Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
تفسير سورة البقرة : ٢٤٤.
ثم قال تعالى ذكره لهم: واعلموا، أيها المؤمنون، أن ربكم ((سميع)) لقول من
يقول من منافقيكم لمن قتل منكم فى سبيلى: لو أطاعونا فجلسوا فى منازلهم ما
قتلوا = ((عليم)) بما تجنُّهُ صدورهم من النفاق والكفر وقلة الشكر لنعمتى عليهم، (١)
وآلائى لديهم فى أنفسهم وأهليهم ، ولغير ذلك من أمورهم وأمور عبادى .
يقول تعالى ذكره لعباده المؤمنين : فاشكرونى أنتم بطاعتى فيما أمرتكم من
جهاد عدوكم فى سبيلى ، وغير ذلك من أمری ونهى، إذ كفر هؤلاء نعمى .
واعلموا أن الله سميع لقولهم ، وعليم بهم وبغيرهم وبما هم عليه مقيمون من الإيمان
والكفر ، والطاعة والمعصية ، محيطٌ بذلك كله ، حتى أجازى كلاً بعمله، إن
خيراً فخيراً ، وإن شرًّا فشرًا .
٠٠
قال أبو جعفر: ولا وجه لقول من زعم أن قوله: ((وقاتلوا فى سبيل اللّه))،
أمرٌ من الله الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف بالقتال ، بعد ما أحياهم . لأن قوله :
((وقاتلوا فى سبيل اللّه))، لا يخلو - إن كان الأمر على ما تأوَّلوه - من أحد
أمور ثلاثة :
= إما أن يكون عطفاً على قوله: ((فقال لهم الله موتوا))، وذلك من المحال أن
يميتهم ، ويأمرهم وهم موتى بالقتال فى سبيله .
. = أو يكون عطفاً على قوله: ((ثم أحياه))، وذلك أيضاً مما لا معنى له . لأن
قوله: ((وقاتلوا فى سبيل الله))، أمر من الله بالقتال، وقوله: ((ثم أحياهم))،
خبر عن فعل قد مضى . وغير فصيح العطفُ بخبر مستقبل على خبر ماض، لو
كانا جميعاً خبرين ، لاختلاف معنيهما . فكيف عطف الأمر على خبر ماض ؟
= أو يكون معناه: ثم أحياهم وقال لهم قاتلوا فى سبيل الله، ثم أسقط (( القول ))،
(١) فى المطبوعة: (( بما تخفیه صدورهم))، وأثبت ما فى الخطوطة . وأجن الشىء: ستره و کتمه .
وأعفاء .

٢٨٢
تفسير سورة البقرة : ٢٤٥،٢٤٤
كما قال تعالى ذكره: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِالْمُجْرِمُون نَاكِسُورُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَاَ
أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ [سورة السجدة: ١٢]، بمعنى يقولون: ربنا أبصرنا وسمعنا.
وذلك أيضاً إنما يجوز فى الموضع الذى يدل ظاهر الكلام على حاجته إليه ، ويفهم
السامع أنه مرادٌ به الكلام وإن لم يذكر. فأما فى الأماكن التى لا دلالة على حاجة
الكلام إليه ، فلا وجه لدعوى مدّع أنه مراد فيها .
القول فى تأويل قوله ﴿مَّنْ ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اللهَ قَرْضَاً حَسَنَا فَيُضَفِفَهُ
لَهُ أَضْمَاَفاً كَثِيرَةً).
قال أبو جعفر : يعنى تعالى ذكره بذلك : من هذا الذى ينفق فى سبيل الله ،
فيُعين مُضعِفاً، (١) أو يُقوِّى ذافاقة أراد الجهاد فى سبيل الله، ويعطى منهم
مقتراً ؟ وذلك هو القرض الحسن الذى يقرض العبدُ ربَّه.
وإنما سماه اللّه تعالى ذكره ((قرضاً))، لأن معنى ((القرض)) إعطاء الرجل
غيره ماله مملِّكاً له، ليقضيه مثله إذا اقتضاه . فلما كان إعطاءُ من أعطى أهلَ
الحاجة والفاقة فى سبيل الله، إنما يعطيبهم ما يعطيهم من ذلك ابتغاء ما وعده الله
عليه من جزيل الثواب عنده يوم القيامة، سماه ((قرضاً))، إذ كان معنى ((القرض))
فى لغة العرب ما وصفنا ..
وإنما جعله تعالى ذكره ((حَسناً))، لأن المعطى يُعطى ذلك عن ندب الله
٢٧١/٢ إياه وحثّه له عليه، احتساباً منه. فهو لله طاعة، وللشيطان معصية. (٢) وليس
(١) أضعف الرجل فهو مضعف: ضعفت دابته ، يعينه بإبداله دابة غيرها.
(٢) فى المطبوعة: ((والشياطين معصية))، وفى المخطوطة: ((والسلطان))، وهو سهو من الناسخ.

٢٨٣
تفسير سورة البقرة : ٢٤٥
ذلك لحاجة باللّه إلى أحد من خلقه، ولكن ذلك كقول العرب: «عندى لك
قَرْضُ صِدْق، وقرْضُ سَوْءٍ))، للأمر تأتى فيه للرجل مسرَّته أو مساءته، (١)
كما قال الشاعر : (٢)
كُلُّ أَمْرِى سَوْفَ يُجْزَى قَرْضَهُ حَسَناً أَوْسَّيَِّ، ومَدِيناً بِالَِّى دَانَ(٣)
٠ ٠
فقرض المرء : ما سلف من صالح عمله أو سيئه . وهذه الآية نظيرة الآية التى
قال فيها تعالى ذكره: (٤) ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُون أَمْوَالَهُمْ فِى سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ
حَّةٍ أَنْبَتْ سَبْعَ سَائِلَ فِى كُلِّ سُفْلَةٍ مِنَةُ حَّةٍ وَاللهِ يُضَاعُِ لِمِّنْ يَنَاء
وَأَلُهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [ سورة البقرة: ٢٦١].
٠٠٠
وبنحو الذى قلنا فى ذلك كان ابن زيد يقول :
٥٦١٧- حدثی یوتس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((من ذا الذى يقرض الله قرضاً حسناً))، قال: هذا فى سبيل الله =(فيضاعفه
له أضعافاً كثيرة)) ، قال : بالواحد سبعمئة ضعف .
٠٠ ٥٦١٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرناعبدالرزاق قال، أخبرنا معمر،
عن زيد بن أسلم قال: لما نزلت: (( من ذا الذى يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه
له أضعافاً كثيرة)»، جاء ابن الدحداح إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: يا غبى اللّه،
ألا أرى ربنا يستقرضنا؟ إنما أعطانا لأنفسنا! وإنّ لى أرضين: إحداهما بالعالية،
والأخرى بالسافلة، وإنى قد جعلت خيرهما صدقة ! قال : فكان النبي صلى الله
(١) فى المطبوعة ((يأتى فيه الرجل ... "، وفى المخطوطة: ((مانى فيه الرجل)) غير منقوطة،
ونقل أبو حيان فى تفسيره ٢: ٢٤٨ هذا القول عن الأخفش، وقصه: ((لأمر تأتی سرته أو صباته» ،
ولكنى استظهرت قرامتها كما أثبت ، فجميع ما مضى تحريف .
(٢) هو أمية بن أبي الصلت .
(٣) ديوانه: ٦٣، والسمان (قرض)، وروايته (أو مديناً مثل ما دانا))، وفى الديوان:
كالنی دانا)» .
(٤) فى المطبوعة: ((قال ان فيها تعالى ذكره))، وأثبت ما فى الخطوة.

