Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١
تفسير سورة البقرة : ١٤٣
قال أبو جعفر: وهذا تأويل بعيدٌ. من أجل أنّ ((الرؤية))، وإن استعملت ١٠/٢
فى موضع ((العلم ))، من أجل أنه مستحيل" أن يرى أحدٌ شيئاً فلا توجب رؤيته
إياه علماً بأنه قد رآه ، إذا كان صحيح الفطرة. فجاز من الوجه الذى أثبته رؤيةً ،
أنْ يُضاف إليه إثباتُهُ إياه علماً، (١) وصحّ أن يدلّ بذكر (( الرؤية)) على معنى
(العلم) من أجل ذلك. فليس ذلك، وإن كان [ جائزاً] فى الرؤية - لما وصفنا - يجائز
فى العلم، (٢) فيدل" بذكر الخبر عن ((العلم)) على ((الرؤية)). لأن المرء قد يعلم أشياء
كثيرة لم يرها ولا يراها ، ويستحيل أن يَرَى شيئاً إلا علمه، كما قد قدمنا البيان
[عنه]. (٣) مع أنه غير موجود فى شىء من كلام العرب أن يقال: ((علمت كذا)،
بمعنی رأيته .
وإنما يجوز توجيه معانى ما فى كتاب الله الذى أنزله على محمد صلى الله عليه
وسلم منَ الكلام ، إلى ما كان موجوداً مثله فى كلام العرب ، دون ما لم يكن
موجوداً فى كلامها. فموجود فى كلامها (( رأيت)) بمعنى : علمت ، وغير موجود
فى كلامهما ((علمت)) بمعنى: رأيت، فيجوز توجيه: ((إلا لنعلم)) إلى معنى:
إلا لنرى .
وقال آخرون: إنما قيل: ((إلاّ لنعلم))، من أجل أنّ المنافقين واليهودَ وأهلَ
الكفر بالله، أنكروا أن يكون الله تعالى ذكره يعلم الشىء قبل كونه . وقالوا
- إذا قيل لهم : إن قوماً من أهل القبلة سيرتدُّون على أعقابهم، إذا ◌ُحُوّلت قبلة
محمد صلى اللّه عليه وسلم إلى الكعبة - : ذلك غیر کائن! أو قالوا: ذلك باطل!
فلما فعل اللّه ذلك ، وحوَّل القبلة ، وكفر من أجل ذلك من كفر ، قال الله جل
(١) أثبت الشىء: عرفه حق المعرفة.
(٢) الزيادة بين القويمين، لابد السياق منها، وإلا اختل الكلام .
(٣) زيادة يقتضيها سياقه .
ج ٣ (١١)
١٦٢
تفسير سورة البقرة : ١٤٣
ثناؤه : ما فعلتُ إلاّ لنعلم ما عليه غيركم - أيها المشركون المنكرون علمى بما هو
كائن من الأشياء قبل كونه : أنىّ عالم بما هو كائن مما لم يكن بعد. (١)
فكأن معنى قائلى هذا القول فى تأويل قوله: ((إلا لتعلم)): إلا لنبين لكم
أنّا نعلمُ من يتّبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه . وهذا وإن كان وجهاً له مخرج ،
فبعيدٌ من المفهوم .
...
وقال آخرون: إنما قيل: (( إلا لتعلم » ، وهو بذلك عالم قبل کونه وفی کل
حال ، على وجه الترفّق بعباده واستمالتهم إلى طاعته، (٢) كما قال جل ثناؤه:
﴿قُلْ مَنْ يَرِزُقُكُمْ مِنَ السََّوَاتِ والأرْضِ قُلِ اللهُ وإنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى
هُدَى أَوْ فِ ضَلَاَلٍ مُبِينٍ﴾(٢) [سورة سبأ: ٢٤] ، وقد علم أنه على هدى ،
وأنهم على ضلال مبين . ولكنه رَفَقَ بهم فى الخطاب، فلم يقلُ : إنّا على هدى
وأنتم على ضلال. فكذلك قوله: ((إلا لنعلم))، معناه عندهم: إلاّ لتعلموا أنتم، إذ
كنتم جُهَالاً به قبل أن يكون". فأضاف العلم إلى نفسه، رفقاً بخطابهم .
٠٠ ٠
وقد بيَّنًا القول الذى هو أوْلى فى ذلك بالحقّ .
٠
٠
وأما قوله: ((مَنْ يتَّبع الرسول)). فإنه يعنى: الذى يتبع محمداً صلى الله عليه
وسلم فيما يأمره الله به، فيوجُّه نحو الوجه الذى يتوَجَّه نحوه محمد صلى الله عليه وسلم.
٠٠٠
(١) كان فى المطبوعة: ((إلا لنعلم ما عندكم ... )) وهذا يجعل الجملة غير مستقيمة، غير
مفهومة المعنى . ورأيت أن سياق الكلام قبله يدل على أن ذلك كما أثبت ، فإن المؤمنين علموا أن قوماً سيرتدون
إذا حولت القبلة، وأنكر اليهود والمنافقون أن يكون ذلك كائناً . فاقتضى السياق أن يكون التأويل جامعاً
لهذا العلم من هؤلاء، وذلك الإنكار من أولئك. ثم جاء الطبرى بعبارة تصحح ما ذهبت إليه فى قوله: ((إلا لنبين
لكم أننا نعلم)». فكأن معنى الآية عند قائل هذا القول: ما جعلنا القبلة التى كنت عليها، إلا العلم بأننا
فعلم من يتبع الرسول ...
(٢) فى المطبوعة: ((على وجه الترفيق بعباده))، وهو خطأً.
(٣) كان فى الأصل: ((قل اللّه)) أول الآية المستشهد بها، فآثرت إتمامها.
.
١٦٣
تفسير سورة البقرة : ١٤٣
وأما قوله: ((ممن ينقلب على عقيبه))، فإنه يعنى: من الذى يرتدُّ عن دينه،
فينافق ، أو يكفر ، أو يخالف محمداً صلى الله عليه وسلم فى ذلك، ممن يظهر
اتباعه ، كما : -
٢٢٠٩ - حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله:
(( وما جعلنا القبلة" التى كنتَ عليها إلاّ لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على
عقبيه))، قال: "مَنْ إذا دخلتْه ◌ُشبهة رجع عن اللّه، وانقلب كافراً على عقبيه.
