Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
تفسير سورة البقرة : ٢٤٠
القول فى تأويل قوله ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَحَ عَلَيْكُمْ فِ مَا فَتَلْنَ فِىّ
أَنْفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (١)
قال أبو جعفر : يعنى تعالى ذكره بذلك : أن المتاع الذى جعله الله لهنّ إلى
الحول فى مال أزواجهن بعد وفاتهم وفى مساكنهم ، ونهى ورثته عن إخراجهن ،
إنما هو لهنَّ ما أقمن فى مساكن أزواجهنَّ، وأن حقوقهن من ذلك تبطل بخروجهن
إن خرجنَ من منازل أزواجهن قَبْل الحول من قِبل أنفسهن، بغير إخراج من
ورثة الميت .
ثم أخبر تعالى ذكره : أنه لا حرج على أولياء الميت فى خروجهن وتركهن
الحدادَ على أزواجهن . لأن المقام حولاً فى بيوت أزواجهن والحداد عليه تمامحول
كامل، لم يكن فرضاً عليهنّ، وإنما كان ذلك إباحة من اللّه تعالى ذكره لهن إن
أقمن تمام الحول ◌ُحِدَّات. فأما إن خرجن، فلا جناح على أولياء الميت ولا عليهن
فيما فعلن فى أنفسهن من معروف ، وذلك ترك الحداد . يقول : فلا حرج عليكم
فى التزيُّن إن تزينَ وتطيبن وتزوجن ، لأن ذلك لهن .
وإنما قلنا: ((لا حرج عليهن فى خروجهن))، وإن كان إنما قال تعالى ذكره :
(( فلا جناح عليكم))، لأن ذلك لو كان عليهن فيه جناحٌ، لكان على أولياء
الرجل فيه جناحٌ بتركهم إياهن والخروجَ ، مع قدرتهم على منعهن من ذلك .
ولكن لمّا لم يكن عليهن جناحٌ فى خروجهن وترك الحداد ، وُضع عن أولياء الميت
وغيرهم الحرجُ فيما فعلن من معروف ، وذلك فى أنفسهن .
وقد مضت الرواية عن أهل التأويل بما قلناه فى ذلك قبل .
وأما قوله: ((والله عزيز حكيم))، فإنه يعنى تعالى ذكره: ((والله عزيز))،
فى انتقامه ممن خالف أمره ونهيه وتعدَّى حدوده من الرجال والنساء، فمنع مَنْ
٠

٢٦٢
٠
تفسير سورة البقرة : ٢٤١،٢٤٠
كان من الرجال نساء هم وأزواجهم ما فرض لهنّ عليهم فى الآيات التى مضت
قبلُ : من المتعة والصداق والوصية، وإخراجهن قبل انقضاء الحول ، وترك المحافظة
على الصلوات وأوقاتها = ومنع من كان من النساء ما ألزمهنّ اللّه من التربُّص عند
وفاة أزواجهن عن الأزواج ، وخالف أمره فى المحافظة على أوقات الصلوات =
(( حكيم))، فيما قضى بين عباده من قضاياه التى قد تقدمت فى الآيات قبل قوله :
((والله عزيز حكيم))، وفى غير ذلك من أحكامه وأقضيته .
القول فى تأويل قوله جل ذكره ﴿وَلِلْطَلَّقَتِ مَتَعْ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا
عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بذلك: ولمن طُلِّق من النساء على مطلَّقُها
من الأزواج، ((متاع)). يعنى بذلك : ما تستمتع به من ثياب وكسوة أو نفقة
أو خادم ، وغير ذلك مما يستمتع به . وقد بيّنا فيما مضى قبلُ معنى ذلك، واختلاف
أهل العلم فيه ، والصوابَ من القول فى ذلك عندنا، بما فيه الكفاية من إعادته. (١)
٥ ٥
وقد اختلف أهل العلم فى المعنية بهذه الآية من المطلِّقات .
فقال بعضهم : عنى بها الثيِّبات اللواتى قد جومِعْن. قالوا: وإنما قلنا ذلك،
لأن [ الحقوق اللازمةَ للمطلّقات] غير المدخول بهن فى المتعة، (٢) قد بيتها الله
(١) انظر معنى ((المتاع)) فيما سلف ١: ٥٣٩، ٥٤٠/ ثم ٣: ٥٣ - ٥٥ / ثم الموضع الذى
عناه الطبرى هنا : ١٢٠ - ١٣٥
غير المدخول بهن))، وبينهما بياض، فجاءت المطبوعة وصلت
(٢) فى المخطوطة: ((لأن
الكلام: ((لأن غير المدخول بهن)) فاختلت الجملة. واستظهرت ما زدته بين القومين من معنى الآيات.

٢٦٣
تفسير سورة البقرة : ٢٤١
تعالى ذكره فى الآيات قبلها ، فعلمنا بذلك أن فى هذه الآية بيانَ أمر المدخول ٣٦٤/٢
بهن فى ذلك .
• ذكر من قال ذلك :
٥٥٩٠ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى
ابن ميمون، عن ابن أبى نجيح، عن عطاء فى قوله: (( وللمطلقات متاع بالمعروف
حقًّا على المتقين ))، قال: المرأة الثيب يمتِّعها زوجها إذا جامعها بالمعروف.
٥٥٩١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد مثله = وزاد فيه : ذکره شبل،عن ابن أبى نجیح،
عن عطاء .
وقال آخرون : بل فى هذه الآية دلالة على أنّ لكل مطلقة متعة ، وإنما
أنزلها الله تعالى ذكره على نبيه صلى الله عليه وسلم، لما فيها من زيادة المعنى الذى
فيها على ما سواها من آى المتعة ، إذ كان ما سواها من آى المتعة إنما فيه بيان
حُكم غير الممسوسة إذا طلقت ، وفى هذه بيان حكم جميع المطلقات فى المتعة .
• ذكر من قال ذلك :
٥٥٩٢ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال ، حدثنا أيوب ،
عن سعيد بن جبير فى هذه الآية: (( وللمطلقات متاع بالمعروف حقًّا على المتقين))،
قال : لكل مطلقة متاع بالمعروف حقًا على المتقين .
٥٥٩٣ - حدثنا المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال ، أخبرنا ابن المبارك
قال ، أخبرنا يونس، عن الزهرى - فى الأمّة يطلّقها زوجها وهى حُبلى - قال:
تعتدّ فى بيتها. قال: لم أسمع فى متعة المملوكة شيئاً أذكره، (١) وقد قال الله تعالى
ذكره: ((متاعاً بالمعروف حقًّاً على المتقين))، ولها المتعة حتى تضع.
(١) فى المطبوعة: ((وقال: لم أسمع ... ))، وأثبت ما فى المخطوطة.

