Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
تفسير سورة البقرة : ٢٢٥
الرجل يحلف على المعصية ، فلا يؤاخذه اللّه بتركها إن تركها. قلت : فكيف
يصنع ؟ قال : يكفر عن يمينه ويترك المعصية .
٤٤٤٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
هشيم، عن أبى بشر، عن سعيد بن جبير فى قوله: (( لا يؤاخذكم الله باللغو فى
أيمانكم))، قال: هو الرجل يحلف على الحرام ، فلا يؤاخذه الله بتركه.
٤٤٤٥ - حدثنى يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال ، أخبرنا داود ، عن
سعيد بن جبير قال فى لغو اليمين قال: هى اليمين فى المعصية، قال: أولا تقرأ فتفهم؟
قال الله: ﴿لاَ يُؤَاخِذُ كُمُ اللهُ بِالَّغْوِ فِى أَيْمَنِكُمْ وَلْكِنْ يُؤَاخِذُ كُمْ بِمَ
عَقَّدْتُمُ الأَيْمَنَ﴾ [ سورة المائدة: ٨٩]، قال: فلا يؤاخذه بالإلغاء ، ولكن
يؤاخذه بالتمام عليها . (١) قال: وقال: ((لا تجعلوا اللّه عرضة لأيمانكم)) إلى
قوله: ((فإنّ الله غفور حليم)). (٢)
٤٤٤٦ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا سويد بن نصر قال ، أخبرنا ابن
المبارك، عن هشيم ، عن أبى بشر، عن سعيد بن جبير فى قوله: (( لا يؤاخذ كم
الله باللغوفى أيمانكم))، قال: الرجل يحلف على المعصية، فلا يؤاخذه الله بتركها،
ويكفر .
٤٤٤٧ - حدثنا محمد بن المثی قال،حدثنا وهب بن جرير قال ، حدثنا
شعبة ، عن عاصم ، عن الشعبى ، عن مسروق ، فى الرجل يحلف على المعصية ،
فقال : أيكفّر خطوات الشيطان ؟ ليس عليه كفارة .
٤٤٤٨ - حدثنى ابن المشى قال، حدثنا وهب بن جرير قال ، حدثنا
شعبة ، عن عاصم ، عن عكرمة ، عن ابن عباس مثل ذلك .
٢٤٥/٢
(١) فى المطبوعة: ((بالإيفاء))، وفى المخطوطة: ((بالإيفاد))، والصواب ((بالإلغاء)) ألغى
الشىء: أبطله وأسقطه . وتم على الأمر تماماً : استمر عليه وأنفذه.
(٢) فى المخطوطة والمطبوعة: ((وات غفور حليم))، سبا الكاتب. وهذا صواب القراءة.

٤٤٢
تفسير سورة البقرة : ٢٢٥
٤٤٤٩ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا ابن أبى عدى ، عن داود ،
عن الشعبى ، فى الرجل يحلف على المعصية ، قال : كفارتها أن يتوب منها .
٤٤٥٠ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا مغيرة ، عن
الشعبى أنه كان يقول : يترك المعصية ولا يكفر ، ولو أمرتُه بالكفارة لأمرته أن
يَتِمّ على قوله.
٤٤٥١ - حدثنا يحيى بن داود الواسطى قال، حدثنا أبو أسامة، عن مجالد ،
عن عامر ، عن مسروق قال: كل يمين لا يحلّلك أن تفى بها، فليس فيها كفارة .
٠٠٠
وعلة من قال هذا القول من الأثر ، ما : -
٤٤٥٢ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو أسامة ، عن الوليد بن كثير
قال ، حدثنى عبد الرحمن بن الحارث ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن
عبد الله بن عمرو، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من نذر فيما لا يملك
فلا نذر له ، ومن حلف على معصية الله فلا يمين له ، ومن حلف على قطيعة
رَحِيمٍ فلا يمينَ له. (١) ..
٤٤٥٣ - حدثنى على بن سعيد الكندى قال ، حدثنا على بن مسهر ، عن
حارثه بن محمد ، عن عمرة ، عن عائشة قالت : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه
وسلم : منْ حلف على يمين قطيعة رحم أو معصية الله، فبِرُّه أن يحنّث بها ويرجع
عن يمينه . (٢)
#
(١) الحديث: ٤٤٥٢ - رواه الحاكم فى المستدرك ٤: ٣٠٠، من طريق الحسن بن على بن
عفان العامرى. والبيهقى فى السنن الكبرى ١٠: ٣٣، من طريق أحمد بن عبد الحميد الحارثى - كلاهما عن
أبى أسامة، بهذا الإسناد. وقال الحاكم: ((هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه)). وتعقبه الذهبى
فقال: ((عبد الرحمن: متروك))، وقال أبو حاتم: ((شيخ)) و((عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن
عياش بن أبى ربيعة)) : ثقة ، كما مضى فى : ٣٨٢٧.
ومعنى الحديث ثابت من أوجه كثيرة، مجموعاً ومفرقاً، فى المسند : ٦٧٣٢.، ٦٧٨٠، ٦٧٨١،
٠٦٩٩٠،٦٩٣٢
(٢) الحديث : ٤٤٥٣ - هذا حديث ضعيف جدا .
على بن مسهر القرشى الكوفى الحافظ : ثقة ثبت، من جمع الحديث والفقه أخرج له . الأمة الستة .

٤٤٣
تفسير سورة البقرة : ٢٢٥
وقال آخرون : اللغو من الأيمان : كل يمين وصَل الرجل بها كلامه ، على
غير قصد منه إيجابها على نفسه .
• ذكر من قال ذلك :
٤٤٥٤ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا ابن علية قال ، حدثنا
هشام قال ، حدثنا حماد ، عن إبراهيم قال : لغو اليمين ، أن يصل الرجل كلامه
بالحلف: (( واللّه ليأكلن، والله ليشربن)) ونحو هذا ، لا يتعمد به اليمين ، ولا
يريد به حلفاً . ليس عليه كفارة .
٤٤٥٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن علية ، عن هشام الدستوائى ،
عن حماد، عن إبراهيم: لغو اليمين، ما يصل به كلامه: ((واللّه لتأكلن، والله
لتشرين)).
٤٤٥٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن منصور ، عن الحكم،
عن مجاهد: (( لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم))، قال: هما الرجلان يتساومان
بالشىء، فيقول أحدهما: ((والله لا أشتريه منك بكذا))، ويقول الآخر: ((والله
لا أبيعك بكذا وكذا ) .
٤٤٥٧ - حدثنی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، أخبرنى يونس ، عن
ابن شهاب : أن عروة حدثه : أن عائشة زوج النبي صلى اللّه عليه وسلم قالت:
أيمان اللغو، ما كان فى الهزل والمراء والخصومة، والحديث الذى لا يعتمد عليه
القلب . (١)
حارثة بن محمد : هو حارثة بن أبى الرجال محمد بن عبد الرحمن ، يروى عن جدته أم أبيه عمرة بنت
عبد الرحمن، وهو ضعيف جداً. قال البخارى فى الكبير ٨٧/١/٢، والصغير: ١٧٤، والضعفاء :
١١ - ((منكر الحديث))، وقال أحمد: ((ضعيف، ليس بشىء)). وقال البخارى فى الصغير: ((لم
يعتد أحمد بحارثة بن أبى الرجال )) .
والحديث لم أجده فى شىء من المراجع .
(١) أخشى أن يكون الصواب: ((لا يعقد عليه ... )).