٠٠٠
وأصل ((المرتد على عقبيه))، هو: ((المنقلب على عقبيه))، الراجع مستدبراً فى
الطريق الذى قد كان قطعه، منصرفاً عنه. فقيل ذلك لكل راجع عن أمر كان فيه ،
من دين أو خير. ومن ذلك قوله: ﴿ فَارْتَدًا عَلَى آثَارِ هِمَا قَصَصًا﴾ [ سورة الكهف: ٦٤]،
بمعنى: رَجعا فى الطريق الذى كانا سلكاه، وإنما قيل للمرتد: ((مرتد))،
لرجوعه عن دينه وملته التی کان عليها .
وإنما قيل: ((رجع على عقبيه))، لرجوعه دُبراً على عقبه، إلى الوجه الذى
كان فيه بدء سيره قبل مَرْجعه عنه. فيجعل ذلك مثلاً لكل تارك أمرًاً وآخذ
آخرَ غيره ، إذا انصرف عما كان فيه ، إلى الذى كان له تاركاً فأخذه . فقيل :
((ارتد فلان على عَقِبِه، وانقلب على عقبيه)).
٠
القول فى تأويل قوله عز وجل ﴿وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّ عَلَى
الَّذِنَ هَدَى اللهُ﴾
قال أبو جعفر : اختلف أهلُ التأويل فى التى وصفها الله جل وعز بأنها
كانت ((كبيرة إلاّ على الذين "هدى الله)).
١٦٤
تفسير سورة البقرة : ١٤٣
فقال بعضهم: عنى جل ثناؤه: ((الكبيرة))، التوليةُ من بيت المقدس شطرَ
المسجد الحرام والتحويلُ. وإنما أنَّث ((الكبيرة))، لتأنيث ((التولية)).
• ذكر من قال ذلك :
٢٢١٠ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح ، عن على بن أبى
طلحة، عن ابن عباس، قال الله: ((وإن كانت لكبيرةً إلا على الذين هدى
الله)) ، يعنى : تحويلَها .
٢٢١١ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى
ابن ميمون ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله عز وجل: ((وإن كانت
لكبيرةً إلاَّ على الذين هدى الله))، قال: ما أميروا به من التحوّل إلى الكعبة من
بيت المقدس .
٢٢١٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبی نجیح ، عن مجاهد مثله .
٢٢١٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: ((لكبيرة إلا على الذين "هدى الله))، قال : كبيرة ،
١١/٢ حين 'حولت القبلة إلى المسجد الحرام، فكانت كبيرةً إلا على الذين هدى الله.
٠٠٠
وقال آخرون: بل ((الكبيرة))، هى القبلة بعينها التى كان صلى الله عليه وسلم
يتوجَّه إليها من بيت المقدس قبلَ التحويل .
* ذكر من قال ذلك :
٢٢١٤ - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا عبد الله بن أبى جعفر ،
عن أبيه، عن الربيع، عن أبى العالية: ((وإن كانت الكبيرة))، أى: قبلةُ
بيت المقدس - ((إلا على الذين هدى الله)).(١)
(١) فى المطبوعة: ((عن أبيه عن أبى العالية))، بإسقاط (عن الربيع))، وهو إسناد دائر فى
الطبرى ، أقربه رقم : ١٨٨٦
١٦٥
تفسير سورة البقرة : ١٤٣
وقال بعضهم: بل ((الكبيرة)) هى الصلاة التى كانوا يصلّونها إلى القبلة الأولى.
· ذکر من قال ذلك :
٢٢١٥ - حدثنى يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال
ابن زيد: ((وإن كانت لكبيرة إلاّ على الذین ھدی الله))، قال: صلاتكم حتى
يهديكم اللّهُ عز وجل القِبلةَ.(١)
٢٢١٦ - وقد حدثی به يونس مرة أخرى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن
زيد: ((وإن كانت كبيرة))، قال: صلاتك ههنا - يعنى: إلى بيت المقدس
ستة عشر شهراً - وانحراُ فك ههنا .
ھ
وقال بعض نحوبى البصرة: أنَّنت ((الكبيرة)) لتأنيث القبلة، وإياها غنى
جل ثناؤه بقوله: ((وإن كانت لكبيرة)).
وقال بعض نحوبى الكوفة: بل أنثت ((الكبيرة)) التأنيث التولية والتحويلة.
فتأويل الكلام على ما تأوله قائلو هذه المقالة : وما جعلنا تحويلتنا إياك عن
القبلة التى كنتَ عليها وتوليتُناك عنها ، إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على
عقبيه، وإن كانت تحويلتُنا إياك عنها وتوليتُناكَ ((لكبيرة إلاّ على الذين هدى الله)).
٠
وهذا التأويل أولى التأويلات عندى بالصواب . لأن القوم إنما كبُر عليهم
تحويل النبى صلى الله عليه وسلم وجهه عن القبلة الأولى إلى الأخرى ، لا عين
القبلة، "ولا الصلاة. لأن القبلة الأولى والصلاة ، قد كانت وهى غير كبيرة عليهم.
إلا أن يوجِّه موجّه تأنيث ((الكبيرة)) إلى ((القبلة))، ويقول: اجتُزئ بذكر
(((القبلة)) من ذكر ((التولية والتحويلة))، لدلالة الكلام على معنى ذلك، كما قد
وصفنا لك فى نظائره. (٢) فيكون ذلك وجهاً صحيحاً ، ومذهباً مفهوماً.
...
(١) الأثر: ٢٢١٥ - سيأتى تاماً برقم: ٢٢١٧، وفيه ((يهديكم إلى القبلة))، وهما صواب.
(٢) انظر ما سلف فى فهارس الأجزاء الماضية
١٦٦
تفسير سورة البقرة : ١٤٣
ومعنى قوله: ((كبيرة))، عظيمة، (١) كما : -
٢٢١٧ - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: ((وإن
كانت لكبيرة إلاّ على الذين هدى الله))، قال: كبيرة فى صدور الناس ، فيما
يدخل الشيطانُ به ابنَ آدم قال: ما لهم صلُّوا إلى ههنا ستة عشر شهراً ثم انحرفوا!
