Indexed OCR Text

Pages 521-540

٠٢١
تفسير سورة البقرة : ٢٦٣، ٢٦٤
جويبر، عن الضحاك: ((قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى ))،
يقول : أن يمسك ماله ، خيرٌ من أن ينفق ماله ثم يتبعه منًا وأذى .
...
وأما قوله: (( غنى حليم ))، فإنه یعنی: (( والله غنی))عما يتصدقون به = (( حليم ))،
حين لا يعجل بالعقوبة على من ◌َمنُّ بصدقته منكم ، ويؤذى فيها من يتصدق
بها عليه . (١)
:
ور وى عن ابن عباس فى ذلك ، ما : -
٦٠٣٨ - حدثنا به المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثی
معاوية، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس: ((الغنى))، الذى كمل فى غناه ،
و ((الحليم))، الذى قد کمل فى حلمه .
۔
القول فى تأويل قوله ﴿يَشَأَيّا الّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُبْطِلُواْ صَدَيِّكُمْ
بأَنْ وَالْأَذَىْ كَالَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ رِ ثَءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِلْهِ
وَأَلْيَوْمِ الْأَخِ )
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بذلك: ((يا أيها الذين آمنوا)»، صدَّقُوا
الله ورسوله - ((لا تبطلوا صدقاتكم))، يقول: لا تبطلوا أجور صدقاتكم بالمن"
والأذى، کما أبطل کفر الذیینفق ماله = (( رئاء الناس)، وهو مرا آ ته إياهم بعمله،
وذلك أن ينفق ماله فيما يرى الناسُ فى الظاهر أنه يريد الله تعالى ذكره فيحمدونه
عليه ، وهو غيرُ مريد به الله ولا طالب منه الثواب، (٢) وإنما ينفقه كذلك ظاهراً
٤٤/٣
(١) انظر تفسير «حليم) فيما سلفه : ١١٧
(٢) فى المخطوطة والمطبوعة: ((وهو مريد به غير الله))، وهو سهو من الناسخ، والسياق يقتضى
أن تقدم «غير))، وهو نص المعنى .

٥٢٢
.
تفسير سورة البقرة : ٢٦٤
ليحمده الناس عليه فيقولوا: ((هو فىّ كريم، وهو رجل صالحٌ))، فيحسنوا عليه به
الثناء، وهم لا يعلمون ما هو مستبطن من النية فى إنفاقه ما أنفق ، فلا يدرون ماهو
عليه من التكذيب بالله تعالى ذكره واليوم الآخر .
٠٠ ٠
وأما قوله: ((ولا يؤمن بالله واليوم الآخر)»، فإن معناه: ولا يصدق بوحدانية
اللّه ورُبوبيته، ولا بأنه مبعوث بعد مماته فمجازى على عمله ، فيجعل عمله لوجه الله
وطلب ثوابه وما عنده فى معاده . وهذه صفة المنافق . وإنما قلنا إنه منافق ، لأن
المظهرَ كفرَه والمعلنَ شركه، معلوم أنه لا يكون بشىء من أعماله مرائياً . لأن
المرائى هو الذى يرائى الناس بالعمل الذى هو فى الظاهر لله ، وفى الباطن مريبة
سريرةُ عامله، مرادٌ به حمد الناس عليه. (١) والكافر لاُ يخِيلُ على أحدٍ أمرُه
أن أفعاله كلها إنما هى للشيطان(٢) - إذا كان معلناً كفرَه - لا لله. ومن كان
كذلك ، فغیر کائن مرائياً بأعماله .
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
٦٠٣٩ - حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال أبو هاني الخولانى،
عن عمرو بن حريث قال: إن الرجل يغزو، لا يسرق ولا يزفى ولا يَغُلّ ، لا يرجع
بالكفاف ! فقيل : له لم ذاك ؟ قال : إن الرجل ليخرج، (٣) فإذا أصابه من
(١) فى المطبوعة: ((وفى الباطن عامله مراده به حمد الناس عليه))، وهو تصرف من الطابع،
وفى المخطوطة: ((وفى الباطن مريبه عامله مراد به حمد الناس عليه))، وهى غير مفهومة المعنى ، وبين أنه
قد سقط منها ((سريرة)) من قوله ((مريبة سريرة عامله))، وهو إشارة إلى ما مر فى تفسيره قبل من
قوله: (فلا يدرون ما هو عليه من التكذيب بالله تعالى ذكره واليوم الآخر)). فاستظهرت أن الصواب
زيادة «سريرة))، لتتفق مع معانى ما قال أبو جعفر رحمه الله.
(٢) أعمال عليه الأمر يخيل: أشكل عليه واستبهم. وسسياق الجملة بعد ذلك: ((إنما هى الشيطان
لا ت» .
(٣) فى المطبوعة: ((قال: فإن الرجل))، وفى المخطوطة: ((فإن إن الرجل)) تصحيف والصواب
ما أثبت .