٢٨٤
تفسير سورة البقرة : ٢٤٥
عليه وسلم يقول: كم من عَذْق مُذلَّل لابن الدحداح فى الجنة! (١)
٥٦١٩ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة: أن رجلاً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع بهذه الآية قال: (( أنا
أقرض الله))، فعمد إلى خير حائط له فتصدق به . قال ، وقال قتادة : يستقرضكم
ربكم كما تسمعون، وهو الولى الحميد ويستقرض عباده. (٢)
٥٦٢٠ - حدثنا محمد بن معاوية الأنماطى النيسابورى قال، حدثنا خلف
ابن خليفة ، عن حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث ، عن عبد الله بن مسعود
قال: لما نزلت: ((من ذا الذى يقرض اللّه قرضاً حسناً))، قال أبو الدحداح:
(١) الحديث: ٥٦١٨ - هذا حديث مرسل، فهو ضعيف الإسناد، لأن زيد بن أسلم تابعى،
ولم يذكر من حدثه به من الصحابة .
والحديث ثابت فى تفسير عبد الرزاق، ص : ٣١ ( مخطوط مصور )، عن معمر ، به.
وهو عند السيوطى ١: ٣١٢، ولم ينسبه لغير عبد الرزاق والطبرى.
وقد ذكر ابن كثير ١ : ٥٩٤ أن ابن مردويه روى نحو الحديث الآتى : ٥٦٢٠ ((من حديث
عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن عمر، مرفوعاً بنحوه)).
وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ضعيف جداً، كما بينافى: ١٨٥ - فلاقيمة لهذه الرواية.
وسيأتى عقب هذا حديث آخر مرسل بمعناه ، ثم : ٥٦٢٠، من حديث ابن مسعود. ونرجىء بيان
أصل القصة حتى نتحدث عنها هناك .
قوله ((ابن الدحداح)) و((لابن الدجاح)): هذا هو الثابت فى تفسير عبد الرزاق، وهو الذى أثبتناه
هنا. وفى المخطوطة - فيهما - ((الدحداحة)). وفى المطبوعة ((أبو الفحداح))، و((لأبى الدحداح)). وما فى
تفسير عبد الرزاق أرجح ، لأنه الأصل الذى روى عنه الطبرى .
قوله: ((إنما أعطانا لأنفسنا)): هو الثابت عند عبد الرزاق، وهو أجود. وكان فى المطبوعة ((مما))
بدل ((إنما)» .
((المفق)) (بفتح فسكون): النخلة. أما ((العذق)) - بكسر العين: فهو عربيجون النخلة.
و((المذلل)) - بفتح اللام الأولى مشددة: الذى قد دليت عناقيد، حتى يسهل اجتناه ثمرته، لدفوها
من قاطفها .
(٢) الحديث: ٥٦١٩ - وهذا مرسل أيضاً، فهو ضعيف الإسناد، وآخره موقوف من كلام قتادة.
وذكره السيوطى ١: ٣١٢، ونسبه لعبد بن حميد، وابن جرير، فقط. ولم يذكر كلام قتادة
فی آخره .
فى المخطوطة: ((ويسعر عباده)»، هكذا غير معجعة ولا مبينة، وتركت ما فى المطبوعة على حاله،
فهو فى سياقة المعنى. والأثر فى الدر المنثور ١: ٣١٢، ولكنه أسقط هذه الجملة الأخيرة عن قتادة.

٢٨٥
تفسير سورة البقرة : ٢٤٥
يا رسول الله، أو إن الله يريد منا القرض؟! قال: نعم يا أبا الدحداح! قال:
يدك! قال: (١) فناوله يده، قال : فإنى قد أقرضتُ ربى حائطى ، حائطاً فيه
ستمئة نخلة . ثم جاء يمشى حتى أتى الحائط وأمُّ الدحداح فيه فى عيالها، فناداها:
يا أم الدحداح ! قالت : لبيك ! قال : اخرجى ! قد أقرضتُ ربى حائطاً فيه
ستمئة نخلة . (٢)
(١) فى المطبوعة: ((قال: يدك قبل، فناوله))، وفى المخطوطة: ((يدك قيل)) ثم وضع ألفاً
على رأس الياء بعد القاف، كأن أراد أن يجعلها ((قال)) كما أثبتها ورجحتها، لنص مجمع الزوائد
٩ : ٣٢٤: ((قال: أرنا يدك . قال: فناوله يده)).
(٢) الحديث: ٥٦٢٠ - وهذا إسناد ضعيف جداً.
محمد بن معاوية بن يزيد الأنماطى - شيخ الطبرى: ثقة مترجم فى التهذيب، وتاريخ بغداد ٣ :
٢٧٤ - ٢٧٥ .
خلف بن خليفة بن صاعد الأشجعى : ثقة ، تغير فى آخر عمره ، مات نحو سنة ١٨١، وهو
ابن ١٠١ سنة، وقد فصلنا القول فى ترجمته فى المسند : ٥٨٨٥.
حميد الأعرج الكوفى القاص: هو حميد بن على، على ما جزم به البخارى فى الكبير ٣٥١/٢/١،
والضعفاء، ص: ٩. ويقال: ((حميد بن عطاء))، وهو الذى جزم به ابن أبى حاتم ٢٢٦/٢/١ -
٢٢٧، وابن حبان فى كتاب المجروحين، رقم: ٢٦٥. وهو ضعيف جداً. قال البخارى: ((منكر
الحديث)). وقال أبو حاتم: ((ضعيف الحديث، منكر الحديث، قد لزم عبد الله بن الحارث عن
ابن مسعود، ولا يعرف لعبد الله بن الحارث، عن ابن مسعود شىء!)). وقال ابن حبان: ((يروى عن
عبد الله بن الحرث عن ابن مسعود - نسخة كأنها موضوعة. لا يحتج بخيره إذا انفرد)).
عبد الله بن الحارث الزبيدى النجرانى المكتب : ثقة . سبق فى ترجمة الراوى عنه قول أبى حاتم أنه
لا يعرف له شىء عن ابن مسعود. فالبلاء فى هذه الرواية من حميد الأعرج.
وهذا الحديث رواه أيضاً ابن أبى حاتم ، عن الحسن بن عرفة ، عن خلف بن خليفة ، بهذا الإسناد .
على ما فقله عنه ابن كثير ١ : ٥٩٣ - ٥٩٤.
وذكره السيوطى ١ : ٣١٢، وزاد نسبته لسعيد بن منصور، وابن سعد، والبزار ، وابن المنذر ،
والحكيم الترمذى فى نوادر الأصول ، والطبرانى ، والبيهقى فى شعب الإيمان .
وذكره الهيشى فى مجمع الزوائد ٦: ٣٢٠، بنحوه. وقال: ((رواه البزار، ورجاله ثقات)).
ثم ذكره مرة أخرى ٩: ٣٢٤، بلفظ آخر نحوه. وقال: ((رواه أبو يعلى، والطبرانى،
و رجالها ثقات . ورجال أبي يعلى رجال الصحيح )) .
هكذا قال الهيشمى فى الموضعين. وليس عندى إسناد من الأسانيد التى نسبه إليها ، ولا الكتب
التى ذكرها السيوطى، إلا ابن سعد. ولم أجده فيه، لأن النسخة المطبوعة من طبقات ابن سعد تنقص
كثيراً من الكتاب ، كما هو معروف .

