Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ تفسير سورة البقرة : ١٣٥،١٣٤ ١٣٥ ٠ (((والهاء والألف)) فى قوله: ((لها))، عائدة إن شئت على ((تلك)»، وإن شئت على (( الأمة)). ٠ ويعنى بقوله: ((لها ما كسبت))، أى ما عملت من خير، (١) ولكم يا معشر اليهود والنصارى مثل ذلك ما عملتم، ولا تؤاخذون أنتم - أيها الناحلوهم ما نحلتموهم من الملل - فتسألوا عما كان إبراهيم وإسماعيلُ وإسحقُ ويعقوبُ وَولدهم يعملون. فيكسيبون من خير وشر ، لأن لكل نفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت . فدَعُوا انتحالهم وانتحالَ ملهم، فإن الدعاوى غيرُ مغنيتكم عند اللّه، وإنما يُغنى عنكم عنده ما سلف لكم من صالح أعمالكم، إن كنتم عملتموها وقدً متموها . القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَقَالُواْ كُونُوا هُودًا أَوْ نَصْرَىُ تَهَدُواْ﴾ قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((وقالوا كوُنوا هوداً أو نصارى تَهتدوا))، وقالت اليهودُ لمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المؤمنين: كونوا ◌ُهُودًا تتهتدوا ؛ وقالت النصارى لهم : كونوا نصارى تهتدوا . ٠٠ ٥ تعنى بقولها: ((تهتدوا)»، أى: تصيبوا طريق الحق، (٢) كما : - ٢٠٩٠ - حدثنا أبو کریب قال ، حدثنا يونس بن بکیر- وحدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة - جميعاً، عن ابن إسحق قال ، حدثنى محمد بن أبى محمد مولى (١) انظر معنى ((الكسب)) فيما سلف ٢ : ٢٧٣ - ٢٧٤. (٢) انظر معانى ((المدى)) فيما سلف ١: ١٦٦ - ١٧٠، ٢٣٠، ٢٤٩، ٥٤٩ - ٠٠١/ ٢ :٣٩٣ ١٠٢ تفسير سورة البقرة : ١٣٥ زيد بن ثابت قال ، حدثنى سعيد بن جبير ، أو عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال عبدُ اللّه بن صُوريا الأعورُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الهُدى إلاّ ما نحن عليه! فاتَّبعنا يا محمد تهتدٍ ! وقالت النصارى مثل ذلك. فأنزل الله عز وجل فيهم: ((وقالوا كونوا هوداً أو نَصَارَى تهتدوا ◌ُقُلْ بَل ملة إبراهيمَ حَتيفاً وَمَا كانَ من المشركين)».(١) ٥٠٠ قال أبو جعفر : احتج الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أبلغَ حجة وأوجزَها وأكملها، وعلَّمها محمدًا نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، قل - للقائلين لك من اليهود والنصارى ولأصحابك: (( کونوا هوداً أو نصاری تهتدوا» - : بل تعالوا نتَّبع ملة إبراهيم التى يُجميعُ جميعنا على الشهادة لها بأنها دينُ اللّه الذى ارتضاه واجتباه(٢) وأمر به - فإنّ دينه كان الحنيفية المسلمة - وندعْ سائر الملل التى نختلف فيها، فينكرها بعضنا، ويقرُّ بها بعضُنا. فإن ذلك - على اختلافه ــ لا سبيل لنا على الاجتماع عليه ، كما لنا السبيلُ إلى الاجتماع على ملة إبراهيم. ٠ ٥ وفى نصب قوله: ((بل" ملة إبراهيم)) أوجه ثلاثة . أحدهما: أن يوجّه معنى قوله: ((وقالوا كونوا هوداً أو نصارى»، إلى معنى: وقالوا اتبعوا اليهودية والنصرانية. لأنهم إذا قالوا: (( كونوا هوداً أو نصارى))، إلى اليهودية والنصرانية دعوْهمْ، ثم يُعطف على ذلك المعنى بالملة . فيكون معنى الكلام حينئذ : قل يا محمد ، لا نتبع اليهودية والنصرانية، ولا تتخذُها ميلةً، بل نتبع ملة إبراهيم حنيفاً، ثم يحذف ((نتبع)) الثانية، ويعطف بـ (الملة)) على إعراب اليهودية والنصرانية. والآخر : أن يكون نصبه بفعل مضمر بمعنى (( نتبع )) والثالث : أن يكون أريد: بل تكونَ أصحابَ ملة إبراهيم ، أو أهلَ ملة (١) الأثر: ٢٠٩٠ - سيرة ابن هشام ٢: ١٩٨. (٢) فى المطبوعة: ((تجمع جميعنا))، وهى خطأ، والصواب ((يجمع))، من الإجماع. ١٠٣ تفسير سورة البقرة : ١٣٥ إبراهيم. ثم حذف ((الأهل)) و((الأصحاب))، وأقيمت ((الملة)) مقامهم، إذ كانت مؤدية عن معنى الكلام، (١) كما قال الشاعر: (٢) حَسِبْتَ بُكَمَ رَاحِلَى عَنَقاً! وَمَ هِىَ، وَيْبَ غَيْرِكَ ، بالمَنَقِ (٣) يعنى: صَوَت عَنَّاق، فتكون ((الملة)) حينئذ منصوبةً، عطفاً فى الإعراب على ((اليهود والنصارى)). ... وقد يجوز أن يكون منصوباً على وجه الإغراء باتّباع ملة إبراهيم . (٤) ٠ ٠٠ وقرأ بعض القرّاء ذلك رفعاً. فتأويله - على قراءة من قرأ رفعاً: بل الهُدى ملة إبراهيم . (١) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٨٢، ويريد فى هذا القول الأخير، أن النصب بقوله ((تكون)»، التى هى من معنى قولهم: ((كونوا هوداً ... ))، ثم