فكبُر ذلك فى صدور من لا يعرف ولا يعقل والمنافقين ، فقالوا : أىّ شىء هذا
الدين ؟ وأما الذين آمنوا، فثبّت الله جل ثناؤه ذلك فى قلوبهم، وقرأ قول الله:
(((وإن كانت لكبيرةً إلاَّ على الذين هدى الله))، قال: صَلاتكم حتى بهديكم
إلى القبلة . (٢)
٠ ٠
قال أبو جعفر: وأما قوله: ((إلاّ على الذين "هدى الله))، فإنه يعنى به :
وإن كان تقليبتُناك عن القبلة التى كنتَ عليها، لعظيمة إلا على من وَقَّقه الله جل
ثناؤه، فهداهُ لتصديقك والإيمان بك وبذلك، واتباعيك فيه ، وفيما أنزل الله تعالى
ذكره عليك ، كما : -
٢٢١٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية بن
صالح ، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس: ((وإن كانت لكبيرة إلا على
الذين هدى الله))، يقول: إلا على الخاشعين، يعنى: المصدِّقين بما أنزل الله
تبارك وتعالى . (٣)
٥
(١) انظر تفسير ((كبيرة)) فيما سلف ٢: ١٥.
(٢) الأثر : ٢٢١٧ - انظر ما سلف رقم: ٢١١٥، والتعليق عليه.
(٣) الأثر ٢٢١٨ - أخشى أن يكون هذا الأثر، هو نفس الأثر السالف برقم: ٨٥٦.
١٦٧
تفسير سورة البقرة : ١٤٣
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَّكُمْ﴾
قال أبو جعفر: قيل: عنى بـ((الإيمان))، فى هذا الموضع: الصلاة".
٠ ٠
* ذكر الأخبار التى رُويت بذلك ، وذكر قول من قاله :
٢٢١٩ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع وعبيد الله - وحدثنا سفيان
ابن وكيع قال حدثنا عبيد الله بن موسى - جميعاً، عن إسرائيل ، عن سماك ، عن
عكرمة ، عن ابن عباس قال: لما وُجُّهُ رَسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة
قالوا : كيف بمن ماتَ من إخواننا قبل ذلك ، وهم يصلون نحو بيت المقدس ؟
فأنزل الله جل ثناؤه: ((وما كان الله ليضيعَ إيمانكم)).(١)
٢٢٢٠ - حدثنى إسمعيل بن موسى قال، أخبرنا شريك ، عن أبى إسحق ،
عن البراء فى قول الله عز وجل: ((وما كان الله ليضيع إيمانكم))، قال: صلاتكم
نحو بيت المقدس .
٢٢٢١ - حدثنا أحمد بن إسحق الأهوازى قال، حدثنا أبو أحمد ازبيرى قال ،
حدثنا شريك ، عن أبى إسحق ، عن البراء نحوه . (٢)
٢٢٢٢ - وحدثیالمثی قال، حدثنا عبدالله بن محمدبن نفیلالحرّانی قال، حدثنا
زهير قال، حدثنا أبو إسحق، عن البراء قال: مات على القبلة قبل أن تحوّل إلى البيت
(١) الحديث: ٢٢١٩ - هو بإسنادين معاً: أولهما صحيح، وهو رواية أبي كريب، عن وكيع
وعبيد الله بن موسى. وثانيهما ضعيف، وهو رواية سفيان بن وكيع عن عبيد الله بن موسى.
وعبيد اللّه بن موسى العبسى: مضى فى ٢٠٩٢ .
والحديث رواه أحمد فى المسند : ٣٢٤٩، عن وكيع ، عن إسرائيل ، بهذا الإسناد، نحوه.
ورواه أيضاً مطولا ومختصراً، من طرق عن إسرائيل: ٢٦٩١، ٢٧٧٦، ٢٩٦٦. وخرجناه هناك
فى : ٢٦٩١ .
(٢) الحديثان: ٢٢٢٠ - ٢٢٢١ - هما حديث واحد بإسنادين.
وذكره السيوطى ١: ١٤٦، ونسبه أيضاً لسعيد بن منصور، وعبد بن حميد ، وابن أبى حاتم .
١٦٨
تفسير سورة البقرة : ١٤٣
رجالٌ وقُتلوا، فلم ندر ما نقول فيهم. فأنزل الله تعالى ذكره: و((ما كان الله
ليُضيع إيمانكم )) .(١)
٢٢٢٣ - حدثنا بشر بن معاذ العقدى قال، حدثنا يزيد بن زريع قال،
حدثنا سعيد ، عن قتادة قال : قال أناسٌ من الناس - لما صرفت القبلة نحو
البيت الحرام - : كيف بأعمالنا التى كنا نَعملُ فى قبلتنا ؟ فأنزل الله جل
ثناؤه: ((وما كان الله ليضيع إيمانكم)).
١٢/٢
٢٢٢٤ - حدثیموسی بنهرون قال ، حدثی عمرو بن حماد قال ، حدثنا
أسباط ، عن السدى قال: لما وُجُّهُ رَسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبل المسجد
الحرام ، (٢) قال المسلمون: ليتَ شِعْرنا عن إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون قبل
بيت المقدس! هل تقبّل الله منا ومنهم أم لا؟ فأنزل الله جل ثناؤه فيهم: (( وما كان
اللّه ليضيع إيمانكم))، قال: صلاتكم قبَلَ بيت المقدس: يقول: إنّ تلك طاعة
وهذه طاعة . (٣)
٢٢٢٥ - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن
أبيه، عن الربيع قال: قال ناسٌ - لما صرفت القبلة إلى البيت الحرام - :
كيف بأعمالنا التى كنا نعملُ فى قبلتنا الأولى؟ فأنزل الله تعالى ذكره: ((وما كان"
الله ليضيع إيمانكم)) الآية .
٢٢٢٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج قال ،
قال ابن جريج، أخبرنى داود بن أبى عاصم قال: لما ◌ُصُرف رسولُ اللّه صلى اللّه
(١) الحديث: ٢٢٢٢ - عبد الله بن محمد بن نفيل: هو عبد الله بن محمد بن على بن نفيل،
أبو جعفر النفيلى الحرانى، الثقة المأمون الحافظ. مترجم فى التهذيب. وابن أبى حاتم ١٥٩/٢/٢.
زهير: هو ابن معاوية الجمفى أبو خيشة. مضى: ٢١٤٤. وأبو إسحق: هو السبيعى الهمدانى.
والحديث هو باقى الحديث الماضى بهذا الإسناد: ٢١٥٣. وقد بينا تخريجه هناك.
(٢) فى المطبوعة: ((لما توجه ... ))، وانظر ما سلف رقم: ٢٢٠٤، والتعليق عليه.
(٣) الأثر: ٢٢٢٤ - مضى برقم: ٢١٦٤، ثم : ٢٢٠٤، وفيه هنا زيادة.
١٦٩
تفسير سورة البقرة : ١٤٣
عليه وسلم إلى الكعبة، قال المسلمون : هلك أصحابنا الذين كانوا يصلون إلى بيت
المقدس! فنزلت: ((وما كان الله ليضيع إيمانكم)).
