Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ تفسير سورة البقرة : ١٥٠ ٢٢٩٥ -حدثی موسی بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى ، قال : هم المشركون من أهل مكة . ٢٠/٢ ٢٢٩٦ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع: (( إلا الذين ظلموا منهم )) ، يعنى مشرکی قریش ٢٢٩٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة وابن أبى نجیح ، عن مجاهد فى قوله : (( إلا الذين ظلموا منهم))، قال : هم مشركو العرب . ٢٢٩٨ - حدثنا بشربن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد ، عن قتادة قوله: ((إلاّ الذين ظلموا منهم))، و((الذين ظلموا)): مشركو قريش. ٢٢٩٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج قال : قال عطاء : هم مشركو قريش - قال ابن جريج: وأخبرنى عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهداً يقولُ مثل قول عطاء. ٠٠٠ فإن قال قائل: وأيّة ◌ُحجة كانت لمشركى قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فى توجههم فى صلاتهم إلى الكعبة ؟ وهل يجوز أن يكون للمشركين على المؤمنين - فيما أمرهم الله به أو نهاهم عنه - حُجة؟(١) قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما توهمتَ وذهبت إليه. وإنما ((الحجة)) فى هذا الموضع، الخصومة والجدال. (٢) ومعنى الكلام: لئلايكون لأحد من الناس عليكم مُخُصُومَةٌ" ودعوى باطلٌ، غير مشركى قريش، فإن لهم عليكم دعوى باطلاً وخصومةَ بغير حق، (٣) بقيلهم لكم: ((رَجَع محمداً إلى قبلتنا، وسيرجع إلى (١) فى المطبوعة: (( ... على المؤمنين حبة فيما أمرهم الله تعالى ذكره به، أو نهاهم عنه)»، قلم (حبة)) وزاد الثناء على الله. (٢) انظر ما سلف فى تفسير: ((أتحاجوننا))، فى هذا الجزء ٣: ١٢١ (٣) فى المطبوعة: ((دعوى باطلة)) فى الموضعين، ولا بأس بها. يقال: ((دعوى باطل وباطلة)) ٢٠٢ تفسير سورة البقرة : ١٥٠ ديننا). فذلك من قولهم وأمانيهم الباطلة، هى ((الحجة)) التى كانت لقريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. ومن أجل ذلك استثنى الله تعالى ذكره ((الذین ظلموا » من قریش من سائر الناس غیرهم، إذ نقی أن یکون لأحد منهم فى قبلهم التى وجههم إليها ◌ُحُجة. وبمثل الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . • ذكر من قال ذلك : ٢٣٠٠ - حدثی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله تعالى ذكره: ((لئلا يكون الناس عليكم ◌ُحُجة إلاّ الذين ظلموا منهم))، قومُ محمد صلى الله عليه وسلم . قال مجاهد : يقول : ◌ُحجتهم ، قولهم: قد راجعتَ قبلتنا ! ٢٣٠١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبی نجیح، عن مجاهد مثله - إلا أنه قال : قولهم: قد رجعت إلى قبلتنا ! ٢٣٠٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، حدثنا معمر، عن قتادة وابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: ((لئلا يكون الناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم ))، قالا: هم مشركو العرب، قالوا حين صرفت القبلة إلى الكعبة: قد رجع إلى قيلتكم، فيوشك أن يرجع إلى دينكم! قال الله عز وجل: (فلا تَخشوْهم وأخشوْتى)). ٢٣٠٣ - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة قوله: ((إلا الذين ظلموا منهم))، و((الذين ظلموا)): مشركوُ قريش. يقول: إنهم سيحتجون عليكم بذلك، فكانت حجتهم على نبيّ اللّه صلى اللّه عليه وسلم - انصرافَهُ إلى البيت الحرام = (١) أنهم قالوا: سيرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا! فأنزل الله (١) فى المطبوعة والدر المنثور ١: ١٤٨ ((بانصرافه)) وأثبت ما فى المخطوطة وابن كثير ! : ٣٥٨، وقوله: ((انصرافه)) منصوب على الظرفية أى عند انصرافه. ٢٠٣ تفسير سورة البقرة : ١٥٠ تعالی ذ کره فی ذلك کله . (١) ٢٣٠٤ - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع مثله ٢٣٠٥ -حدثی موسی بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط، عن السدى فيما يذكر ، عن أبى مالك وعن أبى صالح عن ابن عباس - وعن مرة الهمدانى عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : لما ◌ُصُرف نبيّ اللّه صلى اللّه عليه وسلم نحوّ الكعبة ، بعد صلاته إلى بيت المقدس، قال المشركون من أهل مكة: تحيّر على محمد دينه! فتوجه بقبلته إليكم، وعلم أنكم كنتم أهدى منه سبيلاً ، ويُوشك أن يدخل فى دينكم ! فأنزل الله جل ثناؤه فيهم: ((لئلا يكون للناس عليكم حجةٌ إلاّ الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشونى)) .