Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١
تفسير سورة البقرة : ١٠٠
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذكر ما أخذ عليهم من الميثاق ، وما عهد الله إليهم
فيه -: والله ما عهد إلينا فى محمد صلى اللّه عليه وسلم، وما أخذ له علينا ميثاقاً!
فأنزل الله جل ثناؤه: ((أو كلما عَاهَدُوا "عهداً نبذه فريقٌ منهم بلْ أكثرهم
لا يؤمنون » .(١)
١٦٤٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنا محمد بن إسحق
قال ،حدثنى محمد بن أبى محمد مولى آل زيد بن ثابت ، عن عكرمة مولى ابن
عباس ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس مثله .
قال أبو جعفر وأما ((النَّبْذ)) فإن أصله - فى كلام العرب- الطّرْح، ولذلك
قبل للملقوط: ((المنبُوذ))، (٢) لأنه مطروح مرمىٌّ به. ومنه سمى النبيذ ((نبيذاً))، لأنه
زبيب أو تَمْرُ يُطرح فى وعاء، ثم يعالج بالماء. وأصله ((مفعول)» صرف إلى
(فعيل))، أعنى أن ((النبيذ)) أصله ((منبوذ)) ثم صرف إلى ((فعيل)) فقيل: ((نبيذ ))،
كما قيل: ((كف "خضيب، ولحية دهين)) - يعنى: مخضوبة ومدهونة. (٣) يقال
منه: ((نبذته أنبِذُه نبيذاً))، كما قال أبو الأسود الدّتلى:
نَظَرْتَ إلى عُنْوانِهِ، فَنَبَذْتَهُ كَنَبْذِكَ فَعْلاَ أَخْلَفَتْ مِنْ نِعَالِكَاَ(٤)
...
فمعنى قوله جل ذكره: ((نبذه فريقٌ منهم))، طرحه فريق منهم، فتركه ورفضه
وَنقضه ، كما : -
(١) الأثر: ١٦٣٩ - فى سيرة ابن هشام ٢: ١٩٦، مع اختلاف يسير فى اللفظ. وقد ذكر
ابن هشام فى ٢: ١٦١ ((مالك بن الصيف)) وقال: ((وبقال: ابن ضيف)).
(٢) فى تفسير ابن كثير ١: ٢٤٧: ((وسمى اللقيط ... ))، واللقيط أجود من الملقوط.
(٣) انظر ما سلف ١ : ١١٢.
(٤) ديرانه: ٢١ (فى نفائس المخطوطات: ٢)، وسيأتى فى ٢٠: ٤٩ - ٥٠ (بولاق)،
ومجاز القرآن : ٤٨، من أبيات كتب بها إلى صديقه الحصين بن الحر، وهو وال على ميسان ، وكان
كتب إليه فى أمر يهمه ، فشغل عنه ؛ وقبل البيت :
وَخَبَرنى مَنْ كُنتُ أرسلتُ أَّا أُخذتَ كِتَابِى مُعْرِضًاً بِشِمَالِكا
.ح)،(٢٦)
٤٠٢
تفسير سورة البقرة : ١٠٠
١٦٤١ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن
قتادة : « نبذه فريقٌ منهم )) يقول : نقضه فريق منهم .
١٦٤٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى اححاج ، عن
ابن جريج قوله: (( نَبذَهُ فريقٌ منهم))، قال: لم يكن فى الأرض عهدٌ يُعاهدون
عليه إلا نَقَضوه، ويعاهدون اليوم وينقضون غداً. قال: وفى قراءة عبد الله:
(( نقضه فريق منهم)) .
٥
و(«الهاء)) التى فى قوله: ((نبذه))، من ذكر العهد. فمعناه أو كلما عاهدوا عهداً
نبذ ذلك العهدَ فريق منهم .
و((الفريق)): الجماعة، لا واحد له من لفظه، بمنزلة ((الجيش)) و((الرهط))
الذى لا واحد له من لفظه . (١)
...
و((الهاء والميم)) اللتان فى قوله: ((فریق منهم))، من ذکر اليهود من بنی
إسرائيل .
وأما قوله: (( بل أكثرُهم لا يؤمنون)) فإنه يعنى جل ثناؤه : بل أكثر هؤلاء
- الذين كلما عاهدُوا اللّه عهداً وواثقوه مُوثِقاً، نقضه فريق منهم - لا يؤمنون.