٢٢٢٧ - حدثنا محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال ،
حدثی أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس فى قوله: ( وما كان الله ليضيع إيمانكم ))،
يقول : صَلاتكم التى صليتموها من قبل أن تكون القبلة . فكان المؤمنون قد أشفقوا
على من صلى منهم أن لا تُقبلَ صلاتهم.
٢٢٢٨ - حدثنى يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال
ابن زيد: (( وما كان الله ليضيع إيمانكم))، صلاتكم .
٢٢٢٩٠ - حدثنا محمد بن إسمعيل الفزارى قال، أخبرنا المؤمل قال ، حدثنا
سفيان، حدثنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب فى هذه الآية: ((وما كان
الله ليضيع إيمانكم))، قال : صلاتكم نحو بيت المقدس.
٥ ٥
قال أبو جعفر: قد دللنا فيما مضى على أن ((الإيمان))، التصديق. وأن
التصديقَ قد يكون بالقول وحده، وبالفعل وحده، وبهما جميعاً. (١)
فمعنى قوله: ((وما كان الله ليُضيع إيمانكم)) - على ما تظاهرت به الرواية
من أنه الصلاة -: وما كان الله ليُضيع تصديقَ رَسوله عليه السلام ، بصلاتكم
التى صليتموها نحو بيت المقدس عن أمره ، لأن ذلك كان منكم تصديقاً لرسولى ،
واتِّباعاً لأمْرى ، وطاعةً منكم لى .
قال: ((وإضاعته إياه)) جل ثناؤه - لو أضاعه -: تركُ إثابة أصْحابه وعامليه
عليه، فيذهب ضياعاً، ويصير باطلاً، كهيئة ((إضاعة الرجل ماله))، وذلك
إهلاكه إياه فيما لا يعتاض منه عوضاً فى عاجل ولا آجل .
٥
(١) انظر ما سلف ١: ٢٣٤ - ٢٣٥، وغيره، فالتمسه فى فهرس اللغة.
١٧٠
تفسير سورة البقرة : ١٤٣
فأخبر الله جل ثناؤه أنه لم يكن يُبطل عمل عاملٍ عمل له عملاً وهو له طاعة،
فلا يثيبه عليه، وإن نُسخ ذلك الفرضُ بعد عمل العامل إياه على ما كلفه من عمله .
فإن قال قائل: وكيفَ قال الله جل ثناؤه: ((وما كان الله ليُضيع إيمانكم))،
فأضاف الإيمان إلى الأحياء المخاطبين ، والقومُ المخاطبون بذلك إنما كانوا أشفقوا
على إخوانهم الذين كانوا ماتوا وهم يصلون نحو بيت المقدس ، وفى ذلك من أمرهم
أنزلت هذه الآية ؟
قيل : إن القوم وإن كانوا أشفقوا من ذلك ، فإنهم أيضاً قد كانوا مشفقين
من ◌ُحُبُوط ثواب صلاتهم التى صلوها إلى بيت المقدس قبل التحويل إلى الكعبة ،
وظنوا أنّ عملهم ذلك قد بطلَ وذهب ضياعاً ؟ فأنزل الله جل ثناؤه هذه الآية
حينئذ ، فوجّه الخطابَ بها إلى الأحياء ودخل فيهم الموتى منهم . لأن من شأن
العرب - إذا اجتمع فى الخبر المخاطبُ والغائبُ - أن يغلبوا المخاطب فيدخل الغائب
فى الخطاب . فيقولوا لرجل خاطبوه على وجه الخبر عنه وعن آخر غائب غير
حاضر: ((فعلنا بكما وصنعنا بكما))، كهيئة خطابهم لهما وهما حاضران ، ولا
يستجيزون أن يقولوا: ((فعلنا بهما))، وهم يخاطبون أحدهما، فيردّوا المخاطب إلى
عِدَاد الغَيب .(١)
...
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَهُوفٌ رَحِيمٌ)(®
قال أبو جعفر: ويعنى بقوله جل ثناؤه: ((إنّ اللّه بالناس كرَؤُوفٌ رَحيمٌ)):
أن الله یجمیع عباده ذو رأفة
(١) الغيب (بفتحتين) جمع غائب ، مثل خادم وخدم .
١٧١
تفسير سورة البقرة : ١٤٣
و ((الرأفة))، أعلى مَعانى الرحمة، وهى عَامَّة لجميع الخلق فى الدنيا ، ولبعضهم
فى الآخرة .
٠٠٠
وأما (( الرحيم)): فإنه ذو الرحمة للمؤمنين فى الدنيا والآخرة ، على ما قد بينا
فيما مضى قبل .(١)
٠
٠
وإنما أراد جل ثناؤه بذلك أنّ الله عز وجل أرْحمُ بعباده منْ أن يُضيع لهم
طاعةٌ أطاعوه بها فلا يثيبهم عليها ، وأرافُ بهم من أن يُؤاخذهم بترك ما لم يفرضه
عليهم - أى: ولا تأسوا عَلى مَوْتاكم الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس -،
فإنی لهم = على طاعتهم إیای بصلاتهم التی صلوها كذلك = مثیبٌ ، لأنى أرحم
بهم من أن أضيع لهم عملاً عملوه لى ؛ ولا تحزنوا عليهم ، فإنى غيرُ مؤاخذهم بتركهم
الصلاة إلى الكعبة ، لأنى لم أكن فرضت ذلك عليهم ، وأنا أرأف بخلقى من أن
أعاقبهم على تركهم ما لم آمرهم بعمله .
وفى ((الرؤوف)) لغات. إحداها ((رَؤُف)) على مثال ((فعل))، كما قال الوليد
ابن عقبة :
وَشرُّ الطَالِنَ - وَلاَ تَكُنْهُ - بَقَاتِلِ عَمِّه، الرَّوُفُ الرَّحِيمِ(٢) ٣/٢
(١) انظر ما سلف ١: ١٢٦ - ١٣٤.
