Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
تفسير سورة البقرة : ٢٢٢
عمران بن حدير قال ، سمعت عكرمة يقول ، كل شىء من الحائض لك حلال
غیر مجرى الدم .
قال أبو جعفر: وعلة قائل هذه المقالة، قيامُ الحجة بالأخبار المتواترة عن رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه كان يباشر نساءه وهن ◌ُحَيَّض، ولو كان الواجبُ
اعتزالَ جميعهنّ، لما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما صحّ ذلك
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، علم أن مراد الله تعالى ذكره بقوله: ((فاعتزلوا
النساء فی المحیض ))، هو اعتزال بعض جسدها دون بعض. وإذ كان ذلك كذلك،
وجب أن يكون ذلك هو الجماع المجمع على تحريمه على الزوج فى قُبُلها ، دون
ما کان فيه اختلاف من جماعها فى سائر بدنها .
٠
٠
٠
وقال آخرون : بل الذى أمر الله تعالى ذكره باعتزاله منهنّ فى حال حيضهن،
ما بين السرّة إلى الر کبة ، وله ما فوق ذلك ودونه منها .
· ذکر من قالى ذلك :
٤٢٥٨ - حدثنا أبو کریب قال، حدثنا ابن أبى زائدة ، عن ابن عون ،
عن ابن سيرين ، عن شريح قال : له ما فوق السرة - وذكر الحائض .
٤٢٥٩ - حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا، حدثنا ابن إدريس قال ،
أخبرنا يزيد ، عن سعيد بن جبير قال : سئل ابن عباس عن الحائض: ما لزوجها
منها ؟ فقال : ما فوق الإزار .
٤٢٦٠ - حدثنى يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن أيوب وابن عون ، عن ٢٢٧/٢
محمد قال : قال شريح : له ما فوق سُرَّتها .
٤٢٦١ - حدثنا ابن المفى قال، حدثنا ابن أبى عدىّ ، عن شعبة، عن واقد
:

٣٨٢
تفسير سورة البقرة : ٢٢٢
ابن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر قال: سئل سعيد بن المسيب: ما للرجل من
الحائض ؟ قال : ما فوق الإزار .
٠ ٠ ٠
وعلة من قال هذه المقالة ، صحةُ الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما : -
٤٢٦٢ - حدثنی به ابن أبى الشوارب قال، حدثنا عبد الواحد بن زياد قال ،
حدثناسليمانالشیبانی-وحدثی أبو السائب قال،حدثنا حفص قال،حدثناالشيبانى-قال
حدثنا عبد الله بن شداد بن الهاد قال، سمعت ميمونة تقول: كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه وهى حائض ، أمرها فأتزرت .
٤٢٦٣ - حدثنا المثنى قال ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدى قال ، حدثنا
سفيان ، عن الشيبانى ، عن عبد الله بن شداد ، عن ميمونة : أن النبى صلى الله
عليه وسلم كان يباشرها وهى حائض فوق الإزار . (١)
٤٢٦٤ - حدثنی سفيان بن و کیع قال، حدثنا جرير ، عن منصور ، عن
إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة قالت : كانت إحدانا إذا كانت حائضاً ،
أمرها فأتزرت بإزار ثم يباشرها .
٤٢٦٥ - حدثنا سفيان بن وكيع قال ، حدثنا المحاربى ، عن الشبيانى ،
عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : كانت إحدانا إذا
كانت حائضاً أمرها النبى صلى الله عليه وسلم أن تأتزر ، ثم يباشرها . (٢)
٠
٠
(١) الحديثان: ٤٢٦٢، ٤٢٦٣ - حفص: هو ابن غياث، الشيبانى سليمان: هو أبو إسحق
الشيبانى سليمان بن أبى سليمان . وسفيان فى الحديث الثانى: هو الثورى .
والحديثان فى معنى واحد . وقد ذكره ابن كثير ١ : ٥١١، بلفظ أولهما عن الصحيحين، وكذلك
ذكره السيوطى ١: ٢٥٩، وزاد نسبته لابن أبى شيبة. وأبى داود، والبيهتى. وانظر البخارى ١: ٦٤،
ومسلم ١: ٩٥، والسنن الكبرى ١ : ٣١١.
(٢) الحديثان: ٤٢٦٤، ٤٢٦٥ - هما حديث واحد بإسنادين. وذكره السيوطى ١: ٢٥٩،
عن ابن أبى شيبة، والصحيحين، وأبى داود، وابن ماجة، بزيادة فى آخره . وانظر البخارى ١ : ٦٣.
ومسلم ١: ٩٥، وأبا داود: ١١٢، ١١٣، والنسائى ١: ٥٤، ٦٧، والبيمتى ١ : ٣١٠ - ٠٣١١