٠٢٣
تفسير سورة البقرة : ٢٦٤
بلاءٍ الله الذى حكم عليه، سبَّ ولعَن إمامَه ولعن ساعة غزا، وقال : لا أعود
لغزوة معه أبداً! فهذا عليه، وليس له= مثلُ النفقة فى سبيل اللّه يتبعها منّ
وأذى . فقد ضرب اللّه مثلها فى القرآن: (( يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم
بالمن والأذى ))، حتى ختم الآية.(١)
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَمَثَلُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ
وَابلٌ فَتَرَكَهُ صَلْهَا لَّا يَقْدِرُونَ عَى شَىْءٍ بِمَا كَسَبُواْ وَاللهُ لَاَ يَهْدِى الْقَوْمَ
الْكُفِرِينَ) ®
قال أبو جعفر : يعنى تعالى ذكره بذلك : فمثل هذا الذى ينفق ماله رثاء
الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر = ((والهاء)) فى قوله ((فمثله))، عائدة على
((الذى)) = ((كمثل صفوان))، ((والصفوان)) واحدٌ وجميعٌ، فمن جعله جميعاً
فالواحدة ((صفوانة))، (٢) بمنزلة ((تمرة وتمر)) و((نخلة ونخل)). ومن جعله واحداً،
جمعه ((صِفْوان، وصُفِىّ، وصِفِىّ))، (٣) كما قال الشاعر: (٤)
مَوَافَعُ الطَّيْرِ عَلَى الصُّفِيَّ(٥) .
(١) الأثر: ٦٠٣٩ - ((أبو هانى الخولانى)): هو: حميد بن هانى المصرى من ثقات التابعين،
روى عن عمرو بن حريث وغيره. وروى عنه الليث وابن لهيعة وابن وهب وغيرهم من أهل مصر مات
سنة ١٤٢. و((عمرو بن حريث))، هو الذى يروى عنه أهل الشام، وهو غير ((عمرو بن
حريث بن عمرو بن عثمان المخزومى الكوفى. وانظر ترجمته فى التهذيب ٨ : ١٨.
(٢) فى المطبوعة: ((واحد وجمع، فمن جعله جمعاً))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٣) انظر ما سلف فى تفسير ((الصفا)) ٣: ٢٢٤، ٢٢٥، وقوله: ((جمعه صفوان)) يعنى:
بكسر انصاد ومكون الفاء، وهو قول الكسائى، وقد تعقبوه وخطأوه فى شاذ مذهبه. انظر القرطبى ٣ :
٣١٣، وتفسير أبي حيان ٢: ٣٠٢، ومن أجل ذلك أسقطه أصحاب اللغة من كتبهم.
(٤) هو الأخيل الطائى .
(٥) سلف شرح هذا البيت وتخريجه ٣: ٢٢٤، وسقط ذكر هذا الموضع فى التخريج السالف
فأثبته هناك .

٠٢٤
تفسير سورة البقرة : ٢٦٤
((والصفوان)) هو ((الصفا))، وهى الحجارة الملس.
٠٠
وقوله: ((عليه تراب))، يعنى: على الصفوان ترابٌ - ((فأصابه)) يعنى :
أصاب الصفوان = ((وابل))، وهو المطر الشديد العظيم ، كما قال امرؤ القيس:
م . . (١)
مَافِظُ الْأَكْنَافِ وَاهٍ مُنْهَمِرٌ
سَاعَةً، ثُمَّ انْتَحَاهَاَ وَابِلٌ
يقال منه: ((وَبَلت السماء فهى تَّبِل وَبَيْلاً))، وقد: ((وُبلت الأرض فهى تُوبَل)).
وقوله: ((فتركه صلداً، يقول: فترك الوابلُ الصفوانَ صكداً.
((والصلد)) من الحجارة، الصلب الذى لا شىء عليه من نبات ولا غيره ،
وهو من الأرضين ما لاينبت فيه شىء، وكذلك من الرؤوس، (٢) كما قال رؤبة:
بِرَّاقَ أَصْلَادِ الجَبِينِ الْأَجْلَ(٣)
لَمَّا رَأَتْنِ خَلَقَ الُمَوِّهِ
(١) ديوانه: ٩٠، وطبقات فحول الشعراء: ٧٩، وغيرهما كثير . وهو من أبيات روائح،
فى صفة المطر والسيل أولها :
دِيَّةٌ هَطْلَاءِ فِيهَا وَطَفٌ طَبَقَ الأَرْضِ تَحَرَى، وَقَدِرْ
ثم قال بعد قليل: ((ساعة)) أى فعلت ذلك ساعة، ((ثم انتحاها)) أى تصدحا، والضمير فيه إلى
((الشجراء)) فى بيت سابق. و((ساقط الأكتاف))، قد دنا من الأرض دنوا شديداً، كأن نواحيه تهدم
على الشجراء. ((منبمر)): متتابع متدفق. وأقراً تمام ذلك فى شرح الطبقات.
(٢) هذا البيان من معانى ((صلد)»، لا تصيبه فى كثير من كتب اللة.
(٣) ديوانه: ١٦٥ من قصيدة مضى الاستشهاد بأبيات منها فى ١: ١٢٣، ٣٠٩، ٣١٠/
٢ : ٢٢٢، والضمير فى ((وأتى)) إلى صاحبته التى ذكرها فى أول الشعر و(«حلق)): بال. و«الموه))
يقال: ((وجه مموه)) أى مزين بماء الشباب، ترفرق شبابه وحسنه. وقوله وخلق المموه»، بطن والويه))
الموصوف بذلك . یقول: قد بل شبابى وأخلق. ((أصلاد الجین »، یعنی أن چبيته قد زال شعره، فهو
يبرق كأنه صفاة ملساء لا نبات عليها. و((الأجله)): الأفزع اللى انحر شعره من جانبى جبهته ومقام
جبينه ، وذلك كله بعد أن كان كما وصف نفسه :