٤٤٤
تفسير سورة البقرة : ٢٢٥
وعلَّة من قال هذا القول من الأثر ، ما : -
٤٤٥٨ - حدثنا به محمد بن موسىالحرشی قال ، حدثنا عبيد الله بن ميمون
المرادى قال، حدثنا عوف الأعرابى، عن الحسن بن أبى الحسن قال: مرَّ رسول
اللّه صلى الله عليه وسلم بقوم ينتضلون - يعنى: يرمون - ومع النبى صلى الله
عليه وسلم رجل من أصحابه، فرمى رجل من القوم فقال : أصبت واللّه، وأخطأت!
فقال الذى مع النبى صلى الله عليه وسلم: حنث الرجل يا رسول الله ! قال:
كلا، أيمان الرُّماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة.(١)
٠٠٠
وقال آخرون : اللغو من الأيمان ، ما كان من يمينٍ بمعنى الدعاء من الحالف
على نفسه: إن لم يفعل كذا وكذا ، أو بمعنى الشرك والكفر .
• ذكر من قال ذلك :
٤٤٥٩ - حدثنى محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصرى قال ، حدثنا
إسمعيل بن مرزوق ، عن يحيى بن أيوب ، عن محمد بن عجلان ، عن زيد بن
أسلم فى قول الله: (( لا يؤاخذ كم الله باللغو فى أيمانكم))، قال : هو كقول الرجل :
((أعمى الله بصرى إن لم أفعل كذا وكذا - أخرجنى الله من مالى إن لم آتك غداً)،
فهو هذا، ولا يترك الله له مالا ولا ولداً. يقول: لو يؤاخذكم الله بهذا لم يترك
لكم شيئاً.
(١) الحديث : ٤٤٥٨ - محمد بن موسى بن نفيع الحرشى، شيخ الطبرى: ثقة، ذكره ابن
حبان فى الثقات، وقال النسائى: ((صالح)).
عبيد الله بن ميمون المرادى: لا أعرف من هو ؟ ولم أجد له ترجمة . وفى ابن كثير - عن هذا
الموضع: ((عبدالله))، بدل ((عبيد اللّه))، فلا أدرى أيهما الصحيح. والحسن بن أبى الحسن: هو
الحسن البصرى .
وهذا الحديث نقله ابن كثير ١: ٥٢٧، عن هذا الموضع. وقال: ((.بذا مرسل حسن، عن
الحسن))، ولعله أعجبه الجناس والسجع. أما المرسل فإنه ضعيف، الجهالة الواسطة بعد التابعى، كما
هو معروف .
ونقله السيوطى أيضاً ١: ٢٦٩، ولم يتسبه لغير الطبرى.

٤٤٥
تفسير سورة البقرة : ٢٢٥
٤٤٦٠ - حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال ، حدثنا إسمعيل قال ،
حدثنى يحيى بن أيوب ، عن عمرو بن الحارث ، عن زيد بن أسلم بمثله .
٤٤٦١ - حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا إسماعيل بن
مرزوق قال ، حدثنى يحيى بن أيوب ، أن زيد بن أسلم كان يقول فى قوله :
((لا يؤاخذ كم الله باللغو فى أيمانكم)»، مثل قول الرجل: ((هو كافر، وهو مشرك)).
قال : لا يؤاخذه حتى يكون ذلك من قلبه .
٢٤٦/٢
٤٤٦٢ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله :
((( لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم))، قال: اللغو فى هذا: الحلف باللّه ما كان
بالألسن، فجعله لغواً، وهو أن يقول: ((هو كافر بالله، وهو إذاً يشرك بالله،
وهو يدعو مع الله إلهاً))، فهذاا للغو الذى قال الله فى ((سورة البقرة)).
٠٠ ٠
٠
وقال آخرون : اللغو من الأيمان ما كانت فيه كفارة .
• ذكر من قال ذلك :
٤٤٦٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية
ابن صالح، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس قوله: ((لا يؤاخذكم الله
باللغو فى أيمانكم))، فهذا فى الرجل يحلف على أمر إضرار أن يفعله فلا يفعله ،
فيرى الذى هو خير منه ، فأمره الله أن يكفر يمينه ، ويأتى الذى هو خير. (١)
٤٤٦٤ - حدثنى يحيى بن جعفر قال، حدثنا يزيد بن هرون قال ، أخبرنا
جويبر، عن الضحاك فى قوله: ((لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم))، قال :
اليمين المكفرة .
وقال آخرون : اللغو من الأيمان : هو ما حنث فيه الحالف ناسياً .
. ذكر من قال ذلك :
(١) الأثر: ٤٤٦٣ - هو مختصر الأثر السالف رقم: ٤٤٠٤، وانظر التعليق هناك.