حذفت ((تكون)). (٢) هو ذو الخرق الطهوى، وانظر الاختلاف فى اسمه، ومن سمى باسمه فى المؤتلف والمختلف: ١١٩، والخزانة ١ : ٢٠، ٢١. (٣) سيأتى فى التفسير ٢: ٥٦ منسوباً / ثم ٤: ١٥/٦٠: ١٤ (بولاق)، ونوادر أبى زيد : ١١٦، ومعانى القرآن الفراء ١: ٦١ - ٦٢، واللسان (ويب) (عنق) (عقا) (بنم) وغيرها. وهو من أبيات يقولها لذئب تبعه فى طريقه ، وهى أبيات ساخرة جياد . لِيُؤْذِنَ صَاحِباً لَهُ بِلَّحَاقِ أَمْ تَمْجَبْ لِذِئْسٍ باتَ يَسْرِى ومَا هِىَ، وَيْبَ غيرِكَ، بالعناقِ حَسِبْتَ بُغَامَ رَاحِلَتِى عَنَاقًاً! لَمَاقَكَ عَنْ دُعَاءِ الذِّئْبِ عَاقٍ وَلَوْ أنّى دَعَوْتُكَ مِنْ قَرِيبٍ فَْ أَفْعَلْ، وقَدْ أَوْهَتْ بِسَاقِى وَلَكِنِى رَمَيْتُكَ مِنْ بَعِيدٍ فيافِقْهُ، فإِنْكَ ذُو عِفَاقٍ عَلَيْكَ الَّاءَ ، شَاءَ بني تميمٍ، وقوله («عناق)) فى البيت: هى أنثى المعز، وقوله: ((ويب)) أى ويل. والبغام: صوت الظبية أو الناقة، واستعاره هنا المعز. وقوله فى البيت الثالث ((عاق))، أى عائق، فقلب، والعقاق: السرعة فى الذهاب بالشىء . عافقه: عالجه وخادعه ثم ذهب به خطفة واحدة . (٤) انظر مجاز القرآن لأبى عبيدة: ٥٧، وقوله: ((عليكم ملة إبراهيم)). ١٠٤ تفسير سورة البقرة : ١٣٥ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿قُلْ بَلْ مِلََّ إِبْرَّهِيمَ حَنِفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ) قال أبو جعفر: و((الملة))، الدين ... وأما ((الحنيف))، فإنه المستقيم من كل شىء. وقد قيل: إنّ الرجل الذى ◌ُقبل إحدى قدميه على الأخرى، إنما قيل له: ((أحنف))، نظراً له إلى السلامة، كما قيل المهلكة من البلاد ((المفازة))، بمعنى الفوز بالنجاة منها والسلامة، وكما قيل اللَّديغ ((السليم))، تفاؤلاً له بالسلامة من الهلاك ، وما أشبه ذلك . ٠٠٠ فمعنى الكلام إذاً: قُلْ يا محمد، بل نتبع ملة إبراهيم مستقيماً. فيكون ((الحنيف) حينئذ حالاً من ((إبراهيم)) ... وأما أهل التأويل فإنهم اختلفوا فى تأويل ذلك. فقال بعضهم: ((الحنيف)) ٤٤١/١ الحاجُّ. وقيل: إنما ◌ُسمى دين إبراهيم الإسلام ((الحنيفية))، لأنه أول إمام لزم العباد - الذین کانوا فى عصره ، والذين جاوا بعده إلى يوم القيامة - اتباعُه فى مناسك الحج، والاتمام به فيه . قالوا: فكل من حَجّ البيت فنسك مناسكَ إبراهيم على ملته، فهو ((حنيف))، مسلم على دين إبراهيم . · ذکر من قال ذلك ٢٠٩١ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدى قال، حدثنا القاسم بن الفضل، عن كثير أبى سهل، قال: سألت الحسن عن (( الحنيفية»، قال : حج البيت . ٢٠٩٢ - حدثنى محمد بن عبادة الأسدى قال، حدثنا عبيد الله بن موضِي ٠١٠٥ تفسير سورة البقرة : ١٣٥ قال، أخبرنا فضيل، عن عطية فى قوله: ((حنيفاً))، قال: الحنيف: الحاجّ.(١) ٢٠٩٣ -حدثی الحسين بن على الصدائی قال، حدثنا أبى، عن الفضيل، عن عطية مثله . (٢) (١) الخبر : ٢٠٩٢ - محمد بن عبادة الأسدى، شيخ الطبرى: هذا الشيخ مضى مراراً فى المطبوعة على أوجه. منها: ٦٤٥، ١٥١١ باسم ((محمد بن عمارة الأسدى))، وذكرنا فى ثانيهما أننا لم نجد له ترجمة ولا ذكراً، إلا فى رواية الطبرى عنه مراراً فى التاريخ. ولم نجده فى فهارس التاريخ إلا كذلك. ومنها: ١٩٧١، باسم ((محمد بن عمار))، وضحناه فيه على ما رأينا من قبل «محمد بن عمارة)). ولكنه جاء هنا - كما ترى - باسم ((محمد بن عبادة)). والراجح عندى الآن أنه هو الصواب. فإن يكن ذلك تكن نسخ الطبرى فى التفسير وفى التاريخ محرفه فى كل موضع ذكر فيه على غير هذا النحو وهذا الشيخ (محمد بن عبادة بن البخترى الأسدى الواسطى)): ثقة صدوق، كان صاحب نحو وأدب . وهو من شيوخ البخاری ، وآبی حاتم ، وابی داود ، وغیرهم . وهو مترجم فی الهذیب ، وابن أبى حاتم ٠١٧/١/٤ روى عنه البخارى فى الصحيح حديثين، (٨: ٢٦، و٩: ٩٣ من الطبعة السلطانية) - (١٠: ٤٢٩، و١٣: ٢١٤ من الفتح) - (٩: ٥٣، و١٠ : ٢٤٦ من القسطلانى طبعة بولاق الأولى). ونص بهامش السلطانية على أن ((عبادة)) - فى الموضعين: بفتح العين. وكذلك ضبطه الشارحان. قال الحافظ (١٣: ٢١٤): ((بفتح المهملة وتخفيف الموحدة، واسم جده: البخترى، بفتح الموحدة وسكون المعجمة وفتح المثناة من فوق، ثقة واسعلى، يكنى: أبا جعفر. ما له فى البخارى إلا هذا الحديث، وآخر تقدم فى كتاب الأدب))، يعنى الذى مضى فى الفتح (٨: ٢٦). وكذلك ضبط اسم أبيه، فى المشتبه الذهبى : ٣٣٣، والحافظ فى تحرير