Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
تفسير سورة البقرة : ١٢٨
وقد 'ذ کر أنها فى قراءة ابن مسعود: (( وأرِهِمْ مناسکھُم » ، يعنى بذلك آرٍ
ذريتنا المسلمة مناسكهم .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ
الرّحِيمُ) )
قال أبو جعفر: أمّا ((التوبة))، فأصلها الأوْبة من مكروه إلى محبوب. ٤٣٥/١
فتوبةُ العبد إلى ربه ، أوبته مما يكرهه الله منه ، بالندم عليه ، والإقلاع عنه ،
والعزم على ترك العود فیه . وتوبة الرب على عبده : عودُه علیه بالعفو له عن 'جرمه،
والصفح له عن عقوبة ذنبه، مغفرةً له منه، وتفضلا عليه.(١)
٠٠٠
فإن قال لنا قائل: وهل كان لهما ذنوبٌ فاحتاجا إلى مسألة ربهما التوبة ؟
قيل : إنه ليس أحدٌ من خلق الله ، إلاّ وله من العمل - فيما بينه وبين ربه -
ما يجب عليه الإنابةُ منه والتوبةُ. فجائزٌ أن يكون ما كان من قِيلهما ما قالا من
ذلك، إنما خصَّا به الحال التى كانا عليها، (٢) من رفع قواعد البيت. لأنّ ذلك
كان أحرى الأماكن أن يستجيبَ اللّه فيها دعاءهما، وليجعلا ما فعلا من ذلك
سنةُ يُقتدى بها بعدهما، وتتخذ الناسُ تلك البقعة بعدهما موضع تَنصُّل من
الذنوب إلى الله. وجاثر أن يكونا عنّيًا بقولهما: ((وتُبْ عَلينا))، وتُبْ على الظلمة
من أولادنا وذريتنا - الذين أعلمتنا أمرهم - من ظلمهم وشر کهم ، حتى بنيبوا
إلى طاعتك . فيكون ظاهرُ الكلام على الدعاء لأنفسهما ، والمعنىُّ به ذريتهما. كما
(١) انظر معنى ((التوبة)) فيما سلف ١ : ٢/٥٤٧: ٧٢ - ٠٧٣
(٢) فى المطبوعة: ((ما كان من قبلهما ما قالا من ذلك، وإنما خصا .. ))، وهو كلام فاد
والصواب ما أثبت. يجعل ((قبلهما)) ((قيلهما))، أى قولها. وبحذف الواو من: ((وإنما)).
ج ٣ (٦)

٨٢
تفسير سورة البقرة : ١٢٨، ١٢٩
يقال: ((أكرمنى فلان فى ولدى وأهلى، وَبَرّنى فلان))، إذا برّ ولده .
...
وأما قوله: ((إنك أنتَ التوّاب الرحيم))، فإنه يعنى به : إنك أنت العائد
على عبادك بالفضل ، والمتفضل عليهم بالعفو والغفران - الرحيمُ بهم، المستنقذُ من
تشاء منهم برحمتك من هلكته، المنجى من تريد نجاته منهم برأفتك من سَخّطك.
٠ ٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿رَبَّنَا وَأَبْعَتْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ
◌َتْلُواْ عَلَيْهِمْ ،ايَتِكَ﴾
قال أبو جعفر : وهذه دعوة إبراهيم وإسمعيل لنبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم
خاصة ، وهى الدعوة التى كان نبينا صلى الله عليه وسلم يقول: أنا دعوة أبى
إبراهيم ، وبشرى عيسى : -
٢٠٧٠ - حدثنا بذلك ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحق ،
عن ثور بن يزيد ، عن خالد بن معدان الكلاعىّ : أن نفرًا من أصحاب رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم قالوا: يا رسولَ اللّه، أخبرنا عن نفسك. قال : نعم،
أنا دعوةُ أبى إبراهيم، وُبُشرى عيسى، صلى الله عليهم وسلم.(١)
(١) الحديث : ٢٠٧٠ - ثور بن يزيد الكلاعى الحمصى. ثقة من أثبت الرواة. مترجم فى
التهذيب، والكبير البخارى ١٨٠/٢/١ - ١٨١، وابن أبى حاتم ١ / ١ /٤٦٨ - ٤٦٩.
خالد بن معدان الكلاعى الحمصى : تابعى ثقة ثبت ، مترجم فى التهذيب ، والكبير البخارى ١/٢ /
١٦١ - ١٦٢، وابن سعد ١٦٢/٢/٧، وابن أبى حاتم ٣٥١/٢/١.
وهذا الإسناد مرسل، لأن خالد بن معدان لم يذكر أنه عن أحد من الصحابة . وكذلك هو فى سيرة ابن
هشام، (ص ١٠٦ - ١٠٧ طبعة أوربة، ١ : ١٧٥ طبعة الحلبى). فى قصة مطولة . وكذلك رواه
الطبرى فى التاريخ ٢: ١٣٠، بهذا الإسناد ، مطولا أيضاً ، مرسلا .
ولكنه ثبت موصولا، من رواية ابن إسحق أيضاً: فرواه الحاكم فى المستدرك ٢ : ٦٠٠، من
طريق يونس بن بكير، عن ابن إسحق، قال: ((حدثنى ثور بن يزيد ، عن خالد بن معدان ، عن