(٢) ٢٣٠٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنى الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج قال، قلت لعطاء: قوله: ((لئلا يكون الناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم)، قال: قالت قريش - لما رَجَع إلى الكعبة وأمير بها : - ما كان يستغنى عنا! قد استقبل قبلتنا ! فهى حجتهم، وهم ((الذين ظلموا)) - قال ابن جريج: وأخبرنى عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهداً يقول مثل قول عطاء ، فقال مجاهد: 'حجتهم، قلم: رجعت إلى قبلتنا ! ٥ (١) الأثر: ٢٣٠٣ - فى تفسير ابن كثير ١: ٣٥٨، والدر المنثور ١: ١٤٨. والذى فى المخطوطة والمطبوعة سواء ((فأنزل الله فى ذلك كله)). أما فى الدر المنثور: ((فأنزل الله فى ذلك كله: ((يأيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين)). والذى فى الطبرى يكاد لا يستقيم، واللى فى الدر المنثور لا يستقيم، وكأن صواب العبارة: ((فأنزل الله فى ذلك، ذلك كله إلى قوله: ((يأيها الذين آمنوا ... ». (٢) الأثر : ٢٣٠٥ - انظر الأثر السالف : ٢٢٠٤. ٢٠٤ تفسير سورة البقرة : ١٥٠ فقد أبان تأويلُ من ذكرنا تأويله من أهل التأويل قوله: ((إلاّ الذين ظلموا منهم))، عن صحة ما قلنا فى تأويله، وأنه استثناءً على معنى الاستثناء المعروف، الذى ثبتَ فيهم لما بعدَ حرف الاستثناء ما كان منفيًّا عما قبله. (١) كما قولُ القائل(٢): ((ما سارَ من الناس أحدٌ إلا أخوك))، إثباتٌ للأخ من السير ما هو ٢١/٢ "مَنْىٌّ عن كل أحد من الناس. فكذلك قوله: ((لئلا يكون الناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم))، نفى عن أن يكون لأحد ◌ُخصومة" وجدلٌ قِبَلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوى باطلٍ، عليه وعلى أصحابه ، بسبب توجههم فى صلاتهم قبل الكعبة - إلاّ الذين ظلموا أنفسهم من قريش، فإن لهم قبلهم خصومةً ودعوى باطلاً بأن يقولوا: (٣) إنما توجهتم إلينا وإلى قبلتنا، لأنا كنا أهدى منكم سبيلاً ، وأنکم کنتم بتوجهکم نحو بیت المقدس على ضلال وباطل . وإذا كان ذلك معنى الآية بإجماع الحجة من أهل التأويل، فبيِّنٌ خطأُ قول من زعم أن معنى قوله: (( إلا الذين ظلموا منهم)): ولا الذين ظلموا منهم ، وأن (إلا)) بمعنى (الواو)). (٤) لأن ذلك لو كان معناه، لكان النفىُ الأول عن جميع الناس- - أنْ يكون لهم حجة على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه فى تحوّلهم نحو الكعبة بوجوههم - مبيناً عن المعنى المراد ، ولم يكن فى ذكر قوله بعد ذلك : ((إلا الذين ظلموا منهم) إلا التلبيس الذى يتعالى عن أن يُضاف إليه أو يوصف به. (٥) هذا مع خروج معنى الكلام = إذا وجهت ((إلا)) إلى معنى ((الواو))، ومعنى (١) فى المطبوعة: ((الذى يثبت فيهم لما بعد حرف الاستثناء ما كان منفياً عنا قبلهم))، وهو خطأ صرف، والصواب ما فى المخطوطة. (٢) فى المطبوعة: ((كما أن قول القائل))، زادوا ((أن)) لتكون دارجة على نهجهم، والصواب ما فى المخطوطة. (٣) فى المطبوعة: ((ودعوى باطلة) فى الموضعين. وانظر ما سلف: ٢٠١ تعليق: ٣ (٤) زاعم هذا القول هو أبو عبيدة فى جاز القرآن: ٦٠ - ٦١، وانظر معانى القرآن الفراء ١ : ٨٩ - ٩٠ (٥) رد الطبرى على أبى عبيدة أمثل من رد الفراء وأقوم. ٢٠٥ تفسير سورة البقرة : ١٥٠ العطف = من كلام العرب . وذلك أنه غيرُ موجودة (( إلا ) فى شىء من كلامها بمعنى ((الواو))، إلا مع استثناء سابق قد تقدمها. كقول القائل: ((سار القوم إلاّ عمراً إلا أخاك ))، بمعنى: إلاّ عمراً وأخاك، فتكون (( إلا )» حينئذ مؤدّیة عما تؤدى عنه ((الواو))، لتعلق ((إلا)) الثانية بـ ((إلا)) الأولى. (١) ويجمع فيها أيضاً بين ((إلا)) و((الواو)) فيقال: ((سار القوم إلاّ عمرًاً وإلاّ أخاك))، فتحذف إحداهما، فتنوب الأخرى عنها، فيقال: (٢)((سار القوم إلا عمرًا وأخاك - أو إلاّ عمراً إلاّ أخاك))، لما وصفنا قبل. وإذا كان ذلك كذلك، فغير جائز لمدّعٍ من الناس أن يدَّعى أنّ ((إلاّ)) فى هذا الموضع بمعنى ((الواو)) التى تأتى بمعنى العطف. ... وواضحٌ فسادُ قول من زعم أن معنى ذلك : إلا الذين ظلموا منهم ، فإنهم لا حجة لهم، فلاتخشوْهم. كقول القائل فى الكلام: (٣) « الناس كلهم لك حامدون إلا الظالم [ لك] المعتدى عليك))، فإن ذلك لا يعتدّ بُعدْ وانه ولا بتركه الحمد، (٤) لموضع العداوة . وكذلك الظالم لا حجة له ، وقد ◌ُسمى ظالماً =(٥) لإجماع أهل التأويل على تخطئة ما ادَّعى من التأويل فى ذلك . وكفى شاهداً على خطأ مقالته إجماعُهم على تخطئها . وظاهرُ بُطُول قول من زعم: (٦) أن (الذين ظلموا)) ههنا، ناسٌ من العرب ٠ (١) فى المخطوطة: ((إلى الأولى))، وكأنه غير صواب. (٢) فى المخطوطة: ((ويجمع أيضاً فيها إلا والواو فيها فيقول:)) ولم أستبن ما يقول، والذى فى المطبوعة سياق صحيح . (٣) فى المطبوعة: ((فى كلا ... ، والصواب من المخطوطة، ومعانى القرآن الفراء، فهو نص كلامه. (٤) فى المطبوعة، وفى معانى القرآن الفراء: ((بعداوته))، والصواب ما فى المخطوطة. (٥) السياق: ((وواضح فساد قول من زعم ... لإجماع جميع أهل التأويل)). (٦) فى