المشتبه ( مخطوط). وإنما رجحت - هنا - أنه ((محمد بن عبادة)): لأن ((محمد بن عمارة الأسدى) مفقود ذكره فى كتب التراجم والرواية. فيما وصل إليه علمى، ولأن كثيراً من رواياته فى التاريخ والتفسير - عن ((عيد اله ابن موسى))، كما فى التفسير: ١٥١١، والتاريخ ١: ٥٧، ٢: ٢٦٦، ٣: ٧٦، ٠٫٧٨ نعم: يمكن أن يكون هناك شيخ آخر - لم يصل إلينا علمه - باسم ((محمد بن عمارة)) يتفق مع هذا فى شيوخه وفى الرواة عنه . ولكنى أرى أن ما ذكرت هو الأرجح . و((عبيد الله بن موسى)): هو العبسى الحافظ الثقة. وهو مترجم فى التهذيب، وابن أبى حاتم ٣٣٤/٢/٢ - ٣٣٥، وتذكرة الحفاظ ١: ٣٢٢ - ٣٢٣، ووقع اسمه فى المطبوعة هنا ((عبد انه)) وهو تحريف واضح . فضيل : هو ابن مرزوق الرقاشى: وهو ثقة، رجحنا توثيقه فى شرح المسند : ١٢٥١، لأن من تكلم فيه، إنما تكلم من أجل أحاديث يرويها عن عملية العوفى - الذى يروى عنه هنا، وعطية ضعيف، كما منى فى : ٣٠٥. (٢) الخبر: ٢٠٩٣ - الحسين بن على الصدائى - بضم الصاد وتخفيف الدال المهملتين- الأكفافى: ثقة عدل من الصالحين ، روى عنه الترمذى والنسائى وغیرهما . مترجم فی اتھذیب ، وابن أبى حاتم ٢/١/ ٥٦، وتاريخ بغداد ٨ : ٦٧ - ٦٨. أبوو ((على بن يزيد بن سليم الصدائى)): ثقة أيضاً، تكلم فيه بعضهم. مترجم فى التهذيب ، ابن أبي حاتم ٢٠٩/١/٣. ١٠٦ تفسير سورة البقرة : ١٣٥ ٢٠٩٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام بن سلم، (١) عن عنبسة ، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد قال: الحنيف الحاجُّ . ٢٠٩٥ - حدثنى الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا ابن التيمى، عن كثير بن زياد قال، سألت الحسن عن ((الحنيفية))، قال: هو حجُّ هذا البيت . = قال ابن التيمى: وأخبرنى جويبر، عن الضحاك بن مزاحم، مثله.(٢) ٢٠٩٦ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن مهدى قال، حدثنا سفيان ، عن السدى، عن مجاهد: ((حُنَفاء))، قال: حجّاجاً. (٣) ٢٠٩٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية ابن صالح، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس قوله: ((حنيفاً))، قال : حاجاً . ٢٠٩٨ - حدثت عن وكيع، عن فُضَيل بن غزوان، عن عبد الله بن القاسم قال: كان الناسُ من مُضريحجُون البيت فى الجاهلية يُسمون ((حنفاء))، فأنزل الله تعالى ذكره ﴿حُنَفَاءَ لِّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [سورة الحج: ٣١] وقال آخرون: ((الحنيف)»، المتّبع، كما وصفنا قبل، من قول الذين قالوا: إنّ معناه : الاستقامة . • ذكر من قال ذلك : ٢٠٩٩ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان ، (١) فى المطبوعة ((حكام بن سالم))، خطأ. وقد مضى كثيراً فى إسناد الطبرى. (٢) الخبر: ٢٠٩٥ - ابن التيمى: لم أجد نصاً يعين من هو؟ ونسبة ((التيمى)) فيها سعة. وأنا أرجح أن يكون ((معتمر بن سليمان بن طرخان التيمى)). فإنه من هذه الطبقة، ويروى عنه عبد الرزاق. ولعل عبد الرزاق ذكره بهذه النسبة ، لئلا يشتبه باسم معمر . وهو ابن راشد، إذ يكثر عبد الرزاق الرواية عن معمر، فخشى التصحيف لوقال هنا ((معتمر)). فخرج منه بقوله ((ابن التيمى)). (٣) انظر ما سيأتى فى رقم: ٢٠٩٨، فهذا من تفسير آية سورة الحج المذكورة ثم . ١٠٧ تفسير سورة البقرة ١٣٥ عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((حنفاء))، قال: متّبعين . وقال آخرون: إنما ◌ُسمّى دين إبراهيم ((الحنيفية))، لأنه أول إمام سنّ للعباد الخِتانَ، فاتبعه مَنْ بعده عليه. قالوا: فكل من اختين على سبيل اختتان إبراهيم، فهو على ما كان عليه إبراهيم من الإسلام، فهو ((حنيف)) على ملة إبراهيم.(١) ٠٠٠ وقال آخرون: ((بل ملة إبراهيم حنيفاً))، بل ملة إبراهيم مخلصًا. ((فالحنيف)) على قولهم: المخلصُ دينَه لله وحده. • ذكر من قال ذلك: ٢١٠٠ - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدى: ((واتّبع ملة إبراهيم حنيفاً))، يقول: مخلصاً. ٠٠٠ ٠ وقال آخرون: بل ((الحنيفية))، الإسلام. فكل من اثمّ بإبراهيم فى ملّته فاستقام عليها ، فهو (( حنيف)). ٠ قال أبو جعفر: ((الحنّف)) عندى، هو الاستقامة على دين إبراهيم، واتباعه على ملته. (٢) وذلك أن ((الحنيفية)) لو كانت حج البيت ، لوجب أن يكون" الذین كانوا يحجُونه فى الجاهلية من أهل الشرك كانوا حنفاء. وقد نفى اللّه أن يكون ذلك تحتُّفاً بقوله: ﴿وَلْكِنْ كَانَ حَنِفًا مُسْلِمًا