٨٣
تفسير سورة البقرة : ١٢٩
٢٠٧١ -حدثی عمران بن بکار الکلاعی قال ،حدثنا أبو اليمان قال، حدثنا
أبو كريب ، عن ابن أبى مَرْيم، عن سعيد بن ◌ُسُويد، عن العير باض بن سارية
السلمى قال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: إنّ عند اللّه فى أمّ الكتاب،
خاتم النبيين، وإنّ آدم لمنجدلٌ فى طينته. وسوف أنبئكم بتأويل ذلك: أنا
دعوة أبى إبراهيم ، وبشارةُ عیسی قومه ، ورؤيا أمىّ.(١)
٢٠٧٢ - حدثنى يونس بن عبد الأعلى قال، حدثنا ابن وهب قال ، أخبرنى
معاوية -،وحدثیعبیدین آدم بن أبی إیاسالعسقلانى قال،حدثی ابی قال،حدثنا
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنهم قالوا: يا رسول الله أخبرنا عن نفسك؟)) ... فذكر الحديث
مختصراً، بنحو مما هنا. ثم قال الحاكم: ((خالد بن معدان: من خيار التابعين، صحب معاذ بن جبل ،
فن بعده من الصحابة. فإذا أسند حديثا إلى الصحابة، فإنه صحيح الإسناد، وإن لم يخرجاه)). ووافقه
الذهبى على تصحيحه . .
(١) الحديث: ٢٠٧١ - عمران بن بكار الكلاعى: ثقة، من شيوخ النسائى، ووثقه هو
وغيره. مترجم فى التهذيب، وابن أبى حاتم ٢٩٤/١/٣، وذكر أنه سمع منه. وقد مضت رواية الطبرى
عنه : ١٤٩ ولم نترجمه هناك. ووقع فى التهذيب أنه مات ((سنة إحدى وسبعين ومئة))! وهو خطأً ناسخ
أو طابع، لا يعقل ذلك وأن يسمع منه النسائى والطبرى وهذه الطبقة. وصحته: سنة ٢٧١.
أبو اليمان: هو الحكم بن نافع الحمصى، وهو ثقة من شيوخ أحمد بن حنبل والبخارى . مترجم فى
التهذيب، والكبير ٣٤٢/٢/١، وابن أبى حاتم ١٢٩/٢/١، وقال: ((وهو نبيل ثقة صدوق)).
أما قوله ((حدثنا أبو كريب)) - هنا: فإنه خطأ يقيناً من الناسخين. فإن ((أبا كريب محمد بن
العلاء)) - وقد مضت ترجمته : ١٢٩١ - متأخر عن أبى اليمان. هذه واحدة، وأخرى، أن أبا اليمان روى
هذا الحديث عن ابن أبى مريم، كما سيأتى . فإما أنه ذكر خطأ من الناسخ، وإما أن يكون صوابه
(((وأبو كريب، قالا: حدثنا)). فيكون عمران بن بكار رواء عن شيخين .
ابن أبى مريم: هو ((أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغسانى الشامى))، وهو ضعيف، من قبل
سوء حفظه وتغيره، كما بينا فى شرح المند: ١٤٦٤، ٦١,٦٥. ووقع هنا فى المطبوعة ((عن أبي مريم))
بحذف ((ابن)). وهو خطأ واضح. ثم إن ضعف ((ابن أبى مريم)) من قبل حفظه، قد جبر فى هذا الحديث،
بأن رواه غيره . ولكنه أخطأ فيه بحذف التابعى من إسناده .
سعيد بن سويد الكلبى الشامى : وهو تابعى ثقة ، سمع من بعض الصحابة ولقيهم . ولكن ابن حبان
ذكره فى الثقات (ص : ٤٧٥) فى أتباع التابعين. ترجمه الحافظ فى التعجيل: ١٥٢، وأشار إلى هذا
الحديث، ونقل أن البخارى قال: ((لم يصح حديثه)). وما أدرى أين قاله البخارى، فإنه لم يترجمه فى
الصغير، ولم يذكره فى الضعفاء. وترجمه فى الكبير ٤٣٦/١/٢، ولم يذكر فيه جرحاً. وكذلك ترجمه
ابن أبى حاتم ٢٩/١/٢، ولم يذكر فيه جرحاً أيضاً. وإنما اختلف عنه الراويان - فى هذا الإسناد
والإسنادين بعده: أهو ((عن العرباض))، أم بينهما تابعى آخر ؟ فأخطأ ابن أبى مريم فى حذف التابعى
بين سعيد والعرباض. كما سيأتى ، إن شاء الله .

٨٤
٠٠٠٠
تفسير سورة البقرة : ١٢٩
اللیٹ بن سعد ، عن معاوية بن صالح - قالا جمیعاً ، عن سعيد بن سويد ، عن
عبد الله بن هلال السلمى، عن عِرْباض بن سارية السلمى، عن النبى صلى اللّه
عليه وسلم بنحوه . (١)
٢٠٧٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنا معاوية ، عن
سعيد بن سويد، عن عبد الأعلى بن هلال السلمى ، عن عرْباض بن سارية: أنه
قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، فذكر نحوه. (٢)
(١) الحديث: ٢٠٧٢ - وهذا إسناد آخر الحديث قبله، بل إسنادان: فرواه الطبرى عن يونس
ابن عبد الأعلى، عن ابن وهب ، ثم رواه عن عبيد بن آدم العسقلانى، عن أبيه ، عن الليث بن سعد -
وابن وهب واليث روياه عن معاوية بن صالح .
وأولها واضح. و((عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلانى)) - فى ثانيهما: ثقة، روى عنه أيضاً
أبو زرعة وأبو حاتم، والنسائى، وغيرهم. مترجم فى التهذيب، وابن أبى حاتم ٤٠٢/٢/٢. وأبوه
((آدم بن أبي إياس)). مضت ترجمته: ١٨٧. والليث بن سعد: إمام معروف. ومعاوية بن صالح :
مضت ترجمته : ١٨٧ أيضاً .
(٢) الحديث: ٢٠٧٣ - وهذا إسناد آخر الحديث السابق. و((أبو صالح)): هو عبد الله بن
صالح، كاتب الليث بن سعد. مضت ترجمته: ١٨٦. عبد الأعلى بن هلال السلمى: هكذا اختلف
فى اسمه على معاوية بن صالح، فى الإسناد السابق وهذا الإسناد: فهنالك ((عبد الله بن هلال))، وهنا
((عبد الأعلى بن هلال)). وأنا أرجح أنه ((عبد الأعلى)) لما سيأتى من الدلائل، إن شاء الله.
وهذا التابعى قصر الحافظ فلم يترجم له فى التعجيل فى واحد من الاسمين ، مع أنه من رجال مسند
أحمد، ومع أن سلفه الحافظ الحسينى ترجم له فى الإكمال، ص: ٦٤، قال: ((عبد الله بن هلال السلمى،
ويقال: عبد الأعلى ، شامى . روى عن العرباض بن سارية، وأبى أمامة الباهلى. وعنه سويد بن سعيد
الكلبى. مجهول))! وما كان الرجل مجهولا قط! وهو مترجم عند ابن أبى حاتم ٢٥/١/٣ باسم
(عبد الأعلى))، وكذلك ذكره ابن حبان فى الثقات، ص: ٢٦٧، وذكر له هذا الحديث، عن العرباض
ابن سارية. وكذلك ذكره البخارى فى الكبير، فى ترجمة ((سعيد بن سويد)) باسم ((عبد الأعلى بن هلال)).
وكذاك صنع ابن أبى حاتم وابن حبان .
وأيضاً فإن الرواة عن اليث بن سعد اختلفوا عليه كذلك. ففى روايتى أحمد وابن سعد ، من طريق
اليث: ((عبد الأعلى بن هلال))، كما سنذكر .
بل إن عبد الأعلى هذا له ذكر فى حديث آخر فى المسند (٥ : ٢٦١ حلى) فى مسند أبي أمامة
الباهلى، فروى الإمام أحمد بإسناده إلى خالد بن معدان، قال: ((حضرنا صنيعاً لعبد الأعلى بن هلال،
فلما فرغنا من الطعام قام أبو أمامة فقال : ... ))، إلخ.