٢٦٤
تفسير سورة البقرة : ٢٤١
٥٥٩٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى (١) قال ، أخبرنا ابن
المبارك قال ، أخبرنا ابن جريج، عن عطاء قال: قلت له: أللأمة من الحرِّ متعة ؟
قال : لا. قلتِ : فالحرة عند العبد ؟ قال : لا = وقال عمرو بن دينار : نعم ،
((وللمطلقات متاع بالمعروف حقًّاً على المتقين)).
٠٠٠
وقال آخرون : إنما نزلت هذه الآية، لأن الله تعالى ذكره لما أنزل قوله:
﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى
الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٦]، قال رجل من المسلمين: فإنا لا نفعل إن لم
فرد أن نُحسن. فأنزل الله: ((والمطلقات متاعٌ بالمعرف حقًا على المتقين))،
فوجب ذلك عليهم .
• ذكر من قال ذلك :
٥٥٩٥ - حدثنى يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال
ابن زيد فى قوله: « ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعاً بالمعروف
حقًّا على المحسنين))، فقال رجل: فإن أحسنتُ فعلت ، وإن لم أرد ذلك لم أفعل!
فأنزل الله: ((والمطلقات متاعٌ بالمعروف حقًا على المتقين)).
.
٠
قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك ما قاله سعيد بن جبير ، من
أن الله تعالى ذكره أنزلها دليلاً لعباده على أن لكل مطلقة متعة . لأن الله تعالى
ذكره ذكر فى سائر آى القرآن التى فيها ذكر متعة النساء ، خصوصاً من النساء ،
فبيّن فى الآية التى قال فيها: (لاَ جُنَحَ عَلَيْكُمُ إِن طَلْتُ النَّتَاء مَاَ لمَّ تَمَثُّوهُنَّ
أَوْ تَغْرِ ضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [سورة البقرة: ٢٣٦]، وفى قوله: ﴿يَا أَيُّهَالَّذِينَ آمَنُوا
(١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((هناد بن موسى))، وليس فى الرواة أحد بهذا الاسم. والصواب
ما أثبت ، انظر الأثر قبله رقم: ٥٥٩٣، وفى مواضع كثيرة قبل ذلك بمثل هذا الإسناد.

٢٦٥
تفسير سورة البقرة : ٢٤٢
إِذَا تَكَجُْ الْمُؤْمِنَتِ ثُمَّ ◌َلَّْتُوهُنَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَدُّوهُنَّ﴾ [سورةالأحزاب: ٤٩
ما لهن من المتعة إذا طُلِّقْن قبل المسيس، وبقوله: ﴿يَأَيُّهَالنَّبيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ
تُرِدْنَ الحَيَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أَمَتِّمْكُنَّ﴾ [سورة الأحزاب: ٢٨]، حكم
المدخول بهن، وبقى حكمُ الصبايا إذا طلقن بعد الابتناء بهنّ، وحكمُ الكوافر
والإماء . فعمّ اللّه تعالى ذكره بقوله: (( وللمطلقات متاع بالمعروف)) ذ کر جمیعهن،
وأخبر بأن لهن المتاع ، كما خصّ المطلقات الموصوفات بصفاتهن فى سائر آى
القرآن ، (١) ولذلك كرر ذكر جميعهن فى هذه الآية.
٠٠٠
وأما قوله: ﴿حَقًّا عَلَى المُتَّقِين)، فإنا قد بيَّنَا معنى قوله: ((حقًّا))، ووجه
نصبه، والاختلاف من أهل العربية فيه فى قوله: ( حقًّا على اُلْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة
البقرة: ٢٣٦]، ففى ذلك مستغنى عن إعادته فى هذا الموضع (٢).
٠
#
فأما ((المتقون)): فهم الذين اتقوا الله فى أمره ونهيه وحدوده، فقاموا بها على
ما كلّفهم القيامَ بها خشية منهم له ، ووجلاً منهم من عقابه .
وقد تقدم بيان تأويل ذلك نصًا بالرواية . (٣)
٠
القول فى تأويل قوله ﴿كَذَلِكَ يُبَيُّ اللهُ لَكُمْمَيْهِ لَعَلَّكُمُّ ◌َعْقِلُونَ﴾ ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره، كما بينت لكم ما يلزمكم. الأزواجكم ٣٦٥/٢
ویلزم أزواجكم لكم،أيها المؤمنون،وعرّفتكم أحكامىوالحق الواجب لبعضكم على بعض
المطلقات »
(١) فى المطبوعة: ((كما أبان المطلقات ... ))، وفى المخطوطة: ((كما ا
وما بين الكلامين بياض، واستظهرت من قوله: ((فعم اللّه تعالى ... ))، أن اللفظ الناقص فى البياض
هو « خص»، أو معنى يشبهه ويقاربه .
(٢) انظر ما سلف فى هذا الجزء: ١٣٧، ١٣٨
(٣) انظر فهارس اللغة فيما سلف مادة ((وقى)).

٢٦٦
تفسير سورة البقرة : ٢٤٢، ٢٤٣
فى هذه الآيات، فكذلك أبيِّن لكم سائر الأحكام فى آياتى التى أنزلتها على نبيِّ
محمد صلى الله عليه وسلم فى هذا الكتاب، لتعقلوا - أيها المؤمنون بى وبرسولى -
حدودى ، فتفهموا اللازم لكم من فرائضى ، وتعرفوا بذلك ما فيه صلاحُ دينكم
ودنيا كم ، وعاجلكم وآجلكم، فتعملوا به ليصلح ذات بينكم، وتنالوا به الجزيل من
ثوابى فى معادكم .
#
القول فى تأويل قوله ﴿أَمَّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِنْ دِيُرِهِمْ وَهُمْ
أُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْهُمْ﴾
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره: ((ألم تر))، ألم تعلم، يا محمد ؟ = وهو
من ((رؤية القلب)) لا رؤية العين))، (١) لأن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم
لم يُدرك الذين أخبر الله عنهم هذا الخبر، و((رؤية القلب)) ما رآه، علمه به. (٢)
فمعنى ذلك : ألم تعلم يا محمد ، الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف؟
٠٠٠
ثم اختلف أهل التأويل فى تأويل قوله: ((وهم ألوف)).
فقال بعضهم: فى العدد، بمعنى جماع ((ألف)).
• ذكر من قال ذلك :
٥٥٩٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى = وحدثنا عمرو بن على قال ،
حدثنا وكيع = قال ، حدثنا سفيان ، عن ميسرة النهدى ، عن المنهال بن عمرو ،
عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فى قوله: ((ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم
(١) انظر ما سلف فى معنى ((الرؤية)) ٣: ٧٥ - ٧٩.
(٢) فى المطبوعة: ((وعلمه به)) بزيادة الواو، وهى فاسدة، والصواب من المخطوطة.