٤٤٦
تفسير سورة البقرة : ٢٢٥
٤٤٦٥ - حدثنى الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
هشيم قال ، أخبرنى مغيرة ، عن إبراهيم قال : هو الرجل يحلف على الشىء ثم
ينساه، يعنى فى قوله: ((لا يؤاخذ كم الله باللغو فى أيمانكم)).
٠
٥
٠۵
قال أبو جعفر: و((اللغو)) من الكلام فى كلام العرب، كلّ كلام كان
مذموماً وسقَطاً لامعنى له مهجوراً، (١) يقال منه: ((لغا فلان فى كلامه يلغُو لَغْواً))
إذا قال قبيحاً من الكلام، ومنه قول الله تعالى ذكره: ﴿وَ إِذَا سَمِعُوا الَّغْوَ أَعْرَضُوا
عَنْهُ﴾ [سورة القصص ٥٥]، وقوله: ﴿وَ إِذَا مَرُّوا بِالَّغْوِ مَرُّواكِرَامَا﴾ [سورة
الفرقان: ٧٢]. ومسموع من العرب: ((لَغَيْتُ باسم فلان))، بمعنى أولعت بذكره
بالقبيح. فمن قال: ((لَغَيْت))، قال: ((ألْغَى لَغاً)) وهى لغة لبعض العرب، ومنه
قول الراجز (٢):
وَرَبِّ أَسْرَابٍ حَجِيجٍ كُلَّم ◌َعَنِ الََّ وَرَفَتِ النَّكَلُّمِ(٣)
فإذا كان ((اللغو)) ما وصفت، وكان الحالفُ باللّه: ((ما فعلت كذا))
وقد فعل، ((ولقد فعلتُ كذا )) وما فعل - واصلاً بذلك كلامه على سبيل سُبُوق
لسانه من غير تعمد إثم فى يمينه، (٤) ولكن لعادة قد جرت له عند عجلة الكلام =
والقائلُ: ((والله إنّ هذا لَفُلان)) وهويراه كما قال، أو: ((والله ما هذا فلان!))
وهو يراه ليس به = والقائلُ: ((ليفعلن" كذا والله - أو: لا يفعل كذا واللّه))
على سبيل ما وصفنا من عجلة الكلام وسبوق اللسان للعادة ، (٤) على غير تعمد
(١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((وفعلا))، وهى كلمة محرفة بلا شك، والصواب فيما أرجح ((وسقطا)»
لم يجد الناسخ قراءتها فحرفها. و((أسقط)): الخطأ، وما تسقطه فلا تعتد به. وهجر يهجر هجراً: إذا
خلط فى كلامه وهذى وأفحش . والكلام مهجور .
(٢) هو رؤية بن العجاج.
(٣) مضى تخريج هذا الرجز فى ٣: ٤٨٨ - ٤٨٩.
(٤) انظر التعليق على قوله ((سبوق)) فيما سلف من هذا الجزء: ٢٨٧، تعليق: ٤/ وص: ٤٢٧

٤٤٧
تفسير سورة البقرة : ٢٢٥
حلف على باطل = والقائل: ((هو مشرك ، أو هو يهودى أو نصرانى، إن لم يفعل
كذا- أو إن فعل كذا)) من غير عزم على كفر أو يهودية أو نصرانية =(١) جميعهم
قائلون هُجْراً من القول وذميماً من المنطق، (٢) وحالفون من الأيمان بألسنتهم ما لم
تتعمد فيه الإثمَ قلوبهم =(٣) كان معلوماً أنهم لُغاةٌ فى أيمانهم، لا تلزمهم كفارة
فى العاجل ، ولا عقوبة فى الآجل ، لإخبار اللّه تعالى ذكره أنه غير مؤاخذ عباده ،
بما لغوا من أيمانهم ، وأنّ الذى هو مؤاخذهم به، ما تعمدت فيه الإثم قلوبهم.
وإذا كان ذلك كذلك = وكان صحيحاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أنه قال: ((من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها ، فليأت الذى هو خير ،
وليكفر عن يمينه)) ، فأوجب الكفارة بإتيان الحالف ما حلف أن لا يأتيه ، مع
وجوب إتيان الذى هو خير من الذى حلف عليه أن لا يأتيه ، وكانت الغرامةُ فى
المال - أو إلزام الجزاء من المجزىِّ أبْدالَ الجازين -(٤) لا شك عقوبة" کبعض
العقوباتالتى جعلها الله تعالی ذ کره نکالاً خلقه فما تعدّوا من حدوده، وإن كان
(١) سياق هذه الجمل التى وضعت قبلها الخطوط: فإذا كان اللغوما وصفت، وكان الحالف ...
والقائل ... والقائل ... والقائل ... جميعهم قائلون ... ))
(٢) الهجر من الكلام ( بضم الهاء وسكون الجيم): القول السىء القبيح، والتخليط والفحش.
(٣) قوله: ((كان معلوماً ... )) جواب قوله: ((وإذا كان اللغو ما وصفت، وكان الحالف
بالله ... )). وقوله: ((لغاة))، جمع ((لاغ)) مثل ((قاض وقضاة)).
(٤) فى المطبوعة: ((أبدان الجارين))، وفى المخطوطة ((أبدان الجازين))، وكأن الصواب
ما أثبت ، فإنه يعنى بهذا ، ما فرضه الله تعالى فى قوله فى سورة المائدة : ٩٥ :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَذْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا
فَجَزَاء مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾
وقد فسر الطبرى الجزاء هناك (٧: ٢٨) فقال: ((وعليه كفارة وبدل)). فقوله هنا: ((المجزى)) يعنى
الصيد المقتول الذى يكون جزاؤه مثله من النعم، وقوله ((من المجزى)) يعنى ((بدلا منه)). والأبدال هنا
هى الكفارات . والجازى: المكفر عن قتله الصيد بمثله من النعم .