٢٨٦
تفسير سورة البقرة : ٢٤٥
وأما قوله: ((فيضاعفه له أضعافاً كثيرة))، فإنه عِدَةً من اللّه تعالى ذكره
مُقْرضَه ومنفقَ ماله فى سبيل الله من إضعاف الجزاء له على قرضه ونفقته، ما لا حدّ
له ولا نهاية ، كما : -
٥٦٢١ - حدثیموسی بن هرون قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ،
عن السدى: ((من ذا الذى يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة ))،
قال : هذا التضعيفُ لا يعلم أحدٌ ما هو .
وقد : -
٥٦٢٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال ، أخبرنا ابن المبارك،
عن ابن عيينة ، عن صاحب له يذكر عن بعض العلماء قال : إن الله أعطاكم
ولقصة أبى الدحداح أصل آخر صحيح، من حديث أنس، رواه أحمد فى المسند : ١٢٠٠٩ (٣:
١٤٦ حلبى)، بإسناد صحيح: ((عن أنس: أن رجلا قال: يا رسول اللّه، إنه لفلان فخلة، وأنا
أقيم حائطى بها ، فأمره أن يعطينى حتى أقيم حائطى بها ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أعطها إياه
بنخلة فى الجنة، فأبى، فأتاه أبو الدحداح، فقال: بعنى دخلتك بحائطى ! ففعل، فأتى النبي صلى الله
عليه وسلم ،، فقال : يا رسول الله، إنى قد ابتعت النخلة بحائطى، قال : فاجعلها له ، فقد أعطيتكها .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كم من حذق راح، لأبى الدحداح، فى الجنة. قالها مراراً، قال :
فأتى امرأته فقال : يا أم الدحداح، اخرجى من الحائط، فإنى قد بعته بنخلة فى الجنة . فقالت: ربح
البيع ، أو كلمة تشبهها)) .
وحديث أنس هذا فى مجمع الزوائد ٩ : ٣٢٣ - ٣٢٤. وقال: ((رواه أحمد، والطبرانى، ورجالها
رجال الصحيح)» . ووقع فى مطبوعة مجمع الزوائد سقط نحو سطر أثناء الحديث، يضحح من هذا الموضع .
وله أصل ثان صحيح. فروى مسلم فى صحيحه ١: ٢٦٤، عن جابر بن سمرة، قال: ((صلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابن الدحداح، ثم أتى بفرس عربى، فعقله رجل فركبه، فجعل يتوقص
به ، ونحن نتبعه نسعى خلفه، قال: فقال رجل من القوم: إن النبى صلى الله عليه وسلم قال: كم من
حذق معلق أو مدلى فى الجنة لابن الدحداح)). ((أو قال شعبة: لأبى الدحداح)).
و((أبو الدحداح)): هو ثابت بن الدحداح، أو ابن الدحداحة. ويكنى ((أبا الدحداح)). أو
(( أبا الدحداحة))، مترجم فى الإصابة ١: ١٩٩. ثم ترجمه فى الكنى ٧: ٥٧ - ٥٨، وذكر الخلاف
فى أنه واجد أو اثنان . ثم زعم أن الحق أن الثانى غير الأول ! واستدل بحديث نقله من رواية أبى نعيم ،
يدل على أن أبا الدحداح عاش إلى زمن معاوية . ثم أسرع إلى نقض ما استدل به ، بأن حديث أبي نعيم
ضعيف، وأن فى إسناده رجلا ((واهى الحديث)) !! فسقط الاستدلال به دون ريب.
الحائط بستان النخيل إذا كان عليه جدار يحيط به، فإن لم يكن عليه الحائط فهو ((ضاحية))

٢٨٧
تفسير سورة البقرة : ٢٤٥
الدنيا قرضاً، وسألكموها قرضاً ، فإن أعطيتموها طيبةً بها أنفسكم ، ضاعف لكم
ما بين الحسنة إلى العشر إلى السبعمئة ، إلى أكثر من ذلك . وإن أخذها منكم
وأنتم كارهون، فصبرتم وأحسنتم، كانت لكم الصلاة والرحمة، وأوجب لكم الهدى.(١)
٠
قال أبو جعفر: وقد اختلفت القرأة فى قراءة قوله: ﴿فَيُضَاعِفُهُ﴾ بالألف
ورفعه، بمعنى: الذى يقرض اللّه قرضاً حسناً فيضاعفه له = نسق ((يضاعف))
على قوله: (( یقرض)) .
وقرأه آخرون بذلك المعنى: ﴿فَيُضَعَّفُهُ)، غير أنهم قرأوه بتشديد ((العين))
وإسقاط ((الألف)).
...
وقرأه آخرون: ﴿فَيُضَاعِفَهُ له) بإثبات ((الألف)) فى ((يضاعف)) ونصبه ،
بمعنى الاستفهام. فكأنهم تأولوا الكلام: مَنِ المُقرضُ اللّه قرضاً حسناً فيضاعفه
له؟ فجعلوا قوله: ((فيضاعفه)) جواباً للاستفهام، وجعلوا: ((من ذا الذى يقرض
اللّه قرضاً حسناً))اسماً. لأن ((الذى ))وصلته، بمنزلة ((عمرو)) و((زيد)». فكأنهم
وجهوا تأويل الكلام إلى قول القائل: ((من أخوك فتكرمته))، لأن الأفصحَ فى جواب
الاستفهام بالفاء = إذا لم يكن قبله ما يعطف به عليه من فعل مستقبل = نَصْبُه
. . .
قال أبو جعفر: وأولى هذه القراءآت عندنا بالصواب، قراءةُ من قرأ: ﴿فَيُضَاعِفُه له ﴾
بإثبات ((الألف)). ورفع ((يضاعف)). لأن فى قوله: ((من ذا الذى يقرض الله
قرضاً حسناً)) معنى الجزاء. والجزاء إذا دخل فى جوابه ((الفاء))، لم يكن جوابه
(١) يريد قول الله تعالى فى [ سورة البقرة: ١٥٦، ١٥٧] ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ
قَالُوا إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوْتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ
وَأُولَئِكَ ◌ُ المُهْتَدُونَ﴾
(٢) انظر معانى القرآن الفراء ١ : ١٥٧.