وَمَا كَنَ مِنَ الُشْرِكِين﴾ [سورة آل عمران: ٦٧ ] فكذلك القول فى الختان. لأن (( الجنيفية)) لو كانت هى الختان ، لوجب أن يكون اليهود حنفاء. وقد أخرجهم الله من ذلك بقوله: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ بَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلْكِنْ كَأَنَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [سورة آل عمران: ٦٧]. (١) انظر حجاز القرآن لأبى عبيدة: ٥٨. (٢) فى المطبوعة: ((الحنيف عندى هو الاستقامة))، وهو كلام مختلف، صوابه ما أثبت. ١٠٨ تفسير سورة البقرة : ١٣٥ فقد صحّ إذاً أن (الحنيفية)) ليست الختانَ وحده، ولا حجَّ البيت وحده ، ولكنه هوما وصفنا : من الاستقامة على ملة إبراهيم، واتباعه عليها ، والاتمام به فيها . ٠٠٠ فإن قال قائل : أوّ ما كان مَنْ كان من قبل إبراهيم صلى اللّه عليه وسلم ، من الأنبياء وأتباعهم ، مستقيمين على ما أمروا به من طاعة الله استقامة إبراهيم وأتباعه ؟ قيل : بَلى . فإن قال: فكيف أضيف ((الحنيفية)) إلى إبراهيم وأتباعه على ملته خاصة، دون سائر الأنبياء قبله وأتباعهم ؟ قيل: إنّ كل من كان قبل إبراهيم من الأنبياء كان حنيفاً متبعاً طاعة الله، ولكن اللّه تعالى ذكره لم يجعل أحدًا منهم إماماً لمن بعده من عباده إلى قيام الساعة، كالذى فعل من ذلك بإبراهيم، فجعله إماماً فيما بيّنه من مناسك الحجّ والختان ، وغير ذلك من شرائع الإسلام ، تعبَّداً به أبداً إلى قيام الساعة . وجعل ما سنّ من ذلك عَلَماً مميزاً بين مؤمنى عباده وكفارهم، والمطيعِ منهم له والعاصى. فسمى الحنيفُ من الناس ((حنيفاً)) باتباعه ملته، واستقامته على هديه ومنهاجه، وُِّى ٤٤٢/١ الضالُ عن ملته بسائر أسماء الملل، فقيل: (( يهودى ، ونصرانى، ومُجوسى))، وغیر ذلك من صنوف الملل ٠٠ وأما قوله: و((ما كانَ من المشركين))، يقول: إنه لم يكن ممن يدين بعبادة الأوثان والأصنام ، ولا كان من اليهود ولا النصارى ، بل كان حنيفاً مسلماً . ١٠٩ تفسير سورة البقرة : ١٣٦ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿قُولُوَ أْ ءَامَنَّا بِالْهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىَ إِبْرَّهِمَ وَثْمِيلَ وَإِسْتْقَ وَيَعْقُوبَ وَاْلْأَسْبَاطِ وَمَا أُوْفِىَ مُوسَى وَيَعِيسَى وَمَّا أُوَفِىَ الثَِّيُونَ مِنْ رَّبْهِمْلاَ تُغَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) ( (١٣٦ قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بذلك: ((قولوا)) - أيها المؤمنون، لهؤلاء اليهود والنصارى، الذين قالوا لكم: ((كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا)) -: ((آمنا))، أى صدَّقنا ((بالله)). وقد دللنا فيما مضى أنّ معنى ((الإيمان))، التصديقُ، بما أغنى عن إعادته.(١) ٠٠ ((وما أنزل إلينا))، يقول أيضاً: صدّقنا بالكتاب الذى أنزل الله إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. فأضاف الخطاب بالتنزيل إليهم، إذا كانوا متبعيه، ومأمورين منهيين به. فكان - وإنْ كان تنزيلاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - بمعنى التنزيل إليهم ، الذى لهم فيه من المعانى التى وصفتُ ٠٠٠ ويعنى بقوله: ((وَما أنزل إلى إبراهيم))، صدَّقَنا أيضاً وآمنا بما أنزل إلى إبراهيم ((وإسمعيل وَإسحق وَيَعقوبَ والأسباط))، وهم الأنبياء من ولد يعقوب. ٠٠٠ وقوله: ((وَمَا أوقى مُوَسَى وعيسى))، يعنى: وآمنا أيضاً بالتوراة التى آتاها الله موسى، وبالإنجيل الذى آتاه الله عيسى ، والكتب التى آتى النبيين كلهم ، وأقرَرنا وصدّقنا أن ذلك كله حَق وهدى ونور من عند الله، وأن جميع من ذكر اآه من أنبيائه کانوا علی حق وهدی، یُصدِّق بعضهم بعضاً ، على منهاج واحد فى الدعاء إلى توحيد الله، والعمل بطاعته، ((لاُنُفرِّق بَينَ أحد منهم))، يقول : (١) أنظر ما سلف ١ :: ٢٣٥ - ٢٣٦، ثم ٢: ١٤٣، ٠٠٠٣٤٨ ومواضع أخرى غيرها. ١١٠ تفسير سورة البقرة : ١٣٦ لا نؤمن ببعض الأنبياء ونكفر ببعض، ونتبرًّاً من بعضٍ ونتولى بعضاً، كما تبرأت اليهودُ من عيسى ومحمد عليهما السلام وأقرّت بغيرهما من الأنبياء ، وكما تبرأت النصارى من محمد صلى الله عليه وسلم وأقرَّت بغيره من الأنبياء ، بل نشهد لجميعهم أنّهم كانوا رسلَ اللّه وأنبياءَه، بعثوا بالحق والهدى. ... وأما قوله: ((ونحنُ لَهُ مُسلمون))، فإنه يعنى تعالى ذكره: ونحنُ له خاضعون بالطاعة ، مذعنون له بالعبودية .