٠٢٥
تفسير سورة البقرة : ٢٦٤
ومن ذلك يقال للقدر الثخينة البطيئة الغلى: ((قِدْرٌ صَلود))، (وقد صَلّدت
تصْلُدُ صُلوداً)) ، ومنه قول تأبط شرًّا:
وَلَسْتُ بِلْبٍ جِلْبِ رَعْدٍ وَقِرَّةٍ وَلَ بِصَفَاَ صَلْدٍ عَنِ الخَيْرِ أَعْزَّلٍ (١)
٠٠٠
٣/
ثم رجع تعالى ذكره إلى ذكر المنافقين الذين ضرب المثلّ لأعمالهم ، فقال :
فكذلك أعمالهم بمنزلة الصِّفوان الذى كان عليه تراب، (٢) فأصابه الوابلُ من المطر
فذهب بما عليه من التراب ، فتركه نقيًا لا تراب عليه ولا شىء = يراهمُ المسلمون
فى الظاهر أنّ لحم أعمالاً - كما يُرى التراب على هذا الصفوان - بما يراؤونهم به ،
فإذا كان يوم القيامة وصاروا إلى اللّه، اضمحلّ ذلك كله ، لأنه لم يكن اللّه ،
• بَعْدَ غُدَانِىِّ الشَّبَابِ الأَبْلَةِ .
فاستنکرته صاحبته ، بعد ما کان بينه وبينها فی شبابه ما كان ؛ ولیت شعریماذا کان یبغى رؤبة
منها ، وقد صار إلى المصير الذى وصف نفسه ! !
(١) السان ( جلب) (عزل)، وغيرهما. ولم أجد القصيدة، ولكنى وجدت منها أبياتاً متفرقة
ورواية اللسان والمطبوعة وغيرهما :
وَلَسْتُ بِلْبٍ جِلْبِ رِيحٍ وَقِرَّةٍ وَلَا بِصِفًا صَلٍ عَنِ الخَيْرِ مَعْزِلٍ
ولكنه فى المطبوعة واللسان أيضاً ((جلب ليل))، والظاهر أن المطبوعة فقات البيت من اللسان (جلب)
دون إشارة إلى ما كان فى المخطوطة، ولكنى أثبت رواية المخطوطة، فإنها لا تغير وهى سليمة المعافى.
الجلب ( بكسر الجيم أو ضمها وسكون اللام): هو السحاب المعترض تراه كأنه جبل، ويقال أيضاً:
هو السحاب الرقيق الذى لا ماء فيه. ورواية الطبرى فى المخطوطة تقتضى المعنى الأول: والقرة (بكسر القاف)
والقر ( بضمها): البرد الشديد. يقول: لست امرءاً خالياً من الخير، بل مطيفاً بالأذى، كهذا السحاب
الخيل المتراكم، يخيف برعده، ويللع ببرده، ولا غيث معه. وأما رواية اللسان وغيره، فشرحها على
معنى السحاب الرقيق جيد، وقوله: ((أعزل)) من ((عزل الشىء يعزله)) إذا نحاه جانباً وأبعده، كما
سموا الرمل المنقطع المنفرد المنعزل (أعزل))، فهو من صميم مادة اللغة، وإن لم يأتوا عليه فى كتب اللغة
بشاهد. وهذا شاهده بلا شك. وأما قوله فى الرواية الأخرى ((معزل)) فهو بمعنى ذلك أيضاً : معتزل عن
الخير ، أو معزول عنه. وهو مصدر ميمى من ذلك ، جاء صفة، كما قالوا: (( رجل عدل ))، وکا
قالوا (فلان شاهد مقنع)) أى رضا يقنع به، مصدر ميمى من ((تمنح))، وهذا بيان لا تجده فى كتب الغة
فقیده واحفظه .
(٢) فى المخطوطة: ((عليه ثواب))، وهو تصحيف غث، ولكنه دليل على شدة إهمال الناسيع
وصمته .

٥٢٦
تفسير سورة البقرة : ٢٦٤
كما ذهب الوابل من المطر بما كانَ على الصفوان من التراب ، فتركه أملسَ لا
شىء عليه .
= فذلك قوله: ((لا يقدرون))، يعنى به: الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس، ولا
يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، يقول : لا يقدرون يوم القيامة على ثواب شىء
مما كسبوا فى الدنيا ، لأنهم لم يعملوا لمعادهم ، ولا لطلب ما عند الله فى الآخرة،
ولكنهم عملوه رثاء الناس وطلب حمدهم. وإنما حظهم من أعمالهم، ما أرادوه وطلبوه بها.
ثم أخبر تعالى ذكره أنه ((لا يهدى القوم الكافرين))، يقول : لا يسدّدهم
لإصابة الحق فى نفقاتهم وغيرها ، فيوفقهم لها ، وهم الباطل عليها مؤثرون ، ولكنه
یتر کھم فی ضلالهم یعمهون .(١)
فقال تعالى ذكره للمؤمنين : لا تكونوا كالمنافقين الذين هذا المثل صفةُ
أعمالهم ، فتبطلوا أجور صدقاتكم بمنكم على من تصدقتم بها عليه وأذا كم لهم، كما
بطل أجر نفقة المنافق الذى أنفق ماله رثاء الناس ، وهو غير مؤمن بالله واليوم
الآخر، عند اللّه. (٢)
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
٦٠٤٠ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: (( يا أيها الذين آمنوا لا تُبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى)) فقرأ حتى بلغ ((على
شىء مما كسبوا))، فهذا مثل ضربه اللّه لأعمال الكفار يوم القيامة ، يقول :
لا يقدرون على شىء مما كسبوا يومئذ، كما ترك هذا المطر الصفاة الحجر ليس
(١) فى المطبوعة: ((ولكنه تركهم))، والصواب ما فى المخطوطة.
(٢) فى المخطوطة: ((واليوم عند الله)) سقط منه ((الآخر))، وهو دليل على ما أسلفت من عجلته.