٢٨٨٠
تفسير سورة البقرة : ٢٤٥
بـ((الفاء)) إلا رفعاً. فلذلك كان الرفع فى ((يضاعفه)) أولى بالصواب عندنا من النصب.
وإنما اخترنا ((الألف)) فى ((يضاعف)) من حذفها وتشديد ((العين))، لأن
ذلك أفصح اللغتين وأكثرهما على ألسنة العرب .
القول فى تأويل قوله ﴿وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَنْقُطُ﴾
قال أبو جعفر : يعنى تعالى ذكره بذلك : أنه الذى بيده قبضُ أرزاق العباد
وبَسْطها، دون غيره ممن ادّعى أهلُ الشرك به أنهم آلهة ، واتخذوه رَبًّا دونه
يعبدونه. وذلك نظير الخبر الذى رُوى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذى : -
٥٦٢٣ - حدثنا به محمد بن المثنى ومحمد بن بشار قالا، حدثنا حجاج =
وحدثنى عبد الملك بن محمد الرقاشى قال، حدثنا حجاج وأبو ربيعة قالا ،= حدثنا
حماد بن سلمة ، عن ثابت وحميد وقتادة ، عن أنس قال : غلا السِّعْرُ على عهد
رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فقالوا: يا رسول الله، غلا السعر فأسْعِر لنا!
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن اللّه الباسطُ القابضُ الرازق، وإنى لأرجو
أن ألقى الله ليس أحدٌ يطلبنى بمظلمة فى نفس ومال. (١)
٠
٠
(١) الحديث: ٥٦٢٣ - عبد الملك بن محمد الرقاشى أبو قلابة - شيخ الطبرى: مضت ترجمته
فى : ٤٣٣١.
الحجاج ؛ هو ابن المنهال الأنماطى .
أبو ربيعة: هو زيد بن عوف القطعى، ولقبه ((فهد)). تكلموا فيه كثيراً لأحاديث رواها عن
حماد بن سلمة. وأما البخارى فقال فى الكبير ٣٦٩/١/٢: ((سكتوا عنه)). وهو مترجم أيضاً فى ابن
أبى حاتم ٥٧٠/٢/١ - ٥٧١، ولسان الميزان.
ومهما يكن من شأنه، فإنه لم ينفرد بهذا الحديث ، فلا يؤثر فيه ضعفه إن كان ضعيفاً.
والحديث صحيح بهذا الإسناد ، من جهة الحجاج بن المنهال ، ومن الروايات الأخر التى سنذكر .
فرواه أحمد فى المسند : ١٢٦١٨ (٣: ١٥٦ حلى)، عن سريج ويونس بن محمد ، عن حماد
ابن سلمة ، عن قتادة وثابت البنانى ، عن أنس .

٢٨٩
تفسير سورة البقرة : ٢٤٥
قال أبو جعفر: يعنى بذلك صلى الله عليه وسلم: أنّ الغلاء والرِّخَص والسَّعة
والضيق بيد اللّه دون غيره. فكذلك قوله تعالى ذكره: ، ((والله يقبضُ ويبسط))،
يعنى بقوله: ((يقبض))، يُقْتِّر بقبضه الرزق عمن يشاء من خلقه = ويعنى بقوله :
و ((يبسُط))، يوسّع ببسطه الرزق على من يشاء منهم.
وإنما أراد تعالى ذكره بقيله ذلك ، حثَّ عباده المؤمنين - الذين قد بسط
عليهم من فضله ، فوسّع عليهم من رزقه - على تقوية ذوى الإقتار منهم بماله ،
ومعونته بالإنفاق عليه وحمولته على النهوض لقتال عدوه من المشركين فى سبيله ، (١)
فقال تعالى ذكره : من يقدّم لنفسه ذُخراً عندى بإعطائه ضُعفاء المؤمنين وأهل
الحاجة منهم ما يستعين به على القتال فى سبيلى، فأضاعف له من ثوابى أضعافاً
كثيرةً مما أعطاه وقوَّاه به ؟ فإنى - أيها الموسع - (٢) الذى قبضت الرزق عمن
ندبتك إلى معونته وإعطائه ، لأبتليه بالصبر على ما ابتليته به=والذى بسطت عليك
لأمتحنك بعملك فيما بسطتُ عليك ، فأنظر کیف طاعتك إياى فيه ، فأجازى
كل واحد منكما على قدر طاعتكما فيما ابتليتكما فيه وامتحنتكما به، من غنى وفاقة،
وسعة وضيق ، عند رجوعكما إلىّ فى آخرتكما، ومصيركما إلىّ فى معادكما .
. ..
ورواه أيضاً : ١٤١٠٢ (٣: ٢٨٦ حلى)، عن عفان، عن حماد بن سلمة، عن قتادة وثابت
وحميد ، عن أنس .
ورواه الترمذى ٢ : ٢٧١ - ٢٧٢، وابن ماجة: ٢٢٠٠ - كلاهما من طريق الحجاج بن المنهال
بهذا الإسناد. قال الترمذى: ((هذا حديث حسن صحيح)).
ورواه أبو داود : ٣٤٥١، من طريق عفان ، عن حماد ، به .
وذكره السيوطى ١ : ٣١٣، وزاد نسبته البيهقى فى السنن .
(١) الحمولة (بفتح الحاء ): كل ما يحمل عليه الناس من إبل وحمير وغيرها. والحمولة (بضم
الحاء) الأحمال والأثقال. هذا وأخشى أن يكون صواب العبارة فى الأصل ((بالإنفاق عليه وعلى حمولته))
وقوله: ((على النهوض)) متعلق بقوله: ((ومعونته)) ...
(٢) فى المطبوعة: ((فإنى أنا الموسع الذى قبضت))، وهو كلام لا يستقيم أبداً، والصواب
ما فى المخطوطة. و((الموسع)): الغنى الذى كثر ماله. من قولهم: ((أوسع الرجل))، صار ذا سعة وضى
وكثر ماله. وقال الله تعالى: ((على الموسع قدره وعلى المقتر قدره)). وانظر ما سلف فى تفسير ((الوسع))
فى هذا الجزء: ٤٥ . وسياق العبارة ((فإنى ... الذى قبضت)).
ج . (١٩)

٢٩٠
تفسير سورة البقرة : ٢٤٥
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قالَ من بلغنا قوله من أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
٥٦٢٤ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله :
((من ذا الذى يقرض اللّه قرضاً حسناً)) الآية، قال: علم أن فيمن يقاتل فى سبيله
من لا يجد قوة، وفيمن لا يقاتل فى سبيله من يجد غنّى، فتدب هؤلاء فقال: ((من
ذا الذى يُقَرضُ اللّه قرضاً حسناً فيضاعفَه له أضعافاً كثيرة والله يقبضُ ويبسُط))؟
قال: بسط عليك وأنت ثقيل عن الخروج لا تريده، (١) وقبض عن هذا وهو
يطيب نفساً بالخروج ويخفُّ له ، فقوَّه مما فى يدك ، يكن لك فى ذلك حظ .
٣٧٣/٢
القول فى تأويل قوله ﴿وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (١)
قال أبو جعفر : یعنی تعالی ذ کره بذلك : وإلى اللّه معاد کم ، أيها الناس ،
فاتقوا الله فى أنفسكم أن تُضيعوا فرائضه وتتعدّوا حدوده، وأن يعمل من بسط عليه
منكم فى رزقه بغير ما أذن له بالعمل فيه رَبُّه، وأن يحمل المقتر منكم - إذ قبضَ
عنه رزقه - إقتارُه على معصيته والتقدّم على ما نهاه، (٢) فيستوجب بذلك عند
مصيره إلى خالقه ، ما لا قبل له به من أثيم عقابه.(٢)
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((يبسط عليك)) مضارعاً، وهو لا يطابق قوله بعد: ((وقبض)).
فجعلتها ((بسط))، وإن شئت جعلت الأخرى: ((ويقبض))، كمافى الدر المنثور ١: ٣١٣،
وأنا أرجح الأولى .
(٢) فى المطبوعة: ((وأن يحل بالمقتر منكم فقبض عنه رزقه، إقتاره ... ))، وهو كلام قاد
وفى المخطوطة: ((وأن يحمل المقتر منكم فقبض عنه رزقه ... ))، وهو لا يستقيم أيضاً، ورجحت أن
تكون الأولى ((المقتر)) كما فى المخطوطة، وأن تكون الأخرى ((إذاقبض))، أو ((بقبضهعنه ... )).
وسياق الجملة: ((وأن يحمل المقتر منكم ... إقتاره على معصيته)).
(٣) فى المطبوعة: ((فيستوجب بذلك منه بمصيره ... ))، وهو كلام شديد الخلل . وفى الخماسية:
((عنه مصيره))، وظاهر أن الماء المرسلة من ((عنه)، دال (عند)).