(١) ... فذُكرأنَ فىّ اللّه صلى الله عليه وسلم قال ذلك لليهود، فكفروا بعيسى وبمن يؤمن به ، كما : - ٢١٠١ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير قال ، حدثنا محمد ابن إسحق قال، حدثی محمد بن أبىمحمد مولی زید بن ثابت قال ، حدثی سعید ابن جبير، أو عكرمة ، عن ابن عباس قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفرٌ من يهود ، فيهم أبو ياسر بن أخطب ، (٢) ورافع بن أبى رافع ، وعازر ، وخالد ، وزید ، وأزار بن أبى أزار ، وأشيع ، فسألوه عمن يؤمن به من الرسل فقال: أومن بالله وَما أنزلَ إلينا وما أنزِلَ إلى إبراهيمَ وإسمعيل وإسحقَ ويعقوب والأسباط وما أوتى مُوسى وعيسى وَمَا أوتى النبيون من رَبهم لا نُفرّق بين أحد منهم ونحن له مسلمون . فلما ذ کر عیسی جحدوا نبوته ، وقالوا : لا نؤمن بعیسی، ولا نؤمن بمن آمن به. فأنزل الله فيهم: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ هَلْ تَنْفِعُونَ مِنَّا إلَّ أَنْ آمَنَا باللهِ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْئاً وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَ كُمْ فَلَيِقُونَ﴾ (٣) [سورة المائدة: ٥٩] (١) انظر (( الإسلام)) فيما سلف: ٥١٠، ٥١١ / وهذا الجزء ٣، ٧٤، ٩٢، ٩٤ (٢) فى سيرة ابن هشام ٢: ٢١٦ ((منهم: أبو ياسر)). (٣) الأثر: ٢١٠١ - سيأتى فى تفسير سورة المائدة: ٥٩ (٦: ١٨٨ - ١٨٩ بولاق) بإسناده عن هناد بن السرى عن يونس بن بكير ، وهو فى سيرة ابن هشام ٢١٦:٢ مع اختلاف يسير فى بعض لفظه . وانظر الأثر التالى . ١١١ تفسير سورة البقرة : ١٣٦ ٢١٠٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنا محمد بن إسحق قال ، حدثی محمد بن أبى محمد ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس . قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر نحوه - إلا أنه قال: ( ونافع بن أبی نافع)» مکان" ( رافع بن أبی رافع))(١) . ٠٠٠ وقال قتادة : أنزلتْ هذه الآية ، أمرًاً من اللّه تعالى ذكره للمؤمنين بتصديق رُسُله كلهم . ٢١٠٣ -حدثنا بشربن معاذ قال، حدثنا یزید قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة: ((قُوُلُوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم)) إلى قوله: ((وَنَحنُ له مسلمون ))، أمر الله المؤمنين أن يؤمنوا ويصد قوا بأنبيائه ورسله كلهم، ولا يفرُّقُوا بين أحد منهم . ٠٠٠٠ وأما ((الأسباط)) الذين ذكرهم، فهم اثنا عشر رجلاً من ولد يعقوب بن إسحق ابن إبراهيم. وَلد كل رجل منهم أمّة من الناس، فسموا (أسباطاً)، (٢) كما : - ٢١٠٤ -حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا یزید قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال: الأسباط ، يوسفُ وإخوته ، بنو يعقوب. ولد اثنى عشر رجلاً ، فولد كل رجل منهم أمَّة من الناس، فسموا: ((أسباطاً)). ٢١٠٥ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط ، عن السدى : أما الأسباط ، فهم بنو يعقوب: يوسُف، وبنيامين ، ورُوبيل، ٤٤٣/١ (١) الأثر: ٢١٠٢ - هكذا جاء فى سيرة ابن هشام ٢: ٢١٦، وانظر سيرة ابن هشام أيضاً ١: ١٦١، ١٦٢ ((رافع بن أبى رافع))، و((نافع بن أبى نافع))، والخلط فى أسماء يهود ذلك العهد کثیر فی کتب السير . (٢) انظر تفسير ((الأسباط)) فيما سلف أيضاً ٢: ١٢١. ١١٢ تفسير سورة البقرة : ١٣٦ ويهوذا ، وشمعون ، ولاوی ، ودان ، وقهاٹ. (١) ٢١٠٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه، عن الربيع قال: ((الأسباط)) يوسف وإخوته بنو يعقوب ، اثنا عشر رجلاً ، فولد لكل رجل منهم أمّة من الناس، فسمُّوا: ((الأسباط)). ٢١٠٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال ، حدثنى محمد بن إسحق قال(٢): نكح يعقوب بن إسحق - وهو إسرائيل - ابنة خاله ((ليا)) ابنة ((ليان بن توبیل بن الياس))،(٣) فولدت له ((روبيل بن يعقوب))، (٤) وكان أکبر ولده ، و« شمعون بن يعقوب )) و((لاوی بن یعقوب )» و « یہوذا بن يعقوب » و « ریالون بن يعقوب))، (٥) و((يشجر بن يعقوب))، (٦) و((دينة بنت يعقوب))، ثم توفيت (( ابا بنت ليان)).