٣٨٣
تفسير سورة البقرة : ٢٢٢
ونظائر ذلك من الأخبار التى يطول باستيعاب ذكر جميعها الكتاب . (١)
قالوا: فما فعل النبى صلى الله عليه وسلم من ذلك فجائز ، وهو مباشرة الحائض
ما دون الإزار وفوقه ، وذلك دون الركبة وفوق السرة ، وما عدا ذلك من جسد
الحائض فواجبٌ اعتزالُه، لعموم الآية .
٠ ٠
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب ، قول من قال: إن للرجل
من امرأته الحائض ما فوق المؤتَزّر ودونه ، لما ذكرنا من العلة لهم. (٢)
القول فى تأويل قوله جل ذكره ﴿وَلاَ تَقْرَ بُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾
قال أبو جعفر : اختلفت القرأة فى قراءة ذلك . (٣) فقرأه بعضهم: ((حتى
يطهرن)) بضم ((الهاء)) وتخفيفها. وقرأه آخرون بتشديد ((الهاء)) وفتحها.
وأما الذين قرأوه بتخفيف ((الهاء)) وضمها ، فإنهم وجهوا معناه إلى : ولا
تقربوا النساء فى حال حيضهنّ حتى ينقطع عنهن دم الحيض وَيَطُهُرن . وقال بهذا
التأويل جماعة من أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
٤٢٦٦ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن مهدي ومؤمل قالا ، حدثنا
سفيان ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله : (( ولا تقربوهن حتى يطهرن )»،
قال : انقطاع الدم .
(١) فى المخطوطة: ((جميع ذكرها))، والصواب ما فى المطبوعة.
(٢) فى المخطوطة إسقاط قوله: ((لهم)).
(٣) فى المطبوعة: ((اختلف القراء))، وقد مضى مثل ذلك مراراً، وتركناه فى بعض المواضع
كما هو فى المطبوعة . ولكننا سنقيمه منذ الآن على المخطوطة دون الإشارة إليه بعد هذا الموضع إلى آخر الكتاب،
إن شاء الله.

٣٨٤
تفسير سورة البقرة : ٢٢٣
٤٢٦٧ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن سفيان ،
- أو عثمان بن الأسود -: ((ولا تقربوهن حتى يطهرن))، حتى ينقطع عنهن الدم.
٤٢٦٨ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عبيد الله
العتكى، عن عكرمة فى قوله: ((ولا تقربوهن حتى يطهرن))، قال : حتى
ينقطع الدم . (١)
٥
٠
وأما الذين قرأو ذلك بتشديد («الهاء)) وفتحها ، فإنهم عنوا به : حتى يغتسلن
بالماء. وشددوا ((الطاء)) لأنهم قالوا: معنى الكلمة: حتى يتطهِّرْنَ، أدغمت
(((التاء)) فى ((الطاء)) لتقارب مخرجيهما.
٥
٠ ٥
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب فى ذلك قراءة من قرأ ﴿ حَتَّى يَطَّهَّرْنَ ﴾
بتشديدها وفتحها ، بمعنى : حتى يغتسلن - لإجماع الجميع على أن حراماً على
الرجل أن يقرب امرأته بعد انقطاع دم حيضها حتى تطهر .
...
وإنما اختلف فى ((التطهر)» الذى عناه الله تعالى ذكره ، فأحل له جماعها .
فقال بعضهم : هو الاغتسال بالماء ، لا يحل لزوجها أن يقربها حتى تغسل
جميع بدنها . (٢)
وقال بعضهم : هو الوضوء للصلاة .
وقال آخرون : بل هو غسل الفرج ، فإذا غسلت فرجها ، فذلك تطهرها
الذى يحلّ به لزوجها غشيانها .
(١) الأثر: ٤٢٦٨- ((عيد اله العتكى)) هو عبيد الله بن عبد الله أبو المنيب العتكى، رأى
أنساً ، وروى عن عكرمة وسعيد بن جبير وغيرهما من التابعين .
(٢) فى المطبوعة: ((ولا يحل ... )) بزيادة الواو.

٣٨٥
تفسير سورة البقرة : ٢٢٢
فإذا كان إجماعٌ من الجميع أنها لا تحلُّ لزوجها بانقطاع الدم حتى تطَّهر ،
كان بيِّناً أن أولى القراءتين بالصواب أنفاهما للَّبس عن فهم سامعها . وذلك هو
الذىاخترنا،إذ كان فىقراءة قارئها بتخفيف(« الهاء » وضمها، ما لا يؤمن معه اللبس
على سامعهامن الخطأ فى تأويلها ، فيرى أن لزوج الحائض غشيانها بعد انقطاع
دم حيضها عنها ، (١) وقبل اغتسالها وتطهُّرها.
٠٠٠
٢٢٨/٢
فتأويل الآية إذاً : ويسألونك عن المحيض قل هو أذى ، فاعتزلوا جماع
نسائكم فى وقت حیضهن ، ولا تقربوهن حتى يغتسلن فيتطهرن من حيضهن بعد
انقطاعه .
٥٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللهُ﴾
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((فإذا تطهّرن فأتوهن))، فإذا اغتسلن
فتطهّرن بالماء فجامعوهن .
...
فإن قال قائل : أففرض جماعهن حينئذ ؟
قيل : لا .
فإن قال: فما معنى قوله إذاً: ((فأتوهن )) ؟
قيل: ذلك إباحة ما كان منَع قبل ذلك من جماعهن، وإطلاقٌ لما كان حَظَر
فى حال الحيض، وذلك كقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَصْطَادُوا﴾ [ سورة المائدة: ٢]،
وقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَنْتَشِرُوا فِىِ الأرْضِ﴾ [سورة الجمعة: ١٠]،
وما أشبه ذلك .
واختلف أهل التأويل فى تأويل قوله: ((فإذا تطهرن)).
(١) فى المطبوعة: ((أن الزوج غشيانها»، وأثبت ما فى المخطوطة.
ج : (٢٠)