٢٦٧
تفسير سورة البقرة : ٢٤٣
وهم ألوف حذر الموت))، قال: كانوا أربعة آلاف ، خرجوا فراراً من الطاعون،
قالوا: (( نأتى أرضاً ليس فيها موت))! حتى إذا كانوا بموضع كذا وكذا ، قال
لهم الله: ((موتوا)). فمر عليهم نبيّ من الأنبياء ، فدعا ربه أن يحييهم ، فأحياهم :
فتلاهذه الآية: (( إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون)).(١)
٥٥٩٧ - حدثنا أحمد بن إسحق قال ، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا سفيان ،
عن ميسرة النهدى، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ((ألم تر إلى
الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوفٌ حذر الموت ))، قال : كانوا أربعة آلاف
خرجوا فراراً من الطاعون ، فأماتهم اللّه، فمر عليهم نبىّ من الأنبياء ، فدعا ربه
أن يحييهم حتى يعبدوه ، فأحياهم .
٥٥٩٨ - حدثنا محمد بن سهل بن عسكر قال، أخبرنا إسماعيل بن عبد الكريم
قال ، حدثنى عبد الصمد : أنه سمع وهب بن منبه يقول : أصاب ناساً من بنى
إسرائيل بلاءٌ وشدةً من الزمان، فشكوا ما أصابهم وقالوا: (( يا ليتنا قد متنا فاسترحنا
مما نحن فيه))! فأوحى الله إلى حزقيل: إن قومك صاحوا من البلاء ، وزعموا أنهم
ودُّوا لو ماتوا فاستراحوا، وأى راحة لهم فى الموت ؟ أيظنون أنى لا أقدر أن أبعثهم
بعد الموت ؟ فانطلق" إلى جبَّانة كذا وكذا ، فإن فيها أربعة آلاف = قال وهب :
وهم الذين قال الله: (( ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوفٌ حذرَ الموت)) =
فقم فيهم فنادهم ، وكانت عظامهم قد تفرقت ، فرَّقتها الطير والسباع . فناداها
حزقيل فقال (٢): ((يا أيتها العظام، إن الله يأمرك أن تجتمعى))!فاجتمع عظام كل
(١) الأثران: ٥٥٩٦، ٥٥٩٧ - أخرجه الحاكم فى المستدرك ٢: ٢٨١، وقال: ((هذا
حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه))، وقال الذهبى ((ميسرة ، م یرویا له وروى له البخارى فى
الأدب المفرد. وانظر ابن كثير ١: ٥٩٠، والدر المنثور١: ٣١٠. و((ميسرة))، هو: ((ميسرة
بن حبيب النهدى )» ، مترجم فى التهذيب .
(٢) فى المخطوطة: ((فناداه))، وعلى الهاء من فوق حرف ((ط))، وفى الدر المنثور ١: ٣١١
((فنادى حزقيل))، وفى المطبوعة: ((فناداهٍ))، وأثبت ما فى تاريخ الطبرى ١: ٢٣٧.

٢٦٨
تفسير سورة البقرة : ٢٤٣
إنسان منهم معاً . (١) ثم نادى ثانية حزقيل فقال: ((أيتها العظام، إن الله يأمرك أن
تكتسى اللحم))، فاكتست اللحم، وبعدَ اللحم جلداً، فكانت أجساداً . ثم
نادى حزقيل الثالثة فقال: ((أيتها الأرواح، إن الله يأمرك أن تعودى فى أجسادك))! (٢)
فقاموا بإذن اللّه، وكبروا تكبيرة واحدة. (٣)
٥٥٩٩ - حدثنی محمد بن سعد قال، حدثنی ابی قال ، حدثنی عمى قال ،
حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم
وهم ألوف)) ، يقول: عدد كثيرٌ، خرجوا فراراً من الجهاد فى سبيل اللّه ، فأماتهم
اللّه، ثم أحياهم وأمرهم أن يجاهدوا عدوًّهم، فذلك قوله: ﴿وَ قَتِلُوا فِى سَبِيلِ اللهِ وَأَعْلَمُوا
٣٦٦/٢ أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).
٥٦٠٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن أشعث
ابن أسلم البصرى قال : بينما عمر يصلى ويهوديان خلفه = وكان عمر إذا أراد أن
يرْكع خوَّى = (٤) فقال أحدهما لصاحبه، (٥) أهو هو؟ فلما انفتل عمر قال: (٦)
(١) بعد هذا فى الدر المنثور ١: ٣١١: [ ثم قال: ((أيَّتُها العظامُ، إنَّ الله
يأمُرُك أن ينبتَ العصب والعقب))، فتلازمت واشتدّت بالعصب والعقب ]. وفى تاريخ
الطبرى: ((يا أيتها العظام النخرة)».
(٢) فى المطبوعة: إلى أجسادك))، وأثبت ما فى المخطوطة، وتاريخ الطبرى، والدر المنثور.
(٣) الأثر: ٥٥٩٨: ((محمد بن سهل بن عسكر)) التميمى، أبو بكر النجارى الحافظ الجوال
قال النسائى وابن عدى: ((ثقة)) سكن بغداد ومات بها سنة ٢٥١، مترجم فى التهذيب و«إسماعيل بن
عبد الكريم بن معقل بن منبه الصنعانى))، روى عن ابن عمه إبراهيم بن عقيل ، وعمه عبد الصمد بن
معقل، وروى عنه أحمد بن حنبل ، قال النسائى: ليس به بأس، وذكره ابن حبان فى الثقات.
توفى باليمن سنة ٢١٠ . مترجم فى التهذيب .
والأثر رواه الطبرى بهذا الإسناد فى التاريخ ١: ٢٣٧، والدر المنثور ١: ٣١١.
(٤) خوى الرجل فى بهوده: تجافى وفرج ما بين عضديه وجنبيه وفى الحديث: أن النبى صلى الله
عليه وسلم كان إذا حجد خوى .
(٥) فى المطبوعة: ((فقال أحدهم))، والصواب من المخطوطة وتاريخ الطبرى.
(٦) انفتل فلان من صلاته: انصرف بعد قضائها، ومثله: ((فتل وجهه عن القوم))، صرفه
ولواه عنهم