٥٢٧
تفسير سورة البقرة : ٢٦٤
علیه شىء ، أنتقی ما كان عليه . (١)
٦٠٤١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ،
عن أبيه، عن الربيع: (( لا تبطلوا صدقاتكم بالمن)) إلى قوله: (( والله لا يهدى
القوم الكافرين))، هذا مثل ضربه اللّه لأعمال الكافرين يوم القيامة ، يقول :
لا يقدرون على شىء مما كسبوا يومئذ، كما ترك هذا المطر الصفا نقيًا لا شىء عليه.
٦٠٤٢ -حدثیموسی قال،حدثناعمرو قال،حدثنا أسباط ،عن السدی: «لا
تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى)) إلى قوله ((على شىء مما كسبوا))، أما الصفوان الذى
عليه تراب ، فأصابه المطر فذهب ترابه فتركه صلداً . فكذلك هذا الذى ينفق ماله
رياء الناس، (٢) ذهب الرياءُ بنفقته، كما ذهب هذا المطر بتراب هذا الصفا
فتركه نقيًّا ، فكذلك تركه الرياء لا يقدر على شىء مما قدم . فقال للمؤمنين :
((( لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى))، فتبطل كما بطلت صَّدقة الرياء.
٦٠٤٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن
جويبر ، عن الضحاك قال : أن لا ينفق الرجل ماله ، خير من أن يُنفقه ثم يتبعه
منًّاً وأذى. فضرب الله مثله كمثل كافر أنفق ماله لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر .
فضرب اللّه مثلهما جميعاً: (( كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلداً »،
فكذلك من أنفق ماله ثم أتبعه مناً وأذى .
٦٠٤٤ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثی أبى قال ، حدثنى عمى قال ،
حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : (( يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا
صدقاتكم بالمن والأذى )) إلى (( كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلداً))،
ليس عليه شىء. وكذلك المنافق يوم القيامة ، لا يقدر على شىء مما کسب .
٦٠٤٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج قال ،
(١) فى المطبوعة: ((أنتى ما كان))، حذف ((عليه))، كأنه استنكرها، وهى معرقة فى الصواب.
أى: أنتى ما كان عليه من انتقاء .
(٢) فى المطبوعة: ((فكذا هذا الذى ينفق»، لا أدرى لم غير ما فى المخطوطة.

٥٢٨
تفسير سورة البقرة : ٢٦٤
قال ابن جريج فى قوله: (( لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى))، قال: يمنّ
بصدقته ويؤذيه فيها حتى يبطلها .
٦٠٤٦ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله:
(( ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى))، فقرأ: ((يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم
بالمن والأذى)) حتى بلغ ((لا يقدرون على شىء مما كسبوا))، ثم قال : أترى الوابل
يدع من التراب على الصفوان شيئاً؟ فكذلك منُّك وأذاك، لم يدع مما أنفقت شيئاً .
وقرأ قوله: (( يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى))، وقرأ: ﴿وَمَا أَنْفَقْمُ.
٤٦/٣
مِنْ نَفَقَةٍ﴾، فقرأ حتى بلغ ﴿وَأَنْمُّْ لَا تَظْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: ٢٧٠ - ٢٧٢].(١)
٠
٠
القول فى تأويل قوله عز وجل (صَفْوَانِ﴾
قد بينا معنى ((الصفوان)) بما فيه الكفاية، (٢) غير أنا أردنا ذكر من قال
مثل قولنا فى ذلك من أهل التأويل .
٦٠٤٧ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثی أبى قال ، حدثنى عى قال ،
حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((كمثل صفوان))، كمثل الصفاة.
٦٠٤٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن
جويبر، عن الضحاك: ((كمثل صفوان))، والصفوان الصفا.
٦٠٤٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ،
عن أبيه ، عن الربيع مثله .
(١) ما فى المخطوطة والمطبوعة: ((وما أنفقتم من خير فلأنفسكم،، وهو حيلاً ظاهر، والصواب
أنه يعنى آيات سورة البقرة التى بينتها كما أثبتها .
(٢) انظر ما سلف قريباً ص: ٥٢٣ ،٥٢٤ والمراجع فى التعليق عليه.

٥٢٩
تفسير سورة البقرة : ٢٦٤
٦٠٥٠ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدى:
أما («صفوان))، فهو الحجر الذى يسمى ((الصَّفاة)).
٦٠٥١ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة مثله.
٦٠٥٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية ، عن
على، عن ابن عباس قوله: ((صفوان))، يعنى الحجر .
القول فى تأويل قوله عز وجل ﴿ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ)
قد مضى البيان عنه . (١) وهذا ذكر من قال قولنا فيه :
٦٠٥٣ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى: أما (( وابل)) ، فمطر شدید .
٦٠٥٤ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال، حدثنا أبو زهير ، عن
جويبر، عن الضحاك: ((فأصابه وابل))، والوابل المطر الشديد .
٦٠٥٥ - حدثنا بشرقال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة مثله .
٦٠٥٦ - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه، عن الربيع مثله.
القول فى تأويل قوله عز وجل ﴿ فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾
• ذكر من قال نحو ما قلنا فى ذلك :
٦٠٥٧ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
(١) انظر ما سلف قريباً ص : ٥٢٤
ج . (٣٤)

٥٣٠
تفسير سورة البقرة : ٢٦٤، ٢٦٥
السدى: ((فتركه صلداً))، يقول : نقياً.
٦٠٥٨ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال ،
· حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: ((فتركه صلداً))، قال : تركها نقية
لیس عليها شىء .
٦٠٥٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج قال ،
قال ابن جريج، قال ابن عباس، قوله: ((فتركه صلداً))، قال : ليس
علیه شىء .
٦٠٦٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن
جويبر، عن الضحاك: ((صلداً))، فتركه جَرْداً.
٦٠٦١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن قتادة: (( فتركه صلداً )) ، ليس عليه شىء .
٦٠٦٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية ،
عن على، عن ابن عباس: ((فتركه صلداً))، ليس عليه شىء .
القول فى تأويل قوله عز وجل ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَّلَهُمُ
أَبْتِفَآءُ مَرْضَاتِ اللهِ وَتَنْبِتَا مِّنْ أَنفُسِهِمْ)
قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه :: ((ومثل الذين ينفقون أموالهم»
فيصَّدَّقون بها، ويحملون عليها فى سبيل الله، ويقوُّون بها أهل الحاجة من الغزاة
والمجاهدين فى سبيل الله، وفى غير ذلك من طاعات اللّه، طلب مرضاته = (١).
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((طلب مرضاته، وتثبيتاً يعنى بذلك وتثبيتاً من أنفسهم يعنى لم)»