المطبوعة: ((بطلان)) صحيحة المعنى، وفى المخطوطة: ((دخول)) تصحيف وتحريف لما أثبت . والبطول والبطلان مصدران من الباطل. وهما سواء فى المعنى، وقد سلف أن استعملها الطبرى مراراً . انظر ما سلف ٢: ٤٢٦، تعليق: ٤٣٩/١ س: ٤٧٩/١١ س: ١٣. ٢٠٦ تفسير سورة البقرة : ١٥٠ كانوا يهوداً ونصارَى ، فكانوا يحتجون على النبى صلى الله عليه وسلم ، فأما سائرُ العرب، فلم تكن لهم حجة ، وكانت ◌ُحُجة من يحتجُّ منكسرة. لأنك تقول لمن تريد أن تكسير عليه حجته: ((إنّ لك على" حجة ولكنها منكسرة، وإنك لتحتج بلا حجة، وحجتك ضعيفة)). ووجَّه معنى ((إلاّ الذين ظلموا منهم)) إلى معنى: إلا الذين ظلموا منهم، من" أهل الكتاب، فإنّلهُمُ عليكمُ حجة واهية أو حجة ضعيفة. ووَهْىُ قولٍ من قال: ((إلا)) فى هذا الموضع بمعنى ((لكن)). وضَعْفُ قولٍ من زعم أنه ابتداء بمعنى: إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم .(١) لأن تأويل أهل التأويل جاء فى ذلك بأنّ ذلك من اللّه عز وجل "خبرٌ عن الذين ظلموا منهم : أنهم يحتجون على النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه بما قد ذكرنا، ولم يقصد فى ذلك إلى الخبر عن صفة حجتهم بالضعف ولا بالقوة - وإن كانت ضعيفةً لأنها باطلة - وإنما قصد فيه الإثباتَ للذين ظلموا، ما قد نفى عن الذين قبل حرف الاستثناء من الصفة . ٢٣٠٧ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه قال، قال الربيع: إنّ يهوديًا خاصم أبا العالية فقال: إن مُوَسَى عليه السلام كان يصلىّ إلى صخرة بيت المقدس. فقال أبو العالية : كان يصلىّ عند الصخرة إلى البيت الحرام . قال: قال:فبینی وبینثمسجدُ صالح، فإنه نحته من الجبل . قال أبو العالية : قدصلّيت فيه وقِيلتُه إلى البيت الحرام . قال الربيع: وأخبرنى أبو العالية أنه مرّ على مسجد ذى القرنين، وقبلتُه إلى الكعبة . وأما قوله: ((فلا تخشوْهم واخشوتى))، يعنى: فلا تخشوا هؤلاء الذين وصفت "لكم أمرهم من الظَّلمة فى حجتهم وجدالهم وقولهم ما يقولون(٢): فى أنّ محمداً صلى (١) قوله ((ووهى قول ... ))، و((وضعف قول ... )) معطوف على قوله آنفاً: ((وظاهر بطول قول من زعم ... ،. (٢) فى المطبوعة: ((من الظلم فى حجتهم))، والصواب من المخطوطة. ثم فيها: ((وقولهم ما يقولون من أن محمداً))، وصوابه من المخطوطة . ٢٠٧ تفسير سورة البقرة : ١٥٠ الله عليه وسلم قد رجع إلى قبلتنا، وسيرجع إلى ديننا ! - أو أن يقدروا لكم على ضرّفى ديتكم ، أو صدكم عما هدا كم الله تعالى ذكره له من الحق ، ولکن اخشونى فخافوا عقابى ، فى خلافكم أمرى إن خالفتموه . وذلك من الله جل ثناؤه تقدُّمّ إلى عباده المؤمنين، (١) بالحضّ على لزوم قبلتهم والصلاة إليها، وبالنهى عن التوجُّه إلى غيرها . يقول جل ثناؤه: واخشوقى أيها المؤمنون ، فى ترك طاعتى فيما أمرتكم به من الصلاة شطر المسجد الحرام. وقد حكى عن السدى فى ذلك ما : - ٢٣٠٨ -حدثیموسی بن هرون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: ((فلا تخشوْهم وأخشوْنى))، يقول: لا تخشوا أن أردّكم فی دینهم(٢) . ٠ ٠ ٠ القول فى تأويل قوله عز وجل ﴿ وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَیْكُمْ وَلَمَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ ٢٢/٢ قال أبو جعفر: یعنی بقوله جل ثناؤه: (( ولأمم نعمتی علیكم ))، ومن حيث خرجتَ من البلاد والأرض، وإلى أىّ بقعة شخصت (٣)، فول" وجهك شطر المسجد الحرام،وحیثُ کنت ،یا محمد والمؤمنون، فولُّوا وجوهكم فى صلاتكم شطره ، (١) تقدم إليه بكذا: أمره به. (٢) إلى هنا انتهى ما عثرنا عليه من الأوراق التى ذكرناها فى ص: ١٨٩ تعليق: ١، وفى آخره مانصه : « تَمّ المجلد الثانى بعون الله تعالى ، والصلاة على نبيه محمد وآله وصحبه وسلم . يتلوهُ فى الثالث إن شاء الله تعالى، القول فى تأويل قوله تعالى: ﴿ولاِمَّ نِعْمَتِىّ عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون﴾ إن شاء الله تعالى، وهو بقية الجزء السادس والمشرون ؟؟)) (٣) فى المطبوعة: ((إلى أى بقعة))، بحذف الواو، والصواب ما أثبت. : ٢٠٨ تفسير سورة البقرة : ١٥١،١٥٠ واتخذوه قبلة لكم، کیلا يكون لأحد من الناس - سوى مشركى قريش - حجة، ولأتمّ بذلك = من هدايتى لكم إلى قبلة خليلى إبراهيم عليه السلام ، الذى جعلته إماماً للناس = نعمتى ، فأكمل لكم به فضلى عليكم ، وأتم به شرائع ملتكم الحنيفية المسلمة التى وصيتُ بها نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى وسائر الأنبياء غيرهم . وذلك هو نعمته التى أخبر جل ثناؤه أنه متمُّها على رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به من أصحابه ... وقوله: و((لعلكم تهتدون))، يعنى: وكى ترشدوا للصواب من القبلة.