٨٥
تفسير سورة البقرة : ١٢٩
وبالذى قلنا فى ذلك قال جماعة من أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
٢٠٧٤ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا یزید بنزريع قال حدثنا سعيد ،
عن قتادة قوله: ((ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم))، ففعل اللّه ذلك ، فبعث فيهم
رسولاً من أنفسهم يعرفون وجهه ونسبه ، يخرجهم من الظلمات إلى النور ، ويهديهم
إلى صراط العزيز الحميد .
وأياً ما كان فهذه الأسانيد صحاح ، على الرغم من هذا الاختلاف . وكثيراً ما يكون مثل هذا ، ولا أثر
له فى صحة الحديث .
والحديث - من رواية أبى بكر بن أبي مريم: ٢٠٧١ - رواه أيضاً أحمد فى المسند: ١٧٢٣٠ (ج ٤
ص ١٢٨ حلبی)، عن أبى اليمان الحكم بن نافع ، عن أبى بكر ، عن سعيد بن سويد، عن العرباض ،
بنحوه. وآخره عنده: ((ورؤيا أمى التى رأت أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام ، وكذلك ترى
أمهات النبيين، صلوات الله عليهم)).
وبنحو ذلك - وشىء من الاختصار - رواه الحاكم فى المستدرك ٢: ٦٠٠، من طريق أبى اليمان،
عن ابن أبي مريم. وصححه هو والذهبى .
ورواه أيضاً الإمام أحمد : ١٧٢١٧ (ج ٤ ص ١٢٧ حلبي)، عن عبد الرحمن بن مهدى ، عن
معاوية بن صالح، عن سعيد بن سويد، عن ((عبد الله بن هلال السلمى))، عن عرباض بن سارية ،
نحوه. فعبد الرحمن بن مهدى، سمى التابعى ((عبد الله)) - كما صنع ابن وهب وآدم بن أبي إياس، هنا
فى روايتهما عن الليث .
ورواه أيضاً الإمام أحمد : ١٧٢١٨، وابن سعد فى الطبقات ٩٥/١/١ - ٩٦، كلاهما عن
أبى العلاء الحسن بن سوار الخراسانى ، عن الليث بن سعد ، عن معاوية بن صالح ، عن سعيد بن سويد ،
عن ((عبد الأعلى بن هلال السلمى))، عن العرباض.
وقد ذكر الهيشى هذا الحديث فى مجمع الزوائد ٨: ٢٢٣، بألفاظ عن العرباض. ثم قال: ((رواء
أحمد بأسانيد، والبزار، والطيرانى بنحوه ... وأحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح ، غير سعيد بن
سويد، وقد وثقه ابن حبان)» .
وهو أيضاً عند السيوطى ١: ١٣٩، ونسبه - زيادة على ما ذكرنا - لابن أبى حاتم ، وابن مردويه ،
والبيهقى فى الدلائل .
وبعد : فإن الحديث شاهداً آخر ، يصلح للاستشهاد ، مع ضعف فى إسناده :
فروى أبو داود الطيالسى فى مسنده : ١١٤٠ ، عن الفرج بن فضالة ، عن لقمان بن عامر ، عن
أبى أمامة الباهلى ، عن النبى صلى الله عليه وسلم، نحو هذا الحديث .
وكذلك رواه الإمام أحمد فى المسند (٥: ٢٦٢ حلى)، عن أبى النضر هاشم بن القاسم ، عن
الفرج بن فضالة . بهذا الإسناد . والفرج بن فضالة: ضعيف، كما قلنا فى: ١٦٨٨.
وذكره السيوطى ١: ١٣٩، ونسبه أيضا الطبرانى، وابن مردويه ، والبيهقى .

٨٦
تفسير سورة البقرة : ١٢٩
٢٠٧٥ - حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط ، عن السدى :
((ربنا وابعثْ فيهم رسولاً منهم))، هو محمد صلى الله عليه وسلم .
٢٠٧٦ - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيع: ((ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم)»، هو محمد صلى الله عليه وسلم، فقيل له:
قد استُجيب ذلك ، وهو فى آخر الزمان .
...
قال أبو جعفر: ويعنى تعالى ذكره بقوله: ((يتلو عليهم آياتك)): يقرأ عليهم
کتابك الذی تُوحیه إليه .(١)
٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَيُعَلُّ اَلْكِتِّبَ وَالِحِكْمَةَ﴾
قال أبو جعفر: ويعنى بـ((الكتاب)): القرآن.
وقد بينت فيما مضى لم ◌ُسمى القرآن ((كتاباً))، وما تأويله.(٢) وهو قول جماعة
من أهل التأويل .
· ذکر من قال ذلك :
٢٠٧٧ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: ((ويُعلمهم
٤٣٦/١
الكتاب)) ، القرآن .
٥
٠
ثم اختلف أهل التأويل فى معنى ((الحكمة)) التى ذكرها الله فى هذا الموضع.
فقال بعضهم : هى السُّنة .
· ذکر من قال ذلك:
(١) انظر معانى ((تلا)) فيما سلف ٢ : ٤٠٩ - ٤١١، ٥٦٩
(٢) انظر ما سلف ١ : ٩٧ ، ٩٩.