(٢) كان فى المطبوعة: ((الرؤف الرحيما)). وجاء على الصواب فى القرطبى ٢: ١٤٥، وأبي حيان
١: ٤٢٧، وفيهما خطأ آخر، الأول فيه ((يقاتل))، والثانى ((يقابل))، وكأن هذا البيت من شعر
الوليد بن عقبة، الذى كتب به إلى معاوية يحض معاوية على قتال على رضى الله عنهما. وهى فى أنساب
الأشراف: ١٤٠، وتاريخ الطبرى ٥: ٢٣٦ - ٢٣٧، وحماسة البحترى: ٣٠، واللسان (حلم) وغيرها،
وليس فيها هذا البيت ، وكأنه قبل البيت الذى يقول فيه :
لَكَ الْوَيْلَاتُ! أَفْحِمْهَا عَلَيْهِمْ خَيْرُ الطَّالِ الثََّةِ الفَثُومُ
وقوله: ((لا تكنه))، دعاء له، واستنكار أن يكون كهذا الطالب الثائر الذى يطالب بدم عنه ،
وهو رؤوف رحيم بعدوه وقاتل عنه ، وهو شر طالب ثأر .
١٧٢
تفسير سورة البقرة : ١٤٤،١٤٣
وهی قراءة عامة قراء أهلالكوفة . والأخرى (( رؤوف » على مثال (( فعول)»،
وهى قراءة عامة قراء المدينة، و((رَئِف))، وهى لغة غطفان، على مثال ((فيِل))
مثل حذر. و((راف)) على مثال ((فَعْل)) يجزم العين، وهى لغة لبنى أسد.
والقراءة على أحد الوجهين الأوَّلين.
القول فى تأويل قوله تعالى: ﴿قَدْ تَرَىُ تَقَلْبَ وَجْهِكَ فِى أَمَاءِ
فَلَنُوَلِيَنَّكَ قِْلَةَ تَرْضَهَا فَوَلٌّ وَجْهَكَ شَطْرَ اَلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾
قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه : قد نرى يا محمد نحنُ تقلُّبَ وجهك
فى السماء .
ويعنى: بـ ((التقلب))، التحوّل والتصرُّف.
ويعنى بقوله: ((فى السماء))، نحو السماء وقِيَلها .
٠
وإنما قيل له ذلك صلىالله عليه وسلم- فيما بلغنا - لأنه كان = قبل تحويل
قبلته من بيت المقدس إلى الكعبة = يرفع بصره إلى السماء ينتظر من الله جل ثناؤه
أمرَه بالتحويل نحو الكعبة ، كما : -
٢٢٣٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: (( قد نرى تقلُّب وجهك فى السماء ))، قال : كان صلى
اللّه عليه وسلم يقلّب وجهه فى السماء ، يحبّ أن يصرفه اللّه عز وجل إلى الكعبة،
حتى صرفه الله إليها .
٢٢٣١ - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن
قتادة قوله: (( قد نَرَى تَقلُّب وجهك فى السماء)»، فكان نبي الله صلى الله عليه
وسلم يُصلّى نحو بيتَ المقدس، يَهوَى وَيشتهى القبلةَ نحو البيت الحرام، فوجَّهه
الله جل ثناؤه لقبلة كان يهواها ويشتهيها .
١٧٣
تفسير سورة البقرة : ١٤٤
٢٢٣٢ - حدثنا المثنى قال، حدثنى إسحق قال ، حدثنى ابن أبى جعفر ،
عن أبيه، عن الربيع فى قوله: ((قد نرى تقلُّب وجهك فى السماء))، يقول :
نظرك فى السماء. وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم يقلّب وجهه فى الصلاة وهو يصلى
نحو بيت المقدس ، وكان يهوى قبلة البيت الحرام، فولاه الله قبلةً كان يهواها.
٢٢٣٣ -حدثیموسی بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا
أسباط ، عن السدى قال : كان الناس يصلون قبَلَ بيت المقدس ، فلما قدم
النبى صلى الله عليه وسلم المدينة على رأس ثمانية عشر شهراً من مُهاَ جره ، كان
إذا صلى رفع رأسه إلى السماء يَنظُر ما يُؤمر . وكان يصلّى قبَل بيت المقدس،
فنسختها الكعبةُ . فكان النبي صلى اللّه عليه وسلم يحب أن يصلى قبَل الكعبة،
فأنزل الله جل ثناؤه: ((قد نَرَى تقلب وجهك فى السماء)) الآية.
٠
٠
ثم اختلف فى السبب الذى من أجله كان صلى الله عليه وسلم يهوى قبلة
الكعبة .
قال بعضهم : كره قبلةَ بيت المقدس، من أجل أن اليهودَ قالوا: يتَّبع قبلتنا
وُيخالفنا فی دیننا !
، ذكر من قال ذلك :
٠
٢٢٣٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج ، عن مجاهد قال : قالت اليهود : يخالفنا محمد ويتبع قبلتنا ! فكان
يدعو الله جلّ ثناؤه ويستفرض القبلة، (١) فنزلت: ((قد نرى تقلُّب وجهك فى السماء
فلنولينك قبلة تَرْضَاها فول وجهك شطرً المسجد الحرام )»،- وانقطع قول يهود:
(١) فى المطبوعة: ((يستعرض القبلة))، وأثبت ما فى الدر المنثور ١: ١٤٧ وقوله: ((يستفرض))
أى يطلب فرضها عاليه وعلى المؤمنين. وهذا ما لم تشبنه كتب اللغة، ولكنه صحيح العربية . أما قوله
((يستعرض القبلة))، فليست بشىء.
١٧٤
تفسير سورة البقرة : ١٤٤
يخالفنا ويتبع قبلتنا !- فى صلاة الظهر، (١) فجعل الرجالَ مكانَ النساء، والنساء
مكانَ الرجال .
٢٢٣٥ -حدثنی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، سمعته - يعنى ابن
زيد - يقول: قال الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (( فأينما قولوا
فثمَّ وجهُ اللّه)). قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هؤلاء قومُ يهود يستقبلون
بيتاً من بيوت الله - لبيت المقدس - لو أنًّا استقبلناه! فاستقبله النبى صلى الله عليه
وسلم ستة عشر شهراً، فبلغه أن يهود تقول: والله ما دَرَى محمد وأصحابه أين قبلتهم
حتى هديناهم!(٢) فكره ذلك النبى صلى الله عليه وسلم ، ورفع وجهه إلى السماء ،
فقال الله جل ثناؤه: ((قد نَرَى تقلُّب وجهك فى السماء فلنولينَّك قبلةً ترضّاها
فوَلَ وجهك شطرَ المسجد الحرام)) الآية. (٣)
وقال آخرون : بل كان يهوى ذلك ، من أجل أنه كان قبلةَ أبيه إبراهيم
عليه السلام
• ذكر من قال ذلك :
٢٢٣٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنا معاوية
ابن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم لما هاجر إلى المدينة، وكان أكثر أهلها اليهودُ، أمره الله عز وجل أن يستقبل
بيت المقدس. ففرحت اليهودُ. فاستقبلها رسول اللّه عليه وسلم ستة عشر شهراً ،
فكان رسول الله صَلى الله عليه وسلم يحب قبلةَ إبراهيم، فكان يدعو وينظر إلى السماء،
فأنزل الله عز وجل: ((قد نرى تقلُّبَ وجهك فى السماء)) الآية .(٤)
٥
(١) سياق عبارته: ((فنزلت ... فى صلاة الظهر)).