٥٣١
تفسير سورة البقرة : ٢٦٥
= ((وتثبيتاً من أنفسهم)) يعنى بذلك: وتثبيثاً لهم على إنفاق ذلك فى طاعة الله
وتحقيقاً، من قول القائل: ((ثَبِّتُّ فلاناً فى هذا الأمر)) - إذا صححت عزمه ،
وحققته ، وقویت فیه رأيه - (( أثبته تثبيتاً))، كما قال ابن رواحة:
فَثَبَّتَ اللهُ مَاَ آتَكَ مِنْ حَسَنِ تَذْبِيتَ مُوسَى، وَنَصْرًا كَالَّذِىِ نُصِرُوا(٣)
٠
وإنما عنى الله جل وعز بذلك: أنّ أنفسهم كانت موقنة مصدقة بوعد الله
إياها فيما أنفقت فى طاعته بغير منّ ولا أذى، فثبتّتْهم فى إنفاق أموالهم ابتغاء مرضاة
الله، وصححت عزمهم وآراءهم، (٣) يقيناً منها بذلك، (٤) وتصديقاً بوعد الله إياها
ما وعدها. ولذلك قال من قال من أهل التأويل فى قوله: ((وتثبيتاً))، وتصديقاً -
ومن قال منهم: ويقيناً = لأن تثبيت أنفس المنفقين أموالهم ابتغاء مرضاة الله إياهم، (٥)
إنما كان عن يقين منها وتصديق بوعد الله .
• ذكر من قال ذلك من أهل التأويل :
٦٠٦٣ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى قال ، حدثنا سفيان ، عن أبى
موسى، عن الشعبى: ((وتثبيتاً من أنفسهم)) ، قال : تصديقاً ويقيناً .
٤٧/٣
وهو كلام مختل، والظاهر أن الناسخ لجلج فى كتابته فأعاد وكرر، فحذفت (( وتثبيتاً يعنى بذلك )»
وأضفت ((بذلك وتثبيتا)) بعد: ((يعنى)) الثانية التى بقيت.
(٢) سيرة ابن هشام ٤: ١٦، وابن سعد ٨١/٢/٣، والمختلف والمؤتلف للآمدى: ١٢٦
والاستيعاب١: ٣٠٥، وطبقات فحول الشعراء: ١٨٨، من أبيات يثى فيها على رسول رب العالمين.
وروى الآمدى وابن هشام الشطر الثانى ((فى المرسلين ونصراً كالذى نصروا)). ولما سمع رسول الله صلى الله
عليه وسلم هذا البيت، أقبل عليه بوجهه مبتسما وقال: ((وإياك فثبت الله)).
(٣) فى المخطوطة: ((فيثبتهم فى إنفاق أموالهم ... ))، وهو سهو من الناسخ، أو خطأ فى
قراءه النسخة التى نقل عنها. وفى المطبوعة: ((فثبتهم .. وصمح عزمهم))، فغير ما فى المخطوطة، وجعل
(مجمحت))، ((صحح))، لم يفهم ما أراد الطبرى . وانظر التعليق التالى .
(٤) فى المطبوعة: ((وأراهم))، ومثلها فى المخطوطة، والصواب ((وآراءهم)) كما أثبتها. يعنى
أن نفوسهم صصحت عزمهم وآراءهم فى إنفاق أموالهم. وهذا ما يدل عليه تفسير الطبرى. اقولهم ((ثبت فلاناً
فى الأمر))، كما سلف منذ قليل .
(٥) ((إياهم)) مفعول المصدر (( تثبيت)»، أى أن أنفسهم ثبتهم فى الإنفاق

٥٣٢
تفسير سورة البقرة : ٢٦٥
. ٦٠٦٤ - حدثنا أحمد بن إسحق الأهوازی قال، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا
سفيان، عن أبى موسى، عن الشعبى: ((وتثبيتاً من أنفسهم))، قال : وتصديقاً
من أنفسهم، ثبات ونُصْرة .
٦٠٦٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: ((وتثبيتاً من أنفسهم))، قال : يقيناً من أنفسهم .
قال : التثبيت اليقين .
٦٠٦٦ - حدثنى يونس قال، حدثنا على بن معبد ، عن أبى معاوية ، عن
إسماعيل، عن أبى صالح فى قوله: (( وتثبيتاً من أنفسهم))، يقول : يقيناً من
عند أنفسهم .
٠٠
وقال آخرون : معنى قوله: (( وتثبيتاً من أنفسهم ))، أنهم کانوا یتثبتون فى
الموضع الذى يضعون فيه صدقاتهم .
• ذكر من قال ذلك :
٦٠٦٧ -حدثنا محمدبن بشار قال،حدثنا مؤملقال،حدثنا سفيان، عنابن
أبى نجيح، عن مجاهد: ((وتثبيتاً من أنفسهم))، قال: يتثبتون أين يضعون أموالهم .
٦٠٦٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، حدثنا ابن المبارك،
عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد: ((وتثبيتاً من أنفسهم))، فقلت له : ما ذلك
التثبيت ؟ قال : يتثبتون أين يضعون أموالهم .
٦٠٦٩ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن عثمان بن الأسود ، عن
مجاهد: ((وتثبيتاً من أنفسهم )) ، قال : كانوا يتثبتون أين يضعونها .
٦٠٧٠ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن على بن على بن رفاعة ،
عن الحسن فى قوله: ((وتثبيتاً من أنفسهم))، قال : كانوا يتثبتون أين يضعون
أموالهم - يعنى زكاتهم .