٨٧
تفسير سورة البقرة : ١٢٩
٢٠٧٨ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن
قتادة: ((والحكمة))، أى السُّنة.
٠٠ ٠
وقال بعضهم: ((الحكمة))، هى المعرفة بالدين والفقه فيه .
· ذكر من قال ذلك :
٢٠٧٩ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال : قلت لمالك : ما
الحكمة ؟ قال : المعرفةُ بالدين، والفقهُ فى الدين، والاتِّباعُ له .
٢٠٨٠ - حدثنی يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله :
((والحكمة))، قال: ((الحكمة))، الدين الذى لا يعرفونه إلا به صلى الله عليه وسلم،
يعلمهم إيّاها. قال: و((الحكمة))، العقلُ فى الدّين وقرأ ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الِحِكْمَةَ
فَقَدْ أُوْقِيَ خَيْرًا كَثِيراً﴾ [سورة البقرة: ٢٦٩]، وقال لعيسى، ﴿وَيُعَلِّمُهُ الكِتَابَ
والْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ والإِنْجِيلَ ﴾ [سورة آل عمران: ٤٨]، قال: وقرأ ابن زيد:
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأْ الَّذِىِ آتَيْنَهُ آيَاتِنَا فَنْسَلَحَ مِنْهاَ﴾ [سورة الأعراف: ١٧٥]،
قال: لم ينتفع بالآيات، حيث لم تكن معها حكمةٌ. قال: ((والحكمة)) شىء يجعله
الله فی القلب ، ینوّر له به .
٠
قال أبو جعفر: والصواب من القول عندنا فى ((الحكمة)) أنها العلمُ بأحكام
اللّه التى لا يُدرك علمها إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم، والمعرفة بها، ومادلّ
عليه ذلك من نظائره. وهو عندى مأخوذ من ((الحُكْ)) الذى بمعنى الفصل بين
الحق والباطل، بمنزلة ((الجلسة والقعدة)) من ((الجلوس والقعود))، يقال منه: ((إنّ
فلاناً لحكيمٌ بيِّنُ الحكمة))، يعنى به : إنه لبيّن الإصابة فى القول والفعل.
وإذا كان ذلك كذلك ، فتأويل الآية : ربّنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو

٨٨
تغير سورة البقرة : ١٢٩
عليهم آياتك ، ويعلمهم كتابك الذى تنزّله عليهم ، وفصْلَ قضائك وأحكامك
التى تُعلّمه إياها .
القول فى تأويل قوله تعالى (وُزَ كِّيهِمْ)
قال أبو جعفر: قد دللنا فيما مضى قبل على أن معنى ((التزكية)): التطهير ،
وأن معنى ((الزكاة))، النماء والزيادة.(١)
فمعنى قوله: ((ويُزكيهم)) فى هذا الموضع: ويطهرهم من الشرك بالله وعبادة
الأوثان، وُيُنمِّيهم ويكثرهم بطاعة الله، كما : -
٢٠٨١ - حدثنى المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ،
حدثنى معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس: (( يتلو
عليهم آياتك ويزكيهم))، قال: يعنى بالزكاة، طاعةَ اللّه والإخلاص.
٢٠٨٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج قال ،
قال ابن جريج قوله : ( ویز کیہم )، قال: يطهرهم من الشرك، ويخلّصهم منه .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْخَكِيمُ﴾.
١٢٩
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بذلك: إنك يارَبّ أنت ((العزيز) القوىّ
الذى لا يُعجزه شىء أراده، فافعل بنا وبذريتنا ما سألناه وطلبناه منك؛ و((الحكيم))
الذى لا يدخل تدبيره خللٌ ولا زَللٌ ، فأعطنا ما ينفعنا وينفعُ ذريتنا، ولا ينقُصك
ولا ينقُص خَزَائنك .
(١) انظر ما سلف ١ : ٥٧٣ - ٥٧٤

٨٩
تفسير سورة البقرة : ١٣٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَن ◌ِلَِّ إِبْرَّهِيمَ)
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((وَمَنْ يُرَغبُ عَنْ ملة إبراهيم))،
وأىُّ الناس يزهد فى ملة إبراهيم، وَيَتركها رغبةً عنها إلى غيرها ؟(١)
وإنما عنى اللّه بذلك اليهود والنصارى ، لاختيارهم ما اختاروا من اليهودية
والنصرانية على الإسلام. لأن ((ملة إبراهيم)) هى الحنيفية المسلمة، كما قال تعالى
ذكره: ﴿مَا كَنَ إبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا ولاَ نَصْرَانِيًّا ولكِنْ كَنَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾
[سورة آل عمران: ٦٧]، فقال تعالى ذكره لهم: وَمَنْ يَزْهدُ عن ملة إبراهيم الحنيفية.
المسلمةِ إلاّ مَن سَفه نفسه ، كما : -
٢٠٨٣ - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن
قتادة قوله: ((وَمَنْ يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه))، رغب عن ملته
اليهودُ والنصارى ، واتخذوا اليهودية والنصرانية، بدعةً ليست من اللّه، وتركوا ملة
إبراهيم - يعنى الإسلام - حنيفاً؛ كذلك بعثَ الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم
بملة إبراهيم .
٢٠٨٤ -حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيع فى قوله: (( ومن يرغبُ عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه))، قال :
رغبت اليهودُ والنصارى عن ملة إبراهيم ، وابتدعوا اليهودية والنصرانية ، وليستْ من
اللّه، وتركوا ملة إبراهيم: الإسلامَ .
٠
(١) سيأتى تفسير ((الملة)) بعد صفحات ص: ١٠٤