٣٨٦
تفسير سورة البقرة : ٢٢٢
فقال بعضهم : معنى ذلك ، فإذا اغتسلن .
• ذكر من قال ذلك :
٤٢٦٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية بن
صالح، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس: ((فإذا تطهّرن)) يقول: فإذا
طهُرت من الدم وتطهَّرَت بالماء .
٤٢٧٠ -حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثی ابن مهدی ومؤمل قالا ، حدثنا
سفيان، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: (( فإذا تطهرن))، فإذا اغتسلن . (١)
٤٢٧١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عبيد الله
العتكى، عن عكرمة فى قوله: ((فإذا تطهرن)) ، يقول: اغتسلن .
٤٢٧٢ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن سفيان - أو
عثمان بن الأسود :- ((فإذا تطهرن)) ، إذا اغتسلن .
٤٢٧٣ - حدثنا عمران بن موسى ، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عامر ، عن
الحسن : فى الحائض ترى الطهر، قال: لا يغشاها زوجُها حتى تغتسل وتحلَّ لها
الصلاة . (٢)
٤٢٧٥ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم ، عن مغيرة ، عن
إبراهيم : أنه كره أن يطأها حتى تغتسل - يعنى المرأة إذا طهُرت.
٠
٠
وقال آخرون : معنى ذلك : فإذا تطهّرن للصلاة .
· ذکر من قال ذلك :
٤٢٧٦ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا هشيم قال، أخبرنا ليث ،
عن طاوس ومجاهد أنهما قالا : إذا طهُرت المرأة من الدم فشاء زوجها أن يأمرَها
(١) الأثر: ٤٢٧٠ - كان فى المطبوعة: ((محمد بن مهدى))، وهو خطأ، وزيادة فاسدة
والصواب من المخطوطة. و(ابن مهدى)) هو عبد الرحمن بن مهدى - الإمام العلم، قال الشافعى: لا أعرف
له نظيراً فى الدنيا . مات سنة ١٩٨ - مترجم فى التهذيب وغيره .
(٢) سقط من الترقم : ٤٢٧٤

٣٨٧
تفسير سورة البقرة : ٢٢٢
١
بالوضوء قبل أن تغتسل - إذا أدركه الشَّبَق فليُصب.
٠٠٠
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بتأويل الآية، قولُ من قال: معنى قوله: ((فإذا
تطهِّرن))، فإذا اغتسلن ، لإجماع الجميع على أنها لا تصير بالوضوء بالماء طاهراً
الطُّهرَ الذى يحل لها به الصلاة . وإن القولَ لا يخلو فى ذلك من أحد أمرين :
= إما أن یکونمعناه: فإذا تطهّرنمن النجاسة فأتوهن . فإن كان ذلك معناه،
فقد ينبغى أن يكون متى انقطع عنها الدم فجائزٌ لزوجها جماعُها، إذا لم تكن
هنالك نجاسة ظاهرة. هذا، إن كان قوله: ((فإذا تطهّرن)) جائزاً استعماله فى
التطهّر من النجاسة ، ولا أعلمه جائزاً إلا على استكراه الكلام .
= أو يكون معناه: فإذا تطهّرن للصلاة . وفى إجماع الجميع من الحجة على أنه
غير جائز لزوجها غشيانها بانقطاع دم حيضها، (١) إذا لم يكن هنالك نجاسة ،
دون التطهر بالماء إذا كانت واجدته = أدلُ الدليل على أن معناه : فإذا تطهرن
الطهرَ الذى يجزيهن به الصلاة . وفى إجماع الجميع من الأمة على أن الصلاة لا تحل
لها إلا بالاغتسال، أوضح الدلالة على صحة ما قلنا: من أن غشيانها حرام إلا بعد
الاغتسال، وأن معنى قوله: ((فإذا تطهرن))، فإذا اغتسلن فصرن طواهرَ الطهر الذى
يجزيين به الصلاة .
(١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((فى إجماع الجميع)) بإسقاط الواو، والسياق يوجبها، وهذا سياقها ؛
(«وفى إجاج الجميع ... أدل الدليل ... ))

٣٨٨
تفسير سورة البقرة : ٢٢٢
القول فى تأويل قوله جل ذكره ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْتُ
أَمَرَّكُمُ اللهُ ﴾
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فی تأويل قوله: « فأتوهن من حيث
أمركم الله)) .
فقال بعضهم : معنى ذلك : فأتوا نساءكم إذا تطهّرن من الوجه الذى نهيتكم
عن إتيانهن منه فى حال حيضهن ، وذلك : الفرجُ الذى أمر اللّه بترك جماعهن فيه
فی حال الحيض. (١)
• ذكر من قال ذلك :
٤٢٧٧ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية ، عن محمد
ابن إسحق قال، حدثی أبان بن صالح ،عن مجاهد قال ، قال ابن عباس فى
قوله: ((فأتوهن من حيث أمركم الله ))، قال: من حيث أمركم أن تعتزلوهُنَّ.
٤٢٧٨ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال، حدثنا معاوية بن
صالح، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس قوله: ((فأتوهن من حيث أمركم
الله)، يقول: فى الفرج، لا تعدوه إلى غيره ، فمن فعل شيئاً من ذلك فقد اعتدى.
٤٢٧٩ - حدثنى يعقوب قال ، حدثنا ابن علية قال ، حدثنا خالد الحذاء ،
عن عكرمة فى قوله: ((فأتوهن من حيث أمركم اللّه))، قال : من حيث أمركم
أن تعتزلوا .
٤٢٨٠ - حدثنى يونسي قال : أخبرنا ابن وهب قال ، حدثنا أبو صخر ،
عن أبى معاوية البجلى ، عن سعيد بن جبير أنه قال : بينا أنا ومجاهد جالسان
عند ابن عباس: أتاه رجلٌّ فوقف على رأسه فقال: يا أبا العباس - أو:
يا أبا الفضل - ألا تشفينى عن آية المحيض؟ قال: بلى! فقرأ: ((ويسألونك
(١) ((الإتيان)): كناية عن اسم ((الجماع)) وسيأتى تفسير ذلك فى ص: ٣٩٨
٢٢٩/٢