٢٦٩
تفسير سورة البقرة : ٢٤٣
أرأيتَ قول أحدكما لصاحبه: أهو هو؟(١) فقالا: إنا نجدهُ فى كتابنا: (٢) «قَرْناً
من حديد، يُعْطَى ما يُعطَى حزقيل الذى أحيى الموتى بإذن الله)). فقال عمر. ما نجد
فى كتاب الله ((حزقيل)) ولا ((أحيى الموتى بإذن الله))، إلا عيسى، فقالا: أما
تجد فى كتاب اللّه ﴿وَرُسُلَاً لَمَّ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾،(٣) [ سورة النساء: ١٦٤]،
فقال عمر : بلى ! قالا : وأما إحياء الموتى فسنحدّثُك : إن بنى إسرائيل
وقع عليهم الوباء ، فخرج منهم قوم حتى إذا كانوا على رأس ميل أمانهم اللّه ،
فبنوا عليهم حائطاً ، حتى إذا بليت عظامهم بعثَ اللّه حِزْقيل فقام عليهم فقال
ما شاء الله، (٤) فبعثهم الله له، فأنزل الله فى ذلك: (( ألم تر إلى الذين خرجوا من
ديارهم وهم ألوف))، الآية . (٥)
٥٦٠١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن الحجاج
ابن أرطأة قال : كانوا أربعة آلاف.
(١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((رأيت)) بغير همزة استفهام، والصواب من الطبرى، والدر المنثور.
وقول العرب ((أرأيت كذا))، يريدون به معنى الاستخبار، بمعنى أخبرنى عن كذا .
(٢) فى المطبوعة وتاريخ الطبرى: ((إنا نجد فى كتابنا))، وفى المخطوطة والدر المنثور: ((نجده))
وهو الذى أثبت. وفى تاريخ الطبرى بعد ((يعلى ما أعطى حزقيل)). والقرن ( بفتح فكون): الحصن،
والقرن أيضاً : الجبيل المنفرد. وقرن الجبل : أعلاه .
(٣) فى المطبوعة: ((رسلا لم يقصصهم)) بحذف الواو، وبالياء من ((يقصصهم))، وفى المخطوطة
كذلك إلا أن ((الياء ، غير منقوطة، وأثبت نص الآية، على ما جاءت فى تاريخ الطبرى.
(٤) فى المطبوعة: ((فقام عليهم ما شاء الله))، والصواب من المراجع والمخطوطة.
(٥) الأثر: ٥٦٠٠ - رواه الطبرى فى تاريخه١: ٢٣٨، وأخرجه السيوطى فى الدر المنثور
١: ٣١١. وفى المطبوعة والمخطوطة والدر: ((أشعث بن أسلم البصرى))، وفى التاريخ ((أشعث عن سالم
النصری »، و «أشعث بن أسلم العجلى البصری ثم الربمی) ، روى عن أبيه أنه رأى أبا موسى الأشعرى،
روى عنه سعيد بن أبى عروبة. مترجم فى ابن أبى حاتم ٢٦٩/١/١. وأما (( سالم النصرى)» ، فهو :
سالم بن عبد الله النصرى، هو ((سالم سبلان))، مترجم فى التهذيب وابن أبى حاتم ١٨٤/١/٢، روى
من عثمان وعائشة وأبى سعيد، وأبى هريرة. روى عنه سعيد المقبرى، وبكير بن عبد الله وغيرهما.
وأنا أظن أن الذى فى التاريخ أقرب إلى الصواب .

٢٧٠
تفسير سورة البقرة : ٢٤٣
٥٦٠٢ - حدثی موسی بن هرون قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ،
عن السدى: ((ألم ترإلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف)) إلى قوله: (( ثم أحياهم))،
قال : كانت قرية يقال لها داوَرْدان قِبَل واسط ، (١) وقع بها الطاعون ، فهرب
عامة أهلها فنزلوا ناحية منها ، فهلك من بقى فى القرية ، وسلم الآخرون ، فلم يمت
منهم كبيرٌ . (٢) فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين ، فقال الذين بقوا: أصحابنا هؤلاء
كانوا أحزمَ منا، لو صنعنا كما صنعوا بقينا! ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجن معهم .
فوقع فى قابل فهربوا ، وهم بضعة وثلاثون ألفاً ، حتى نزلوا ذلك المكان ، وهو واد
أفيح، (٢) فناداهم ملّك من أسفل الوادى وآخر من أعلاه: أنْ موتوا ! فماتوا ،
حتى إذا هلكوا وبليت أجسادهم، مرَّ بهم نبى يقال له حِزْقيل، فلما رآهم وقف
عليهم فجعل يتفكر فيهم ويلوِّى شدقه وأصابعه، (٤) فأوحى الله إليه : يا حزقيل،
أتريد أن أريك فيهم كيف أحييهم ؟ = قال : وإنما كان تفكُّره أنه تعجّب من
قدرة الله عليهم = فقال: نعم! فقيل له: ناد! فنادى: (( يا أيتها العظام، إن الله
يأمرك أن تجتمعى!))، فجعلت تطير العظام بعضها إلى بعض، حتى كانت أجساداً
من عظام، ثم أوحى الله إليه أنْ نادٍ: ((يا أيتها العظام، إن الله يأمرك أن تكتسى لحماً)،
فاكتست لحماً ودماً ، وثيابها التى ماتت فيها وهى عليها . ثم قيل له : ناد ! فنادى :
((يا أيتها الأجساد إن الله يأمرك أن تقومى))، فقاموا.
٥٦٠٣ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، قال :
فزعم منصور بن المعتمر، عن مجاهد: أنهم قالوا حين أُحيُوا: ((سبحانك ربنا وبحمدك
(١) فى المخطوطة: ((دار وردان)) بزيادة راء، والصواب ما فى تاريخ الطبرى، والدر المنثور،
ومعجم البلدان ، وهى من نواحى شرق واسط ، بينهما فرسخ .
(٢) فى التاريخ: ((فلم يمت منهم كثير)).
(٣) الأفيح والفياح: الواسع المنتشر النواحى، ويقال : روضة فيحاء ، من ذلك.
(٤) فى المطبوعة: ((يلوى شدقيه))، وأثبت ما فى المخطوطة وتاريخ الطبرى. ولوى شدقه:
أماله متعجباً مما يرى ويشهد .