(١) و(لعلكم)) عطف على قوله: ((ولأثم نعمتى عليكم))، ((ولأتم نعمتى عليكم )) عطف على قوله: ((لئلا يكون)). ٠٠ ٠ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ كَمَا أَرْسَلْا فَيَكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ ◌َتْلُواْ عَلَيْكُمْ، ٦َثْنَ وَيْرَ كْكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَبَ وَاَلِكْمَةُ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ) (١) قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((كما أرسلنا فيكم رسولا))، ولأتمّ نعمتى عليكم ببيان شرائع ملتكم الحنيفية ، وأهديكم لدين خليلى إبراهيم عليه السلام، فأجعل لكم دعوته التى دعانى بها ومسألتَه التى سألنيها فقال: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلَِيْنٍ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَ أَبَّةً مُئِمَةً لَكَ وَأَرِنَاَ مَنَاسِكَنَاَ وَتُبْ عَلَيْنَا أَنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [سورة البقرة: ١٢٨]، كما جعلت لكمُ دعوته التى دعانى بها، ومسألته التى سَألنيها فقال: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو (١) انظر ما سلف فى معنى ((لعل)) بمبنى ((كى)) ١: ٣٦٤/ ثم ٢: ٦٩، ٧٢، ١٦١. ٢٠٩ تفسير سورة البقرة : ١٥١ عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَبَ وَالحِكْمَةَ وَيُزَ كِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [سورة البقرة: ١٢٩]، فابتعثت منكم رَسولى الذى سألنى إبراهيمُ خليل وابنُهُ إسمعيل ، أنْ أبعثه من ذرّيتهما . ( (( كما)) - إذا كان ذلك معنى الكلام - صلةٌ لقول الله عز وجل: ((ولأتم نعمتى عليكم)). ولا يكون قوله: ((كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم))، متعلقاً بقوله : (فاذكرونى أذكركم)). ٠ وقد قال قوم : إنّ معنى ذلك : فاذكرُونى كما أرسلنا فيكم رسولا منكم أذكركم. وزعموا أن ذلك من المقدم الذى معناه التأخير، (١) فأغرقوا النَّرْع، (٢) وبعدوا من الإصابة ، وحملوا الكلام على غير معناه المعروف، وسيوتى وجهه المفهوم. وذلك أنّ الجارى من الكلام على ألسن العرب، المفهوم فى خطابهم بينهم- إذا قال بعضهم لبعض: (( كما أحسنت إليك يا فلان فأحسن)) - أن لا يشترطوا للآخر، لأن ((الكاف)) فى (( كما)) شرطٌ، معناه: افعل كما فعلت. ففى مجىء جواب (((اذ کرونی)) بعده، وهو قوله: ((أذ کر کم ))، أوضحُ دلیل علی أن قوله: (( كما أرسلنا)) من صلة الفعل الذى قبله، وأن قوله: ((اذكرونى أذكركم)) خبرٌ مبتدأ منقطعٌ عن الأول، وأنه = من سبب قوله: ((كما أرسلنا فيكم)) = بمعزل. ٠٠ ٠ وقد زعم بعض النحويين أن قوله: (( فاذكرونى)) - إذا 'جعل قوله: (( كما أرسلنا فيكم)) جواباً له، مع قوله: ((أذكركم )) - نظيرُ الجزاء الذی یجاب یجوابین، كقول القائل: (( إذا أتاك فلانٌ فأته تَرْضَه ))، فیصیر قوله: (( فأته )) و (( ترضه)» جوابين لقوله: ((إذا أتاك))، وكقوله: ((إن تأتى أحسين إليك أكرمك)).(٣). (١) هو الفراء، انظر معانى القرآن ١: ٩٢. (٢) أغرق النازع فى القوس: إذا شدها، وجاوز الحد فى مد القوس، وبلغ النصل كبد القوس، فربما قطع يد الرامى، ونزع الرامى فى قويبه فزعاً: جذب السهم بالوتر. وقولهم: ((أغرق فى النزع))، مثل فى الغلو والإفراط . (٣) هو من قول الفراء أيضاً، انظر معانى القرآن ١: ٩٢. ج ٣ (١٤) ٢١٠ تفسير سورة البقرة : ١٥١ وهذا القولُ وإن كان مذهباً من المذاهب ، فليس بالأسهل الأفصح فى كلام العرب . والذى هو أولى بكتاب الله عز وجل أن يوجّه إليه من اللغات ، الأفصح الأعرفُ من كلام العرب ، دون الأنكر الأجهل من منطقها . هذا ، مع بعد وجهه من المفهوم فى التأويل ... (( ذكر من قال: إنّ قوله: ((كما أرسلنا))، جوابُ قوله: ((فاذكرونى)». ٢٣٠٩ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى قال ، سمعت ابن أبى نجيح يقول فى قول الله عز وجل: (( كما أرسلنا فيكم رسولا منکم ، ، كما فعلتُ فاذ کرونی. ٢٣١٠ - حدثنا المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبی نجیح ، عن مجاهد مثله . ٠ وقوله: ((كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم ))، فإنه يعنى بذلك العرب ، قال لهم جل ثناؤه : الزموا أيها العربُ طاعتى ، وتوجهوا إلى القبلة التى أمرتكم بالتوجُّه إليها ، لتنقطع ◌ُحُجة اليهود عنكم، فلا تكون لهم عليكم حجةً، والأم نعمتى عليكم ، وتهتدوا، كما ابتدأتكم بنعمتى ، فأرسلت فيكم رسولاً منكم . وذلك الرسول الذى أرسله إليهم منهم: محمد صلى الله عليه وسلم ، كما : - ٢٣١١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه، عن الربيع فى قوله: ((كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم)) ، يعنى محمداً صلى اللّه عليه وسلم. وأمّا قوله: ((يتلو عليكم آياتنا))، فإنه يعنى آيات القرآن، وبقوله: ((ويزكيكم)) ويطهركم من دنس الذنوب، و(( يعلمكم الكتاب )) وهو الفرقان ، يعنى : أنه ٢١١ تفسير سورة البقرة : ١٥٢،١٥١ يعلمهم أحكامه. ويعنى: بـ((الحكمة)) السننَ والفقه فى الدين. وقد بينا جميع ذلك فيما مضى قبل بشواهده . (١) ... وأما قوله: ((ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون))، فإنه يعنى: ويعلمكم من أخبار ٢٣/٢ الأنبياء وَقَصَص الأمم الخالية ، والخبر عما هو حادثٌ وكائن من الأمور التى لم تكن العرب تعلمها ، فعلموها من رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأخبرهم جل ثناؤه أنّ ذلك كله إنما يدركونه برسوله صلى الله عليه وسلم . القول فى تأويل قوله عز وجل ﴿ فَاذْ كُرُوْنِى أَذْ كُرْكُمْ ﴾ قال أبو جعفر : يعنى تعالى ذكره بذلك: فاذكرونى أيها المؤمنون بطاعتكم إياى فيما آمركم به وفيما أنهاكم عنه ، أذكر كم برحتى إياكم ومغفرتى لكم، كما : - ٢٣١٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا ابن المبارك ، عن ابن لهيعة ، عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير: ((اذكرونى أذكركم))، قال : اذكرونى بطاعتى ، أذكركم بمغفرنى . وقد كان بعضهم يتأوّل ذلك أنه من الذكر بالثناء والمدح . • ذكر من قال ذلك : ١٣١٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه، عن الربيع فى قوله: ((فاذكرونى أذكركم واشكروا لى ولا تكفرون » ، إن الله ذاكرُ من ذكره، وزَائدُ من شكره، ومعذّبُ من كفره . (١) انظر ما سلف فى هذا الجزء ٣: ٨٦-٨٨ والمراجع. ٢١٢ تفسير سورة البقرة : ١٥٢ ٢٣١٤ - حدثنى موسى قال، حدثنى عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى: ((اذكرونى أذكركم))، قال: ليس من عبد يذكر الله إلا ذكره الله. لا يذكره مؤمن إلاّ ذكره برحمة، ولا يذكره كافر إلا ذكره بعذاب . ٠ ٥ القول فى تأويل قوله تعالى ( وَأَشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾ (٥) قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بذلك: اشكروا لى أيها المؤمنون فيما أنعمت عليكم من الإسلام، والهداية للدين الذى شرعته لأنبيائى وأصفيائى، ((ولا تكفرون))، يقول: ولا تجحدوا إحسانی إلیکم، فأسلبكم نعمتى التى أنعمت عليكم ، ولکن اشكروا لى علیها،وأزیدکم فأتم نعمتی علیکم،وأهدیکم لما هدیتله من رضیت عنه منعبادى، فإنىّ وعدت خلقى أنّ من شكر لى زدته ، ومن كفرنى حرمته وسلبته ما أعطيتُه. ٠ ٠ والعرب تقول: ((نَصحتُ لك، وشكرتُ لك))، ولاتكاد تقول: ((نصحتك)»، وربما قالت: ((شكرتك ونصحتك))، من ذلك قول الشاعر: (١) ◌ُ بَعُوا بُؤْسَى ونُنْتَى عَلَيْكُمُ فَهَا شَكَرْتَ القَوْمَ إِذْلَمْ تُقَائِلٍ(٣) وقال النابغة فى ((نصحتك)): رَسُولِ ولَمْ تَنْجَحْ لَدَيْهِمْ وَسَائِلى (٣) نَصَحْتُ بَنِى عَوَفٍ فَلْ يَتَقَبَّلُوا ٠ ٠ ٠ (١) نسبه أبو حيان فى تفسيره ١: ٤٤٧ لعمر بن لجأ، ولم أجد الشعر فى مكان. (٢) معانى القرآن الفراء ١: ٩٢. وكان فى المطبوعة: ((إن لم تقاتل))، وأثبت ما فى الفراء. والبؤسى والبأساء : البؤس. والنعمى والنعماء: النعمة. (٢) ديوانه: ٨٩، ومعانى القرآن الفراء ١: ٩٢، وأمالى ابن الشجرى ١: ٣٦٢، وهى فى غزو عمرو بن الحارث الأصغر لبني مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان. ورواية ديوانه: ((فلم يتقبلوا وصائى)). الوصاة: الوصية. وقوله: ((رسولى)). الرسول: الرسالة. والوسائل جمع وسيلة: وهى ما يتقرب به المرء إلى غيره من حرمة أو آصرة .. ٢١٣ تفسير سورة البقرة : ١٥٣،١٥٢ وقد دللنا على أن معنى ((الشكر))، الثناء على الرجل بأفعاله المحمودة ، وأن معنى (( الكفر )) تغطية الشىء ، فيما مضى قبل ، فأغنى ذلك عن إعادته ههنا. (١) القول فى تأويل قوله تعالى ﴿يَّأَيّا الَّذِينَ ، مِنُواْ أَسْتَعِنُواْ بَالصَّبْرِ وَالصَّلَوةِ إِنَّ اللهَ معَ الصَّبِينَ) ) قال أبو جعفر: وهذه الآية حضّ من الله تعالى ذكره على طاعته ، واحتمال مكروهها على الأبدان والأموال، فقال: (( يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة )) على القيام بطاعتى ، وأداء فرائضى فى ناسخ أحكامى ، والانصراف ◌َما أنسخه منها إلى الذى أحدِثِه لكم من فرائضى ، وأنقلكم إليه من أحكامى ، والتسليم لأمری فیما آمركم به فی حین إلزامكم حكمه ، والتحول عنه بعد تحويلى إياكم عنه - وإن لحقكم فى ذلك مكروهٌ من مقالة أعدائكم من الكفار بقذفهم لكم الباطل، أو مشقةٌ على أبدانكم فى قيامكم به، أو نقصٌّ فى أموالكم -(٢) وعلى جهاد أعدائكم وحربهم فى سبيلى، بالصبر منكم لى على مكروه ذلك ومشقته علیکم، واحتمال عنائه وثقله، ثم بالفزع منكم فيما ينوبكم من مُفظيعات الأمور إلى الصلاة لى . فإنكم بالصبر على المكاره تُدركون مرضاتى، وبالصلاة لى تستنجحون طلباتكم قبلى، وتدركون حاجاتكم عندى، فإنى مع الصابرين على القيام بأداء فرائضی وترك معاصىَّ ، أنصرُهم وأرعاهم وأكلَؤُهم، حتى يظفروا