٣٨٩
تفسير سورة البقرة : ٢٢٢
عن المحيض )) حتى بلغ آخر الآية، فقال ابن عباس: من حيث جاء الدم، منْ
تمّ أمرت أن تأتی. (١)
٤٢٨١ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن أبى زائدة ، عن عثمان ، عن
مجاهد قال: دبُر المرأة مثله من الرجل، ثم قرأ: ((ويسألونك عن المحيض)) إلى
((فأتوهن من حيث أمركم الله))، قال: من حيث أمركم أن تعتزلوهن. (٢)
٤٢٨٢ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا مؤمل قال ، حدثنا سفيان ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((فأتوهن من حيث أمركم الله))، قال: أمِروا أن
یأتوهن من حیث ◌ُهوا عنه .
٤٢٨٣ - حدثنا ابن أبى الشوارب قال، حدثنا عبد الواحد قال ، حدثنا
خصيف قال ، حدثى مجاهد: ((فأتوهن من حيث أمركم الله))، فى الفرج،
ولا تعّدوه .
٤٢٨٤ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((فأتوهن من حيث أمركم الله))، يقول : إذا
تطهرن فأتوهن من حيث 'نهى عنه فى المحیض .
٤٢٨٥ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن سفيان .. أو:
عثمان بن الأسود -: ((فأتوهن من حيث أمركم الله)) باعتزالهنّ منه.
٤٢٨٦ - حدثنا بشر قال، حدثنايزيدقال، حدثناسعيد، عن قتادةقوله: ((فأتوهن
من حيث أمركم الله))، أى : من الوجه الذى يأتى منه المحيض ، طاهراً غيرٍ
حائض ، ولا تعدوا ذلك إلى غيره .
(١) فى المطبوعة: ((ثم أمرت)) بحذف ((من))، وهو خطأ، والصواب من المخطوطة، ومما سيأتى
رقم: ٤٣٢٥. بمعنى: هناك. وسيأتى الخبر بتمامه فى رقم: ٤٣٢٥. وسنذكر فيه ترجمة رجاله .
(٢) الأثر. ٤٢٨١ - فى المطبوعة: ((عمرة عن مجاهد))، وهو خطأ، والصواب من المخطوطة.
و ((ابن أبى زائدة))، هو يحيى بن زكريا ابن أبى زائدة. و((عثمان))، هو عثمان بن الأسود مولى بنى
بمح ، وقد سلفت روايته عن مجاهد ، أقربها رقم : ٢٧٨٢

٣٩٠
تفسير سورة البقرة : ٢٢٢
٤٢٨٧ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال ، حدثنا
سعيد، عن قتادة فى قوله: ((فأتوهن من حيث أمركم الله))، قال: طواهرَ من
غير جماع ومن غير حيض، من الوجه الذى يأتى [منه] المحيض، ولا يتعدّهُ إلى غيره =
قال سعيد: ولا أعلمه إلاَّ عن ابن عباس. (١)
٤٢٨٨ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيع فى قوله: ((فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله))، من حيث ◌ُهِيتم عنه
فى المحيض = وعن أبيه، عن ليث، عن مجاهد فى قوله: ((فإذا تطهّرن فأتوهن
من حيث أمركم الله ))، من حيث ◌ُهيتم عنه، واتقوا الأدبار .
٤٢٨٩ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا ابن إدريس قال ، سمعت
أبى، عن يزيد بن الوليد، عن إبراهيم فى قوله: ((فأتوهن من حيث أمركم الله))،
قال : فى الفرج .
٠٠
وقال آخرون : معناها : فأتوهن من الوجه الذى أمركم الله فيه أن تأتوهن
منه . وذلك الوجه ، هو الطهر دون الحيض . فكان معنى قائل ذلك فى الآية :
فأتوهنّ من قُبْل طُهرهنّ لا من قُبْل حيضهن. (٢)
• ذكر من قال ذلك :
٤٢٩٠ - حدثنى محمد بن سعد قال ، حدثنى أبى قال ، حدثنى عى قال ،
(١) قوله: ((طواهر)) جمع امرأة ((طاهر))، وليس فى كتب اللغة بل فيه ((طاهرات)) ولكنه
جمع قياسى، مثل حامل وحوامل، وسيأتى فى رقم: ٤٢٩٥، ٤٢٩٦، وسيأتى جمعها على ((طهر» رقم
٤٢٩٨، ٤٣٠٠. وفى المطبوعة: ((ولا يتعدى إلى غيره)). والصواب من المخطوطة.
(٢) ((قبل)) (بضم فسكون)، يقال: ((كان ذلك فى قبل الشتاء وقبل الصيف))، أى فى
أوله وعند إقباله. وفى الحديث: ((طلقوا النساء لقبل عدتهن)) - ويروى: ((فى قبل طهرهن)» أى فى
إقباله وأوله ، وحين يمكنها الدخول فى العدة، والشروع فيها ، فتكون لها محسوبة . وذلك فى حالة الطهر .
وكذلك قوله هنا: (( ((من قبل الطهر»، أى: فى حال الطهر.

٣٩١
تفسير سورة البقرة : ٢٢٢
حدثی أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس: (( فأتوهن من حيث أمركم الله ))، يعنى :
أن يأتيها طاهراً غيرَ حائض .
٤٢٩١ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا سفيان ،
عن منصور، عن أبى رزين فى قوله: ((فأتوهن من حيث أمركم الله))، قال :
من قُبْل الطهر. (١)
٤٢٩٢ - حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا محمد بن يحيى قال ، حدثنا
سفیان ، عن الأعمش ، عن أبى رزین بمثله .
٤٢٩٣ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام، عنعمرو ، عن منصور ،
عن أبى رزین: (( فأتوهن من حیث أمركم الله )) ، يقول : انتوهن من عند
الطهر .
٤٢٩٤ - حدثنى محمد بن عبيد المحاربى قال، حدثنا على بن هاشم ، عن
الزبرقان، عن أبى رزين: ((فأتوهن من حيث أمركم الله))، قال: من قُبْل
الطهر، ولا تأتوهن من قُبْل الحيضة. (٢).
٢٣٠/٢
٤٢٩٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا عبيد الله
العتكى، عن عكرمة قوله: ((فأتوهن من حيث أمركم الله))، يقول: إذا
اغتسلن فأتوهن من حيث أمركم الله. يقول: طواهر غير حُيَّض. (٣)
٤٢٩٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: (( فأتوهن من حيث أمركم الله))، قال يقول: طواهر
غيرَ خُيَّض. (٣)
٤٢٩٧ - حدثی موسی بن هرون قال حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا
(١) انظر ص ٣٩٠، تعليق: ٢.
(٢) فى المطبوعة: ((الحيض))، وأثبتنا ما فى المخطوطة.
(٣) انظر ما سلف رقم: ٤٢٨٧، والتعليق عليه.