٠٠٠
ولذلك وجهان من التأويل : أحدهما : أن يكون الكلام دلالةً على الزيادة
١ /٣٥٢ والتكثير فى عدد المكذّبين الناقضين عهد اللّه، على عدد الفريق. فيكون الكلام
حينئذ معناه : أو كلما عاهدتِ اليهود من بنى إسرائيل رَبَّها عهداً نقضَ فريق منهم
ذلك العهد ؟ لا - مَا ينقض ذلك فريقٌ منهم، ولكن الذى ينقض ذلك فيكفرُ
باللّه، أكثرهم ، لا القليل منهم . فهذا أحدُ وجهيه.
والوجه الآخر: أن يكون معناه: أو كلّما عاهدت اليهود ربَّها عهداً، نبذ ذلك
(١) انظر ما سلف فى هذا الجزء ٢ : ٢٤٤، ٢٤٥
١ ٠٠
٠ ٤٠٣
تفسير سورة البقرة : ١٠٠، ١٠١
العهد فريقٌ منهم؟ لا - ما ينبذ ذلك العهد فريق منهم فينقضُه = على الإيمان
منهم بأنّ ذلكَ غير جائزلهم = ولكن أكثرهم لا يصدِّقون باللّه ورُسله ، ولا وعده
ووعيده. وقد دللنا فيما مضى من كتابنا هذا معنى ((الإيمان))، وأنه التصديق. (١)
...
القول فى تأويل قوله جل ذكره ﴿وَلَمَّا جَاءُهُمْ رَسُولٌ مِّنْ
عِنْدِ اللهِ مُصَدَّقْ لَّا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الذِينَ أُوتُوا الكِتَبَ كِبَ
اللهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (١)
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((ولما جاءهم))، أحبار اليهود وعلماءَ ها
من بنى إسرائيل - ((رسول))، يعنى بالرسول: محمداً صلى الله عليه وسلم كما : -
١٦٤٣ - حدثنی موسى بن هرون قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ،
عن السدى فى قوله: ((ولما جَاءَهُم رَسُول))، قال: لما جاءهم محمد صلى اللّه
عليه وسلم .
٠
وأما قوله: ((مصدق لما معهم))، فإنه يعنى به أن محمداً صلى الله عليه وسلم
يُصدّق التوراة والتوراة تصدقه، فى أنه للّه نبيّ مبعوث إلى خلقه .
٠٠٠
وأما تأويل قوله: ((ولما جاءَ هم رسول من عند الله مصدق لما معهم))، فإنه
للذى هو مع اليهود، وهو التوراة. فأخبر الله جل ثناؤه أن اليهود لما جاءهم رسول
اللّه صلى اللّه عليه سلم من اللّه بتصديق ما فى أيديهم من التوراة، أنّ محمداً صلى
اللّه عليه وسلم نبى الله، ((نبذ فريق))، يعنى بذلك: أنهم جحدوه ورفضوه بعد أن
كانوا به مقرًّين، حسداً منهم له وبغياً عليه. وقوله: ((من الذين أوتوا الكتاب)).
وهم علماء اليهود الذين أعطاهم الله العلم بالتوراة وما فيها. ويعنى بقوله: (( كتاب الله))،
التوراةَ .
(١) انظر ما سلف ١: ٢٣٤ - ٢٣٥، ٢٧١، ٥٦٠، وهذا الجزء ٢ : ٣٤٨،١٤٣
٤٠٤
تفسير سورة البقرة : ١٠١
وقوله: ((وَرَاء ◌ُظهورهم))، (١) جعلوه وراء ظهورهم. وهذا مثل ، يقال
لكل رافضٍ أمراً كان منه على بال: ((قد جعل فلان هذا الأمرَ منه بظَهْر،
وجعله وراء ظهره))، يعنى به : أعرض عنه وَصد" وانصرف، كما : -
١٩٤٤ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط ، عن
السدى: ((ولما جاءهم رَسول من عند الله مصدقٌ لما معهم نبذ فريق من الذين
أوتوا الكتاب كتاب اللّه وراء ظهورهم))، قال: لما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم
عارضوه بالتوراة فخاصموه بها ، فاتفقت التوراة والقرآن ، فنبذوا التوراة وأخذوا
بكتاب آصف ، وسحر هاروت وماروت. (٢) فذلك قول الله: ((كأنهم لا يعلمون)).
ومعنى قوله: ((كأنهم لا يعلمون))، كأن هؤلاء الذين نبذوا كتاب الله
من علماء اليهود - فنقضوا عهد الله بتركهم العمل بما واثقوا اللّه على أنفسهم العمل
بما فيه - لا يعلمون ما فى التوراة من الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه.