تفسير سورة البقرة : ١٣٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿إِلَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾
قال أبو جعفر : یعنی تعالى ذكره بقوله: (( إلاّ من سفه نفسه )) ، إلا من
"سفهتْ نفسُهُ. وقد بينا فيما مضى أنّ معنى ((السفه))، الجهل.(١)
فمعنى الكلام : وَمَا يرغبُ عن ملة إبراهيم الحنيفية، إلاّ سفيهٌ جاهلٌ
٤٣٧/١ بموضع حَظّ نفسه فيما ينفعها ، ويضرها فى معادها ، كما : -
٢٠٨٥ -حدثییونس قال أخبرنا ابنوهبقال،قال ابن زید فیقوله: «إلا من
سفه نفسه))، قال: إلا من أخطأ حظّه.
وإنما نَصَب ((النفس)) على معنى المفسّر. وذلك أنّ ((السفه)) فى الأصل
النفس، فلما نقل إلى (مَنْ))، نُصبت (النفس))، بمعنى التفسير. (٢) كما يقال:
((هو أوسعكم داراً))، فتدخل ((الدار)) فى الكلام على أن السعة فيها ، لا فى الرجل .
فكذلك (( النفس)) أدخلت لأن السفه النفس، لا !((مَنْ)). ولذلك لم يجز أن
يقال : سفه أخوك . وإنما جاز أن يفسر بالنفس، وهى مضافة إلى معرفة، لأنها
فى تأويل نكرة . (٣)
٠٠
٠
وقال بعض نحوبى البصرة: إنّ قوله: ((سفه نفسه)) جرت مجرى ((سَفِه))
إذا كان الفعل غير متعدّ، وإنما عدّاه إلى ((نفسه)) و((رأيه)) وأشباه ذلك مما
هو فى المعنى نحو((سفه))، إذاهو لم يتعد. فأما ((غَبين)) و((خبر)) فقد يتعدى
إلى غيره، يقال: (("غبينَ خمسين، وَخَسِرَ خمسين)).
(١) أنظر ما سلف ١ : ٢٩٣ - ٢٩٥
(٢) التفسير والمفسر: ينى التمييز، ويقال له أيضاً (( التبيين)).
(٣) انظر بيان ذلك فى معانى القرآن الفراء ١: ٧٩، واللسان (سفه).

٩١
تفسير سورة البقرة : ١٣٠
القول فى تأويل قوله ﴿ وَلَقَدِ أَصْطَفَيْنَهُ فِى الدُّنْيَا﴾
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((وَلقد اصطفيناه فى الدنيا))، ولقد
اصطفينا إبراهيم. و((الهاء)) التى فى قوله: ((اصطفيناه))، من ذكر إبراهيم.
٠٠٠
و((الاصطفاء)) ((الافتعال)) من (الصفوة))، وكذلك ((اصطفينا)) ((افتعلنا))
منه ، صُيّرت تاؤها طاءً لقرب مخرجها من مخرج الصاد .
ويعنى بقوله: ((اصطفيناه)): اخترناه واجتبيناه للخُلَّة، (١) ونصيره فى الدنيا
لمنْ بَعْدَه إماماً .
وهذا خبر من اللّه تعالى ذكره عن أنّ "مَنْ خالف إبراهيم فيما سَنَّ لمن بعده ،
فهو لله مخالفٌ، وإعلامٌ منه خلقه أنّ من خالف ما جاء به محمد صلى الله عليه
وسلم، فهو لإبراهيم مخالفٌ. وذلك أن اللّه تعالى ذكره أخبر أنه اصطفاه حُلّته،
وَجَعله للناس إماماً، وأخبر أنّ دينه كانَ الحنيفيّة المسلمة. ففى ذلك أوضحُ البيان
من اللّه تعالى ذكره عن أنّ من خالفه فهو الله عدوّ، مخالفته الإمامَ الذى نَصَبَه
الله لعباده .
القول فى تأويل قوله تعالى (وَإُِّ فِى الْأَخِرَةِ لَمِنَ الصُّلِمِن)
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((وإنه فى الآخرة لمن الصالحين»،
وإن إبراهيم فى الدار الآخرة لمن الصالحين .
و ((الصالح)) من بنى آدم: هو المؤدى حقوق الله عليه .
(١) الخلة (بضم فتشديد): الصداقة والمحبة. والخليل: الصديق الحبيب. وهى هنا منزلة من
منازل محبة الله لبعض عباده الذين اصطفاهم وأحبهم .

٩٢
تفسير سورة البقرة : ١٣٠، ١٣١
فأخبر تعالى ذكره عنْ إبراهيم خليله، أنه فى الدنيا صَفىٌّ، وفى الآخرة
ولىّ ، وأنه واردٌ موارِدٍ أوليائه الموفِّين بعهده.
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ
لِرَبِّ الْقُّلَمِينَ)
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((إذ قال له ربه أسلم ))، إذ قال
له ربه : أخلصْ لى العبادةَ، واخضع لى بالطاعة . وقد دللنا فيما مضى على معنى
((الإسلام)) فى كلام العرب، فأغنى عن إعادته.(١)
...
وأما معنى قوله: ((قالَ أسلمتُ لرَبّ العالمين))، فإنه يعنى تعالى ذكره ،
قال إبراهيمُ مجيباً لربه : خضعتُ بالطاعة ، وأخلصت العبادة ، لمالك جميع الخلائق
ومدبِّرها دون غيره .
...
فإن قال قائل: قد علمتَ أنّ ((إذْ)) وقتٌّ، فما الذى وُقِّت به؟ وما الذى
هو له صلة . (٢).
قيل: هو صلة لقوله: ((ولقد اصطفيناهُ فى الدنيا)). وتأويل الكلام: ولقد
اصطفيناهُ فى الدنيا، حين قال له ربه : أسلم . قال : أسلمتُ لرب العالمين .
وإنما معنى الكلام : ولقد اصطفيناه فى الدنيا حين قلنا له: أسلم . قال : أسلمت
لرب العالمين. فأظهر اسم ((الله)) فى قوله: ((إذ قال له ربه أسلم))، على وجه الخبر
(١) انظر ما سلف ٢: ٥١١،٥١٠، وهذا الجزء ٣: ٧٤
(٢) فى المطبوعة: ((وما الذى صلته)). والصواب ما أثبت.