(٣) فخلف يعقوب على أختها «راحيل بنت ليان بن توبيل بن الياس))(٣) فولدت له: ((يوسف بن يعقوب)) و((بنيامين)) - وهو بالعربية أسد - وولد له من ◌ُرِّيّتين له: اسم إحداهما ((زلفة)) واسم الأخرى ((بلهية))، (٧) أربعة (١) الأثر: ٢١٠٥ - فى الدر المنثور ١: ١٤٠. ولم أجد فى ولد يعقوب ((قهاث)) وفى الدر المنثور ((وتهان))، والظاهر أنهما جميعاً محرفان عن ((نفتالى)) أخو ((دان)) من أمهما ((بلهية)) جارية ((راحيل))، كما سيأتى فى الأثر التالى: ٢١٠٧، وكما هو فى كتاب بنى إسرائيل الذى بين أيدينا . هذا ، وقد اقتصر الطبرى هنا على ثمانية نفر من الأسباط . وزاد السيوطى فى الدر المنثور تاسعاً - فى روايته عن الطبرى - قال ((وكونوا - بالنون))، وليس فى ولد يعقوب هذا الاسم، إلا أن يكون تصحيفاً صوابه («زبلون)) كما هو فى كتب القوم. انظر التعليق على الأثر التالى : ٢١٠٧. (٢) الأثر: ٢١٠٧ - لم أصحح هذه الأسماء، مع الاختلاف فيها، ولكنى سأ ذكر مواضع الاختلاف على رسمها فى كتاب بنى إسرائيل الذى بين أيدينا ، فى التعليقات الآتية. (٣) ((ليثَةَ ابنة لا بان بن بَتُوثِيل)) ((وراحيل بنت لابان .. )) (٤) ﴿ رأُو بين بن يعقُوبُ) (٥) (زَبُوُلُون بن يعقوب ) (٦) (يَسَّاكربن يعقوب) (٧) ﴿ بلْهة) ١١٣ تفسير سورة البقرة : ١٣٦، ١٣٧ نفر: ((دان بن يعقوب)) و((نفثالى بن يعقوب)) و((جاد بن يعقوب)) و((إشرب بن يعقوب))(١)، فكان بنو يعقوب اثنى عشر رجلاً، نشر الله منهم اثنى عشر سبطاً، لا يحصى عدد هم ولا يعلم أنسابهم إلا الله، يقول الله تعالى: ﴿وقَطَّعْنَهُ الْفَىْ عَشْرَةَ أَسْبَطًاً أَعَمَا﴾ [سورة الأعراف: ١٦٠] القول فى تأويل قوله جل ذكره ﴿ فَإِنْ ءا منُواْ بِثْلِمََّ ، اِمْثُمْ بِهِ فَقَدِ أُهْتَدَواْ ﴾ قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به ))، فإن صَدَّق اليهودُ والنصارى باللّه، وما أنزل إليكم، وما أنزل إلى إبراهيم وإسمعيل وإسحقَ ويعقوبَ والأسباطِ وَمَا أوقى مُوسى وعيسى ، وما أوتى النبيون من ربهم ، وأقروا بذلك، مثلَ ما صدقتم أنتم به أيها المؤمنون وأقررتم، فقد وُفِّقُوا ورَشيدوا، ولزموا طريق الحق ، واهتدوا ، وهم حينئذ منكم وأنتم منهم ، بدخولهم فى ملتكم بإقرارهم بذلك . فدلّ تعالى ذكره بهذه الآية، على أنه لم يقبل من أحد عملاً إلاّ بالإيمان بهذه المعانى التى عدَّها قبلها ، كما : - ٢١٠٨ - حدثنا المتى قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنا معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس قوله: ((فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا)) ونحو هذا، قال: أخبر الله سبحانه أنّ الإيمان هو العروة الوثقى ، وأنه لا يقبل عملاً إلا به ، ولا تحرُم الجنة إلاّ على مَن تركه. ٥ ٠٠ (١) ﴿ أَشِيربن يَثْقُوب) وراجع فى الجميع سفر التكوين إصحاح: ٢٩، ٣٠، ٣٥. ج ٣ (٨) ١١٤ تفسير سورة البقرة : ١٣٧ وقد روى عن ابن عباس فى ذلك قراءةٌ ، جاءت مصاحفُ المسلمين بخلافها ، وأجمعت قرأة القرآن على تركها . وذلك ما : - ٢١٠٩ - حدثنا به محمد بن المثی قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة ، عن أبى حمزة قال ، قال ابن عباس: لا تقولوا ((فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا » - فإنه ليس لله مثل - ولکن قولوا: «فإن آمنوا بالذی آمنتم به فقد اهتدوا)) - أو قال: ((فإن آمنوا بما آمنتم به)). ٠ فكأن ابن عباس - فى هذه الرواية إن كانت صحيحة عنه - يوجه تأويل قراءة من قرأ: ((فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به))، فإن آمنوا بمثل اللّه، وبمثل ما أنزل على إبراهيم وإسمعيل. وذلك، إذا صرف إلى هذه الوجه، شركٌ لاشكَّ بالله العظيم. لأنه لا مثل لله تعالی ذکرُه ، فنؤمن أو نكفر به . . .. ولکن تأويل ذلك علی غیر المعنی الذی وجه إليه تأويله . وإنما معناه ما وصفنا، وهو: فإن صدّقوا مثل تصديقكم بما صدقتم به - من جميع ما عددنا عليكم من كتُب اللّه وأنبيائه - فقد اهتدوا. فالتشبيه إنما وقع بين التصديقين والإقرارين اللذين هما إيمان هؤلاء وإيمان هؤلاء. كقول القائل: ((مرّ عمرو بأخيك مثلَ ما مررتُ به ))، يعنى بذلك: مرّ عمرو بأخيك مثل مُروری به . والتمثيل إنما دخل تمثيلاً بين المرورين، لا بين عمرو وبين المتكلم. فكذلك قوله: ((فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به))، إنما وقع التمثيل بين الإيمانين، لا بين المؤمن به . ١١٥ تفسير سورة البقرة : ١٣٧ القول فى تأويل قوله ﴿وَّإِنْ تَوَلَوْاْ فَإِنْعَاهُمْ فِ شِقَاقٍ﴾ قال أبو جعفر: یعنی تعالى ذكره بقوله: ((وإن تولّوا ))، وإن تولى - هؤلاء الذين قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه: ((كونوا هوداً أو نصارى »-فأعرضوا، (١) = فلم يؤمنوا بمثل إيمانكم أيها المؤمنون بالله، وبما جاءت به الأنبياءُ وابتُعِثت به الرسل، وفرّقوا بين رُسل اللّه وبين الله ورسله، فصدّقوا ببعضٍ وكفروا ببعضٍ = ٤٤٤/١ فاعلموا، أيها المؤمنون، أنهم إنما ◌ُهُمْ فى عصيان وفِرَاق وَحربٍ لله ولرسوله ولکم ، کما : - ٢١١٠ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد، عن سعيد ، عن قتادة : ((وإنما ◌ُم فى شقاق))، أى: فى فراق (٢). ٢١١١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه، عن الربيع: ((فإنما ◌ُهُمْ فِى شقاق))، يعنى فراق. ٢١١٢ - حدثییونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد: ((وإن تولوا فإنما هم فى شقاق))، قال: الشقاق: الفراقُ والمحاربة. إذا شاقً فقد حارب، وإذا حارَب فقد شاقَّ، وهما واحدٌ فى كلام العرب، وقرأ: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ [سورة النساء: ١١٥]. ٥ ٥ قال أبو جعفر: وأصل ((الشقاق)) عندنا، والله أعلم، مأخوذٌ من قول القائل: ((شَقَّ عليه هذا الأمر))، إذا كرَبهوآ ذاه. ثم قيل: ((شاقَّفلانٌ فلاناً ))، بمعنى: قال (١) انظر معنى ((تولى)) فيما سلف، ٢: ١٦٢، ١٦٣ / ثم ٢٩٨، ٢٩٩. (٢) الأثر: ٢١١٠ - سقط من المطبوعة فى إسناده: ((عن سعيد)»، وهو إسناد دائر فى التفسير ، أقربه فيما سلف : ٢١٠٤. ١١٦ تفسير سورة البقرة : ١٣٧ كل واحد منهما من صاحبه ما كرّبه وآذاه ، وأثقلته مساءَتَه . ومنه قول الله تعالى ذكره: ﴿ ﴿إِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَاَ﴾ [سورة النساء: ٣٥] بمعنى: فراقَ بينهما. القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَسَيَّكْفِيَكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ آلْعَلِيمُ ١٣٧ قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((فسيكفيكهمُ اللّه))، فسيكفيك" الله يا محمد، هؤلاء الذين قالوا لكَ ولأصحابك: ((كونوا هوداً أوَنصَارَى تهتدوا))، من اليهود والنصارى ، إنْ هم تولوا عن أن يؤمنوا بمثل إيمان أصحابك بالله، وبما أنزل إليك، وما أنزل إلى إبراهيم وإسمعيل وإسحق وسائر الأنبياء غيرهم، وفرَّقوا بين الله ورُسُلُه - إما بقتل السيف، وإما بجلاء عن جوارك ، وغير ذلك من العقوبات؛ فإن اللّه هو (السميع)) لما يقولون لك بألسنتهم ، ويبدون لك بأفواههم، من الجهل والدعاء إلى الكفر والملل الضّالة - ((العليمُ)) بما يُبطنون لك ولأصحابك المؤمنين فى أنفسهم من الحسد والبغضاء . ففعل الله بهم ذلك عاجلاً، وأنجزَ وَعْده، فكفى نبيّه صلى اللّه عليه وسلم بتسليطه إيّاه عليهم ، حتى قتل بعضهم ، وأجلَى بعضاً، وأذلّ بعضًا وأخزاه بالجزية والصَّغار . ١١٧ تفسير سورة البقرة : ١٣٨ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَحْنُ لَهُ عَنِدُونَ﴾ ١٣٨ قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره : ((الصبغة))، صبغة الإسلام. وذلك أنّ النصارى إذا أرادت أن تنصّر أطفالهم، جعلتهم فى ماء لهم تزعم أن ذلك لها تقدیس، بمنزلة غسل الجنابة لأهل الإسلام، وأنه صبغة لهم فى النصرانية.(١) فقال الله تعالى ذكره - إذا قالوا لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابيه المؤمنين به:« کونوا هوداً أو نصاری تهتدوا » -: قل لهم یا محمد: أيها اليهود والنصارى، بل اتبعوا ملة إبراهيمَ، صبغةَ اللّه التى هى أحسن الصُّبَغ، فإنها هى الحنيفية المسلمة، ودعوا الشرك بالله، والضلالَ عن محجَّةً هداه. ونصب ((الصبغة)) من قرأما نصباً، على الردّ على ((الملة)). وكذلك رَفع ((الصبغة)) من رفع ((الملة))، على ردّها عليها . وقد يجوز رفعها على غير هذا الوجه . وذلك على الابتداء ، بمعنى : هى صبغةُ اله. وقد يجوز نصبها على غير وجه الرّد على ((الملة))، ولكن على قوله: « قولوا آمنا بالله)) إلى قوله ((ونحنُ له مسلمون))، ((صبغةَ اللّه))، بمعنى: آمنا هذا الإيمان ، فيكون الإيمان حينئذ هو صبغةُ اللّه.