٣٩٢
تفسير سورة البقرة : ٢٢٢
أسباط، عن السدى قوله: ((من حيث أمركم الله))، من الطهر .
٤٢٩٨ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى، عن سلمة بن نبيط ، عن الضحاك:
((فأتوهن ))، طُهِّراً غير حيِّض.(١)
٤٢٩٩ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا
عبيد بن سليمان، عن الضحاك قوله: ((فأتوهن من حيث أمركم الله ))، قال :
ائتوهن طاهرات غير حُبَّض .
٤٣٠٠ - حدثنا عمرو بن على قال، حدثنا وكيع قال ، حدثنا سلمة بن
نبيط، عن الضحاك: ((فأتوهن من حيث أمركم الله))، قال: طهَّراً غير حيّض
فى القُبُل.(١)
وقال آخرون : بل معنى ذلك : فأتوا النساء من قبل النكاح ، لا من قِبل
الفُجور .
ذكر من قال ذلك :
٠
٤٣٠١ - حدثنا عمرو بن على قال، حدثنا وكيع قال ، حدثنا إسمعيل
الأزرق ، عن أبى عمر الأسدى، عن ابن الحنفية: (فأتوهن من حيث أمركم الله))،
قال : من قِبل الحلال ، من قبل التزويج .
٠
٠٠
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب فى تأويل ذلك عندى قولُ من قال :
معنى ذلك : فأتوهن من قُبْل طهرهن. وذلك أن كل أمر بمعنى ، فهىٌ عن خلافه
وضده . وكذلك النهى عن الشىء أمرٌ بضده وخلافه . فلو كان معنى قوله :
((فأتوهن من حيث أمركم الله))، فأتوهن من قبل مخرج الدم الذى نهيتكم أن
تأتوهن من قبله فى حال حيضهن- لوجب أن يكون قوله: ((ولا تقربوهن حتى يطهُرن)) ،
(١) قوله ((طهر))، جمع امرأة («طاهر))، وهو جمع قياسى لم تذكره المعاجم كالذى سلف
((طواهر)) و ((فاعل)) الصفة، إذا كانت فيه ((تاء)) ظاهرة، مثل ((ضاربة » - أو مقدرة مثل حائض
فقياسه: ((فواعل))، و((فعل)) ( بضم الفاء وتشديد عينه وفتحها).

٣٩٣
تفسير سورة البقرة : ٢٢٢
تأويله : ولا تقربوهن فى مخرج الدم ، دون ما عدا ذلك من أماكن جسدها ،
فيكون مطلقا فى حال حيضها إتيانهن فى أدبارهن . وفى إجماع الجميع = : على أن
الله تعالیذ کره لم يُطلِق فیحال الحيضمن اتیاهن فى أدبارهن شيئاً حرَّمه فی حال
الطُّهر، ولا حرَّم من ذلك فى حال الطهر شيئاً أحله فى حال الحيض = ما يُعلم
به فسادُ هذا القول .
وبعد ، فلو كان معنى ذلك على ما تأوَّله قائلو هذه المقالة ، لوجب أن يكون
الکلام: فإذا تطهرن فأتوهن فیحیث أمركم الله=(١) حتی یکون معنى الكلام حينئذ
على التأويل الذى تأوله ، ويكون ذلك أمرًا بإتيانهن فى فروجهن . لأنّ الكلام
المعروف إذا أريد ذلك، أن يقال: ((أتى فلان زوجته من قِبَل فرجها)) - ولا يقال:
أتاها من فرجها - إلا أن يكون أتاها من قِبل فرجها فى مكان غير الفرج.
٠
٥
فإن قال لنا قائل : فإنّ ذلك وإنْ كان كذلك ، فليس معنى الكلام :
فأتوهن فى فروجهن - وإنما معناه : فأتوهن من قِبَل قُبُلهن فى فروجهن - ،
كما يقال: ((أتيتُ هذا الأمرَ منَ مأتاه)).
قيل له : إن كان ذلك كذلك ، فلا شك أن مأتى الأمر ووجهه غيره ، وأن
ذلك مطلبه . فإن كان ذلك على ما زعمتم ، فقد يجب أن يكون معنى قوله :
((فأتوهن من حيث أمركم الله))، غير الذى زعمتم أنه معناه بقولكم : انتوهن من
قبل مخرج الدم، ومن حيث أميرتم باعتزالهن- ولكن الواجبُ أن يكون تأويله على
ذلك: فأتوهن من قبل وُجوههنّ فى أقبالهن، كما كان قول القائل: (انت الأمر
من مأتاه))، إنما معناه : اطلبه من مطلبه، ومطلبُ الأمر غيرُ الأمر المطلوب.
(١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((من حيث أمركم الله))، وهو نص الآية، ولكنه أراد ((فى حيث))،
كما يدل عليه سائر كلامه ، فلذلك أثبتها على الصواب إن شاء الله .
وانظر ما يؤيد ذلك أيضا فى معانى القرآن الفراء ١ : ١٤٣