٤٤٨
تفسير سورة البقرة : ٢٢٥
يجمع جميعها أنها تمحيص وكفارات لمن عوقب بها فيما عوقبوا عليه = (١) كان بيناً
أنّ من ألزم الكفارة فى عاجل دنياه فيما حلف به من الأيمان فحنث فيه ، وإن
كانت كفارة لذنبه، فقد واخذه الله بها بإلزامه إياه الكفارة منها ، وإن كان ما عجّل
من عقوبته إياه على ذلك ، مُسْقطاً عنه عقوبته فى آجله . وإذا كان تعالى ذكره
قد واخذه بها ، فغيرُ جائز لقائل أن يقول وقد واخذه بها : هى من اللغو الذى
لا يؤاخذ به قائله .
٢٤٧/٢
فإذا كان ذلك غيرَ جائز، فبيِّنٌ فساد القول الذى روى عن سعيد بن جبير أنه
قال: ((اللغو الحلف على المعصية))، لأن ذلك لو كان كذلك ، لم يكن على
الجالف على معصية الله كفارة بحينثه فى يمينه . وفى إيجاب سعيد عليه الكفارة ،
دليلٌ واضح على أن صاحبها بها مؤاخذ ، لما وصفنا من أن من لزمه الكفارة فى
بيمينه ، فليس من لم يؤاخذ بها .
فإذا كان (( اللغو)) هو ما وصفنا= مما أخبرنا الله تعالى ذكره أنه غير مؤاخذنا به
- وكلُ يمين لزمت صاحبها بحنثه فيها الكفارةُ فى العاجل، أو أوعد اللّه تعالى ذكره
صاحبها العقوبة عليها فى الآجل، وإن كان وضع عنہ کفارتها فى العاجل - فھی
مما كسبته قلوب الحالفين ، وتعمدت فيه الإثم نفوس المقسمين . وما عدا ذلك
فهو ((اللغو))، وقد بينا وجوهه (٢)- فتأويل الكلام إذاً: لا تجعلوا اللّه أيها المؤمنون
قوةً لأيمانكم، (٣) وحجة لأنفسكم فى إقسامكم، فى أن لا تبرُّوا ولا تتقوا ولا تصلحوا
بين الناس، فإن اللّه لا يؤاخذكم بمالَغَتْه ألسنتكم من أيمانكم فنطقت به من قبيح
(١) سياق هذه الجملة: ((وإذ كان ذلك كذلك، وكان صحيحاً عن رسول الله ... وكانت
الغرامة فى المال ... كان بيناً أن ... ))
(٢) سياق هذه الجملة: فإذا كان اللغو هو ما وصفنا ... وكل يمين لزمت صاحبها بحنثه ...
فهى مما كسبته قلوب الحالفين ... فتأويل الكلام إذا ... ))
(٣) فى المطبوعة: ((عرضة لأيمانكم))، والصواب ما أثبت من المخطوطة.

٤٤٩
تفسير سورة البقرة : ٢٢٥
الأيمان وذمیمھا، على غیر تعمّد کم الإم، وقصد کم بعزائم صدوركم إلى إيجاب
عقْد الأيمان التى حلقتم بها، ولكنه إنما يؤاخذكم بما تعمدتم فيه عقد اليمين وإيجابها
على أنفسكم، وعزمتم على الإنمان على ما حلفتم عليه بقصدٍ منكم وإرادة ، (١)
فيلزمكم حينئذ إمّا كفارة فى العاجل ، وإمّا عقوبة فى الآجل .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُ كُم بِاَ كَسَبَتْ
قُلُوبُكُمْ ﴾
قال أبو جعفر : اختلف أهل التغريل فى المعنى الذى أوعد الله تعالى ذكره
بقوله: ( ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم)) عبادَه أنه مؤاخذهم به ، (٢) بعد
إجماع جميعهم على أن معنى قوله: ((بما كسبت قلوبكم))، ما تعمدت. (٣)
فقال بعضهم: المعنى الذى أوعد الله عبادَه مؤاخذتهم به: هو حلف الحالف
منهم على كذب وباطل .
• ذكر من قال ذلك :
٤٤٦٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير ، عن منصور ، عن إبراهيم
قال : إذا حلف الرجل على اليمين وهو يرى أنه صادق وهو كاذب ، فلا يؤاخذ
بها . وإذا حلف وهو يعلم أنه كاذب، فذاك الذى يؤاخذ به .
(١) ((الإتمام على ما حلفتم)) يعنى الاستمرار عليه وإمضاءه. وقد ملف آنفاً فى كلامه ((التمام
عليها)، ص ٤٤١، و((تم على قوله)) فى الأثر: ٤٤٥٠، ولكنه استعمل هنا ((الإتمام)) من ((أتم على
الأمر))، وليست فى كتب اللغة، ولكنها جائزة فى العربية، صحيحة فى قياسها .
(٢) ((عباده) مفعول: ((((أوعد الله تعالى ... »
(٣) انظر تفسير («الكسب)) فيا سلف ٢: ٢٧٣ - ٢٧٤ / ثم ٣: ١٠٠، ١٢٨،١٠١،
ج : (٢٩)
١٢٩ ٠

٤٥٠
تفسير سورة البقرة : ٢٢٥
٤٤٦٧ - حدثنى موسى بن عبد الرحمن المسروقى قال، حدثنا حسين الجعفى ،
:
عن زائدة ، عن منصور قال : قال إبراهيم: « ولکنیؤاخذ کم بما كسبت قلوبكم)»،
قال : أن يحلف على الشىء وهو يعلم أنه كاذب ، فذاك الذى يؤاخذ به .
٤٤٦٨ -حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حکام ، عن عمرو ، عن منصور،
عن إبراهيم: ((ولكن يؤاخذ كم بما كسبت قلوبكم)) ، أن تحلف وأنت كاذب .
٤٤٦٩- حدثنى المثنى قال، [حدثناعبداللهبن صالح]حدثنى معاوية بنصالح،
عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَلْكِنْ يُؤَّاخِذُ كُمْ بِمَا عَقَدْ عُمُ الأَيْمَانِ﴾
[سورة المائدة: ٨٩]، وذلك اليمين الصبر الكاذبة، يحلف بها الرجل على ظلم أو قطيعة، فتلك
لا كفارة لها إلا أن يترك ذلك الظلم ، أو يرد ذلك المال إلى أهله ، وهو قوله تعالى
ذكره: ﴿ إِنّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنَا قَلِيلاً} إلى قوله :
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة آل عمران: ٧٧] .. (١)
٤٤٧٠ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم))، .
كـ
عَقَدَتْ عليه .
٤٤٧١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبی نجیح ، عن مجاهد مثله .
٤٤٧٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير ، عن عبد الملك ، عن عطاء
(١) الأثر ٤٤٦٩ - الآية التى فى صدر هذا الأثر، هى آية المائدة، وأخشى أن يكون الصواب ما
نحن فيه من آية البقرة، ولكن المطبوعة والمخطوطة اتفقتا جميعاً على ذلك. بيد أنى أرجح ما قلت ، لأنه
أبا جعفر روى فى تفسير آية المائدة (٧: ١١ بولاق)، عن «المشى قال حدثنا عبد الله بن صالح
... )) إلى آخر إسناده إلى ابن عباس، ثم ذكر آية المائدة، ولم يأت فيها بنص هذا الأثر. وقد أسقط
فى المخطوطة والمطبوعة ما وضعته بين القوسين، وهو إسناد دائر فى التفسير ، أقربه رقم: ٤٤٦٣ .
وقوله: ((اليمين الصبر))، الأجود أن تكون ((يمين الصبر)) بحذف التعريف، وإن كانت هذه
جائزة حسنة . ويمين الصبر: هى اليمين التى يمسكك الحاكم عليها حتى تحلف، وإن حلف إنسان بغير
إحلاف ، لم تكن (يمين صبر)).