(١) ٠٠٠ وبمثل الذى قلنا فى تأويل ((الصبغة)) قال جماعة من أهل التأويل. · ذ کر من قال ذلك : ٢١١٣ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة (١) انظر معافى القرآن الفراء ١: ٨٢ - ٨٣ ١١٨ تفسير سورة البقرة : ١٣٨ قوله: ((صبغةَ اللّه ومن أحسن من اللّه صبغة))، إنّ اليهود تصبغ أبناءها يهودَ، والنصارى تصبغ أبناءَ ها نصارَى، وأن صبغة اللّه الإسلامُ. فلا صبغة أحسنُ من الإسلام ، ولا أطهر ، وهو دين الله الذى بعث به ◌ُنُوحاً والأنبياء بعده . ٢١١٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسین قال ، حدثی حجاج ، عن ابن جريج، قال عطاء: ((صبغةَ اللّه))، صبغت اليهودُ أبناءَ هم، خالفوا الفيطرة. ٠ واختلف أهل التأويل فى تأويل قوله: ((صبغة اللّه). فقال بعضهم: دينُ اللّه. • ذكر من قال ذلك : ٢١١٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر، عن قتادة: ((صبغة اللّه))، قال: دينَ اللّه . ٢١١٦ - حدثنا أبو کریب قال، حدثنا و کیع ،عن أبى جعفر ،عن الربيع، عن أبى العالية فى قوله: ((صبغةَ اللّه))، قال: دينَ اللّه، ((ومن أحسن من الله صِبغةً ))، ومن أحسنُ من اللّه ديناً. ٢١١٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ٤٤٥/١ عن أبيه ، عن الربيع مثله . ٢١١٨ - حدثنا أحمد بن إسحق الأهوازى قال، حدثنا أبو أحمد الزبيرى قال، حدثنا سفيان ، عن رجل ، عن مجاهد مثله . ٢١١٩ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو نعيم قال ، حدثنا سفيان ، عن مجاهد مثله . ٢١٢٠ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد مثله . ٢١٢١ - حدثنا أحمد بن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا فضيل ابن مرزوق، عن عطية قوله: ((صبغةَ اللّه))، قال: دينَ اللّه. ١١٩ تفسير سورة البقرة : ١٣٨ ٢١٢٢ - حدثنا موسى بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: ((صبغةَ اللّه ومن أحسنُ من اللّه صبغة))، يقول: دينَ الله، ومن أحسن من اللّه ديناً . ٢١٢٣ - حدثنى محمد بن سعد قال ، حدثی أبی قال ، حدثی عی قال ، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: ((صبغةَ اللّه))، قال: دينَ اللّه. ٢١٢٤ - حدثی یونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قول اللّه: ((صبغةَ اللّه))، قال: دين الله. ٢١٢٥ - حدثنى ابن البرقى قال، حدثنا عمرو بن أبى سلمة قال ، سألت ابن زيد عن قول الله: ((صبغةَ الله))، فذكر مثله ٠٠ وقال آخرون: ((صبغة اللّه))، فطرة اللّه. (١) • ذكر من قال ذلك : ٢١٢٦ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((صبغة اللّه))، قال: فطرةَ الله التى فطر الناس عليها . ٢١٢٧ -حدثنی المثی قال ، حدثنا إسمق قال ، حدثنا محمد بن حرب قال، حدثنا ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن مجاهد: ((ومن أحسنُ من اللّه صبغة))، قال: الصبغة ، الفطرةُ . ٢١٢٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: ((صبغةَ اللّه))، الإسلام، فطرةَ اللّه التى فطر الناس عليها. قال ابن جريج: قال لى عبد الله بن كثير: ((صبغةَ اللّه))، قال: دين اللّه، ومن أحسنُ من اللّه ديناً. قال: هى فطرة الله. (١) انظر مجاز القرآن لأبى عبيدة : ٥٩ ١٢٠ تفسير سورة البقرة : ١٣٨، ١٣٩ ٠ ٠ ومن قال هذا القول، فوجَّه ((الصبغة)) إلى الفطرة ، فمعناه: بل نتبع فطرة اللّه وملّته التى خلق عليها خلقه، وذلك الدين القيم . من قول الله تعالى ذكره: [سورة الأنعام: ١٤]. بمعنى خالق السموات ﴿ فَطِرِ السَّمُوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾. والأرض(١). ٠ ٠ القول فى تأويل قوله ﴿ وَنَحْنُ لَهُ عُبِدُونَ﴾ ١٣٨ قال أبو جعفر: وقوله تعالى ذكره: ((وَنَحنُ له عَابدون))، أمرٌ من الله تعالى ذكره نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يقوله اليهود والنصارى، الذين قالوا له ولمن تبعه من أصحابه: ((كونوا هوداً أو نصارَى)). فقال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قُلْ: بل نتبعُ ملة إبراهيم حنيفاً، صبغةَ اللّه، ونحنُ له عابدون. يعنى: ملة الخاضعين للّه، المستكينين له، فى اتّباعنا ملة إبراهيم، وَدَيْنُونتنا له بذلك ، غير مستکبرین فی اتباع أمره ، والإقرار برسالته رسله ، كما استكبرت اليهود والنصارى، فكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم استكباراً وبغياً وحسداً . القول فى تأويل قوله تعالى ﴿قُلْ أَتُحَاجُونَنَا فِىِ اللهِ وَهُوَ رَبَّنَا وَرَبّكُمْ وَ أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أْمَلُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِسُونَ ﴾ (٣) قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((قُلْ أَتُحَاجُوَنَنا فى اللّه))، قل يا محمد - لمعاشر اليهود والنصارى، الذين قالوا لك ولأصحابك: ((كونوا 'هوداً (١) انظر حجاز القرآن لأبي عبيدة : ٠٩