٣٩٤
تفسير سورة البقرة : ٢٢٢
فكذلك يجب أن يكون مأتى الفرج - الذى أمر الله فى قولهم بإتيانه - غير الفرج. (١)
وإذا كان كذلك ، وكان معنى الكلام عندهم : فأتوهن من قبل وجوهن فی
فرچچھن۔ وجب أن یکون علی قولهم محرماً إتیاهنفی فروجهن من قبل أدبارهن.
وذلك إن قالوه ، خرج من قاله من قِيل أهل الإسلام، وخالف نص كتاب الله
٣٢١/٢ تعالى ذكره، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذلك أن الله يقول: ﴿نِسَاؤُكُمْ
حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْتَكُمْ أَنَّى شِْمُرْ﴾ ، وأذن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم
فى إتيانهن فى فروجهن من قبل أدبارهن .
فقد تبين إذاً ، إذْ كان الأمر على ما وصفنا ، فسادُ تأويل من قال ذلك :
فأتوهن فى فروجهن حيث نهيتكم عن إتيانهنّ فى حال حيضهن = وصحةُ القول الذى
قلناه ، وهو أن معناه : فأتوهن فی فروجهن من الوجه الذی أذن الله لكم بإتيانهن،
وذلك حال طهرهن وتطهُّرهن ، دون حال حيضهن .
٠
٠ ٥
القول فى تأويل قوله عز ذكره ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُ الثَّوَّابِينَ وَيُحِبُ
الْمَتَطَهْرِينَ) )
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((إن الله يحب التوابين))، المنيبين
من الإدبار عن الله وعن طاعته، إليه وإلى طاعته. وقد بينا معنى ((التوبة)) قبل. (٢)
٠
واختلف فى معنى قوله: ((ويحب المتطهرين)).
فقال بعضهم : هم المتطهُّرون بالماء .
• ذكر من قال ذلك :
(١) فى المخطوطة: ((فكذلك يجب مأتى الفرج))، وفى المطبوعة: ((فكذلك يجب أن مأتى الفرج))
والذى أثبته أشبه بالسياق وبالصواب .
(٢) انظر ما سلف ١: ٥٤٧ /٢: ٧٢ - ٣/٧٣: ٨١، ٢٥٩ - ٢٦١.

٣٩٥
: تفسير سورة البقرة : ٢٢٢
٤٣٠٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا طلحة ،
عن عطاء قوله: ((إن الله يحب التوابين))، قال: التوابين من الذنوب = ((ويحب
المتطهرين)) = قال: المتطهرين بالماء للصلاة .
٤٣٠٣ - حدثنى أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا طلحة،
من عطاء مثله .
٤٣٠٤ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع ، عن طلحة بن عمرو ،
عن عطاء: ((إن الله يحب التوابين)) من الذنوب، لم يصيبوها = (ويحب المتطهرين))،
بالماء للصلوات. (١).
٠ ٠٠
وقال آخرون: معنى ذلك: (( إن الله يحب التوابين))، من الذنوب =
((ويحب المتطهرين))، من أدبار النساء أن يأتوها .
• ذكر من قال ذلك :
٤٣٠٥ - حدثنا أحمد بن حازم قال ، حدثنا أبو نعيم قال ، حدثنا إبراهيم
ابن نافع قال ، سمعت سليمان مولى أم على قال ، سمعت مجاهداً يقول : من أتى
امرأته فى دبرها فليس من المتطهرين . (٢)
٠٠٠
وقال آخرون: معنى ذلك: ((ويحب المتطهرين))، من الذنوب أن يعودوا
فيها بعد التوبة منها .
• ذكر من قال ذلك :
(١) فى المطبوعة: ((الصلاة))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) الأثر: ٤٣٠٥ - ((إبراهيم بن نافع)) المخزومى المكى، روى عن ابن أبى نجيح، وكثير بن
كثير ، وعطاء ابن أبى رباح، وعدة. روى عنه أبو عامر العقدى وأبو نعيم وغيرهما . كان حافظاً ،
وكان أوثق شيخ بمكة، وهو ثقة، وكان أحمد يطزيه. و((سليمان مولى أم على))، هو سليم المكى ،
أبو عبد الله، روى عن مجاهد. وعنه إبراهيم بن نافع وابن جريج وجماعة ، صدوق من كبار أضحاب
مجاهد. وكلاهما مترجم فى التهذيب.

٣٩٦
تفسير سورة البقرة : ٢٢٢
٤٣٠٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، عن مجاهد: ((يحب التوابين))، من الذنوب، لم يصيبوها = ((ويحب
المتطهرين)) ، من الذنوب ، لا يعودون فيها .
٠٠٠
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب قولُ من قال: ((إنّ الله يحب
التوابين من الذنوب ، ويحب المتطهرين بالماء للصلاة)). لأن ذلك هو الأغلب من
ظاهر معانيه .
وذلك أن اللّه تعالى ذكره ذكر أمرّ المحيض، فنهاهم عن أمور كانوا يفعلونها فى
جاهليتهم : من تركهم مساكنة الحائض ومؤا كلتها ومشاربتها ، وأشياء غير ذلك
مما كان تعالى ذكره يكرهها من عباده. فلما استفتى أصحابُ رسول اللّه رسول الله
صلى اللّه عليه وسلم عن ذلك، (١) أوحى الله تعالى إليه فى ذلك، فبيّن لهم ما يكرهه مما
يرضاه ويحبه ، وأخبرهم أنه يحب من خلقه من أناب إلى رضاه ومحبته، تائباً مما يكرهه .
وكان مما بيَّن لهم من ذلك، (٢) إنه قد حرّم عليهم إتيان نسائهم وإن طهُرُن من
حيضهن حتى يغتسلن، ثم قال: ولا تقربوهن حتى يطهُرن، فإذا تطهّرن فأتوهن ،
فإن الله يحب المتطهرين = يعنى بذلك: المتطهرين من الجنابة والأحداث للصلاة ،
والمتطهرات بالماء - من الحيض والنفاس والجنابة والأحداث- من النساء.
...
وإنما قال: ((ويحب المتطهرين)) - ولم يقل ((المتطهرات)) - وإنما جرى
قبل ذلك ذكرُ التطهر للنساء، لأن ذلك بذكر ((المتطهرين)) يجمع الرجال والنساء.
ولو ذكر ذلك بذكر ((المتطهرات))، لم يكن للرجال فى ذلك حظ ، وكان للنساء
خاصة . فذكر الله تعالى ذكره بالذكر العام جميعَ عباده المكلفين ، إذ كان قد
(١) فى المطبوعة: ((أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك))، بإسقاط ((رسول الله)) الثانية
وأثبت الصواب من المخطوطة .
(٢) فى المخطوطة والمطبوعة: ((مع ذلك))، والذى أثبته هو الصواب الحق.