٤٥١
تفسير سورة البقرة : ٢٢٥
قال: لا تؤاخذ حتى تُصْعِد للأمر، (١) ثم تخلف عليه باللّه الذى لا إله إلاّ هو.
فتعقد عليه بمينك .
= قال أبو جعفر: والواجب على هذا التأويل أن يكون قوله تعالى ذكره :
(((ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم))، فى الآخرة بها بما شاء من العقوبات -
وأن تكون الكفارة إنما تلزم الحالف فى الأيمان التى هى لغو . وكذلك روى عن
على بن أبى طلحة، عن ابن عباس: أنه كان لا يرى الكفارة إلاّ فى الأيمان التى
تكون لغواً ، فأما ما كسبته القلوب وعقدت فيه على الإثم ، فلم يكن يوجبُ فيه
الكفارة . وقد ذكرنا الرواية عنهم بذلك فيما مضى قبل . (٢)
٢٤٨/٢
وإذا كان ذلك تأويلَ الآية عندهم ، فالواجب على مذهبهم أن يكون معنى
الآية فى سورة المائدة: (٣) لا يؤاخذ كم الله باللغو فى أيمانكم، فكفارته إطعام عشرة
مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام
ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم - ولكن يؤاخذكم بما عقَّدتم الأيمان، (٤)
واحفظوا أيمانكم.
وبنحوما ذكرناه عن ابن عباس من القول فى ذلك، كان سعيد بن جبير والضحاك
ابن مزاحم وجماعة أخر غيرهم يقولون ، وقد ذكرنا الرواية عنهم بذلك آنفاً. (٥)
٠٠٠
(١) فى المطبوعة: ((تقصد للأمر)) والإصعاد: الإقبال على الشىء والتوجه له، ومنه قول حسان
بن ثابت فى خيل :
عَلَى أَكتَافِهَا الأَسَلُ الظَّمَاء]
[يُبَارِينَ الْأُعِنَّةَ مُصِدَاتٍ
يعنى مقبلات متوجهات نحوك .
(٢) انظر ما سلف، الأثر رقم : ٤٤٠٤.
(٣) سورة المائدة : ٨٩.
(٤) فى المخطوطة والمطبوعة ((ولكن يؤاخذكم بما عقدتم واحفظوا)) فأثبت الكلمة التى أغفلها الناسخ
من الآية. ويعنى الطبرى أن قوله تعالى: ((ولكن يؤاخذكمبما عقدتم الايمان)) من المقدم الذى يراد به
التأخير، ولذلك ساق الآية بنصها إلا هذه الجملة ، فأخرها إلى مكانها على معنى تأويلهم هذا .
(٥) هى الآثار السالفة من : ٤٤٣٦

٤٥٢
تفسير سورة البقرة : ٢٢٥
(١) وقال آخرون: المعنى الذى أوعد الله تعالى عبادَه المؤاخذةَ بهذه الآية، (٢)
هو حلف الحالف على باطل يعلمه باطلاً . وفى ذلك أوجب الله عندهم الكفارة ،
دون اللغو الذى يحلف به الحالف وهو مخطىء فى حلفه ، يحسب أن الذى حلف
عليه كما حلف ، وليس ذلك كذلك .
• ذكر من قال ذلك :
٤٤٧٣ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا
سعيد، عن قتادة: ((ولكن يؤاخذ كم بما كسبت قلوبكم))، يقول : بما تعمدت
قلوبكم ، وما تعمدت فيه المأثم ، فهذا عليك فيه الكفارة .
٤٤٧٣ م- حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه، عن
الربيع مثله سواء .
٠
= وإلى هذا الموضع انتهى تقسيم قديم النسخة التى نقلت عنها مخطوطتنا، وجاء فيها ما نصه.
((يتلوه: وَقال آخَرُونَ: المَعْنَى الذِىِ أَوْعَدَ اللهُ عِبَادَهُ المُؤَّاخذةَ.
وَصَلَى اللهُ عَلَى مُحَيَّدِ النَّبِ وَآلِهِ كَثِيراً
٠
على الأصل المنقول منه
بَلَغْتُ بِالسماعِ مِنْ أوله بقِرَاءَتَى عَلَى القَاضِى أبى الحَسَن الخِصِيبى ، عن أبى
محمد الفرغَنى، عَنْ أبى جعفر الطبرىّ -وأخِى علىّ حرسه الله، ومحمد بن على الا .....
.... وَنصر بن الحسين الطبرى، ومحمد بن محمد بن أحمد بن عيسى السعدى - فى
شعبان سنة ثمان وَأُربع مئة))
(١) أوله فى المخطوطة:
(بِسْمِ اللهِ الرَّحَمنِ الرّحِيمِ
رَبّ يَسِّرْ)»
(٢) فى المطبوعة: ((المؤاخذة به.بهذه الآية))، والذى فى المخطوطة أجود.

٤٥٣
تفسير سورة البقرة : ٢٢٥
وكأنَّ قائلى هذه المقالة ، وجَّهوا تأويل مؤاخذة الله عبدَه على ما كسبه قلبه
من الأيمان الفاجرة ، إلى أنها مؤاخذةٌ منه له بها بإلزامه الكفارة فيه . وقال بنحو
قول قتادة جماعة أخر ، فى إيجاب الكفارة على الحالف اليمينَ الفاجرةَ، منهم
عطاءً والحكم.
٤٤٧٤ - حدثنا أبو كريب ويعقوب قالا ، حدثنا هشم قال ، أخبرنا
حجاج ، عن عطاء والحكم، أنهما كانا يقولان فيمن حلف كاذباً متعمداً: يكفِّر .
وقال آخرون : بل ذلك معنيان : أحدهما مؤاخذ به العبد فى حال الدنيا بالزام
اله إياه الكفارةَ منه، والآخر منهما مؤاخذ به فى الآخرة إلاّ أن يعفو.
• ذكر من قال ذلك :
٤٤٧٥ - حدثنى موسى بن هرون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا
أسباط، عن السدى: ((ولكن يؤاخذ كم بما كسبت قلوبكم)) أمَّا، ((ماكسبت
قلوبكم)) فما عقدت قلوبكم ، فالرجل يحلف على اليمين يعلم أنها كاذبة - إرادة
أن يقضى أمرَه. والأيمان ثلاثة: ((اللغو، والعمد، والغموس)). والرجل يحلف على
اليمين وهو يريد أن يفعل ، ثم يرى خيراً من ذلك، فهذه اليمين التى قال اللّه تعالى
ذكره: ((ولكن يؤاخذ كم بما عقّدتم الأيمان)»، فهذه لما كفارة
وكأنّ قائل هذه المقالة، وجَّه تأويل قوله: ((ولكن يؤاخذكم بما كسبت
قلوبكم))، إلى غير ما وجَّه إليه تأويل قوله: ((ولكن يؤاخذ كم بما عقدتم الأيمان)»،
وجعل قوله: ((بما كسبت قلوبكم))، الغموسَ من الأيمان التى يحلف بها الحالف
على علم منه بأنه فى حلفه بها مبطل - وقوله: ((بما عقّدتم الأيمان))، اليمينّ التى
يستأنف فيها الحنث أو البرَّ، وهو فى حال حلفه بها عازم على أن يبرَّ فيها.
وقال آخرون: بل ذلك: هو اعتقاد الشرك بالله والكفر .
• ذكر من قال ذلك :