وهذا من الله جل ثناؤه إخبارٌ عنهم أنهم جحدوا الحق على علم منهم به ومعرفة ،
وأنهم عاندوا أمر اللّه فخالفوا على علم منهم بوجوبه عليهم ، كما : -
١٦٤٥ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن
قتادة قوله: ((نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب))، يقول: نقض فريقٌ من الذين أوتوا
الكتاب ((كتابَ اللّه وراء ظهورهم، كأنهم لا يعلمون)): أى أن القوم كانوا
یعلمون ، ولكنهم أفسدوا علمهم، وَجحدوا وكفروا وكتموا .
...
(١) فى المطبوعة: ((وقوله نبذوه وراء ظهورهم))، فحذفت ((فبذوه))، لأن الطبرى ساق
الآية بتمامها ، وهذا لفظ مقحم فيها .
(٢) فى تفسير ابن كثير ١: ٢٤٧ زيادة، بعد قوله: ((وماروت، فلم يوافق القرآن، فذاك
قول الله)). وأصف: كان كاتب سليمان. وكان يعلم الاسم الأعظم، وكان يكتب كل شىء بأمر
سليمان . ويدفنه تحت كرسيه ، فلما مات سليمان أخرجته الشياطين ، فكتبوا بين كل سطرين سحراً وكفراً
( ابن كثير ١ : ٢٤٨) .
٤٠٥
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُواْ الشَّيْطِيْنُ عَلَى
مُلْكِ سُلَيْمْنَ﴾
قال أبو جعفر: يعنى بقوله ((واتبعوا ما تتلو الشياطين))، الفريقَ من أحبار
اليهود وعلمائها ، الذين وصفهم جل ثناؤه بأنهم نبذوا كتابه الذى أنزله على موسى، ٣٥٣/١
وراء ظهورهم ، تجاهلاً منهم وكفراً بما هم به عالمون ، كأنهم لا يعلمون . فأخبر
عنهم أنهم رفضوا كتابه الذى يعلمون أنه منزّل من عنده على نبيه صلى الله عليه وسلم ،
ونقضوا عهدَه الذى أخذه عليهم فى العمل بما فيه ، وآثّرُوا السحر الذى تلته
الشياطين فى ملك سليمان بن داود فاتبعوه ، وذلك هو الخسار والضلال المبين .
واختلف أهل التأويل فى الذين عنوا بقوله: ((واتَّبَّعوا ما تَتلو الشياطين على ملك
سليمان)). فقال بعضهم: عنى الله بذلك اليهود" الذين كانوا بين ظهرانى مُهاجر
رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنهم خاصموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوراة،
فوجدوا التوراة للقرآن موافقة"، تأمر من تباع محمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه ،
بمثل الذى يأمر به القرآن. فخاصموا بالكتب التى كان الناس اكتتبوها من الكهنة
على عهد سلمان . ذكر من قال ذلك :
١٦٤٦ -حدثی موسی بن هرون قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط،
عن السدى: (( واتبعوا ما تلوا الشياطين على ملك سابان)) - على عهد سليمان -
قال : كانت الشياطين تصعد إلى السماء ، فتقعد منها مقاعد السمع ، فيستمعون
من كلام الملائكة فيما يكون فى الأرض من موت أو غيث أو أمر ، (١) فيأتون
الكهنة فيخبرونهم ، فتحدّث الكهنة الناس ، فيجدونه كما قالوا . حتى إذا أمنتهم
الكهنة كذبوا لهم فأدخلوا فيه غيره ، فزادوا مع كل كلمة سبعين كلمة . فاكتتب
(١) فى تفسير ابن كثير ١: ٢٤٩: ((ما يكون فى الأرض ... أو غيب))
٤٠٦
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
الناس ذلك الحديث فى الكتب ، وفشا فى بنى إسرائيل أن الجن تعلم الغيب . فبعث
سليمان فى الناس فجمع تلك الكتب ، فجعلها فى صندوق ، ثم دفنها تحت کرسیه .