(٢) فى المطبوعة: ((ما درى محمد صلى الله عليه وسلم)»، ولا تقوله يهود، فرفعته . وكذلك جاء
فى رقم : ١٨٣٨
(٣) الأثر : ٢٢٣٠ - مضى برقم : ١٨٣٨
(٤) الأثر: ٢٢٣٦ - مضى برقم: ١٨٣٣، ورقم: ٢١٦٠.
١٧٥
تفسير سورة البقرة : ١٤٤
فأما قوله: ((فلنولينَّك قبلة تَرْضَاها))، فإنه يعنى: فلنصرفنَّك عن بيت
المقدس، إلى قبلة ((ترضاها)): تهواها وتُحبها. (١)
وأما قوله: ((فوَلّ وجهك))، يعنى: اصرف وجهك وَحوِّله .
٠
وقوله: (("شطرَ المسجد الحرام))، يعنى:؛ ((الشطر))، النحوَ والقصدَ
والتِّلقاء ، كما قال الهذلى : (٢)
إنَّ العَسِيرَ بهاَ دَاء ◌ُخَامِرُهَا فَشَطْرَهَا نَظَرُ المَيْنَيْنِ يَحْسُورُ(٣): ٢/
يعنى بقوله: (("شَطْرَها))، نحوها، وكما قالَ ابن أحمر:
تَعْدُو بِنَا شَطْر ◌َجْعٍ وهْىَ عَاقِدَةٌ، قَدْ كَاَربَ العَقْدُ مِنْ إِفَادِهَا الْحَقَّبَا(٤)
(١) انظر معانى ((ولى)) فيما سلف ٢: ١٦٢، ٥٣٥، وهذا الجزء ٣: ١٣١
(٢) هو قيس بن العيزارة الهذلى. والعيزارة أمه، واسمه قيس بن خويلد بن كاهل .
(٣) ديوانه فى أشعار الهذليين السكرى: ٢٦١ (أوربة)، ورسالة الشافعى: ٣٥، ٤٨٧،
وسيرة ابن هشام ٢: ٢٠٠، والكامل ٣:٢،١٢:١ ومجاز القرآن لأبى عبيدة: ٦٠، واللسان (شطر) (حسر)،
وغيرها. ورواية الشافعى فى الرسالة: ((إن العسيب)) بالباء فى آخره، ورواية ديوانه وابن هشام:
((إن النعوس)). والعسير: التى تعسر بذنبها إذا حملت، من شراستها. والنعوس: التى تغمض عينيها
عند الحلب . والعسيب: جريد النخل إذا كشط عنه خوصه . وأرى أنه لم يرد صفة الناقة بأحد هذه الألفاظ
الثلاثة، وإنما هو اسم ناقته. وكلها صالح أن يكون اسما الناقة. وقد قال ابن هشام: ((النعوس: ناقته ،
وكان بها داء فنظر إليها نظر حسير، من قوله: ((وهو حسير)). ويروى: ((داء يخامرها قنحوها ... ))،
ورواية ديوانه (مجزور)). ومحسور، هو الحسير: الذى قد أعي وكل. ومخزور: من قولهم: ((خزر
بصره))،: إذا دافى بين جفنيه ونظر بلحاظه. وهو يصف ناقته، ويذكر حزنه وحبه لها، فهو من
الداء الذى خامرها مشفق عليها ، يطيل النظر إليها حتى تحسر عيناه ويكل .
(٤) سيرة ابن هشام ٢: ١٩٩، والروض الأنف ٢: ٣٨، والخزانة ٣: ٣٨، ومجاز القرآن
لأبى عبيدة: ٦٠. وفى المطبوعة: ((من إنفادها))، وهو خطأ. وقال: قبله:
أَنْشَأْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ حَالِ رُفْتِهِ فقال: حَىَّ، فَإِنَّ الرَّكْبَ قَدْ نَصَبَا
حى: اعجل. ونصب: جد فى السير: وقوله: ((جمع))، هى مزدلفة، يريد الحج . وقوله :
حاقدة ، أى: قد عملفت ذفبها بين فخذيها . وقوله : كارب ، أى أوشك وكاد وقارب ودنا . وأوفدت الناقة
١٧٦
تفسير سورة البقرة : ١٤٤
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
٢٢٣٧ - حدثنا سفيان بن وكيع قال ، حدثنا أبى ، عن سفيان ، عن
داود بن أبى هند، عن أبى العالية: ((شَطْرَ المسجد الحرام))، يعنى: تلقاءَه.
٢٢٣٨ - حدثنیالمتی قال،حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثی معاوية،
عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس: ((شطر المسجد الحرام))، نحوّه.
٢٢٣٩ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد قوله: ((فول وجهك شطر المسجد الحرام))،
تحوّه .
٢٢٤٠ - حدثنى المتی قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبی نحیح ، عن مجاهد ، مثله .
٢٢٤١ - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ،
عن قتادة: ((فولٌ وجهك شطرَ المسجد الحرام))، أى: تلقاء المسجد الحرام.
٢٢٤٢ - حدثنا الحسين بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: (( فول" وجهك شطر المسجد الحرام))، قال : نحو
المسجد الحرام.
إيفاداً: أسرعت . والحقب: الحزام يشد به الرحل فى بطن البعير مما يلى ثيله لئلا يؤذيه التصدير. يقول:
قد أسرعوا إسراحاً إلى مزدلفة ، فجعلت تعطف ذنبها تسد به فرجها حتى كاد عقد ذنبها يبلغ الحقب .
والناقة تسد فرجها بذفبها فى إسراعها ، يقول الحبل السعدى :
وإذَ رَفَعْتُ السَّوْطَ، أَفْزَعَهَا نَحْتَ الصُّلُوعِ مُرَوَّعٌ شَهْمُ
وَسُدُّ حَاذَيْهَا بِذِى خُصَلٍ حُقِمَتْ فَنَاعَمَ، ◌َبْتَهُ النَّقْمُ
ويقول المثقّبُ العبدى ، يصف ناقته مسرعة :
نَسُدُّ بِدَايِ الخَطَرَانِ جَثْلٍ خَوَابَةَ فَرْجِ مِقْلَتٍ دَمِنِ
١٧٧
تفسير سورة البقرة : ١٤٤
٢٢٤٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا ابن أبى جعفر ،
عن أبيه، عن الربيع: ((فولِّ وجهك شطرَ المسجد الحرام))، أى: تلقاءَه.