بما طلبوا وأمَّلُوا قِبلى. (١) معنى ((الشكر)) ١٣٥:١-١٣٨ وتفسير معنى ((الكفر)) فيما سلف ١: ٢٥٥، ٣٨٢، ٥٢٢، ومواضع كثيرة. أطلبها فى فهرس اللغة . (٢) هذه جمل متداخلة، والعطف سياقه فى هذه الجملة: استعينوا بالصبر والصلاة على القيام بطاعى، وأداء فرائضى ... والانصراف عما أنسنه ... والتسليم لأمرى ... والتحول عنه ... وعلى جهاد أعدائكم ... بالصبر ... )) ٢١٤ تفسير سورة البقرة : ١٥٤،١٥٣ وقد بينت معنى (( الصبر)) و((الصلاة )) فيما مضى قبل، فکرهنا إعادته، (١) كما : ٢٣١٥ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع، عن أبى العالية فى قوله: (( واستعينوا بالصبر والصلاة ))، يقول : استعينوا بالصبر والصلاة على مرضاة اللّه، واعلموا أنهما من طاعة الله. ٢٣١٦ - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قوله: (( يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة))، اعلموا أنهما عون" على طاعة الله . . . . وأما قوله: ((إن الله مع الصابرين))، فإن تأويله: فإن الله ناصرُهُ وَظهيرهُ وراضٍ بفعله، كقول القائل: ((افعل يا فلان كذا وأنا معك))، يعنى : إنى ناصرُك على فعلك ذلك وُمعينك عليه . . .. القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ ٢٤/٢ أَلْهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لَّا تَشْعُرُونَ) (٥٠) قال أبو جعفر : یعنی تعالى ذكره: يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر على طاعتى فى جهاد عدوّكم، وترك معاصىّ، وأداء سائر فرائضى عليكم ، ولا تقولوا لمن يقتل فى سبيل اللّه: هو ميت، فإن الميت من خلقى مَنْ سلبته حياتَه وأعدمتُه حواسيَّه، فلا يلتذّ لذة ولا يُدرك نعيما، فإنّ من قُتل منكم ومن سائر خلقى فى سبیلی ، أحياء عندى ، فى حياة ونعيم ، وعیش منى ، ورزق سنىّ ، فرحین (١) انظر فيما سلف تفسير ((الصلاة)) ١: ٢٤٢ - ٢٤٣ / ثم٢٠: ١١. وتفسير ((الصبر) فى ٢ : ١١، ١٢٤، وانظر فهرس اللغة . ٢١٥ تفسير سورة البقرة : ١٥٤ بما آتيتهم من فضلى، وَحَبوتهم به من كرامتى ، كما : - ٢٣١٧ ۔۔ حدثنی محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال حدثنا عيسى ، عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد فى قوله : (( بل أحياء )) عند ربهم ، يرزقون من ثمر الجنة، ويجدون ريحها ، وليسوا فيها . ٢٣١٨ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد مثله . ٢٣١٩ - حدثنا بشربن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (( ولا تقولوا لمن يقتل فى تسبيل الله أمواتٌ بل أحياءٌ ولكن لا تشعرون))، كنَّا نُحَدَّثَ (١): أن أرواح الشهداء تعارف فى طير بيض يأكلن من ثمار الجنة، وأن مساكنهم سدرة المنتهى ، وأن للمجاهد فى سبيل اللّه ثلاثُ خصال من الخير : مَن قُتل فى سبيل الله منهم صار حيًّاً مرزوقاً، ومن غلب آتاه الله أجراً عظيماً، ومن مات رزقه الله رزقاً حسناً . ٢٣٢٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا. معمر، عن قتادة فى قوله: ((ولا تقولوا لمن يُقتل فى سبيل الله أموات بل أحياء))، قال : أرواحُ الشهداء فى صُوَّرَ طير بيضٍ . ٢٣٢١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسمق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه، عن الربيع فى قوله: (( ولا تقولوا لمن يُقتل فى سبيل الله أمواتٌ بل أحياء)»، فی صور طير خضر یطیرون فى الجنة حيث شاءا مها ، یأ کلون من حیث شاؤا . ٢٣٢٢ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا عثمان ابن غياث . قال ، سمعت عكرمة يقول فى قوله: ((ولا تقولوا لمن يُقتل فى سبيل الله أمواتٌ بل أحياءٌ ولكن لا تشعرون)»، قال: أرواح الشهداء فى طير ◌ُخضر فى الجنة. ٠ ٥ (١) فى المطبوعة: ((كما يحدث))، والصواب ما أثبت. ٢١١ تفسير سورة البقرة : ١٥٤ قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: وما فى قوله: (( ولا تقولوا لمن يُقتل فى سبيل الله أمواتٌ بل أحياء))، من خصوصية الخبر عن المقتول فى سبيل الله الذى لم يعمّ به غيره؟ وقد علمت تظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه وصف حال المؤمنين والكافرين بعد وفاتهم ، فأخبر عن المؤمنين أنهم يفتح لهم من قبورهم أبوابٌ إلى الجنة يَشمون منها رَوْحها ، ويستعجلون اللّه قيام الساعة ، ليصيروا إلى مساكنهم منها، ويجمع بينهم وبين أهاليهم وأولادهم فيها = وعن الكافرين أنهم يُفتح لهم من قبورهم أبوابٌ إلى النار ينظرون إليها، ويصيبهم من نتها ومكروهها، ويُسلط عليهم فيها إلى قيام الساعة من يَقمَعُهم فيها، ويسألون اللّه فيها تأخيرَ قيام الساعة ، حيذاراً من المصير إلى ما أعد الله لهم فيها ، مع أشباه ذلك من الأخبار . وإذا كانت الأخبار بذلك متظاهرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما الذى ◌ُخصّ به القتيل فى سبيل الله، مما لم يعم به سائر البشر غيره من الحياة، وسائرُ الكفار والمؤمنين غيرُه أحياءٌ فى البرزخ، أما الكفار فمعذبون فيه بالمعيشة الضنك ، وأما المؤمنون فمتعَّمون بالروح والريحان ونسيم الجنان؟ قيل: إنّ الذى خصّ الله به الشهداء فى ذلك، وأفاد المؤمنين بخبره عنهم تعالى ذكره، إعلامه إياهم أنهم مرزوقون من مآ كل الجنة ومطاعمها فى بَرْزَخِهم قبل بعثهم ، ومنعَّمون بالذى ينعم به داخلوها بعد البعث من سائر البشر ، من لذيذ مطاعمها الذى لم يُطعمها اللّه أحداً غيرَهم فى برزخه قبل بعثه . فذلك هو الفضيلة التى فضَّلهم بها وخصهم بها من غيرهم ، والفائدة التى أفادَ المؤمنين بالخبر عنهم ، فقال تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ولا تَحَْبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِى سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أخْيَا عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونِ فَرَحِينَ بِمَا آتَاهُمُ الْمِنْ فَضْلِهِ﴾ [سورة آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠]، وبمثل الذى قُلنا جاء الخبرُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . ٢٣٢٣ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبد الرحيم بن سلمان وَعبدة ٢١٧ تفسير سورة البقرة : ١٥٤ "ابن سليمان ، عن محمد بن إسحق ، عن الحارث بن فضيل ، عن محمود بن لبيد ، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الشهداءُ على بَارق، نهر بباب الجنة، فى قبة خضراء - وقال عبدة: فى روضة خضراء - يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وَعشيًّا.(١) ٢٣٢٤ - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا جابر بن نوح عن الإفريقى ، عن ابن بشار السلمى - أو: أبى بشار، شكّ أبو جعفر- قال: أرواح الشهداء فى (١) الحديث: ٢٣٢٣ - عبدة بن سليمان الكلابى الكوفى: ثقة من شيوخ أحمد وإسحق . مترجم فى التهذيب، وابن سعد ٦: ٢٧٢، وابن أبى حاتم ٨٩/١/٣. الحارث بن فضيل الأنصارى المدنى: ثقة، وثقه ابن معين والنسائى وغيرهما. مترجم فى التهذيب ، والكبير ٢٧٧/٢/١، وابن أبى حاتم ٨٦/٢/١. محمود بن لبيد بن عقبة بن رافع الأشبل ، الأوسى، الأنصارى : صحابى على الراجح الذى جزم به البخارى ، مات سنة ٩٦ أو ٩٧ . قال الواقدى: مات وهو ابن ٩٩ سنة . قال الحافظ فى التهذيب: ((على مقتضى قول الواقدى فى س:"، يكون له يوم مات النبى صلى الله عليه وسلم ١٣ سنة. وهذا يقوى قول من أثبت الصحبة)). وروى البخارى فى الكبير ٤٠٢/١/٤ بإسناد صحيح: ((عن محمود بن لبيد؛ قال: أسرع النبى صلى الله عليه وسلم حتى تقطعت فعالنا، يوم مات سعد بن معاذ)). وهذا حبة كافية فى إثبات صحبته. فقال ابن أبى حاتم ٤ / ٢٨٩/١ - ٢٩٠: ((قال البخارى: له صعبة. فخط أبى عليه ، وقال لا يعرف له صحبة ))! وهو فنى دون دليل، لا يقوم أمام إثبات عن دليل صحيح. ولذلك قال ابن عبد البر - كما فى التهذيب: ((قول البخارى أولى)). وهو مترجم أيضاً فى ابن سعد ه : ٥٥ - ٥٦. والإصابة ٦ : ٦٦ - ٦٧ . والحديث رواه أحمد فى المسند: ٢٣٩٠، عن يعقوب بن إبرهيم بن سعد، عن أبيه ، عن ابن إسحق، بهذا الإسناد . وكذلك رواه ابن حبان فى صحيحه ٧ : ٦٩ (من مخطوطة الإحسان )، من طريق يعقوب، به . ورواه الحاكم فى المستدرك ٢: ٧٤، من طريق يزيد بن هرون، عن ابن إسحق. وقال: ((هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم، ولم يخرجاه)). ووافقه الذهبي. وذكره ابن كثير فى التفسير ٢: ٢٩٢، عن رواية المسند. قال: «تفرد به أحمد». ثم أثار إلى رواية الطبرى هذه، وقال: ((وهو إسناد جيد)). وهو فى مجمع الزوائد ٥: ٢٩٨، ونسبه لأحد، والطبرانى، وقال: ((ورجال أحمد ثقات)). وذ کره السیولی ٢ : ٩٦. وزاد نسبته لابن أبى شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن أبى حاتم ، وابن المنذر والبيبى فى البعث . وقوله: (وقال عبدة ... )، يريد أن «عبدة بن سلیمان ) قال: «فی روضة ) بدل ((فی قبة ). رچع فى المطبوعة ((أو قال عبدة)). ووضع ((أو) هنا بدل واو العطف - عملاً غير مستساغ. وفرجح أنه من فاسخ أو طابع . ٢١٨ تفسير سورة البقرة : ١٥٤ قباب بيض من قباب الجنة ، فى كل قبة زوجتان ، رزقهم فى كل يوم طلعت فيه الشمس تُورٌ وُحوت. فأما الثور، ففيه طعم كلّ ثمرةٍ فى الجنة ، وأما الحوت ففيه طعمُ كل شراب فى الجنة.