٣٩٧
تفسير سورة البقرة : ٢٢٢، ٢٢٣
تعبّد جميعهم بالتطهر بالماء، وإن اختلفت الأسباب التى توجب التطهر عليهم بالماء
فى بعض المعانى ، واتفقت فى بعض .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿نِسَآؤُ كُمْ حَرْتٌ لَّكُمْ)
قال أبو جعفر : يعنى تعالى ذكره بذلك: نساؤكم مُزْدَرَعُ أولادكم ، فأتوا
مُزدرعكم كيف شئتم ، وأين شئتم .
٠ ٥
#
وإنما عنى بـ((الحرث)) المزدَرَع، و((الحرث)) هو الزرع، (١) ولكنهن لما
كن من أسباب الحرث، جعلن ((حرثاً))، إذ كان مفهوماً معنى الكلام.
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
٢٣٢/٢
٤٣٠٧ - حدثنا محمد بن عبيد المحاربى قال حدثنا ابن المبارك ، عن يونس ،
عن عكرمة ، عن ابن عباس: (( فأتوا حرثكم )) ، قال : منبت الولد .
٤٣٠٨ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى: ((نساؤكم حرث لكم))، أما ((الحرث))، فهى مَزْرَعة يحرث فيها.
(١) انظر معنى ((الحرث))، فيما سلف من هذا الجزءء: ٢٤٠،٢٣٩. هذا، وقد كان فى المطبوعة:
((وإنما غنى بالحرث وهو الزرع المحترث والمزدرع)»، وليست بشىء - وكان فى المخطوطة مضطرباً،
فلذلك اضطربت المطبوعة. كان هكذا: ((وإنما عنى بالزرع، وهو الحرث المزرع والمزدرع))،
وضرب على ((بالزرع)) وكتب ((بالحرث)) ثم وضع فوق ((الحرث والمزدرع)) فيما على كل كلمة من
الكلمتين ، يريد بذلك تقديم هذه على هذه ، ولكن بقيت الجملة فاسدة أشد فساد ، ولم يستطع الناسخ
أو طابع المطبوعة أن يرده إلى سياق صحيح ، فرددته إلى السياق الصحيح إن شاء الله .

٣٩٨
تفسير سورة البقرة : ٢٢٣
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَأْتُواْ حَرْتَكُمْ أَنَّى شِتُمْ﴾
قال أبو جعفر : يعنى تعالى ذكره بذلك: فانكحوا مزدرَع أولادكم من
حيث شئتم من وجوه المأتى .
٠
و((الإتيان)) فى هذا الموضع، كناية عن اسم الجماع.(١)
٠
واختلف أهل التأويل فى معنى قوله: ((أنى شئتم)).
فقال بعضهم: معنى ((أنَّى))، كيف .
• ذكر من قال ذلك :
٤٣٠٩ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عطية قال ، حدثنا شريك ،
عن عطاء ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس: (( فأتوا حرثكم أنّ شتم » ،
قال : يأتيها كيف شاء ، ما لم يكن يأتيها فى دبرها أو فى الحيض .
٤٣١٠۔۔ حدثنا أحمد بن إسحق قال،حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا شريك ،
عن عطاء، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قوله: ((نساؤكم حرثٌ لكم
فأتوا حرثكم أنى شئتم ))، قال: انتها أنى شئت، مقبلةً ومدبرةً ، ما لم تأتها فى
الدُّبر والمحيض .
٤٣١١ - حدثنا علی بن داود قال،حدثنا أبو صالح قال، حدثنى معاوية،
عن على ، عن ابن عباس قوله: ((فأتوا حرثكم أنى شئتم))، يعنى بالحرث الفرج.
يقول: تأتيه كيف شئت، مستقبلهُ ومستديرهُ، (٢) وعلى أىّ ذلك أردت ، بعد
أن لا تجاوز الفرج إلى غيره، وهو قوله: ((فأتوهن من حيث أمركم الله)). (٢)
(١) انظر ما مضى قريباً ص: ٣٨٨ والتعليق : ١
(٢) الأثر: ٤٣١١ - فى سنن البيمتى ٨: ١٩٦، وفيها وفى المطبوعة: ((مستقبلة ومستديرة)).
وأثبت ما فى المخطوطة ، فهو جيه .