٢٩١
تفسير سورة البقرة : ٢٤٦،٢٤٥
وكان قتادة یتأول قوله: (( وإليه ترجعون ) ، وإلی التراب ترجعون. (١)
٥٦٢٥ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة: ((وإليه ترجعون )»، من التراب خلقهم ، وإلی التراب يعودون.(١)
القول فى تأويل قوله ﴿ أَلمَ تَرَ إلَى اَلْتَلَا مِنَ بِىَ إِسْرَآ ءِيلَ مِن بَعْدِ
مُوسَىَ إِذْ قَالُواْ لِنَبِّ لَّهُ أَبْسَتْ لَنَا مَلِّكَا تُقُتِلْ فِى سَبِيلِ اللهِ ﴾
قال أبو جعفر: یعنی تعالى ذكره بقوله: ((ألم تر))، ألم تر ،يا محمد، بقلبك، (٢)
فتعلم بخبرى إياك، يا محمد =( إلى الملأ))، يعنى: إلى وجوه بنى إسرائيل وأشرافهم
ورؤسائهم = (( من بعد موسی ))، يقول: من بعد ما قُبض موسی فمات= ((إذ قالوا
النبيّ لهمُ ابعث لنا ملكاً نقاتل فى سبيل اللّه))، فذكر لى أن النبيَّ الذى قال لهم
ذلك شمويل(٣) بن بالى(٤) بن علقمة(٥) بن يرحام(٦) بن إليهو (٧) بن تهو بن
(١) فى المخطوطة: ((وإلى الثواب))، و((من الثواب ... »، وهو ظاهر الفساد، ولكنه
دليل على شدة سهو الناسخ فى هذا الموضع من الكتاب ، كما رأيت من تصحيفة وتحريفه فى المواضع السابقة
من التعليق .
(٢) انظر معنى ((ألم تر))، و((الرؤية)) فيما سلف: ص: ٢٦٦، والمراجع فى التعليق.
(٣) سأذكر فى التعليقات الآتية ما جاء فى هذا النسب من الأسماء، على رسمها فى كتاب القوم
الذى بين أيدينا، من أخبار الأيام الأول. فى الإصحاح السادس. و((شمويل) هناك هو ((صموئيل)).
(٤) ((بالى))، لم يرد له ذكر فى نسب ويشمويل)) من كتاب القوم، بل هو عندهم ((صموئيل بن
((القانة)).
(٥) (ألفانة)
(٦) (يروحام)،وفى المطبوعة: ((برحام)) خطأ، وهو فى المخطوطة غير منقوط وأما فى تاريخ
الطبرى ١ : ٢٤٢ فهو بالخاء المعجمة .
(٧) (إِيليڤيل)، الظاهر أنه هو ((إليهو)).

٢٩٢
تفسير سورة البقرة : ٢٤٦
صوف (١) بن علقمة بن ماحث(٢) بن عموصا (٣) بن عزريا بن صفنية(٤)
ابن علقمة بن أبى ياسف (*) بن قارون(٦) بن يصهر (٧) بن قاهث(٨) بن لاوى
ابن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم .
٥٦٢٦ - حدثنا بذلك ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق، (٩)
عن وهب بن منبه .
٥٦٢٧ - حدثنی أيضاً المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا إسمق قال ، حدثنا
إسماعيل بن عبد الكريم قال ، حدثنى عبد الصمد بن معقل : أنه سمع وهب بن
منبه يقول: هو شمويل، هو شمويل - ولم ينسبه كما نسبه ابن إسمق. (١٠)
٠
٠٠
وقال السدى: بل اسمه شمعون. وقال: إنما سمى (( شمعون )) ،لأن أمه دعت
الله أن يرزقها غلاماً، فاستجاب اللّه لها دعاءها، فرزقها، فولدت غلاماً فسمته
(١) (توح)، وفى المطبوعة: ((يهو صوق))، وهو خطأً، وفى المخطوطة (((هو صوف))
غير منقوط، وكلاهما أسقط ((بن)) بين الكلمتين. والصواب من تاريخ الطبرى. و ((توح)» مذكور
فى كتاب القوم، فى كتاب صموئيل الأول، الإصحاح الأول، برسم: ((توجو)).
(٢) (تحَث)
(٣) (عماساى) والنسب فى كتاب القوم بعد ذلك: ((عما على بن ألقانة بن يوئيل بن
عزريا بن صفنيا بن تحث بن أسير بن أبياساف))، وبعضه لم يذكر فى النسب الذى رواه الطبرى،
وفيما رواه بعد ذلك تقديم وتأخير كما ترى .
(٤) (صفنيا)، وفى المطبوعة والمخطوطة: ((صفية)).
(٥) (أبياساف) وفى المطبوعة: ((أبى ياسق))، وفى المخطوطة ((أبى ياسف))
(٦) (قورح﴾
(٧) ( يصهار﴾
(٨) ( قهات)
(٩) فى المطبوعة والمخطوطة: ((عن أبى إسحق))، وهو خطأ، وهو إسناد دائر فى الطبرى عن
((محمد بن إسحق)) صاحب السيرة.
(١٠) فى المخطوطة والمطبوعة: ((كما نسبه إسحاق))، وهو خطأ ظاهر، وانظر التعليق السالف.

٢٩٣
تفسير سورة البقرة : ٢٤٦
(( شمعون))، تقول: اللّه تعالى سمع دعائى.
٥٦٢٨ - حدثی [ بذلك] موسى قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ،
عن السدی. (١)
فكأن ((شمعون)) ((فعلون)) عند السدى، من قولها: إنه سمع الله دعاءها. (٢)
٠
٠
٥٦٢٩-حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسین قال، حدثی حجاج، عنابن
جریج، عن مجاهد قوله: (( ألم تر إلى الملأ من بنى إسرائيل من بعد مومى إذا قالوا
لنبى لهم))، قال : شمؤل. (٣)
٠
وقال آخرون : بل الذى سأله قومه من بنى إسرائيل أن يبعث لهم ملكاً يقاتلون
فى سبيل الله، يوشع (٤) بن نون بن أفرائيم(٥) بن يوسف بن يعقوب بن إسحق بن
إبراهيم.
٥٦٣٠ - حدثنى بذلك الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ﴾ ،قال : كان نبيهم الذى بعد
موسى يوشع بن نون، قال: وهو أحد الرجلين اللذين أنعم الله عليهما.(٦)
وأما قوله: ((ابعث لنا ملكاً نقاتل فى سبيل الله))، فاختلف أهل التأويل فى
٠
(١) ما بين القوسين زيادة يقتضيها السياق، كما فى إسناد الأثر السالف.
(٢) فى المطبوعة: ((من قولها سمع)) أسقط ((أنه)) وأثبت ما فى المخطوطة.
(٣) فى المطبوعة: ((شمعون))، وهو خطأ لا شك فيه، والصواب ما فى المخطوطة والدر المنثور
١ : ٣١٥ ٠
(٤) ( يشوع)
(٥) (أفرايم)، وفى المطبوعة ((أفراثيم)، والصواب ما أثبت من التاريخ ١: ٢٢٥،
وفى المخطوطة غير منقولة.
(٦) ينى المذكورين فى قوله تعالى فى [سورة المائدة: ٢٣] ﴿قَالَ رَجُلَانٍ مِنَ الَّذِينَ
يَقُونَ أَنْمَ اللهُ عليهما) ، الآية