(١) . .. قال أبو جعفر : فإن قال قائل : فإنّ الخبر عما ذكرت أن الله تعالی ذکرُه ٢٥/٢ أفاد المؤمنين بخبره عن الشهداء من النعمة التى خصّهم بها فى البرزخ ، غيرُ موجود فى قوله: ((ولا تَقولوا لمنْ يُقتل فى سبيل الله أموات بل أحياء))، وإنما فيه الخبرُ عن حَالهم ، أمواتٌ هم أم أحياءٌ. قيل: إنّ المقصود بذكر الخبر عن حياتهم ، إنما هو الخبر ◌َمَّا هم فيه من النِّعمة، ولكنه تعالى ذكره لما كان قد أنبأ عبادَه عما خصّ به الشهداء فى قوله: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِى سَبِيلِ الله أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءً عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [سورة آل عمران: ١٦٩]، وعلموا حالهم بخبره ذلك، ثم كان المراد من الله تعالى ذكره فى قوله: ((ولا تقولوا لمن يُقتل فى سبيل الله أموات بل أحياء))، نَهْىُ خلقه عن أن يقولوا للشهداء أنهم موقى (٢) = تَرَك إعادة ذكر ما قد بين لهم من خبرهم. ٠ ٠ وأما قوله: (( ولكنْ لا تَشعرُون))، فإنه يعنى به: ولكنكم لا ترونهم فتعلموا أنهم أحياءٌ ، وإنما تعلمون ذلك بخبرى إياكم به . ٥ وإنما رفع قوله: ((أمواتٌ)) بإضمار مكنىّ عن أسماء ((من يُقتل فى سبيل اللّه))، ومعنى ذلك: ولا تقولوا لمن يقتل فى سبيل الله هم أموات. ولا يجوز النصب فى (١) الخبر: ٢٣٢٤ - هذا خبر لا أدرى ما هو؟! ورأسه ((ابن بشار السامى؛ أو أبو بشار)) -الذى شك فيه ابن جرير : لم أمتد إلى شىء يدل عليه . وقد ذكره السيوطى ٢ : ٩٦، عن هذا الموضع من الطبرى ، ثم لم يصنع شيئاً ! (٢) سياق الكلام: ولكنه تعالى ذكره لما كان قد أنبأ عباده ... ترك إعادة ذكر ... )) ٢١٩ تفسير سورة البقرة : ١٥٥،١٥٤ ((الأموات))، لأن القول لا يعمل فيهم، وكذلك قوله: (( بل أحياء )) ، رفعٌ ، بمعنى: هُمْ أحياء. (١) ٥٠٠ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَلَنَبْلُوَّنَكُم بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَأَجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ اْلأُمْوُّلِ والْأَنفُسِ وَالثَّمَرَّتِ وَبَشْرِ الصَّبِينَ﴾ (٥) قال أبو جعفر: وهذا إخبار من اللّه تعالى ذكره أتباعَ رَسوله صلى الله عليه وسلم ، أنه مبتليهم ومتحنهم بشدائد من الأمور ، ليعلم من يتبع الرسول من ينقلب على عقبيه ، كما ابتلاهم فامتحنهم بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ، وكما امتحن أصفياءَه قبلهم . ووعدهم ذلك فى آية أخرى فقال لهم : ﴿أَمْ حَسْجُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَنْهُمُ البَّأْسَاءِ وَالَّرَّاءِ وزُلْزِ لُوا حَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلَّ إنَّ نَصْرَ اللهِ. قَرِيبٌ﴾ [سورة البقرة: ٢١٤]، وبنحو الذى قلنا فى ذلك کان ابن عباس وغيرُه يقول . ٢٣٢٥ - حدثنیالمثی قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس قوله: ((ولنبلونكم بشىء من الخوف والجوع))، ونحو هذا، قال: أخبر الله المؤمنين أن الدنيا دارُ بلاء ، وأنه مبتليهم فيها، وأمرّهم بالصبر، وَبَشْرهم فقال: ((وبشر الصابرين))، ثم أخبرهم أنه فعل هكذا بأنبيائه وصَفوته، لتطيب أنفسهم فقال: ﴿مَتْهُمُ البَأْسَاءِ وَالصَّرَّاء وزُلْزِلُوا﴾ . (١) فى المطبوعة: ((إنهم أحياء)، والسياق يقتضى ما أثبت. وانظر معانى القرآن الفراء ١: ٩٢ - ٩٤، فقد استوى ما اختصره الطبرى. ٢٢٠ تفسير سورة البقرة : ١٥٥ ومعنى قوله: (( ولنبلونكم ))، ولنختبرنكم . وقد أتينا على البيان عن أن معنى ((الابتلاء))، الاختبار، فيما مضى قبل . (١) ... وقوله: ((بشىء من الخوف))، يعنى من الخوف من العدو، وبالجوع - وهو القحط - يقول : لنختبرنكم بشىء من خوف ينالكم من عدوكم ، وبسنة تُصيبكم ينالكم فيها مجاعة وشدة، وتتعذر المطالب عليكم ، (٢) فتنقص لذلك أموالكم ؛ وحروبٌ تكون بينكم وبين أعدائكم من الكفار ، فينقص لها عددكم ؛ وموتُ ذراريكم وأولادكم ، وُجدوب تحدُث فتنقص لها تماركم . كل ذلك امتحان منى لكم، واختبار منى لكم، فيتبين صادقوكم فى إيمانهم من كاذبيكم فيه ، ويُعرف أهل البصائر فى دينهم منكم ، من أهل النفاق فيه والشك والارتياب . كل ذلك خطابٌ منه لأتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، كما : ٢٣٢٦ - حدثنى هرون بن إدريس الكوفىّ الأصم قال ، حدثنا عبد الرحمن ابن محمد المحاربى، عن عبد الملك، عن عطاء فى قوله: ((ولنبلونكم بشىء من الخوف والجوع))، قال: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. (٣) وإنما قال تعالى ذكره: (( بشىء من الخوف)) ولم يقل: بأشياء ، لاختلاف أنواع ما أعلم عبادَه أنه ◌ُمتحنهم به. فلما كان ذلك مختلفاً - وكانت ((مين)) تدلّ على أنّ كل نوع منها مُضمر ((شىء))، فإنّ معنى ذلك: ولنبلونكم بشىء من الخوف ، وبشىء من الجوع ، وبشىء من نقص الأموال - اكتفى بدلالة ذكر ((الشىء)) فى أوله ، من إعادته مع كل نوع منها . ففعل تعالى ذكره كل ذلك بهم، وامتحنهم بضروب المحن، كما : - ٢٣٢٧ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، (١) انظر ما سلف ٢ : ٤٨، ٤٩، ثم هذا الجزء ٧:٣ (٢) فى المطبوعة: ((وتعذر المطالب)) والصواب ما أثبت. (٣) الخبر: ٢٣٢٦ - سبق هذا الإسناد: ١٤٥٥، ولما نعرف شيخ الطبرى فيه.