٢٧١
تفسير سورة البقرة : ٢٤٣
لا إله إلا أنت))، فرجعوا إلى قومهم أحياء يُعرفون أنهم كانوا موقى، تَحْنة الموت
على وجوههم، (١) لا يلبسون ثوباً إلا عاد دَسماً مثل الكفن، (٢) حتى ماتوا
لآجالهم التى كُتبت لهم. (٣).
٥٦٠٤ - حدثنا أحمد بن إسحق قال،حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا عبدالرحمن
ابن عوسجة، عن عطاء الخراسانى: ((ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف))،
قال : كانوا ثلاثة آلاف أو أكثر .
٥٦٠٥ - حدثنا القاسم قال،حدثنا الحسین قال ، حدثنی حجاج ، عن ابن
جريج قال ، قال ابن عباس: كانوا أربعين ألفاً وثمانية آلاف، (٤) حُظِر عليهم
حظائر، وقد أروحت أجسادهم وأنتنوا ، (٥) فإنها لتوجد اليوم فى ذلك السبط من
اليهود تلك الريح، وهم ألوف فراراً من الجهاد فى سبيل الله، فأماتهم اللّه ثم أحياهم،
فأمرهم بالجهاد، فذلك قوله: ((وقاتلوا فى سبيل الله)) الآية .
٥٦٠٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال ، حدثنا محمد بن إسحق ،
(١) السحنة ( بفتح فسكون): الهيئة واللون والحال، وبشرة الوجه والمنظر .
(٢) فى المخطوطة والمطبوعة: ((إلا عاد كفنا دسما))، وضبط فى التاريخ بضم الدال وسكون السين،
وهو خطأ، فإن هذا جمع أدسم ودسماء، وليس هذا مقام جمع. وقوله: (( كفنا دسما مثل الكفن )) ليس
بلسان عربى، فحذفتها وأثبت ما فى التاريخ، وأما الرواية الأخرى فى الدر المنثور فهى: ((إلا عاد كفناً
دسما))، بحذف (مثل الكفن))، فهذه أو تلك هى الصواب.
والدسم : ودك اللحم والشحم. وفلان: دسم الثوب وأدسم الثوب، إذا كان ثوبه متلطفاً وسخاً قد
علق به وضر اللحم والشحم . وأكفان الموقى دسم، لما يسيل من أجسادهم بعد تهرئهم وتعفن أبدانهم.
(٣) الأثران: ٥٦٠٢، ٥٦٠٣ - فى تاريخ الطبرى ١: ٢٣٧، ٢٣٨، والدر المنثور
١ : ٣١٠ بغير هذا اللفظ .
(٤) فى المخطوطة والمطبوعة ((أو ثمانية آلاف))، وهو لا يستقيم، والصواب فى الدر المنثور ١:
٣١١.
(٥) الحظائر جمع حظيرة: ما أحاط بالشىء، تكون من قصب وخشب، ليقى البرد والريح
والعادية . وحظر حظيرة : اتخذها. والحظر: الحبس والمنع. أروح الماء واللحم وغيرهما وأراح: تغيرت
رائحته وأنتن .

٢٧٢
تفسير سورة البقرة : ٢٤٣
٣٦٧/٢ عن وهب بن منبه أن كالب بن يوقنا لما قبضه الله بعد يوشع، (١) خلف فيهم - يعنى
فى بنى إسرائيل-حزقيل بن بوزى = (٢) وهوابن العجوز، وإنما سمى (ابن العجوز))
أنها سألت الله الولد وقد كبرت وعقمت، فوهبه الله لها، فلذلك قيل له ((ابن
العجوز)) = وهو الذى دعا القوم الذين ذكر الله فى الكتاب لمحمد صلى الله عليه
وسلم كما بلغنا: (( ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم
اللّه موتوا ثم أحياهم إن اللّه لذوفضل على الناس ولكن"أكثر الناس لا يشكرون)). (٣)
٥٦٠٧ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثنى محمد بن إسحق
قال : بلغنى أنه كان من حديثهم أنهم خرجوا فراراً من بعض الأوباء = من الطاعون،
أو من سُقم كان يصيب الناس = حذراً من الموت وهم ألوف ، حتى إذا نزلوا.
بصعيد من البلاد قال لهم الله: ((موتوا))، فماتوا جميعاً . فعمد أهل تلك البلاد فحظّروا
عليهم حظيرةً دون السباع ، ثم تركوهم فيها ، وذلك أنهم كثروا عن أن يغيِّبوا .
فرت بهم الأزمان والدهور، حتى صاروا عظاماً نخرة،فمرّ بهم حزقیل بن بوزى، (٢)
فوقف عليهم ، فتعجب لأمرهم ودخلته رحمة لهم، (٤) فقيل له : أتحب أن يحييهم
الله؟ فقال: نعم! فقيل له : نادهم فقل: (٥) ((أيّها العظامُ الرميمُ التى قد رمَّتْ
وبكيت، ليرجع كل عظم إلى صاحبه)). فتاداهم بذلك ، فنظر إلى العظام تَواثب
يأخذ بعضها بعضاً، ثم قيل له: قل: ((أيها اللحم والعصب والجلدُ، اكسُ العظام بإذن
ربك))، قال: فنظر إليها والعصب يأخذ العظامَ ثم اللحم والجلد والأشعار، حتى
استووا خلقاً ليست فيهم الأرواح. ثم دعا لهم بالحياة ، فتغشاه من السماء شىء
(١) فى التاريخ: ((يرفنا)) بالفاء.
(٢) فى التاريخ: ((برضى)) بالذال.
(٣) الأثر: ٥٦٠٦ - فى تاريخ الطبرى ١: ٢٣٧، ثم ٢٣٨ مختصراً، والدر المنثور:
١ : ٠٣١١
(٤) فى المخطوطة والمطبوعة: ((ودخله رحمة ... ))، وأثبت ما فى تاريخ الطبرى.
(٥) فى المخطوطة والمطبوعة: ((نادهم فقال ... ))، والصواب من التاريخ.

٠ ٢٧٣
تفسير سورة البقرة : ٢٤٣
كَرَبَه حتى غُشى عليه منه، (١) ثم أفاق والقوم جلوس يقولون: ((سبحان الله
سبحان الله))، قد أحياهم الله. (٢)
٠٠٠
وقال آخرون: معنى قوله: ((وهم ألوف))، وهم مؤتلفون. (٣)
• ذكر من قال ذلك :
٥٦٠٨ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب، قال ابن زيد فى قول الله: ((ألم
ترإلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم اللّه موتوا ثم أحياهم)»،
قال : قرية كانت نزل بها الطاعون ، فخرجت طائفة منهم وأقامت طائفة ، فألح
الطاعون بالطائفة التى أقامت ، والتى خرجت لم يصبهم شىء . (٤) ثم ارتفع ، ثم
نزل العامَ القابل، فخرجت طائفة أكثر من التى خرجت أوَّلاً ، فاستحرَّ الطاعون
بالطائفة التى أقامت. فلما كان العام الثالث، نزل فخرجوا بأجمعهم وتركوا ديارهم،
فقال الله تعالى ذكره: ((ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف))، ليست
الفُرْقة أخرجتهم، كما يخرج للحرب والقتال، قلوبهم مؤتلفة، إنما خرجوا فراراً .
فلما كانوا حيث ذهبوا يبتغون الحياة، قال لهم الله: ((موتوا))، فى المكان الذى ذهبوا
إليه يبتغون فيه الحياة. فماتوا، ثم أحياهم الله، ((إن الله لذو فضل على الناس
ولكن أكثر الناس لا يشكرون )). قال: ومر بها رجل وهى عظام تلوح، (٥) فوقف
(١) فى المخطوطة: ((فتنساه من السماء كربه)) غير منقوطة. وفى المطبوعة: ((فتغشاهم من السماء
كدية))، وهذا كلام بلا معنى، وما أثبته هو نص الطبرى فى التاريخ. وكربه الأمر: غشيه واشتد
عليه وأخذ بنفسه ، فهو مكروب النفس .
(٢) الأثر: ٥٦٠٧ - فى تاريخ الطبري ١ : ٢٣٨.
(٣) يعنى أنه جمع ((إلف)) (بكسر الهمزة وسكون اللام). وقال ابن سيده فى ((ألوف)):
((وعندى أنه جمع آلف، كشاهد وشهود)»، وانظر سائر كتب التفسير.
(٤) فى المطبوعة: ((لم يصبها))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٥) لاح البرق والسيف والعظم يلوح: تلألأ والمح، وذلك لبياض العظام فى ضوء الشمس.
ج . (١٨)