٢٢٤٤ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج قال ،
قال ابن جريج، أخبرنى عمرو بن دينار، عن ابن عباس أنه قال: (( شطرَ))،
نحوّه .
٢٢٤٥ - حدثنى المثى قال، حدثنا الحمانى قال ، حدثنا شريك ، عن
أبى إسحق، عن البراء: ((فولوا وجوهكم شطره))، قال: قبله .
٢٢٤٦ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال، ، قال ابن زيد :
((شطره))، ناحيته، جانبه، قال: وجوانبه (('شطوره)).(١)
٠٠٠
ثم اختلفوا فى المكان الذى أمر الله نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يولّىَ وجهه إليه
من المسجد الحرام .
فقال بعضهم : القبلةُ التى حُوِّل إليها النبى صلى الله عليه وسلم، وعناها الله
تعالى ذكره بقوله: (( فلنولينك قبلة تَرْضاها))، حيال ميزاب الكعبة .
• ذكر من قال ذلك :
٢٢٤٧ - حدثی عبد الله بن أبى زياد قال، حدثنا عثمان قال، أخبرنا شعبة
عن يعلى بن عطاء، عن يحيى بن قطة، عن عبد الله بن عمرو: ((فلنولينَّك قبلة
ترضاها))، حيالَ ميزاب الكعبة. (٢)
(١) الخبر: ٢٢٤٦ - هو وما قبله من الأخبار، فى تفسير (شطره) بأنه: قبله ، أو :
نحوه. وانظر مزيداً ذلك، ما قاله الشافعى فى الرسالة، بتحقيقنا: ١٠٥ - ١١١، ١٣٧٨ - ١٣٨١.
(٢) الحديث: ٢٢٤٧ - عبد الله بن أبى زياد، شيخ الطبرى: نسب إلى جده. وهو ((عبد الله
ابن الحكم بن أبى زياد القطوان))، واسم «أبى زياد)): ((سليمان)). وعبد الله هذا: ثقة، روى عنه
. أبو زرعة، وأبو حاتم، وابن خزيمة، وغيرهم. مترجم فى التهذيب. وابن أبى حاتم ٣٨/٢/٢.
وشيخه «عثمان)): ما أدرى من هو ؟ وأغلب الظن أنه محرف، وصوابه ((عفان)).
يحي بن قطة: تابعى ثقة، ترجمه البخارى فى الكبير ٢٩٩/٢/٤، وابن أبى حاتم ٤ /١٨١/٢،
١٧٨
تفسير سورة البقرة : ١٤٤
٢٢٤٨ - وحدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، حدثنا
هشيم ، عن يعلى بن عطاء ، عن يحيى بن قمطة قال : رأيت عبد الله بن عمرو
جالساً فى المسجد الحرام بإزاء الميزاب، وتلاهذه الآية: ((فلنولينك قبيلة ترضاها)»،
قال : هذه القبلة ، هى هذه القبلة .
٢٢٤٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم - بإسناده
عن عبد الله بن عمرو، نحوه - إلاّ أنه قال: استقبل الميزاب فقال: هذه القبلة
التى قال الله لنبيه: ((فلنولينك قبلة ترضاها)).(١)
٠٠٠
وقال آخرون: بل ذلك البيت كله قبلةٌ، وقبلةُ البيت الباب.
· ذ کر من قالذلك:
وذكر أنه حجازى، ولم يذكرا فيه جرحاً. وذكر البخارى أنه يروى ((عن ابن عمر)). وذكر ابن أبى حاتم
أنه يروى ((عن عبد الله بن عمرو)). وذكره ابن حبان فى الثقات، ص: ٣٧١، وقال: ((يروى عن
ابن عمر، وعبد الله بن عمرو)). روى عنه يعلى بن عطاء.
واسم أبيه: ((قطة)) بالقاف ثم الميم ثم الطاء المهملة. ولم أجد ما يدل على ضبط هذه الحروف .
لكنه ثبت هكذا فى الطبرى وتفسير عبد الرزاق ومراجع الترجمة. ووقع فى ابن كثير والمستدرك ((قطة)) بدون
الميم . وهو خطأ ، لمخالفته ما ذكرنا عن المراجع .
والحديث رواه الحاكم فى المستدرك ٢ : ٢٦٩، من طريق مسلم بن إبرهيم ، عن شعبة، بهذا الإسناد،
مطولا بنحو الرواية التى بعد هذه. وقال الحاكم: ((هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه)). ووافقه
الذهبى .
(١) الحديثان: ٢٢٤٨، ٢٢٤٩ - وهذان إسنادان آخران الحديث قبلهما. وأولها من رواية
عبد الرزاق ، عن هشيم ، عن يعلى بن عطاء .
وهشيم - بالتصغير : هو ابن بشير ، بفتح الموحدة وكسر الشين المعجمة . وهو أبو معاوية بن
أبى حازم، وهو حافظ ثقة ثبت. مترجم فى التهذيب. والكبير ٢٤٢/٢/٤، وابن سعد ٦١/٢/٧،
٧٠. وابن أبي حاتم ٤ /١١٥/٢ - ١١٦. وتذكرة الحفاظ ١ : ٢٢٩ - ٢٣٠.
والحديث فى تفسير عبد الرزاق، ص: ١٣، بهذا الإسناد. وليس فيه كلمة ((هى)) المزادة هنا بعد
قوله: ((هذه القبلة)). وأخشى أن تكون زيادتها غير جيدة ولا ثابتة .
وذكر ابن كثير ١: ٣٥٢، أنه رواه أيضاً ابن أبى حاتم ((عن الحسن بن عرفة، عن هشيم، عن
يعلى بن عطاء)). ووقع اسم ((هشيم)» فيه محرفاً، فيصحح من هذا الموضع.
والحديث فى الدر المنثور أيضاً ١: ١٤٧، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور،
وأحمد بن منيع فى مسنده، وابن المنذر، والطبرانى فى الكبير. وهو فى مجمع الزوائد ٦: ٣١٦، وقال:
((رواه الطبرانى من طريقين، ورجال إحداهما ثقات)).