٥٣٣
تفسير سورة البقرة : ٢٦٥
٦٠٧١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا سويد قال ، حدثنا ابن المبارك ، عن
على بن على قال: سمعت الحسن قرأ: ((ابتغاء مرضاة الله وتثبيتاً من أنفسهم))،
قال: كان الرجل إذا همّ بصدقة تثبّت، فإن كان اللّه مضى، وإن خالطه شك
أمسك .
قال أبو جعفر: وهذا التأويل الذى ذكرناه عن مجاهد والحسن، تأويل بعيد
المعنى مما يدل عليه ظاهر التلاوة. وذلك أنهم تأولوا قوله: ((وتثبيتاً من أنفسهم )» ،
بمعنى: ((وتثبُّتاً))، فزعموا أنّ ذلك إنما قيل كذلك، لأنّ القوم كانوا يتثبتون
أين يضعون أموالهم. ولو كان التأويل كذلك لكان: ((وتثبتاً من أنفسهم)).
لأن المصدر من الكلام كان على ((تفعَّلت)) ((التفعّل))، (١) فيقال: ((تكرمت
تكرماً))، و((تكلمت تكلماً))، وكما قال جل ثناؤه: ﴿أُوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوْفٍ)
[سورة النحل: ٤٧]، من قول القائل: ((تخوّف فلان هذا الأمر تخوّفاً)).
فكذلك قوله: ((وتثبيتاً من أنفسهم))، لو كان من ((تثبّت القومُ فى وضع صدقاتهم
مواضعها))، لكان الكلام: (وتثبُّتاً من أنفسهم))، لا ((وتثبيتاً)). ولكن
معنى ذلك ما قلنا: من أنه: وتثبيتٌ من أنفس القوم إياهم ، بصحة العزم واليقين
بوعد الله تعالى ذكره .
٠
فإن قال قائل: وما تنكر أن يكون ذلك نظيرَ قول الله عز وجل: ﴿وَتَبَتَّلْ
إِلَيْهِ تْتِيلاً﴾ [سورة المزمل: ٨]، ولم يقل: ((تبثُّلاً)).
قيل: إن هذا مخالف لذلك. وذلك أنّ هذا إنما جاز أن يقال فيه: (( تبتيلا))
لظهور ((وتبشِّل إليه))، فكان فى ظهوره دلالةٌ على متروك من الكلام الذى منه
(١) فى المطبوعة: ((إن كان على تفعلت))، وأثبت ما فى المخطوطة، وعبارة الطبرى عربية
محكمة ، بمعنى : لأن المصدر من الكلام الذى كان ... )»

٥٣٤
تفسير سورة البقرة : ٢٦٥
قيل: ((تبتيلا)). وذلك أن المتروك هو: تبتل فيبتلك الله إليه تبتيلاً. وقد تفعل
العرب مثلَ ذلك أحياناً : تخرج المصادر على غير ألفاظ الأفعال التى تقدمتها ،
إذا كانت الأفعال المتقدمة تدل على ما أخرجت منه ، كما قال جل وعز :
﴿وَلْهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتَ﴾ [سورة نوح: ١٧]، وقال: ﴿فَأَنْبَتَهَا نَبَتً
حَسَناً﴾ [سورة آل عمران: ٣٧]. و((النبات)) مصدر ((نبت)). وإنما جاز ذلك لمجىء
(أنبت))، قبله، فدل على المتروك الذى منه قيل ((نباتاً)). والمعنى: ((والله أنبتكم
فنبتم من الأرض نباتاً)). وليس [فى] قوله: ((وتثبيتاً من أنفسهم))، كلام يجوز
أن يكون متوهماً به أنه معدول عن بنائه، (١) ومعنى الكلام: ((ويثبتون فى وضع
الصدقات مواضعها))، فيصرف إلى المعانى التى صرف إليها قوله: ((وتبتَّل إليه
تبتيلاً))، وما أشبه ذلك من المصادر المعدولة عن الأفعال التى هى ظاهرة قبلها.
٠
٠
وقال آخرون: معنى قوله: (( وتثبيتاً من أنفسهم))، واحتساباً من أنفسهم.
• ذكر من قال ذلك :
٦٠٧٣ - حدثنا بشرقال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
((وتثبيتاً من أنفسهم))، يقول: احتساباً من أنفسهم . (٢)
٤٨/٣
قال أبو جعفر: وهذا القول أيضاً بعيد المعنى من معنى ((التثبيت))، لأن
((التثبيت)) لا يعرف فى شىء من الكلام بمعنى ((الاحتساب))، إلاّ أن يكون أراد
مفسِّرُهُ كذلك: أن أنفس المنفقين كانت محتسبة فى تثبيتها أصحابها . فإن كان ذلك
کان عنده معنی الکلام،فلیس الاحتساب بمعنی حينئذ التثبيت، فيترجم عنه به .
(١) فى المطبوعة: ((وليس قوله ... كلاماً يجوز)) بالنصب، وفى المخطوطة: ((وليس قوله ...
كلام يجوز) بالرفع، وظاهر أن الصواب ما أثبت من زيادة: ((فى)، بمعنى أنه ليس فى الجملة فعل
سابق یتوهم به أن المصدر معدول به عن بنائه .
(٢) سقط من الترقيم سهوا رقم: ٦٠٧٣

٥٣٥
تفسير سورة البقرة : ٢٦٥
كَمَثَل جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهاَ وَابِلٌ
القول فى تأويل قوله تعالى
فَنَّاتَتْ أَكْلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِ لَّ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌ﴾
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل وعز : ومثل الذين ينفقون أموالهم فيتصدقون
بها وُيُسبِّلُونها فى طاعة الله بغير منّ على من تصدقوا بها عليه، ولا أذى منهم لهم بهاء
ابتغاء رضوان اللّه وتصديقاً من أنفسهم بوعده = ((كمثل جنة)).
٠٠٠
((والجنة)) البستان. وقد دللنا فيما مضى على أن ((الجنة)) البستان، بما فيه الكفاية
من إعادته .(١)
= (برَبْوة))، و((الرَّبوة)) من الأرض ما نشز منها فارتفع عن السيل. وإنما وصفها
بذلك جل ثناؤه، لأن ما ارتفع عن المسايل والأودية أغلظ ، وجنان ما غلُظ من
الأرض أحسنُ وأزكى نمراً وغرساً وزرعاً، مما رقّ منها، ولذلك قال أعشى بنى ثعلبة
فی وصف روضة :
خَضْرَاء جَادَ عَلَيْهَا مُسْبِلٌ حَطِلُ(٣)
مَاَ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الحَزْنِ مُعْشِبَةٌ
(١) انظر ما سلف ١ : ٢٨٤.
(٢) ديوانه: ٤٣، وسيأتى هو والأبيات التى تليه فى التفسير ٢١: ١٩ (بولاق)، من قصيدته
البارعة المشهورة . يصف شذا صاحبته حين تقوم :
وَالزَّنْبَقُ الوَرْدُ مِن أَرْدَانَها تَمِلُ
إِذَا تَقُومُ يَضُوعُ لِسْكُ أَصْوِرَةً
خَضْرَاء جَدَ عَلَيْهَا مُسْبِلٌ مَطِلُ
مَاَ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الحَزْنِ مُعْشِبَةٌ
مُؤَدَّرٌ بَعَسَمِ النِّبْتِ مُكْتَِّلُ
يُضَحِكُ الشَّمْسَ مِنْهَاَ كَوْكَبُ شَرِقُ
وَلَّا بِأَحْسَنَ مِنْهَاَ إِذْ دَنَ الْأَصُلُ
يَوْمًا بِأَطْيَبَ مِنْهَاَ نَشْرَ رَائحةٍ
ضاع المسك يضوع ، وتضوع: تحرك وسطح وانتشرت رائحته. وأصورة جمع صوار: وهو وماء
المسك، أو القطعة منه. والورد: الأحر، وهو أجود الزئبق. وشمل: شامل، عدل به من ((فاعل))
إلى ((فعل)). والحزن: موضع فى أرض بنى أسد وبى يربوع، وهو أرضى غليظة كثيرة الرياض مرعة،
وهو مربع من أسجل مرابع العرب . مسبل: مرسل مامه على الأرض. عطل: متفرق غزير دام =