٤٥٤
تفسير سورة البقرة : ٢٢٥
٤٤٧٦ - حدثنى محمد بن عبد الله بنعبد الحکم قال ، حدثنا إسمعیل بن
مرزوق قال ، حدثنى يحيى بن أيوب ، عن محمد - يعنى ابن عجلان - : أن
زيد بن أسلم كان يقول فى قول الله تعالى ذكره: ((ولكن يؤاخذكم بما كسبت
قلوبكم))، مثل قول الرجل: ((هو كافر، هو مشرك))، قال: لا يؤاخذه الله
حتی یکون ذلك من قلبه . (١)
٤٤٧٧ - حدثنی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله :
(((لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم))، قال: اللغو فى هذا، الحلف بالله ما كان
بالألسن، فجعله لغواً، وهو أن يقول: ((هو كافر بالله، وهو إذاً يشرك بالله ،
وهو يدعو مع الله إلهاً))، فهذا اللغو الذى قال الله تعالى فى ((سورة البقرة)): ((ولكن
يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم)) ، قال : بما كان فى قلوبكم صدقاً ، واخذك به .
فإن لم يكن فى قلبك صدقاً لم يؤاخذك به، وإن أثمتَ . (٢)
٠
٠
٢٤٩/٢
قال أبو جعفر: والصواب من القول فى ذلك ، أن يقال: إن الله تعالى ذكره
أوعد عباده أن يؤاخذهم بما كسبت قلوبهم من الأيمان ، فالذی تكسبه قلوبهم
من الأيمان هو ما قصدته وعزمت عليه على علم ومعرفة منها بما تقصده وتريده ،
وذلك يكون منها على وجهين :
أحدهما : على وجه العزم على ما يكون به العازم عليه فى حال عزمه بالعزم
عليه آثماً، وبفعله مستحقاً المؤاخذة من الله عليها . وذلك كالحالف على الشىء
الذى لم يفعله أنه قد فعله ، وعلى الشىء الذى قد فعله أنه لم يفعله ، قاصداً قِيل
الكذب، (٣) وذا كراً أنه قد فعل ما حلف عليه أنه لم يفعله ، أو أنه لم يفعل ما حلف
(١) الأثر : ٤٤٧٦ - هو الأثر السالف رقم : ٤٤٦١.
(٢) الأثر: ٤٤٧٧ - هو تمام الأثر السالف رقم : ٤٤٦٢.
(٣) فى المخطوطة ((امل الكذب))، خطأ من ناسخ لم يحسن قراءة الأصل، وفى المطبوعة:
((القيل الكذب))، والصواب الجيد ما أثبت.

٤٥٥
تفسير سورة البقرة : ٢٢٥
عليه أنه قد فعل. فيكون الحالف بذلك - إن كان من أهل الإيمان بالله وبرسوله-
فى مشيئة الله يوم القيامة ، إن شاء واخذه به فى الآخرة ، وإن شاء عفا عنه بتفضله،
ولا كفارة عليه فيها فى العاجل ، لأنها ليست من الأيمان التى يحنث فيها . وإنما
تحب الكفارة فى الأيمان بالحنث فيها . والحالف الكاذب فى يمينه ، ليست
يمينه مما يُبْتَدَأ فيه الحنث، فتلزم فيه الكفارة . (١)
والوجه الآخر منهما : على وجه العزم على إيجاب عقد اليمين فى حال عزمه
على ذلك . ڤذلك مما لا يؤاخذ به صاحبه حتى يحنث فيه بعد حلفه . فإذا حنث
فيه بعد حلفه ، كان مؤاخذا بما كان اكتسبه قلبه - من الحلف بالله على إثم
وكذب - فى العاجل بالكفارة التى جعلها الله كفارةً لذنبه .
٠
القول فى تأويل قوله تعالى (وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾
٢٢٥
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بذلك: ((والله غفورٌ) لعباده فيما لَغَوْا من أيمانهم
التى أخبر الله تعالى ذكره أنه لا يؤاخذهم بها، ولو شاء واخذهم بها = ولما واخذهم
به فكفّروها فى عاجل الدنيا بالتكفير فيه، (٢) ولو شاء واخذهم فى آجل الآخرة
بالعقوبة عليه، فساتر عليهم فيها، (٣) وصافح لهم بعفوه عن العقوبة فيها ، وغير ذلك
من ذنوبهم = ((حليمٌ)) فى تركه معاجلة أهل معصيته العقوبةَ على معاصيهم.
٠
(١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((وإنما الكفارة تجب)»، ولكن المخطوطة قد وضعت بين الكلمتين
علامة هكذا (( ٣)) هى التى تدل على تقديم آخر الكلمتين على الأولى.
(٢) فى المطبوعة ((ولما واخذهم بها))، والصواب من المخطوطة. والسياق. ((والله غفور لعباده فيما
لغوا من أيمانهم ... ولما واخذهم به.
(٣) قوله: ((فساتر))، عطف عليه قوله: ((والله غفور)).