٩٣
تفسير سورة البقرة : ١٣٢،١٣١
عن غائب ، وقد جرى ذكرُه قبلُ على وجه الخبر عن نفسه، كما قال ◌ُخُفاف
ابن ندبة :
أَقُولُ لَهُ - وَالرُّمْحُ يَأْطِرُ مَنْتَهُ: تَأْمَّلْ خفافًا إِنَّفِ أَنَ ذَلِكَاَ (١)
...
فإن قال لنا قائل : وهل دعا اللّه إبراهيمَ إلى الإسلام؟
قیل له : نعم ، قد دعاه إليه .
فإن قال : وفی أی حال دعاه إليه ؟
قيل حين قال: ﴿يَاقَوْمِ إِنِى بَرِىء مِمَّ تُشْرِكُونَ . إِنِّى وَجَهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى
فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة الأنعام: ٧٨، ٧٩]،
وذلك هو الوقتُ الذى قال له ربه : أسلمْ - من بعد ما امتحنه بالكواكب
والقمر والشمس.(٢)
٠
القول فى تأويل قوله تعالى (وَوَصَّى بِهَاَ إِنْرَاهِيمُ يَنِيهِ
وَيَعْقُوبُ)
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((ووصَى بها))، ووصى بهذه ٤٣٨/١
الكلمة. ◌َنى! ((الكلمة)) قوله(٣): ((أسلمتُ لرَبّ العالمين))، وهى ((الإسلام))
(١) سلف تخريج هذا البيت فى ١: ٢/٢٢٧: ٣٠٤.
(٢) قرأ الآيات من سورة الأنعام : ٧٤ - ٧٨.
(٣) فى المطبوعة: ((أعنى بالكلمة))، وهو خطأ محض.

٩٤
تفسير سورة البقرة : ١٣٢
الذى أمر به نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو إخلاص العبادة والتوحيد للّه ، وخضوع
القلب والجوارح له .(١)
٠ ٠
ويعنى بقوله: ((ووصى بها إبراهيمُ بَنيه))، عهد إليهم بذلك وأمر هم به .
٠ ٠
وأما قوله: ((ويعقوب))، فإنه يعنى: ووصى بذلك أيضاً يعقوبُ بَنيه ، كما :-
٢٠٨٦ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا یزید بن زريع قال ، حدثنا
سعید ، عن قتادة قوله : ((ووصى بها إبراهيمُ بنیه ويعقوبُ ))، يقول : ووصى بها
يعقوبُ بنیه بعد إبراهيم .
٢٠٨٧ - حدثنى محمد بن سعد قال ، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال ،
حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس: ((ووصى بها إبراهيم بنيه))، وصّاهم
بالإسلام ، ووصّى يعقوبُ بمثل ذلك .
٠ ٠٠
قال أبو جعفر: وقال بعضهم قوله: ((ووصى بها إبراهيمُ بَنيه))، خبرٌ
مُنقضٍ. وقوله: ((ويعقوب) خبرٌ مبتدأ. فإنه قال: ((ووصى بها إبراهيم بنيه)). بأن
يقولوا: أسلمنا لربّ العالمين - ووصى يعقوب بنيه: أنْ ((يا بنى إنّ اللّهَ اصطفى
لكمُ الدين فلا تموتن إلاّ وأنتم مسلمون)).
ولا معنى لقول من قال ذلك . لأن الذى أوصى به يعقوب بنيه ، نظيرُ الذى
أوصى به إبراهيم بنيه: من الحثّ على طاعة الله ، والخضوع له ، والإسلام.
٠٠٠
فإن قال قائل : فإن كان الأمرُ على ما وصفتَ: من أنّ معناه: ووصى بها
إبراهيم بنيه ويعقوبُ: أنْ ((يا بنى)) - فما بالُ ((أن)) محذوفةً من الكلام؟
قيل: لأن الوصية قولٌ، فحملت على معناها. وذلك أنّ ذلك لو جاء بلفظ
(١) انظر تفسير ((الإسلام)) قبل ٢: ٥١١،٥١٠، وهذا الجزء ٣ : ٧٤، ٩٢

٩٥
تفسير سورة البقرة : ١٣٢
القول، لم تحسن معه ((أنْ))، وإنما كان يقال: وقال إبراهيم لبنيه ويعقوبُ:
(يا بنى)). فلما كانت الوصية قولاً، حملت على معناها دون لفظها، (١) فحذفت
(((أنْ)) التى تحسنُ معها، كما قال تعالى ذكره: ﴿ُوصِيكُمُ اللهُ فِى أَوْلاَدِكُمْ
لِلِذَّ كَرٍ مِثْلُ حَظِ الأَنْثَيَيْنِ﴾ [سورة النساء: ١١]، وكما قال الشاعر :
إِى سَأَبْدِى لَكَ فِيَاَ أَبْدِى ◌ِ شَجَنَنِ شَجَنٌ بِنَجْدٍ
وَشَجَنٌ لِى بِلاَدِ السَّْدِ (٢)
فحذفت ((أنْ))، إذ كان الإبداءُ باللسان فى المعنى قولاً، فحمله على معناه
دون لفظه . (٣)
٠٠
وقد قال بعض أهل العربية إنما حذفت ((أنْ)) من قوله: ((ووصى بها إبراهيم
بنيه ويعقوبُ))، اكتفاءً بالنداء - يعنى بالنداء قوله: ((يابنى)، وزعم أنّ عِلَّه
فى ذلك أنّ من شأن العرب الاكتفاءُ بالأدوات عن ((أن))، كقولهم: ((ناديتُ
هل قمت؟ - وناديتُ أين زيد؟)). قال: وربما أدخلوها مع الأدوات . فقالوا :
(((ناديت، أنْ هَلْ قُمت؟)).
٠
(١) فى المطبوعة: ((على معناها دون قولها))، وهو خطأ صوابه ما أثبت.
(٢) معانى القرآن الفراء ١: ٨٠، ١٨٠، ولسان العرب (شجن). وقوله ((شجن)) الشجن:
هوى النفس، والحاجة. وهو مجاز من ((الشجن)) الذى هو الحزن والهم. وكنوا به عن المرأة المحبوبة التى
تشغل القلب بالهم والحزن ، من فراق أو دلال أو تجن ، يقول مسلم بن الوليد الأنصارى :
وسِرْبٍ من الأشْجَانِ يُطْوَى لَهُ اَلْحَثَآَ عَلَى شَرَقٍ، مَنْ يَلْقَهُ يَتَبَِّ.
يعنى نساء ، وقال أيضاً :
أَطَالَ عُْرِى، أمْ مُدَّ فى أَجَلِي، أمْ لَيْسَ فِىِ الظَّعِنِينَ لِى شَجنُ ؟
أى امرأة أحبها ، وهوى يحزننى فراقه وبعده ؟
(٣) انظر تفصيل هذا فى معانى القرآن الفراء ١: ٨٠ - ٠٨١