٢٩٤
تفسير سورة البقرة : ٢٤٦
السبب الذى من أجله سأل الملأ من بنى إسرائيل نبيّهم ذلك .
فقال بعضهم : كان سبب مسألتهم إياه ، ما : -
٥٦٣١ - حدثنا به محمد بن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل قال، حدثی
محمد بن إسحق ، عن وهب بن منبه قال: خلف بعد موسى فى بنى إسرائيل يوشع بن
نون، يقيم فيهم التوراة وأمر اللّه حتى قبضه الله. ثم خلف فيهم كالب بن يوفنا(١) يقيم
فيهم التوراة وأمر الله حتى قبضه الله تعالى. ثم خلف فيهم حزقيل(٢) بن بوزى،
وهو ابن العجوز . ثم إن الله قبض حزقيل، وعظمت فى بنى إسرائيل الأحداث ،
ونسوا ما كان من عهد الله إليهم، حتى نصبو الأوثان وعبدوها من دون الله . فبعث
الله إليهم إلياس (٣) بن نسى (٤) بن فنحاص(*) بن العيزار (٦) بن هرون بن عمران
نبيًا . وإنما كانت الأنبياء من بنى إسرائيل بعد موسى ، يبعثون إليهم بتجديد
ما نسوا من التوراة . وكان إلياس مع ملك من ملوك بنى إسرائيل يقال له أحاب، (٧)
و کان یسمع منه ویصدقه . فكان إلیاس یقيم له أمره . وکان سائر بنى إسرائيل
قد اتخذوا صنماً يعبدونه من دون الله ، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله ، وجعلوا لا
يسمعون منه شيئاً ، إلا ما كان من ذلك الملك . والملوك متفرقة بالشام ، كل ملك
٣٧٤/٢
(١) (يَفْنَّة) وفى المطبوعة: ((يوقنا))، والصواب من المخطوطة والتاريخ ١: ٢٣٨.
(٢) (حزقيال) فى كتاب القوم .
(٣) (إيليا)، وهو ((إيليا التشى)) مذكور فى ((الملوك الأول)) إصحاح: ١٧.
(٤) لم أجد نسب ((إيليا))، وقوله: ((فى)) لم أجده. وهو فى المخطوطة ((سى)) غير منقوطة
ولا واضحة، وفى تاريخ الطبرى ١: ٢٣٩ ((إلياس بن ياسين)).
(٥) ( فينحاس)
(٦) ( العازار)
(٧) (أخاَب) ((فى الملوك الأول)) الإصحاح: ١٧،١٦. وهو فى المطبوعة والتاريخ والخليفة:
((أحاب))، مهمل الحاء.

٢٩٥
تفسير سورة البقرة : ٢٤٦
له ناحية منها يأكلها. (١) فقال ذلك الملك = الذى كان إلياس معه يقوّم له أمره،
ويراه على هُدى من بين أصحابه = يوماً : يا إلياس ، والله ما أرى ما تدعو إليه
الناس إلا باطلا! والله ما أرى فلاناً وفلاناً . وعدّد ملوكاً من ملوك بنى إسرائيل(٢)-
قد عبدوا الأوثان من دون الله، إلا على مثل ما نحن عليه، يأكلون ويشربون
ويتنعمون مملكين، (٣) ما ينقص من دنياهم [ أمرهم الذى تزعم أنه باطل]؟ (٤) وما نرى
لنا عليهم من فضل. فيزعمون -(٥) والله أعلم -أن إلياسَ استرجع وقام شعر رأسه
وجلده، ثم رفضه وخرج عنه . ففعل ذلك الملك فعل أصحابه، عبدَ الأوثان وصنع
ما يصنعون.(٦) ثم خلف من بعده فيهم اليَسع، (٧) فكان فيهم ما شاء الله أن
يكون ، ثم قبضه الله إليه. وخلفت فيهم الخلوف، وعظمت فيهم الخطايا، وعندهم
التابوت يتوارثونه كابراً عن كابر، فيه السكينة وبقية مما ترك آل موسى وآل هرون.
فكانوا لا يلقاه عدو فيقدّمون التابوت ويزحفون به معهم، (٨) إلا هَزم اللّه ذلك
العدو. (٩) ثم خلف فيهم ملك يقال له إيلاء، (١٠) وكان اللّه قد بارك لهم فى جبلهم
(١) ((يأكلها)) أى يغلب عليها، ويصير له ما لها وخراجها. وفى حديث عمرو بن عنبسة:
((ومأكول حمير خير من آ كلها))، المأكول: الرعية - والآكلون: الملوك. وهم يسمون سادة الأحياء
الذين يأخذون المرباع وغيره ((الآكال))، وفى الحديث: ((أمرت بقرية تأكل القرى))، هى المدينة،
أى يغلب أهلها بالإسلام على غيرها من القرى .
(٢) فى المطبوعة: ((يعدد ملوكاً ... )) وأثبت ما فى المخطوطة، وفى تاريخ الطبرى: ((يعد))
(٣) فى المطبوعة: ((مالكين))، وفى المخطوطة: ((ملكين))، وأثبت ما فى تاريخ الطبرى.
(٤) الزيادة التى بين القومين من تاريخ الطبرى، ولا يستقيم الكلام إلا بها.
(٥) فى المطبوعة: ((ويزعمون)) وأثبت ما فى المخطوطة والتاريخ.
(٦) إلى هذا الموضع رواه الطبرى بإسناده هذا فى تاريخه ١: ٢٣٩ / ثم الذى يليه فى ١: ٢٤٠
فصلت بينهما روايات أخرى.
(٧) (أليشع﴾ فى كتاب القوم .
(٨) فى المطبوعة والمخطوطة: ((وكانوا ... ))، وأثبت ما فى التاريخ، فهو أجود.
(٩) بعد هذا فى التاريخ ما نصه: ((والسكينة - فيما ذكر ابن إسحق، عن وهب بن منبه،
عن بعض أهل العلم من بنى إسرائيل - رأس هرة ميتة، فإذا صرخت فى التابوت بصراخ هر، أيقنوا
بالنصر وجاهم الفتح» .
(١٠) (عالى) فى كتاب القوم وفى تاريخ الطبرى ((إيلاف)). والمرجح أن الذى فى المطبوعة