٤٥٦
تفسير سورة البقرة : ٢٢٦
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿لَلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِّسَآَبِمْ تَرَبُّص
أَرْبَةِ أَشْهُرٍ﴾
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((للذين يؤلون))، للذين يقسمون أليَّة،
(والألية)) الحلف ، كما : -
٤٤٧٨ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا مسلمة بن علقمة قال ، حدثنا
داود بن أبى هند، عن سعيد بن المسيب فى قوله: ((للذين يؤلون»، يحلفون.
٠ ٥
٠
.
يقال: ((آلى فلان يُؤْلى إيلاء وأليَّة))، كما قال الشاعر:
كَفَيْنَا مَنْ تَغَيِّبَ فى تُرَابٍ وَأَخْتَثْنَا أَلَيَّةَ مُقْسِينَا(١)
ويقال: ((أَلْوة وأُلْوة))، كما قال الراجز:
• يَأُلْوَةُ مَا أُلْوَةٌ مَا أُلْوَتِى . (٢)
وقد حكى عنهم أيضاً أنهم يقولون: ((إلوة)) مكسورة الألف .
٠ ٥
٠
(( والتربص)): النظر والتوقف.
٠ ٠ ٠
ومعنى الكلام : الذين يؤلون أن يعتزلوا من نسائهم تربص أربعة أشهر ، فترك
ذكر (( أن يعتزلوا))، اكتفاء بدلالة ما ظهر من الكلام عليه .
٥
٠ ٥
واختلف أهل التأويل فى صفة اليمين التى يكون بها الرجل مولياً من امرأته .
(١) لم أجد البيت، ولم أعرف قائله. وكان فى المخطوطة والمطبوعة: (( من تراب))، وصواب معناه
يقتضى ما أثبت .
(٢) لم أجد هذا الرجز. وفى المطبوعة: ((ما ألوى))، والصواب من المخطوطة.

٤٥٧
تفسير سورة البقرة : ٢٢٦
فقال بعضهم : اليمين التى يكون بها الرجل مُولياً من إمرأته : أن يحلف عليها
- فى حال غضب على وجه الضّرار- أن لا يجامعها فى فرجها، (١) فأما إن حلف
على غير وجه الإضرار ، وعلى غير غضب ، فليس هو مولياً منها .
• ذكر من قال ذلك :
٤٤٧٩ - حدثنا هناد بن السرى قال، حدثنا أبو الأحوص ، عن سماك ،
عن حريث بن عميرة ، عن أم عطية قالت ، قال جبير : أرضعى ابن أخى مع
ابنك ! فقالت : ما أستطيع أن أرضع اثنين! فحلف أن لا يقربها حتى تفطِمه .
فلما فطمته مرّ به على المجلس، فقال له القوم : حسناً ما غَذَ وْتموه ! قال جبير:
إنىّ حلفت أن لا أقربها حتى تفطمه! فقال له القوم: هذا إيلاءٌ !! فأتى علياً
فاستفتاه ، فقال: إن كنتَ فعلت ذلك غضباً فلا تصلح لك امرأتك ، وإلاّ
فهى امرأتك . (١)
٤٤٨٠ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا
شعبة ، عن سماك ، أنه سمع عطية بن جبير قال: توفيت أمُّ صبىِّ نسيبةٌ لى ،
(١) فى المطبوعة: ((على وجه الإضرار لها)). والضرار: إلحاق الضرر بها، وفى الموضع التالى:
((الإضرار)»، فى المطبوعة والمخطوطة.
(٢) الآثار: ٤٤٧٩ - ٤٤٨٥ - خبر سماك، ذكره البخارى فى الكبير ١٢/١/٤:
((عطية بن جبير العنزى، قاله شعبة عن سماك. وقال سفيان عن سماك، عن أبى عطية بن جبير. وقال
أبو الأحوص عن حريث بن عميرة، عن أم عطية: أن جبيراً حلف، فأتى علياً)). وفى الجرح
والتعديل ٢٦٢/٢/١: ((حريث بن عميرة، روى عن أم عطية. روى عنه سماك بن حرب، فى رواية
أبي الأحوص عن سماك عنه. وروى إبراهيم بن طهمان، عن سماك، عن حريث، عن عطية بن جبير، عن أبيه،
قال: قلت لعلى - سمعت أبى يقول ذلك)). وذكره ابن أبى حاتم أيضاً فى الجرح والتعديل ٣٨١/١/٣
- ٢٨٢: ((عطية بن جبير العنزى)) واختلف فيه الرواة من سماك بن حرب. فقال شعبة، عن سماك،
عن عطية بن جبير، قال قلت لعلى رضى الله عنه. وروى أبو الأحوص، عن سماك، عن حريث بن
عمير، عن عطية، عن على. وروى حماد بن سلمة، عن سماك، عن أم عطية، عن على. وروى سفيان
الثورى، عن سماك، عن أبى عطية بن جبير، عن على - سمعت أبى يقول بعض ذلك، وبعضه من قبلى))
ورواه البيبقى فى السنن ٧ : ٣٨١ - ٣٨٢، من طريق داود بن أبى هند ، عن سماك، عن رجل
من بنى عجل، عن أبى عطية أنه تزوج امرأة أخيه وهى ترضع بابن أخيه))، ورواه من طريق عبيد الله بن
معاذ، عن أبيه ، عن شعبة عن سماك ، عن عطية بن جبير قال : كانت أمى ترضع صباً ... ))

٤٥٨
تفسير سورة البقرة : ٢٢٦
٢٠٠/٢ فكانت امرأة أبى تُرضعه، فحلف أن لا يقربها حتى تفطمه. فلما مضت أربعة أشهر
قيل له : قد بانت منك ! - وأحسب ، شك أبو جعفر، قال - : فأتى علياً يستفتيه
فقال : إن كنت قلت ذلك غضباً فلا امرأة لك ، وإلا فهى امرأتك .
٤٤٨١ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا أبو داود قال ، حدثنا شعبة
قال ، أخبرنى سماك قال ، سمعت عطية بن جبير - يذكر نحوه عن على .
٤٤٨٢ - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد
قال ، حدثنا داود، عن سماك ، عن رجل من بنى عجل ، عن أبى عطية : أنه
توفى أخوه وترك ابناً له صغيراً ، فقال أبو عطية لامرأته : أرضعيه ! فقالت : إنى
أخشى أن تُغِيلهما، (١) فحلف أن لا يقربها حتى تفطمهما، ففعل حتى فطمتهما .
فخرج ابن أخى أبى عطية إلى المجلس ، فقالوا : كَحُسْنَ ما غذا أبو عطية ابن
أخيه! (٢) قال : كلا! زعمت أم عطية أنىّ أغيلهما، فحلفتُ أن لا أقربها حتى
تفطمهما. فقالوا له: قد حرُمت عليك امرأتك ! فذكرت ذلك لعلى رضى الله عنه،
فقال على : إنما أردتَ الخيرَ ، وإنما الإيلاء فى الغضب .
٤٤٨٣ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود،
عن سماك ، عن أبى عطية : أن أخاه توفى - فذكر نحوه .
٤٤٨٤ - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن إدريس قال ، أخبرنا داود
ابن أبى هند ، عن سماك بن حرب: أن رجلا هلك أخوه فقال لامرأته : أرضعى
(١) أغالت المرأة ولدها، وأغال فلان ولده: إذ غشى أمه وهو ترضعه. واسم لبنها ذاك ((الفيل))
كانوا يقولون: إذا شربه الولد ضوى واعتل منه، واسم الفعل ((الغيلة)) (بكسر الغين) ، وفى سنى
البيهقى: ((إنى أخشى أن تغتاله))، وهى اشتقاق منها، لم يرد فى كتب اللغة.
(٢) فى المطبوعة: ((غذى)) وما فى المخطوطة أجود وقوله: ((لحسن)) أصلها ((حسن)) فعل
(بفتح الحاء وضم السين)، فنقل إلى معنى المدح، فخففت السين وسكنت، ونقلت حركتها إلى الحاء.
قال سهم بن حنظلة الغنوى :
لم يمْنِعْ النَّاسُ مِّى مَا أُرَدْتُ، وَمَ أُعْطِيهِمُ مَا أَرَادُوا، حُسْنَ ذَا أَدَبا
فهى بمنزلة ((نعم وبئس)).