٢٧٤
تفسير سورة البقرة : ٢٤٣
٠٠٠
ينظر فقال: ((أنَّى يُحيى هذه اللّه بعد موتها؟))، فأماته الله مئة عام. (١)
٠٠٠
• ذكر الأخبار عمن قال : كان خروج هؤلاء القوم من ديارهم فراراً
من الطاعون .
٥٦٠٩ - حدثناعمرو بن على قال، حدثنا ابن أبى عدى ، عن الأشعث ،
عن الحسن فى قوله: ((ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت))،
قال : خرجوا فراراً من الطاعون ، فأماتهم قبل آجالهم ، ثم أحياهم إلى آجالهم .
٥٦١٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن الحسن فى قوله: (( ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر
الموت))، قال: فرّوا من الطاعون، فقال لهم الله: ((موتوا))، ثم أحياهم ليكملوا
بقيّة آجالهم .
٣٦٨/٢
٥٦١١ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح، عن عمرو بن دينار فى قول الله تعالى ذكره: ((ألم تر إلى الذين
خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت )) ، قال : وقع الطاعون فى قريتهم ،
فخرج أناسٌ وبقى أناس، فهلك الذين بقوا فى القرية ، وبقى الآخرون . ثم وقع
الطاعون فى قريتهم الثانية، فخرج أناسٌ وبقى أناس، ومن خرجَ أكثر ممن بقى .
فنجى الله الذين خرجوا ، وهلك الذين بقوا . فلما كانت الثالثة خرجوا بأجمعهم
إلا قليلا، فأماتهم الله ودوابَّهم، ثم أحياهم فرجعوا إلى بلادهم [ وقد أنكروا قريتهم،
ومن تركوا]. وكثروا بها، يقول بعضهم لبعض: من أنتم ؟(٢)
(١) الأثر: ٥٦٠٨ - أخرجه السيوطى فى الدر المنثور ١: ٣١١ مختصراً. وسيأتى مختضراً
برقم : ٥٩٠٥ .
قریتهم ومن تر کوا ، وکثروا بها ،
(٢٠) فى المخطوطة: ((فرجعوا إلى بلادهم، وقد
يقول بعضهم لبعض ))، بياض بين الكلام، أما المطبوعة فقد أسقطت هذا البياض، فجعلت الكلام:
((فرجعوا إلى بلادهم وكثروا بها، حتى يقول بعضهم لبعض))، بزيادة ((حتى))، فآثرت أن استظهر معنى
الكلام ، فأثبت ما فى المخطوطة، وظننت أن مكان البياض ما أثبت . هذا ولم أجد هذا الأثر فى مكان آخر.

٢٧٥
تفسير سورة البقرة : ٢٤٣
٥٦١٢ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح قال: سمعت عمرو بن دينار يقول : وقع الطاعون فى قريتهم - ثم ذكر
نحو حديث محمد بن عمرو، عن أبى عاصم .
٥٦١٣ - حدثنا بشربن معاذ قال ، حدثنا سويد قال حدثنا سعيد ، عن
قتادة: ((ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف)) الآية، مقتهم الله على
فرارهم من الموت ، فأماتهم اللّه عقوبة، ثم بعثهم إلى بقية آجالهم ليستوفوها ، ولو
كانت آجال القوم جاءت ما بُعثوا بعد موتهم .
٥٦١٤ - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن
أبيه ، عن حصين، عن هلال بن يساف فى قوله تعالى: ((ألم تر إلى الذين خرجوا))
الآية ، قال : هؤلاء قوم من بنى إسرائيل، (١) كان إذا وقع فيهم الطاعون خرج
أغنياؤهم وأشرافهم ، وأقام فقراؤهم وسِفِلتهم. قال: فاستحرَّ الموت على المقيمين
منهم ، ونجا من خرج منهم . فقال الذين خرجوا : لو أقمنا كما أقام هؤلاء ،
لهلكنا كما هلكوا ! وقال المقيمون: لو ظعنًا كما ظعن هؤلاء ، لنجونا كما نجوا !
فظعنوا جميعاً فى عام واحد ، أغنياؤهم وأشرافهم وفقراؤهم وسِفْلتهم . فأرسل عليهم
الموت فصاروا عظاماً تبرُق . قال : فجاءهم أهل القرى فجمعوهم فى مكان واحد ،
فمرّ بهم نبى فقال: ياربّ لو شئت أحييتَ هؤلاء فعمروا بلادك وعبدوك! قال: أوّ
أحبُّ إليك أن أفعل؟ قال: نعم! قال: فقل: كذا وكذا، فتكلم به، فنظر إلى العظام،
وإن العظم ليخرج من عند العظم الذى ليس منه إلى العظم الذى هو منه . ثم تكلم
بما أمر، فإذا العظام تُكسى لحماً. ثم أُمر بأمرٍ فتكلم به، فإذا هم قعود يسبحون
ويكبّرون . ثم قيل لهم: ﴿فَاتِلُوا فِى سَبِيلِ الله وَأَعلَمُواْ أَنَّ اللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
(١) فى المطبوعة: ((كان هؤلاء القوم من بنى إسرائيل، إذا وقع فيهم الطاعون)) وفى المخطوطة:
((كان هؤلاء قوماً من بنى إسرائيل، كان إذا وقع ... ))، وضرب الناسخ على ألف ((قوياً))، وجعلها
((قوم))، فتبين لى أن ((كان)) زائدة من الناسخ، كما جاءت على الصواب فى الدر المنثور ١: ٣١١.