ولم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يدنو من الكرسىّ إلاّ احترق ، وقال :
لا أسمع أحداً يذكر أنّ الشياطين تعلم الغيب إلا ضربت عنقه! فلما مات سليمان
وذهبت العلماء الذين كانوا يعرفون أمر سليمان ، وخلف بعد ذلك خَلْفٌ ، تمثل
الشيطان فى صورة إنسان ، ثم أتى نفراً من بنى إسرائيل فقال : هل أدلكم على
كنزٍ لا تأكلونه أبداً؟(١) قالوا: نعم. قال: فاحفروا تحت الكرسىّ. وذهب
معهم فأراهم المكان، وقإم ناحية. (٢) فقالوا له: "فَادْن ! قال: لا، ولکنی ها هنا
فى أيديكم ، فإن لم تجدوه فاقتلونى ! فحفروا فوجدوا تلك الكتب . فلما أخرجوها
قال الشيطان : إن سليمان إنما كان يضبط الإنس والشياطين والطير بهذا السحر .
ثم طار فذهب. وفشا فى الناس أن سليمان كان ساحراً ، واتخذت بنو إسرائيل تلك
الكتب ، فلما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم خاصموه بها ، فذلك حين يقول :
((وَمَا كفرَ سُليمان ولكن الشياطين كفروا يُعلّمون" الناس السحر)). (٣)
١٦٤٧ - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه،
عن الربيع فى قوله: ((واتبعوا ما تتلوا الشياطينُ على مُلكُ سُليمان))، قالوا: إنّ اليهودَ
سألوا محمداً صلى الله عليه وسلم زماناً عن أمور من التوراة ، لا يسألونه عن شىء
من ذلك إلا أنزل الله عليه ما سألوا عنه، فيخصمهم . (٤) فلما رأوا ذلك قالوا :
هذا أعلم بما أنزل إلينا منّا ! وأنّهم سألوه عن السحر وخاصموه به، فأنزل الله جل
وعز: (( واتبعوا ما تلوا الشياطين على ملك ◌ُسليمان وما كفر سلمان ولكنّ الشياطين
كفروا يعلمون الناس السحر)». وإن الشياطين عمدوا إلى كتاب فكتبوا فيه السحر
(١) لا تأكلونه: أى لا تنفدونه أبداً. يقال: أكل فلان عمره: إذا أفناه .
(٢) فى المطبوعة: ((فقام))، والصواب ما أثبته من تفسير ابن كثير.
(٣) الأثر : ١٦٤٦ - فى تفسير ابن كثير ١ : ٢٤٩.
(٤) خاصنى فخصمته أخصمه: غلبته بالحجة فى خصومى.
٤٠٧
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
والكهانة وما شاء اللّه من ذلك، فدفنوه تحت مجلس سليمان .(١) وكان سليمان لا يعلم
الغيب . فلما فارق سليمان الدنيا استخرجوا ذلك السحر وخدعوا به الناس ، وقالوا :
هذا علمٌ كان سليمان يكتمه ويحسُد الناس عليه! فأخبرهم النبى صلى الله عليه وسلم ٣٥٤/١
بهذا الحديث، فرجعوا من عنده وقد تحزنوا، وأدحض الله حجتهم. (٢)
١٦٤٨ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((واتبعوا "ما تتلوا الشياطينُ على ملك سليمان))، قال: لما جاءهم رسول الله
صلى الله عليه وسلم مصدّقاً لما معهم، ((نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب)) الآية ،
قال: التَّعوا السحر، وهم أهل الكتاب. فقرأ حتى بلغ ((ولكن الشياطين كفروا
يعلِّمون الناسَ السحر)».
...
وقال آخرون : بل عنى الله بذلك اليهود الذين كانوا على عهد سليمان.
• ذكر من قال ذلك :
١٦٤٩ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج قال ،
قال ابن جريج: تلت الشياطين السُّحر على اليهود على ملك سليمان ، فاتبعته اليهود
على ملكه ، يعنى : اتبعوا السحر على ملك سليمان .
١٦٥٠ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدّثّنى ابن إسحق قال:
عمدت الشياطين حين عرفت موتَ سليمان بن داود عليه السلام ، فكتبوا أصناف
السحر: ((مَنْ كان يحبّ أن يبلغ كذا وكذا فليفعل كذا وكذا)) . حتى إذا صنعوا
أصناف السحر، (٣) جعلوه فى كتاب ثم ختموا عليه بخاتم على نقش خاتم سليمان ،
وكتبوا فى عنوانه: ((هذا ما كتب آصف بن برخيا الصديق للملك سليمان بن داود
من ذخائر كنوز العلم)) ، ثم دفنوه تحت كرسيه . فاستخرجته بعد ذلك
بقايا بنى إسرائيل حين أحدثوا ما أحدثوا ، فلما عثروا عليه قالوا: ما كان سليمان
(١) فى تفسير ابن كثير: ((تحت كرسى مجلس سليمان)).