١٧٩
تفسير سورة البقرة : ١٤٤
٢٢٥٠ - حدثنى يعقوب قال، حدثنا ابن علية ، عن عطاء بن السائب ،
عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : البيت كله قبلةٌ ، وهذه قبلةُ البيت -
یعنی التی فیها الباب. (١)
قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك عندى ما قال الله جل ثناؤه :
((فوَلُ وجهك شطر المسجد الحرام))، فالمؤلِّى وجهه شطرّ المسجد الحرام ، هو
المصيبُ القبلةَ. وإنما عَلى من توجه إليه النيةُ بقلبه أنه إليه متوجُّه، كما أن على
من اثتمَّ بإمام فإنما عليه الاتمام به، وإن لم يكن محاذياً بدنُه بدنَه، وإن كان فى
طَرَف الصّف والإمام فی طرف آخر، عن يمينه أو عن يساره، بعد أن يكون من
خلفه مُؤْمًّاً به، مصلياً إلى الوجه الذى يصلّى إليه الإمام. فكذلك حكمُ القبلة،
وإنْ لم يكن يحاذيها كل مصلّ ومتوَجِّه إليها ببدنه، غير أنه متوجِّه إليها . فإن كان
عن يمينها أو عن يسارها مقابلها، فهو مستقبلها، بعُدما بينه وبينها أو قَرُب، من عن
یمینها أو عن يسارها ، بعد أنیکون غیر مستدبرها ولا منحرف عنهابیدنه ووجهه، کما:
٢٢٥١ - حدثنا أحمد بن إسحق الأهوازى قال ، حدثنا أبو أحمد الزبيرى
قال ، أخبرنا إسرائيل ، عن أبى إسحق ، عن عميرة بن زياد الكندى ، عن على :
(((فول وجهك شطر المسجد الحرام))، قال: شطرُه، قبله.(٢)
٥
(١) الخبر: ٢٢٥٠ - فقله السيوطى ١: ١٤٧، عن الطبرى وحده، بلفظ: ((البيت كله
قبلة ، وقبلة البيت الباب)) .
(٢) الحديث: ٢٢٥١ - أبو إسحق: هو السبيعى الهمدانى.
عميرة - بفتح العين - بن زياد الكندى: تابعى ثقة، ترجمه ابن سعد فى الطبقات ٦ : ١٤١،
وقال: ((روى عن عبد الله)). أراد بذلك عبد الله بن مسعود. وترجمه البخارى فى الكبير ٦٩/١/٤.
وابن أبى حاتم ٢٤/٢/٣. ولم يذكرا فيه جرحاً، ولا رواية عن غير ابن مسعود. وذكرا أن الراوى عنه
أبو إمحق .
والحديث رواه الحاكم فى المستدرك ٢: ٢٦٩، من طريق محمد بن كثير ، عن سفيان - وهو الثورى -
عن أبي إسحق بهذا الإسناد. وقال الحاكم: ((هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه)). ووافقه الذهبي.
٠٠٠٠ .
١٨٠
تفسير سورة البقرة : ١٤٤
قال أبو جعفر : وقبلةُ البيت بابه ، كما : -
٢٢٥٢ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم والفضل بن الصَّبَّاح قالا ، حدثنا هشيم
قال ، أخبرنا عبد الملك ، عن عطاء قال ، قال أسامة بن زيد : رأيت رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم حين خرج من البيت أقبلَ بوجهه إلى الباب ، فقال : هذه
القبلةُ ، هذه القبلة .(١)
٢٢٥٣ - حدثنا ابن حمید وسفیان بن وکیع قالا ،حدثنا جرير، عن عبد الملك
ابن أبى سليمان ، عن عطاء قال ، حدثنى أسامة بن زيد قال : خرج النبي صلى
وكذلك رواه البيهقى فى السنن الكبرى ج ٢ ص ٣ ، عن الحاكم .
وذكره السيوطى ١ : ١٤٧، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبى حاتم ، والدينورى
فى المجالسة .
وذكره ابن كثير ١ : ٢٦٨، نقلا عن الحاكم .
ولفظه عندهم جميعاً: ((قال: شطره قبله))، كما أثبتنا. ووقع فى المطبوعة هنا: ((قال: شطره
فينا قبلة )) !! وهو خطأ مخيف ، من ناسخ أو طابع.
ووقع فى الإسناد فى ابن كثير (محمد بن إسحق)) بدل ((أبي إسحق)). وهو خطأ يخالف ما ثبت هنا ،
وما ثبت فى سائر المراجع .
ووقع فيه فى ابن كثير والمستدرك ومختصره الذهبي - المطبوع والمخطوط - ((محمير بن زياد)). وهو خطأ
أيضاً . وثبت على الصواب فى رواية البيهقى عن الحاكم .
(١) الحديث: ٢٢٥٢ - الفضل بن الصباح البغدادى: ثقة، وثقه ابن معين. وقال أبو القاسم
البغوى: ((كان من خيار عباد الله)). مترجم فى التهذيب. وابن أبى حاتم ٦٣/٢/٣.
عبد الملك : هو ابن أبى سليمان العرزبى، مضى فى : ١٤٥٥ .
عطاء : هو ابن أبى رباح، التابعى الكبير ، الإمام الحجة ، القدوة العلم ، مفى أهل مكة ومحدثهم .
مترجم فى التهذيب. وابن أبى حاتم ٣٣٠/١/٣ - ٣٣١. وتذكرة الحفاظ ١ : ٩٢: ٩٣، وتاريخ
الإسلام ٤ : ٢٧٨ - ٢٨٠، وابن سعد ١٣٣/٢/٢ - ١٣٤، و٥: ٣٤٤ - ٣٤٦.
: أسامة بن زيد بن حارثة: هو حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن حبه.
وقد زعم أبو حاتم - فيما حكاه عنه ابنه فى المراسيل: ص: ٥٧ - أن عطاء لم يسمع من أسامة .
ولكن الرواية التالية لهذه ، فيها تصريح عطاء بالسماع منه . ثم المعاصرة كافية فى ثبوت الاتصال ، كما هو
الراجح عند أهل العلم بالحديث .
وعطاء ولد سنة ٢٧ ومات سنة ١١٤ . بل ذكر الذهبى أنه مات عن ٩٠ سنة . وأسامة بن زيد مات
سنة ٥٤ . بل أرخ مصعب الزبيرى وقاته فى آخر خلافة معاوية سنة ٥٨ أو ٥٩.
وهذا الحديث رواه أحمد فى المسند (٥: ٢٠٩)، عن هشيم، بهذا الإسناد واللفظ. ثم دواء
عقبه ، بالإسناد نفسه مطولا ، بنحوه .