٢٧٦
تفسير سورة البقرة : ٢٤٣
٥٦١٥ - حدثنی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، أخبرنی سعید بن أبى
أيوب ، عن حماد بن عثمان ، عن الحسن : أنه قال فى الذين أماتهم اللّه ثم أحياهم
قال: هم قوم فرُّوا من الطاعون، فأماتهم اللّه عقوبة ومقتاً، ثم أحياهم لآجالهم.(١)
٠
قال أبو جعفر: وأولى القولين فى تأويل قوله: ((وهم ألوف)) بالصواب ،
قول من قال: «عنی بالألوفكثرة العدد» = دون قول من قال: (( عنى به الائتلاف»،
بمعنى ائتلاف قلوبهم ، وأنهم خرجوا من ديارهم من غير افتراق كان منهم ولا
تباغض ، ولكن فراراً: إما من الجهاد ، وإما من الطاعون = لإجماع الحجة على
أن ذلك تأويل الآية، ولا يعارض بالقول الشاذ ما استفاض به القول من الصحابة
والتابعين .
٠
وأولى الأقوال - فى مبلغ عدد القوم الذين وصف الله خروجهم من ديارهم -
بالصواب، قولُ من حدَّ عددهم بزيادة عن عشرة آلاف، دون من حده بأربعة
آلاف، وثلاثة آلاف، وثمانية آلاف. وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عنهم
أنهم كانوا ألوفاً، وما دون العشرة آلاف لا يقال لهم: ((ألوف)). وإنما يقال
(((هم آلاف))، إذا كانوا ثلاثة آلاف فصاعداً إلى العشرة آلاف . وغير جائز
أن يقال هم خمسة ألوف، أو عشرة ألوف .
٣٦٩/٢
وإنما جمع قليله على ((أفعال))، (٢) ولم يجمع على ((أفعُل)) = مثل سائر الجمع
القليل الذى يكون ثانى مفرده ساكناً(٣) للألف التى فى أوله . وشأن العرب فی کل
(١) الأثر: ٥٦١٥ - ((حماد بن عثمان))، روى عن عبد العزيز الأعمى عن أنس. دوى
عنه سعيد بن أبى أيوب، وروى عن الحسن البصرى قال ابن أبى حاتم: «سألت أبي عن حماد بن عثمان
فقال: هو مجهول)). ترجم له البخارى فى الكبير ٢٠/١/٢، وابن أبى حاتم ١٤٤/٢/١.
(٢) فى المخطوطة: ((وإنما جمع قليله وكثيره على أفعال))، وزيادة (كثيره)) عنئاً، والصواب
ما فى المطبوعة .
(٣) فى المخطوطة: ((وعلى سائر مثل الجمع القليل))، والصواب ما فى المطبوعة.

٢٧٧
تفسير سورة البقرة : ٢٤٣
حرف كان أوله، ياءً أو واواً أو ألفاً ، اختيارُ جميع قليله على أفعال ، كما جمعوا
((الوقت)) ((أوقاتاً)) و((اليوم))(( أياماً)، و((اليسر)) و((أيساراً ))، للواو والياء اللتين
فى أول ذلك. وقد يجمع ذلك أحياناً على ((أفعُل))، إلا أن الفصيح من
كلامهم ما ذكرنا ، ومنه قول الشاعر : (١)
كَانُوا ثَلاَثَةً آلُفٍُ وَكَتِبَةً
أَلْفَيْنِ أَعْجَمَ مِنْ بَنِى القَدَّامِ(٢)
#
٠
وأما قوله: ((حذر الموت))، فإنه يعنى أنهم خرجوا من حذر الموت ، فراراً
منه ، (٣) كما : -
٥٦١٦ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال ،
(١) هو بكير ، أصم بنى الحارث بن عباد.
(٢) النقائض: ٦٤٥، وتاريخ الطبرى ٢: ١٥٥، والأغانى ٢٠: ١٣٩، والسان (ألف)
وغيرها . وهذا البيت من أبيات له فى يوم ذى قار ، وهو اليوم الذى انتصفت فيه العرب من العجم ،
وهزمت كسرى أبرويز بن هرمز . وكانت وقعة ذى قار بعد يوم بدر بأشهر ، فلما بلغ رسول الله صلى الله
عليه وسلم خبرها قال: ((هذا يوم انتصفت فيه العرب من العجم ، وبی نصروا )» . و کانت بنو شبان فى
هذا اليوم أهل جد وحد ، فمدحهم الأعثى وبكير الأمم .
هذا وقد روى الطبرى هنا ((كانوا ثلاثة آلف))، ورواية المراجع جميعاً:
((عَرَبَا ثَلاَثَةَ آلٍُ : .. ))
وذلك أن كسرى عقد النعمان بن زرعة على تغلب والنمر ، وعقد لخالد بن يزيد البهرانى على قضاعة
وإياد، وعقد لإياس بن قبيصة على جميع العرب، ومعه كتيبتاه : الشهباء والدوسر ، فكانت العرب ثلاثة
آلاف. وعقد أيضاً لهامرز التسترى على ألف من الأساورة ، وعقد لخنابزين على ألف ، فكانت العجم
ألفين. (الأغانى ٢٠ / ١٣٤)، فهذا تصحيح الرواية المجمع عليها وبيانها، وأول هذه الأبيات :
فَأَسْقِ عَلَى كَرَمٍ بَنِ هِمَّامِ
إِنْ كُنْتِ سَاقِيَةَ المُدَامَةِ أَهْلَها
سَبَقَ بِغَايَةِ أَجَدِ الأُيَّامِ
وَأَبَ رَبِيعَةً كُلُّهَا وَمُحَلَّاً
بِلَشْرَفِيٌّ على مَقِيل الهَمِ
ضَرَبُوا تَنِى الأَحْرَارِ يَوْمَ لَقُومُ
أَلُفٍ
عرباً ثلاثَةً
وعنى بقوله: ((بنى الغدام))، الفرس. وذلك أن المجوس كان مما يتدينون به أنهم إذا سقوا شراباً،
شدوا على أفواههم خرقة كالشام ، فسميت هذه الطائفة منهم : بنو الفدام .
(٣) انظرما سلف ١: ٣٥٤، ٣٥٥ فى تفسير: ((حذر الموت)) وإعرابها.
٠