٥٣٦
تفسير سورة البقرة : ٢٦٥
فوصفها بأنها من ریاض الحزن ، لأن الخزون غروسها ونباتها أحسن وأقوى
من غروس الأودية والتلاع وزروعها .
وفى ((الربوة)) لغات ثلاث، وقد قرأ بكل لغة منهنّ جماعة من القرأة . وهى
((رُبوة)) بضم ((الراء))، وبها قرأت عامة قرأة أهل المدينة والحجاز والعراق.
و((رَبَوة)) بفتح ((الراء))، وبها قرأ بعض أهل الشام وبعض أهل الكوفة ، ويقال
إنها لغة لتميم . و ((ربوة)) بکسر ((الراء )» وبها قرأ - فیا ذکر - ابن عباس.
٠
قال أبو جعفر : وغير جائز عندى أن يقرأ ذلك إلا بإحدى اللغتين: إما بفتح ((الراء))،
وإما بضمها . لأن قراءة الناس فى أمصارهم بإحداهما. وأنا لقراءتها بضمها أشدّ إيثاراً
منى بفتحها ، لأنها أشهر اللغتين فى العرب. فأما الكسر ، فإنّ فى رفض القراءة به ،
دلالةٌ واضحة على أن القراءة به غير جائزة .
٠٠٠
وإنما سميت ((الربوة))، لأنها ((ربت))، فغلظت وعلت، من قول القائل:
(( ربا هذا الشىء يربو))، إذا انتفخ فعظُ.
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل
• ذكر من قال ذلك :
٦٠٧٤ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: ((كمثل جنة بربوة))، قال :
الربوة المكان الظاهرُ المستوى .
والكوكب : النور والزهر ، يلمع كأنه كوكب . شرق : ريان، فهو أشد لبريقه وصفاته.
مؤزر: قد صار عليه النبات كالإزار يلبسه اللابس، تغعلى الخضرة أعواده . وفيت ميم: تم وطال والتف.
واكتهل النور: بلغ منتهى نمائه، وذلك أحسن له . يقول: ما هذه الروضة التى وصف من زهرها وفباتها
ما وصف ... بأطيب من صاحبته إذا قامت فى أول يومها، حين تتغير الأفواء والأبدان من رغم النوم.
والأصل جمع أصيل : وهو وقت العشى، حين تفتّر الأبدان من طول تعب يومها ، فيفسد رائحتها الجهد
والعرق .

٥٣٧
تفسير سورة البقرة : ٢٦٥
٦٠٧٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر قال ، قال مجاهد : هى الأرض المستوية المرتفعة .
٦٠٧٦ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
((كمثل جنة بربوة))، يقول: بنشر من الأرض.
٦٠٧٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسمق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن
جويبر، عن الضحاك، ((كمثل جنة بربوة))، والربوة: المكان المرتفع الذى
لا تجرى فيه الأنهار ، (١) والذى فيه الجنان .
٦٠٧٨ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى قوله: ((بربوة))، برابية من الأرض .
٦٠٧٩ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيع: ((كمثل جنة بربوة))، والربوة النشر من الأرض .
٦٠٨٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثى حجاج قال ،
قال ابن جريج، قال ابن عباس: ((كمثل جنة بربوة))، قال : المكان المرتفع
الذى لا تجرى فيه الأنهار .
وكان آخرون يقولون : هى المستوية .
• ذكر من قال ذلك :
٦٠٨١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن الحسن فى قوله ((كمثل جنة بربوة))، قال: هى الأرض المستوية
الی تعلو فوق المياه .
قال أبو جعفر: وأما قوله: (( أصابها وابل )) ، فإنه یعنی جل ثناؤه : أُصاب
(١) فى المخطوطة: ((الذى تجرى فيه الأنهار))، وأثبت ما فى المطبوعة، لأنه موافق ما فى الدر
المنشور ١: ٣٣٩، ولأنه هو صواب المعنى، ولأنه سيأتى على الصواب بعد قليل فى الأثر: ٦٠٨٠.

