وَمَنْ يكتمها فإنه
آثم قلبه)).
٠
وقد روى عن ابن عباس أنه كان يقول: ((على الشاهد أن يشهد حيثما استُشهد،
ويخبر بها حيثُ اسْتُخبرَ)) .
٦٤٤٨ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن
محمد بن مسلم قال ، أخبرنا عمرو بن دينار ، عن ابن عباس قال : إذا كانت
عندك شهادة فسألك عنها فأخبره بها، ولا تقل: ((أخْبر بها عند الأمير))، أخبره
بها، لعله يراجع أو يَرْعَوى .
وأما قوله: ((والله بما تعملون عليمٌ))، فإنه يعنى: (( بما تعملون)» فى شهادتكم
من إقامتها والقيام بها ، أو كتمانكم إياها عند حاجة من استشهدكم إليها ، وبغير
ذلك من سرائر أعمالكم وعلانيتها = ((عليمٌ ))، يحصيه عليكم، ليجزيكم بذلك كله
جزاء كم، إما خيراً وإما شراً على قدر استحقاقكم .
٥
(١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((ومن يشرك بالله))، وليست هذه قراءتها، أخطأ الناسيخ ومها.