٩٦
تفسير سورة البقرة : ١٣٢
وقد قرأ جماعة من القرأة: ((وأوْصى بها إبراهيم))، بمعنى: عَهِد.
وأما من قرأ ((ووصَّى)) مشددة ، فإنه يعنى بذلك أنه عهدَ إليهم عهداً بعد
عهد، وأوصى وصيةً بعد وصية.
٠
القول فى تأويل قوله تعالى (يُنِىَّ إِنَّ اللهَ أَصْطَفَىْ لَكُمُ الدِّينَ﴾
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((إنّ الله اصطفى لكم الدين))،
إنّ اللّه اختارَ لكم هذا الدین الذی عهد إليكم فيه ، واجتباه لكم. (١)
...
وإنما أدخل ((الألف واللام)) فى ((الدين))، لأن الذين خوطبوا من ولدهما وبنيهما
بذلك، كانوا قد عرفوه بوصيّهما إياهم به ، وعهدهما إليهم فيه ، ثم قالا لهم
- بعد أن عرّفاً هموه -: إنّ الله اصطفىَ لكم هذا الدين الذى قد عَهِد إليكم
فيه ، فاتقوا الله أن تموتوا إلاّ وأنتم عليه.
...
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَلاَتَمُوتُنَّ إِلَّ وَأَنتُم مُسْلُونَ) (٦)
قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: أوَ إلىَ بنى آدمَ الموتُ والحياةُ، فيُنهى
أحدُهم أن يموت إلاّ على حالة دون حالة ؟
قيل له : إن معنى ذلك على غير الوجه الذى ظننتَ. وإنما معنى (٢): ((فلا تموتن
إلاّ وأنتم مسلمون))، أى : فلا تفارقوا هذا الدين - وهو الإسلام - أيام حياتكم .
وذلك أنّ أحداً لا يدرى مَتى تأتيه منيَّتُه، فلذلك قالا لهم: ((فلا تموتُن إلاّ وأنتم
(١) انظر معنى ((الاصطفاء)) فيه سلف قريباً: ٩١
(٢) فى المطبوعة: ((وإنما معناه))، والصواب ما أثبت.
اے
.

٩٧
تفسير سورة البقرة : ١٣٣،١٣٢
مسلمون )) ، لأنكم لا تدرون متى تأتيكم مَناياكم من ليل أو نهار ، فلا تفارقوا
الإسلام ، فتأتيكم منابًا كم وأنتم على غير الدين الذى اصطفاه لكم ربكم ، فتموتوا
ورُبکم ساخط علیکم ، فهلكوا .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ
يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((أمْ كنتم شهداء))، أكثم.
ولكنه استفهم : ((أم))، إذ كان استفهاماً مستأنفاً على كلام قد سبقه، كما قيل:
(أَلَمَ ، تَنْزِيلُ الكِتَبِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ العَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَاهُ﴾
[سورة السجدة: ١ -٣]، وكذلك تفعل العرب فى كل استفهام ابتدأته بعد
کلام قد سبقه ، تستفهم فیه ؛ ((أم )) .(١)
٠ ٠ ٠
((والشهداء جمع ((شهيد))، كما (الشركاء)) جمع ((شريك)) و((الخصماء)) جمع ٤٣٩/١
((خصيم)).(٢)
٠ ٠ ٠
قال أبو جعفر وتأويل الكلام: أكنتم - يا معشر اليهود والنصارى، المكذّبين بمحمد
صلى اللّه عليه وسلم، الجاحدين نبوته - ◌ُحضورَ يعقوبَ وشهودَه إذ حضره الموتُ. أى
إنكم لم تحضروا ذلك، فلا تدَّعوا على أنبيائى ورسلى الأباطيل، وتَنحلوهم اليهودية
والنصرانية، فإنى ابتعثت خليلى إبراهيم - وولده إسحق وإسمعيل وذريتهم - بالحنيفية
المسلمة، وبذلك وصَّوْا بَنيهم، وبه عهدوا إلى أولادهم من بعدهم. فلو حضرتموهم
(١) استوفى الطبرى حديث ((أم)) فيما سلف ٢: ٤٩٢-٤٩٤ وانظر مجاز القرآن لأبى عبيدة: ٥٦.
(٢) مضى تفسير ((الشهداء)» فى ١ : ٣٧٦ - ٣٧٨.
ج ٣ (٧)