٣٩٩
تفسير سورة البقرة : ٢٢٣
٤٣١٢ - حدثنا أحمد بن إسحق الأهوازی قال،حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا
شريك، عن عبد الكريم، عن عكرمة: ((فأتوا حرثكم أنّى شئتم))، قال :
يأتيها كيف شاء ، ما لم يعمل عمل قوم لوط .
٤٣١٣ - حدثنا أحمد بن إسحق قال ، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا الحسن
ابن صالح، عن ليث، عن مجاهد: (( فأتوا حرثكم أنى شئتم)) ، قال : يأتيها
كيف شاء ، واتَّق الدبر والحيض .
٤٣١٤ - حدثنى عبيد الله بن سعد قال ، حدثنى عمى قال ، حدثنى أبى
قال، حدثنى يزيد: أن ابن كعب كان يقول: إنما قوله: (( فأتوا حرثكم أنى
شئتم ))، يقول: انتها مضجعةً وقائمة ومنحرفةً ومقبلةً ومدبرة" کیف شئت ، إذا
كان فى قُبُلُها(١).
(١) الأثر: ٤٣١٤ - كان هذا الإسناد فى المطبوعة: حدثنى عبيد الله بن سعد قال، حدثنى أبى
قال، حدثنى عمى، قال، حدثنى أبى، عن أبيه قال، حدثنى يزيد .. ))، والصواب إسناد المخطوطة
الذى أثبته كما سترى . ولكن يظهر أن الناسخ أو الطابع خلط بين هذا الإسناد الذى أثبتناه والإسناد
الآخر الكثير الدوران فى التفسير، وهو: ((حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال، حدثنى على
عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس)) وقد مضى الكلام فى هذا الاسناد برقم: ٣٠٥.
أما إسنادنا هذا، فإن ((عبيد الله بن سعد)) فهو: عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم
ابن عبد الرحمن بن عوف الزهرى، أبو الفضل البغدادى )) روى عن أبيه وعمه يعقوب بن إبراهيم وغيرهما ،
وعنه البخارى وأبو داود والترمذى والنسائى وغيرهما. قال ابن أبى حاتم: ((كتبت عنه مع أبى وهو صدوق)»
مات سنة ٢٦٠ .
أما عمه ، فهو يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهرى ، أبو يوسف المدنى ، نزيل بغداد . روى عن
أبيه وشعبة، وابن أخى الزهرى والليث. وعنه ابن أخيه عبيد الله بن سعد، وأخمد وإسحق وابن معين. كان
ثقة مأموناً، كتب عنه الناس علما جليلا . مات سنة ٢٠٨ .
وأما أبوه ، فهو إبراهيم بن سعد الزهرى ، أبو إسحق المدنى ، نزيل بغداد. روى عن أبيه وعن الزهرى
وهشام بن عروة ومحمد بن إسحق وشعبة ويزيد بن الهاد . روى عنه ابناه يعقوب وسعد وأبو داود والطيالسى وغيرهم.
قال أحمد : : ثقة، أحاديثه مستقيمة. مات سنة ١٨٣.
وأما ((يزيد))، فهو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثى. روى عن جماعة كثيرة، منهم محمد
بن كعب القرظى، وروى عنه شيخه، يحيى بن سعد الأنصارى وإبراهيم بن سعد والليث بن سعد . ذكره
ابن حبان فى الثقات، وكان كثير الحديث. مات سنة ١٣٩. وأما ((ابن كعب))، فهو ((محمد بن
كعب القرظى))، فهو تابعى ، مضت ترجمته .
وسيأتى هذا الإسناد نفسه على الصواب ، مع خطأ فيه برقم : ٤٣٢١.

٤٠٠
تفسير سورة البقرة : ٢٢٣
٤٣١٥ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حصين ،
عن مرة الهمدانى قال : سمعته يحدث أن رجلاً من اليهود لقى رجلا من المسلمين
فقال له : أيأتى أحدكم أهلهُ باركاً ؟ قال: نعم. قال: فذكر ذلك لرسول الله
صلى الله عليه وسلم، قال: فنزلت هذه الآية: ((نساؤكم حرثٌ لكم فأتوا حرثكم
أنّى شئتم )) ، يقول : كيف شاء ، بعد أن يكون فى الفرج .
٤٣١٦ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة قوله: ((نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم))، إن شئت قائماً أو
قاعداً أو على جنب ، إذا كان يأتيها من الوجه الذى يأتى منه المحيضُ ،
ولا يتعدّى ذلك إلى غيره .
٤٣١٧ - حدثنا موسى بن هرون قال،حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا
أسباط، عن السدى: (( فأتوا حرثكم أنى شئتم )) ، انت حرثك كيف شئتَ من
قُبُلها ، ولا تأتيها فى دبرها. ((أنى شئتم )) ، قال : كيف شئتم .
٤٣١٨ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، أخبرنا عمرو بن
الحارث ، عن سعيد بن أبى هلال: أن عبد الله بن على حدثه: أنه بلغه أن ناساً
من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جلسوا يوماً ورجل من اليهود قريبٌ منهم ، :
فجعل بعضهم يقول: إنىّ لآتى امرأتى وهى مضطجعة . ويقول الآخر : إنى لآتيها
وهى قائمة . ويقول الآخر : إنى لآتيها على جنبها وباركةً . فقال اليهودى: ما أنتم
إلا أمثال البهائم ! ولكنا إنما نأتيها على هيئة واحدة ! فأنزل الله تعالى ذكره :
((نساؤكم حرثٌ لكم))، فهو القُبُل .(١)
...
وقال آخرون: معنى (( أنى شئتم))، من حيث شئتم، وأى وجه أحبيتم .
(١) الأثر: ٤٣١٨ - هو عبد الله بن على بن السائب بن عبيد القرشى المطلبى، روى عن
عثمان بن عفان، وحصين بن محصن الأنصارى وعمر و بن أحيحة بن الجلاح ، وعنه سعيد بن أبى هلال .
مترجم فى التهذيب