٠٣٨
تفسير سورة البقرة : ٢٦٥
الجنة التى بالربوة من الأرض ، وابلٌ من المطر، وهو الشديد العظيم القطر منه.(١)
...
وقوله: ((فآتت أكلها ضعفين))، فإنه يعنى الجنة: أنها أضعف ثمرها ضعفين
حين أصابها الوابل من المطر .
#
٠
((والأ كل)) هو الشىء المأكول، وهو مثل (الرُّعْب والهُزْء))، (٢) وما أشبه ذلك
من الأسماءالتى تأتى على ((فُعْل)). وأما ((الأكل)) بفتح ((الألف)))) وتسكين
((الكاف))، فهو فِعْل الآكل، يقال منه: ((أكلت أكلا، وأكلتُ أكلة
واحدة))، كما قال الشاعر: (٣)
٩/٣؛
وَمَا أَعْلَةٌ إِن ◌ِلْتُهَا بِغَنِيْمَةٍ، وَلَا جَوْعَةٌ إِن جُعْتُهَا بِغَرَام(٤)
ففتح ((الألف))، لأنها بمعنى الفعل . ويدلك على أن ذلك كذلك قوله :
(((ولا جَوْعة))، وإن ضُمت ((الألف) من ((الأكلة)) كان معناه: الطعام الذى
أكلته ، فيكون معنى ذلك حينئذ : ما طعام أكلته بغنيمة .
٠٠
(١) انظر تفسير ((وابل)) فيما سلف قريباً ص : ٥٢٤.
(٢) فى المطبوعة: ((والهده))، وأثبت ما فى المخطوطة. ولم يشر الطبرى إلى ضم الكاف فى
((الأكل)) وهى قراءتنا فى مصحفنا.
(٣) أبو مضرس النهدى.
(٤) حماسة الشجرى: ٢٤، من أبيات جياد، وقبله، بروايته، وهى التى أثبتها:
وَإِى لَمِنْ قَومٍ إِذَا حَرَ بُوا الْعِدَى سَوْا فَوْقَ جُرْدٍ لَِّنِ كِرامٍ
وَإِنِى إِذَا مَاَ القُوْتُ قَلَّ لَمُؤْثِرٌ*
رَفِقِى عَلَى نَفْسِى بِجُلِّ طَعَمِى
فَمَا أَْلَةٌ إِنْ ◌ِلْتُهَا بَغَنِمَةٍ
وكان فى المطبوعة: ((وما أكلة أكلتها))، وفى المخطوطة: ((وما أكله إن أكلتها))، وظاهر أن
الناخ أخطأ فوضع (أكلتها)) مكان ((فلتها))، وإن كان كلام الطبرى فى شرح البيت يوهم أنه
روايته: ((وما أكلته أكلتها ... )). وقوله: ((بغرام»، أى بعذاب شديد. والغرام: اللازم من البذاب
والشر الدائم .
:

٥٣٩
تفسير سورة البقرة : ٢٦٥
وأما قوله: ((فإن لم يصبها وابل فطلّ))، فإن ((الطل))، هو النَّدَى،
والليِّن من المطر ، كما : -
٦٠٨٢ - حدثنا عباس بن محمد قال، حدثنا حجاج قال ، قال ابن جريج :
((فطل))، ندى = عن عطاء الخراسانى ، عن ابن عباس .
٦٠٨٣ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى: أما ((الطل))، فالندى.
٦٠٨٤ - حدثنا بشر قال حدثنايزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
(( فإن لم يصبها وابل فطل » ، أى طشّ .
٦٠٨٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسمق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن
جويبر، عن الضحاك: ((فطل))، قال: الطل الرذاذ من المطر، يعنى الليِّن منه.
٦٠٨٦ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيع: ((فطل))، أى طش".
قال أبو جعفر : وإنما يعنى تعالى ذكره بهذا المثل : كما ضعَّفتُ ثمرة هذه
الجنة التى وصفتُ صفتها حين جاد الوابل ، فإن أخطأ هذا الوابل ، فالطل كذلك.
يضعِّف اللّه صَدقة المتصدّق والمنفق ماله ابتغاء مرضاته وتثبيتاً من نفسه ، من غير
منّ ولا أذى، قلَّت نفقته أو كثرت ، لا تخيب ولا تُخلِف نفقته، كما تضعَّف
الجنة التى وصف جل ثناؤه صفتها، قَلَّ ما أصابها من المطر أو كثُر، لا يخلِف
خيرُها بحال من الأحوال .
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال جماعة أهل التأويل .
، ذكر من قال ذلك :
٦٠٨٧ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط ، عن السدى
قوله: ((فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل))، يقول: كما أضعفتُ

٠٤٠
تفسير سورة البقرة : ٢٦٥
ثمرة تلك الجنة، فكذلك تُضاعف ثمرة هذا المنفق ضعفين .
٦٠٨٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة :
(( فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل))، هذا مثل ضربه اللّه لعمل المؤمن،
يقول : ليس لخيره خُلْف، كما ليس لخير هذه الجنة خُلْف على أيّ حال ،
إمَّا وابلٌّ، وإمَّا طلّ.
٦٠٨٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن
جويبر ، عن الضحاك قال : هذا مثل من أنفق ماله ابتغاء مرضاة الله.
٦٠٩٠ - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيع قوله: (( الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله)) الآية ، قال: هذا مثل
ضربه الله لعمل المؤمن .
فإن قال قائل: وكيف قيل: ((فإن لم يصبها وابل فطل))، وهذا خبرٌ عن
أمر قذ مضى ؟
قيل: يراد فيه ((كان)). ومعنى الكلام : فآتت أكلها ضعفين ، فإن لم يكن
الوابلُ أصابها، أصابها طل. وذلك فى الكلام نحو قول القائل: (( حبستفرسین،
فإن لم أحبس اثنين فواحدًا بقيمته))، بمعنى: ((إلا أكن )) - لا بدَّ من إضمار
((كان))، لأنه خبر. (١) ومنه قول الشاعر: (٢)
إِذَا مَا أَنْتَسَبْنَ لَمَ تَلِفِىِ لَئِيَةٌ وَلَمْ تَجِدِى مِنْ أَنْ تُقْرِى بِهَبَدًّا(٣)
(١) هذا كله فى معانى القرآن للفراء ١ : ١٧٨.
(٢) زائدة بن صعصعة الفقعسى .
(٣). سلف تخريجه وبيانه فى ٢ : ١٦٥، ٣٥٣.