٩٨
تفسير سورة البقرة : ١٣٣
فسمعتم منهم ، علمتم أنَّهم على غيرما نحلتموهم من الأديان والملل من بعده (١).
٠٠٠
وهذه آياتٌ نزلتْ، تكذيباً من الله تعالى اليهود والنصارى فى دعواهم فى إبراهيم
وولده يعقوب: أنهم كانوا على ملتهم، فقال لهم فى هذه الآية: ((أمْ كُتّم
"شهداء إذْ حضرَ يعقوب الموت))، فتعلموا ما قال لولده وقال له وَلَده ؟ ثم أعلمهم
ما قال لهم وما قالوا له . وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
· ذ کرُ من قال ذلك :
٢٠٨٨ -حدثی المثی قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر، عن
أبيه، عن الربيع قوله: ((أمّ كنتم شهداء))، يعنى أهل الكتاب.
٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن
بَعْدِىِ قَالُواْ نَعْبُهُ إِلْمَكَ وَإِلَهَ ابَآئِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِنْعِيلَ وَإِسْحُقَ
إَّهَا وَحِدًا وَغَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) )
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله(( إذْ قال لبنيه))، إذ قال يعقوبُ لبنيه)).
٠ ٠
و((إذْ)) هذه مكرّرة إبدالاً من ((إذْ)) الأولى، بمعنى: أم كنتم شهداء
يعقوب ، إذ قال يعقوب لبنیه حین حضور موته .
٠٠٠
ویعنی بقوله: (( ما تعبدون من بعدی» - أنَّ شیء تعبدون، «من بعدی ))؟
أى من بَعد وفاتى؟ قالوا: ((تَعبدُ إلهك))، يعنى به: قال بنوه له: تعبد
معبودك الذى تعبده، ومعبودَ آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق، ((إلهاً واحداً)) أى:
(١) فى المطبوعة: ((على غير ما تنحلوم))، والصواب ما أثبت

٩٩
تفسير سورة البقرة : ١٣٣
نُخلص له العبادة، ونوحِّد له الربوبية، فلا نشرك به شيئاً، ولا نتخذ دونه ربّاً .
...
ويعنى بقوله: ((ونحن له مسلمون))، ونحن له خاضعون بالعبودية والطاعة .
ويحتمل قوله: ((ونحن له مسلمون)) ، أن تكون بمعنى الحال ، كأنهم قالوا :
تعبد إلهك مُسلمين له بطاعتنا وعبادتنا إياه . ويحتمل أن يكون خبراً مستأنفاً ،
فیکون بمعنى : نعبد إلهك بعدك ، ونحن له الآن وفى كل حال مسلمون .
٠٠٠
وأحسن هذين الوجهين - فى تأويل ذلك - أن يكون بمعنى الحال ، وأن يكون
بمعنى : نعبدُ إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسمعيل وإسحق ، مسلمين لعبادته .
٠ ٠٠
وقيل : إنما قدم ذكر إسمعيل على إسحق ، لأن إسمعيل كان أسنّ من إسجق .
· ذكر من قال ذلك :
٢٠٨٩ - حدثنى يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن
زيد فى قوله: ((قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسمعيل وإسحق))، قال: يقال:
بدأ بإسمعيل ، لأنه أكبر .
٠
وقرأ بعض المتقدمين: (( وإله أبيكَ إبراهيم))، ظنًّا منه أنّ إسماعيل، إذ كان عمَّا
ليعقوب، فلا يجوزُ أن يكون فيمن تُرْجم به عن الآباء، وداخلاً فى عيدادهم . وذلك
من قارئه كذلك ، قلة علم منه بمجارى كلام العرب . والعرب لا تمتنع من أن تجعل
الأعمام بمعنى الآباء ، والأخوال بمعنى الأمهات .(١) فلذلك دخل إسماعيل فيمن
تُرجم به عن الآباء . وإبراهيم وإسمعيل وإسحق، ترجمةٌ عن الآباء فى موضع جر ،
ولكنهم نُصبوا بأنهم لا يجرّ ون(٢).
٠
(١) وانظر مجاز القرآن لأبى عبيدة: ٥٧، وقوله: ((والعرب تجعل العم والخال أباً)).
(٢) (الترجمة)) وما اشتق منها: هى ((البدل))، كماسلف آنفا٢ً: ٣٤٠، ٤٢٠، وهذا الجزء٣: ٥٢ وقوله:
((ولكنهم نصبوا بأنهم لا يجرون))، بمعنى أنها أسماء منوعة من الصرف، كما هو بين، ولكنه تعبير مليح.

١٠٠
تفسير سورة البقرة : ١٣٤،١٣٣
والصواب من القراءة عندنا فى ذلك: ((وإله آبائك))، لإجماع القراء على
تصويب ذلك ، وشذوذ من خالفه من القرّاء ممن قرأ خلاف ذلك .
٠٠
ونصب قوله: ((إلهاً))، على الحال من قوله: (( إلهك)).
٠
٠٠
القول فى تأويل قوله تعالى (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ
وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْتَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْلُونَ) (٦)
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره. بقوله: ((تلكَ أمَّة قد خلتْ))، إبراهيم
وَإسمعيلَ وإسحقَ ويعقوبَ وولدَ هُم.
يقول اليهود والنصارى: يا معشر اليهود والنصارى، دعُوا ذكر إبراهيم وإسمعيل
وإسحق ويعقوبَ والمسلمين من أولادهم بغير ما هم أهلُه، ولا تنحلوهم كفر اليهودية
والنصرانية ، فتضيفونها إليهم، فإنهم أمَّة - ويعنى: بـ((الأمة)) فى هذا الموضع:
الجماعةَ والقرنَ من الناس (١) - قد خلتْ: مضَتْ لسبيلها.
وإنما قيل الذى قد مات فذهب: ((قد خلا))، لتخلّيه من الدنيا وانفراده ،
حما کان من الأنس بأهله وقرنائه فی دنیاه . (٢)
وأصله من قولهم: ((خلا الرجل))، إذ صارَ بالمكان الذى لا أنيس له فيه ،
٤٤٠/١ وانفردَ من الناس. فاستعمل ذلك فى الذى يموت، على ذلك الوجه .
٠
٠٠
ثم قال تعالى ذكره اليهود والنصارى: إنّ لمن نحلتموه - ضلالكم وكفر كمُ الذى
أنتم عليه (٣) - من أنبيائى ورُسلى، ما كسب (٤).
(١) انظر ما سلف فى معنى ((أمة١٥: ٢٢١، وهذا الجزء٣: ٧٤
(٢) فى المطبوعة: ((بما كان من الأنس))، والصواب ما أثبت: أى: تخليه عما كان من
الأنس بأهله ...
(٣) فى المطبوعة: ((بضلالكم وكفركم)) بزيادة الباء، وسياق الطبرى يقتضى حذف هذه الباء.
(٤) فى المطبوعة: ((كسبت))، وهو خطأ، والصواب ما أثبت.