٢٧٨
تفسير سورة البقرة : ٢٤٣
حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((حذر الموت ))، قراراً من عدوّهم،
حتى ذاقوا الموت الذى فروا منه. فأمرهم فرجعوا، وأمرهم أن يقاتلوا فى سبيل اللّه،
وهم الذين قالوا لنبيهم: ﴿أَبْعَثْ لَنَاَ مَنِكاً نُقَاتِلْ فِى سَبِيلِ اللهِ﴾ [ سورة البقرة: ٢٤٦].
٠ ٠
قال أبو جعفر: وإنما حث اللّه تعالى ذكره عبادَه بهذه الآية ، على المواظبة
على الجهاد فى سبيله، (١) والصبر على قتال أعداء دينه . وشجعهم بإعلامه إياهم
وتذكيره لهم، أنّ الإماتة والإحياءَ بيديه وإليه، دون خلقه = وأنّ الفرار من القتال
والهرب من الجهاد ولقاء الأعداء، إلى التحصُّن فى الحصون، والاختباء فى المنازل والدور،
غير منجٍ أحداً من قضائه إذا حل بساحته ، ولا دافع عنه أسبابَ منيته إذا نزل
بعقْوته، (٢) كما لم ينفع الهاربين من الطاعون = الذين وصف الله تعالى ذكره
صفتهم فى قوله: ((ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت) =
فرارُهم من أوطانهم، وانتقالهم من منازلهم إلى الموضع الذى أمَّلوا بالمصير إليه السلامة،
وبالموثل النجاة من المنية، حتى أتاهم أمر الله فتركهم جميعاً خموداً صرعى ، وفى
الأرض هلكى، ونجا مما حلّ بهم الذين باشروا كَرْب الوباء، وخالطوا بأنفسهم
عظيم البلاء .
القول فى تأويل قوله ﴿ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَ كْثَرَ
النَّاسِ لَا يَشْكَرُونَ﴾
٢٤٣
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بذلك: إن الله لذو فضل من. على خلقه،
بتبصيره إياهم سبيل الهدى، وتحذيره لهم طريق الرَّدى، وغير ذلك من نعمه التى
(١) فى المطبوعة: ((فى سبيل الله) وأثبت ما فى الخطوة.
(٢) فى المخطوطة والمطبوعة: ((بعقوبته))، وهى فى المخطوطة غير منقوطة. وحقوق الدار:
ساحتها وما حولها قريباً منها . يقال : نزل بعقوته، ونزلت الخيل بعقوة العلو.

٢٧٩
تفسير سورة البقرة : ٢٤٣
يُنْعمها عليهم فى دنياهم ودينهم ، وأنفسهم وأموالهم - كما أحيى الذين خرجوا من
ديارهم وهم ألوفٌ حذر الموت بعد إماتته إياهم، وجعلهم لخلقه مثلا وعظةً
يتعظون بهم ، وعبرة يعتبرون بهم، وليعلموا أن الأمور كلها بيده ، فيستسلموا
لقضائه ، ويصرفوا الرغبة كلها والرهبة إليه . (١)
ثم أخبر تعالى ذكره أنّ أكثر من يُنعم عليه من عباده بنعمه الجليلة، ويُمُنّ
عليه بمننه الجسيمة ، يكفُر به ويصرف الرغبة والرهبة إلى غيره، ويتخذ إلهاً من دونه ،
كفراناً منه لنعمه التى يوجب أصغرُها عليه من الشكر ما يفدَحُه، ومن الحمد
ما یُثقله، فقال تعالى ذكره: (( ولكن أكثر الناس لا یشکرون»، يقول: لا يشكرون
نعمتى التى أنعمتها عليهم ، وفضلى الذى تفضّلت به عليهم ، بعبادتهم غيرى ،
وصرفهم رغبتهم ورهيتهم إلى مَنْ دونى ممن لا يملك لهم ضرا ولا نفعاً، ولا يملك
موتاً ولا حياةً ولا نُشوراً. (٢)
(١) فى المطبوعة: ((فيستسلمون ... ويصرفون))، وفى المخطوطة: ((فيستسلمون ... ويصرفوا))
(٢) عند هذا الموضع انتهى جزء من التقسيم القديم ، وفى المخطوطة بعده ما نصه:
((وصلَّى الله على سيدنا محمد النبيّ وعلى آله وسلم كثيراً)).
ثم يبدأ التقسيم التالى بما نصه :
((بسم الله الرحمن الرحيم
ربّ أُعنْ))

٢٨٠
تفسير سورة البقرة : ٢٤٤
القول فى تأويل قوله ﴿وَقْلُواْ فِى سَبِيلِ اللهِ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ
سَمِيعٌ عَلِيمْ) (١)
قال أبو جعفر : یعنی تعالى ذكره بذلك : وقاتلوا ، أيها المؤمنون = « فی سبیل
اللّه))، يعنى: فى دينه الذى هداكم له، (١) لا فى طاعة الشيطان = أعداء"
دينكم، (٢) الصادين عن سبيل ربكم ، ولا تحتموا عن قتالهم عند لقائهم ، ولا
٣٧٠/٢ تجبنوا عن حربهم، (٣) فإن بيدى حياتكم وموتكم. ولا يمنعنَّ أحدكم من لقائهم
وقتالهم حذرُ الموت وخوفُ المنية على نفسه بقتالهم، فيدعوه ذلك إلى التَّعْريد عنهم
والفرار منهم ، (٤) فتذلوا، ويأتيكم الموت الذى خفتموه فى مأمنكم الذى وأنتم
إليه، (*) كما أتى الذين خرجوا من ديارهم فراراً من الموت ، الذين قصصت عليكم
قصتهم ، فلم ينجهم فرارُهم منه من نزوله بهم حین جاءهم أمری، وحل بهم قضائى؛
ولا ضرَّ المتخلِّفين وراءهم ما كانوا لم يحذروه، إذ دافعت عنهم مناياهم ، وصرفتُها
عن حوبائهم ، (٦) فقاتلوا فی سبیل الله من أمرتكم بقتاله من أعدائی وأعداء دينى،
فإنّ من حتّى منكم فأنا أحييته، (٧) ومن قتل منكم فيقضائى كان قتلُه .
(١) انظر ما سلف فى تفسير: ((سبيل الله)) ٣: ٥٨٣، ٥٩٢، والمراجع هناك.
(٢) ((أعداء ... )) مفعول (قاتلوا))، والسياق: ((قاتلوا أيها المؤمنون ... أعداء دينكم)).
(٣) فى المخطوطة ((ولا محموا عن قتاله عند لقائهم، ولا محوا عن حربهم)) غير منقوطة،
بإفراد ضمير ((قتاله))، فغيرها مصححوا المطبوعة، إذ لم يحسنوا قراءتها فجعلوها: ((ولا تجبنوا عن لقائهم،
ولا تقعدوا عن حربهم)) غيروا وبدلوا وأسقطوا وفعلوا ما شاءوا !!. وقوله: ((ولا تحتموا عن قتالهم))
من قولهم: احتميت من كذا وتحاميته: إذا اتقيته وامتنعت منه، و((من)) و((عن)) فى هذا الموضع
سواء.
(٤) فى المطبوعة: ((فيدعوه ذلك إلى التفريد))، وهو خطأ، وزاده خطأ بعض من علق على
التفسير، بشرح هذا الفظ المنكر. والتعريد: الفرار وسرعة الذهاب فى الهزيمة. يقال: ((عرد الرجل
عن قرفه »، إذا أحجم عنه ونكل وفر .
(٥) وأل إلى المكان يثل ، وزولا ووثيلا ووألا: لجأ إليه طلب النجاة. والموثل: الملبأ.
(٦) الجرباء: النفس ، أو روع القلب.
(٧) فى المطبوعة: ((فأنا أحببه))، وأثبت ما فى المخطوطة.