٢٩٦
تفسير سورة البقرة : ٢٤٦
من إيليا ، لا يدخله عليهم عدو ، ولا يحتاجون معه إلى غيره . وكان أحدهم -
فيما يذكرون - يجمع التراب على الصخرة، ثم ينبذ فيه الحب، فيخرج الله له ما يأكل
سنّته هو وعياله. ويكون لأحدهم الزيتونة، فيعتصر منها ما يأكل هو وعياله سنته .
فلما عظمت أحداثهم، وتركوا عهد الله إليهم، نزل بهم عدو فخرجوا إليه ، وأخرجوا
معهم التابوت كما كانوا يخرجونه ، ثم زحفوا به ، فقوتلوا حتى استُلب من بين
أيديهم . فأتى ملكهم إيلاء فأخبر أنّ التابوت قد أخذ واستلب ، فمالت عنقه ،
فمات كمداً عليه . فمرج أمرهم عليهم، (١) ووطنهم عدوهم، حتى أصيب من أبنائهم
ونسائهم. (٢) وفيهم نبيّ لهم قد كان اللّه بعثه إليهم، فكانوا لا يقبلون منه شيئاً،
يقال له ((شَمْويل))، (٣) وهو الذى ذكر الله لنبيه محمد: ((ألم ترإلى الملأ من بنى
إسرائيل من بعد موسى إذا قالوا لنبيّ لهم ابعث لنا ملكاً نقاتل فى سبيل الله)) إلى
قوله ((وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا))، يقول الله: ((فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا
قليلاً منهم)) إلى قوله: ((إن فى ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين)).
= قال ابن إسحق : فكان من حديثهم فيما حدثنى به بعض أهل العلم، عن وهب
بن منبه : أنه لما نزل بهم البلاء ووطئت بلادهم ، كلموا نبيهم شمويل بن بالى
فقالوا: ((ابعث لنا ملكاً نقاتل فى سبيل الله)). وإنما كان قوام بنى إسرائيل الاجتماع
على الملوك، وطاعة الملوك أنبياءهم . وكان الملك هو يسير بالجموع، والنبي يقوّم له
أمره ويأتيه بالخبر من ربه . فإذا فعلوا ذلك صلح أمرهم ، فإذا عتتملوكهم وتركوا
أمر أنبيائهم فسد أمرهم . فكانت الملوك إذا تابعتها الجماعة على الضلالة تركوا أمر
والمخطوطة هو الصواب، لقربه من لفظ ((عالى)) وإن كان الطبرى قد ذكر فى تاريخه ١: ٢٤٣
((عيل))،. وعالى، من عظماء كهنة بنى إسرائيل وقضى لهم أربعين سنة. وخبر موت عالى عند استلاب
التابوت، مذكور فى كتاب القوم فى كتاب ((صموئيل الأول)) الإصحاح الرابع.
(١) فى تاريخ الطبرى: ((فرج أمرهم بينهم)). ومرج الأمر: اختلط والتبس واضطرب
فى الفتنة .
(٢) إلى هذا الموضع، انتهى ما رواه الطبرى فى التاريخ ١: ٢٤٠ - ٢٤١.
(٣) (صموئيل) فى كتاب القوم.

٢٩٧
تفسير سورة البقرة : ٢٤٦
الرسل ، ففريقاً يكذّبون فلا يقبلون منه شيئاً ، وفريقاً يقتلون . فلم يزل ذلك البلاء
بهم حتى قالوا له: (( ابعث لناملكاً نقاتل فى سبيل الله)). فقال لهم: إنه ليس عندكم
وفاء ولا صدق ولا رغبةً فى الجهاد . فقالوا : إنما كنا نهاب الجهاد وتزهد فيه ،
أنَّا كنا ممنوعين فى بلادنا لا يطؤها أحد، فلا يظهر علينا فيها عدو، فأما إذ بلغ ذلك،
فإنه لا بد من الجهاد ، فنطيع ربنا فى جهاد عدونا ، ونمنع أبناءنا ونساءنا وذرارينا.
٣٧٥/٢
٥٦٣٢ - حدثت عن عمار بن الحسن قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن
أبيه، عن الربيع فى قوله: ((ألم تر إلى الملأ من بنى إسرائيل)) إلى ((والله عليم
بالظالمين))، قال الربيع: ذُكرلنا - والله أعلم - أنّ موسى لما حضرته الوفاة، استخلف
فتاهُ يوشع بن نون على بنى إسرائيل، وأن يوشع بن نون سار فيهم بكتاب الله التوراة
وسُنة نبيه موسى. ثم إنّ يوشع بن نون توفى ، واستخلف فيهم آخر ، فسار فيهم
بكتاب الله وسنة نبيه موسى صلى الله عليه وسلم. ثم استخلف آخر فسا فيهم
بسيرة صاحبيه . ثم استخلف آخر فعرفوا وأنكروا . ثم استخلف آخر ، فأنكروا
عامة أمره . ثم استخلف آخر فأنكروا أمره كله . ثم إن بنى إسرائيل أتوا نبيًّا من
أنبيائهم حين أوذوا فى أنفسهم وأموالهم، (١) فقالوا له : سل ربك أن یکتب علينا
القتال! فقال لهم ذلك النبى: ((هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا »،
إلى قوله: ((واللّه يؤتى ملكه من يشاء والله واسعٌ عليم)).
٥٦٣٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن ابن
جريج فى قوله: ((ألم تر إلى الملأ من بنى إسرائيل من بعد موسى إذا قالوا لنبىّ
لهم ابعث لنا ملكاً))، قال قال ابن عباس : هذا حين رفعت التوراة واستُخرج أهل
الإيمان ، وكانت الجبابرة قد أخرجتهم من ديارهم وأبنائهم. (٢)
(١) فى المطبوعة: ((فى نفوسهم))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) استخرج (بالبناء المجهول): حمل على الخروج من بلاده. وهذا لفظ لم يذكره أصحاب
المعاجم، وهو عربية معرقة .

٢٩٨
تفسير سورة البقرة : ٢٤٦
٥٦٣٤ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا
عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((إذا قالوا لنبىّ لهم ابعث
لنا ملكاً))، قال: هذا حين رفعت التوراة واستُخرج أهل الإيمان.
٠
وقال آخرون : كان سبب مسئلهم نبيّهم ذلك ، ما :-
٥٦٣٥ - حدثی به موسی بن هرون قال، حدثنا عمرو قال،حدثنا أسباط،
عن السدى: ((ألم تر إلى الملأ من بنى إسرائيل من بعد موسى إذا قالوا لنبىّ لحم
بعث لنا ملكاً نقاتل فى سبيل الله))، قال: كانت بنو إسرائيل يقاتلون العمالقة،
وكان ملك العمالقة جالوت ، (١) وأنهم ظهروا على بنى إسرائيل فضربوا عليهم
الجزية وأخذوا توراتهم . وكانت بنو إسرائيل يسألون الله أن يبعث لهم نبيًّاً يقاتلون
معه . وكان سبْط النبوة قد هلكوا، فلم يبق منهم إلا امرأة حبلى ، فأخذوها فحبسوها
فى بيت، رهبة أن تلد جارية فتبدلها بغلام، لما ترى من رغبة بنى إسرائيل فى ولدها .
فجعلت المرأة تدعو الله أن يرزقها غلاماً، فولدت غلاماً فسمته شمعون. (٢)
فكبر الغلام، فأسلمته يتعلم التوراة فى بيت المقدس، (٣) وكفله شيخ من علمائهم
وتيناه. فلما بلغ الغلام أن يبعثه الله نبيًا، أناه جبريل والغلام نائم إلى جنب الشيخ
= وكان لا يتَّمن عليه أحدًاً غيره =(٤) فدعاه بلحن الشيخ: ((ياشاول!))، (°) فقام
(١) (جُلْيات) فى كتاب القوم.
(٢) فى تاريخ الطبرى بعد قوله شمعون: ((تقول: اللّه سمع دعائى)). وانظر الأثر السالف
رقم : ٥٦٢٨ وما قبله وما بعده .
(٣) فى المطبوعة: ((فأرسلته يتعلم))، وأثبت ما فى المخطوطة والتاريخ.
(٤) فى المطبوعة: ((لا يأتمن))، وفى تاريخ الطبرى مطبوعة مصر: ((لايئتمن)) وفى الأوربية
والمخطوطة: ((لا يتمن)). وأمنه وأمنه وائتمنه واتمنه (بتشديد التاء) سواء، وأنظر تعليق صاحب السان
على قول من قال إن الأخيرة نادرة .
(٥) الحن: اللغة واللهجة. وفى التاريخ: ((شمويل))، وظاهر هذا الخبر يدل على أن «شمعون))
هو ((شمويل)) وأنهما لفتان بمعنى واحد. وانظر الآثار السالفة ٥٦٢٦ - ٥٦٢٩، والتعليقات عليها.