٤٥٩
تفسير سورة البقرة : ٢٢٦
ابن أخى . فقالت : أخاف أن تقع علىّ ! فحلف أن لا يمسَّها حتى تفطيم .
فأمسك عنها ، حتى إذا فطمته أخرج الغلامَ إلى قومه ، فقالوا : لقد أحسنت
غذاءه ! فذكر لهم شأنه ، فذكروا امرأته ، قال : فذهب إلى على - فاستحلفه
باللّه: ((ما أردت بذلك؟))، - يعنى إيلاءً ، قال: فردَّها عليه .
٤٤٨٥ - حدثنا على بن عبد الأعلى قال، (١) حدثنا المحاربى، عن أشعث
ابن سوار ، عن سماك ، عن عطية بن أبى عطية قال : توفى أخ لى وترك يتما له
رضيعاً ، وكنت رجلا معسراً ، لم يكن بيدى ما أسترضع له. قال : فقالت لى
امرأتى ، وكان لى منها ابن ترضعه - إن كفيتنى نفسَك كفيتكهما ! فقلت :
وكيف أكفيك نفسى ؟ قالت لا تقربنى. فقلت: والله لا أقربك حتى تفطميهما.
قال فقطمتهما وخرجا على القوم ، فقالوا : ما نراك إلا قد أحسنت ولايتهما !
قال : فقصصت عليهم القصة ، فقالوا : ما نراك إلا آليت منها وبانت منك !
قال : فأتيت علياً فقصصت عليه القصة، فقال : إنما الإيلاء ما أريد به الإيلاء.
٤٤٨٦ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن بكر البرسانى قال ،
حدثنا سعيد ، عن قتادة ، عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس قال : لا إيلاء
إلا بغضب .
٤٤٨٧ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد،
عن عمرو بن دينار، عن عطاء ، عن ابن عباس قال : لا إيلاء إلاّ بغضب.
٤٤٨٨ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا أبو
وكيع ، عن أبى فزارة ، عن يزيد بن الأصم ، عن ابن عباس قال : لا إيلاء
إلاّ بغضب. (٢)
(١) هكذا فى المخطوطة والمطبوعة. وأظن الصواب ((محمد بن عبد الأعلى الصنعانى)» شيخ الطبرى.
ولم أجد فى شيوخه: ((على بن عبد الأعلى)). وانظر ما سيأتى رقم : ٤٦٦٩
(٢) الأثر: ٤٤٨٨ - ((عبد الرحمن))، هو عبد الرحمن بن مهدى. (أبو وكيع)) هو: الجراح
ابن مليح الرؤاسى . قال أبو داود: ثقة . وقال النسائى: ليس به بأس . وسئل الدارقطنى عنه فقال:

٤٦٠
تفسير سورة البقرة : ٢٢٦
٤٤٨٩ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود ، عن
سماك بن حرب ، عن أبى عطية، عن علىّ قال: لا إيلاء إلا بغضب. (١)
٤٤٩٠ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى، عن سعيد ، عن
قتادة، أن عليا قال: إذا قال الرجل لامرأته وهى تُرضع: ((والله لا قرَبَتُك حتى
تفطمى ولدى،، يريد به صلاحَ ولده ، قال: ليس عليه إيلاء .
٤٤٩١ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا إسحق بن منصور السلولى ، عن
محمد بن مسلم الطائفى ، عن عمرو بن دينار ، عن سعيد بن جبير قال : جاء رجل
إلى علىّ فقال: إنى قلت لامرأتى لا أقربها سنتين. قال: قد آليت منها . قال:
إنما قلت لأنها ترضع ! قال: فلا إذاً.
٤٤٩٢ - حدثنى التى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبد الله بن أبى
جعفر ، عن أبيه ، عن داود بن أبى هند ، عن سماك بن حرب ، عن أبى عطية ،
عن على أنه كان يقول: إنما الإيلاء ما كان فى غضب، يقول الرجل: ((واقه
لا أقربك، والله لا أمسُّك!)). فأما ما كان فى إصلاح من أمر الرضاع وغيره، فإنه
لا يكون إيلاء، ولا تَبين منه. (٢)
٤٤٩٣ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن - يعنى ابن مهدى -
٢٠١/٢ قال، حدثنا حماد بن زيد، عن حفص ، عن الحسن: أنه سئل عنها فقال : لا
والله، ما هو بإيلاء.
ليس بشىء، هو كثير الريم. قيل: يعتبر به؟ قال: لا. وفى الخطرة والمطبوعة: ((ابن وكيع)»،
وهو خطأ . وانظر المحلى لابن حزم ١٠: ٤٥- و((أبو فزارة)» هو: راشد بن كيسان العبسى. قال
ابن معين: ثقة . وقال ابن حبان: مستقيم الحديث إذا كان فرقه ودوقه ثقة . وله عند مسلم حديث واحد.
(١) الأثر: ٤٨٨٩ - محضر رقم: ٤٤٨٢، من طريق آخر، وانظر التعليق السالف على
الأثر رقم : ٠٤٤٧٩
(٢) الأثر: ٤٤٩٣ - طريق آخر لحديث أبي عملية السالف رقم: ٤٤٨٢، وانظر التعليق
على الأثر : ٤٤٧٩.