٢٩٩
تفسير سورة البقرة : ٢٤٦
الغلام فزعاً إلى الشيخ، فقال: يا أبتاه، دعوتى؟ فكره الشيخ أن يقول: ((لا))
فيفزع الغلام ، فقال : يا بنى ارجع فيم ! فرجع فنام . ثم دعاه الثانية ، فأتاه
الغلام أيضاً فقال : دعوتنى؟ فقال : ارجع فيم ، فإن دعوتك الثالثة فلا تجبنى !
فلما كانت الثالثة، ظهر له جبريل فقال : اذهب إلى قومك فبلغهم رسالة ربك،
فإن الله قد بعثك فيهم نبيًّا. فلما أتاهم كذبوه وقالوا : استعجلت بالنبوة ولم تئن
لك !(١) وقالوا: إن كنت صادقاً فابعث لنا ملكاً نقاتل فى سبيل الله، آيةً من
نبوتك ! فقال لهم شمعون: عسى إن كُتُب عليكم القتال أن لا تقاتلوا. (٢)
٠
٠
قال أبو جعفر: وغيرُ جائز فى قول الله تعالى ذكره: ((نقاتل فى سبيل الله))
إذا قرئ ((بالنون)) غير الجزم، على معنى المجازاة وشرط الأمر. فإن ظنّ ظان
أن الرفع فيه جائزٌ وقد قرئ بالنون، بمعنى: الذى نقاتل به فى سبيل اللّه، (٣)
فإن ذلك غيرُ جائزٍ . لأن العرب لا تضمر حرفین . (٤) ولكن لو كان قرئ ذلك
((بالياء)) لجاز رفعه، لأنه يكون لو قرئ كذلك صلة ! ((الملك))، فيصير تأويل
الكلام حينئذ: ابعث لنا الذى يُقاتل فى سبيل اللّه، كما قال تعالى ذكره: ﴿وَأَبْعَثْ
فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيهِمْ آيَاتِكَ﴾، [سورة البقرة: ١٢٩]، لأن قوله: ((يتلو))
من صلة الرسول. (٥)
٣٧٦/٢
(١) فى المطبوعة ((ولم قتل لك))، وهو تصحيف. وفى تاريخ الطبرى: ((ولم تبالك))، من
المبالاة، وهى ليست بشىء. وفى الدر المنثور: ((ولم يأن ك))، وفى المخطوطة: ((ولم تنل ك))
وظاهر أنها ((تئن)). من ((آن يتين أيناً)): أى حان. مثل ((أنى الك يأتى))، بمعناه، أى لم تبلغ
بعد أوان أن تكون نبياً .
(٢) الأثر: ٥٦٣٥ - فى تاريخ الطبرى ١: ٢٤٢، والدر المنثور ١: ٣١٥، وفى
المطبوعة حتم الأثر بقوله: ((والله أعلم))، وهى زيادة من ناسخ لا معنى لها هنا، وليست فى المخطوطة.
(٣) فى المخطوطة والمطبوعة: ((الذى نقاتل)) بحذف ((به))، وهو خطأ يدل عليه السياق، وما جاء
فى معانى القرآن الفراء ١ : ١٥٧.
(٤) يعنى ((الذى)) و ((به)).
(٥) انظر معانى القرآن الفراء ١: ١٥٧ - ١٦٢، فهو قد استوعب القول فى هذه القراءة،
وفى هذا الباب من العربية. و((الصلة)): التابع، كالنعت والحال، ويعنى به فعت النكرة ، هنا .

٣٠٠
تفسير سورة البقرة : ٢٤٦
القول فى تأويل قوله ﴿ قَلَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلْقِنَالُ أَلَا
تُقْتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلََّ نَقَتِلَ فِى سَبِيلٍ أَقْهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيْرِنَاَ
وَأَبْتََّبِنَ فَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْفِتَكُ تَوَلَّوْاْ إِلَّ قَلِيلًا مُنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ
بِالطَِّنَ)
٢٤٦
قال أبو جعفر : يعنى تعالى ذكره بذلك : قال النبى الذى سألوه أن يبعث
لهم ملكاً يقاتلوا فى سبيل الله: ((هل عسيتم))، هل تعدون(١) ((إن كُتُب))، يعنى:
إن فُرض عليكم القتال (٢) = ((ألا تقاتلوا))، يعنى: أن لا تفوا بما تعدون الله من
أنفسكم، من الجهاد فى سبيله، فإنكم أهل نَكْث وغدر وقلة وفاء بما تعدون؟ = (قالوا
وما لنا ألا نقائل فى سبيل الله))، يعنى: قال الملأ من بنى إسرائيل لنبيهم ذلك:
وأىّ شىء يمنعنا أن لانقاتل فى سبيل الله عدوّنا وعدو الله = « وقد أخرجنا من ديارنا
وأبنائنا))، بالقهر والغلبة ؟
فإن قال قائل: ما وجه دخول ((أن)) فى قوله: ((وما لنا ألا نقاتل فى سبيل
اللّه))، وحذفه من قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُون ◌ِهِ والرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾؟
[سورة الحديد: ٨]
قيل: هما لغتان فصيحتان العرب: تحذف (أن)) مرة مع قولها: (٣) ((مالك))،
فتقول: ((مالك لا تفعل كذا))، بمعنى: مالك غيرُ فاعله، كما قال الشاعر:
• مَالَكِ تَرْغِينَ وَلاَ تَرْغُرِ الخَلِفِْ.(٤)
(١) انظر هذا التفسير فى مجاز القرآن لأبي عبيدة ١ : ٧٧ .
(٢) انظر معنى ((كتب)) فيما سلف ٣: ٣٥٧، ٣٦٤ - ٣٦٥، ٢٩٧:٤/٤٠٩.
(٣) فى المطبوعة والمخطوطة: ((مع قولنا))، والسياق الآتى يقتضى ما أثبت
(٤) لم أعرف قائله، وإن كنت أذكر أنى قرأته مع أبيات أخر من الرجز. وهو فى معانى القرآن
الفراء ١: ١٦٣، واللسان (خلف). والخلفة (بفتح الخاء وكسر اللام) الثالثة الحامل، وجها خلف،
وهو نادر، وهذا البيت شاهده، وإنما الجمع السائر أن يقال التوق الحوامل، خماضى))، كقولهم: ((امرأة،