(٢) الأثر : ١٦٤٧ - فى تفسير ابن كثير ١ : ٢٤٩ - ٢٥٠.
(٢) فى تفسير ابن كثير: ((صنغوا أصناف السحر)). وهى أجود.
٤٠٨
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
ابن داود إلا بهذا ! فأفشوا السحر فى الناس وتعلموه وعلموه، فليس فى أحد أكثر
منه فى يهود . فلما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيما نزل عليه من الله،
سليمانَ بن داود وعدَّه فيمن عدَّه من المرسلين، قال من كان بالمدينة من يهود :
ألا تعجبون لمحمد!(١) يزعم أن سليمان بن داود كان نبيًّاً! والله ما كان إلا ساحراً!
فأنزل الله فى ذلك من قولهم على محمد صلى الله عليه وسلم: ((واتَّبعوا ما تتلوا الشياطين
عَلى مُلكُ سليمان وما كفر سليمانُ ولكن الشياطين كفروا.(٢)
قال: كان حينَ ذهب مُلكُسليمان، ارتدَ فِئامٌ من الجن والإنس واتبعوا
الشهوات، (٣) فلما رَجَع اللّهُ إلى سلمانَ ملكه، قام الناس على الدين كما كانوا .
وأن سلیمان ظهر علی کتبهم فدفها تحت کرسیه، وتوفى سلیمان حدثان ذلك، (٤)
فظهرت الجن والإنس على الكتب بعد وفاة سليمان ، وقالوا: هذا كتاب من اللّه
نزل على سلمان أخفاه منا! فأخذوا به فجعلوه به ديناً. فأنزل الله: ((ولما جاءَ هم
رَسولٌ من عند الله مصدق لما معهم تبذَ فريقٌ من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله
وَرَاء ◌ُظهورهم كأنهم لا يعلمون، واتبعوا ما تلوا الشياطين))، وهى المعازف
واللعب ، وكل شىء يصدّ عن ذكر الله
...
قال أبو جعفر: والصواب من القول فى تأويل قوله: ((واتبعوا ما تتلو الشياطين
على مُلك سلمان)»، أن ذلك توبيخ من اللّه لأحبار اليهود الذين أدركوا رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فجحدوا نبوته ، وهم يعلمون أنه لله رسولٌ مرسلَّ ؛ وتأنيب
منهُ لهم فى رفضهم تنزيله ، وهجرهم العملَ به ، وهو فى أيديهم يعلمونه ويعرفون
(١) فى المطبوعة: ((محمد صلى الله عليه وسلم))، والذى أثبته مقتضى سياق كلامهم.
(٢) إلى هنا انتهى ما نقله ابن كثير فى تفسيره عن أبى جعفر ١: ٢٥٠، أما سائر الخبر،
فإنه رواء فى ١: ٢٤٧، وصدره بقوله: ((وقال العوفى فى تفسيره عن ابن عباس فى قوله تعالى: ((واتبعوا
ما تتلو الشياطين)) الآية - وكان حين ذهب ملك سليمان ... ))، وساق الخير بنصه هذا. فلست أدرى
أفى نسخ الطبرى سقط، أم هذه جزء من رواية الطبرى عن ابن إسحق من حديث ابن عباس .
(٣) الفتام: الجماعة من الناس، لا واحد له من لفظه .
٢١) حثان الشىء (بكسر فسكون) : أوله وابتداؤه وقرب العهد به . وهو منصوب على الظرفية .
٤٠٩
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
أنه كتابُ الله، واتباعيهم واتباع أوائلهم وأسلافهم ما تلته الشياطين فى عهد سليمان.
وقد بينا وجْه جَوَاز إضافة أفعال أسلافهم إليهم فيما مضى ، فأغنى ذلك عن
إعادته فى هذا الموضع .(١)
٠
وإنما اخترنا هذا التأويل ، لأن المتَّبعةَ ما تَلته الشياطين ، فى عهد سليمان
وبَعده إلى أن بعث الله نبيه بالحق، وأمْر السحر لم يزل فى اليهود. ولا دلالة فى
الآية أنّ اللّه تعالى أراد بقوله: ((واتبعوا)) بعضاً منهم دون بعض. إذْ كان جائزاً ٣٥٥/١
فصيحاً فى كلام العرب إضافة ما وصفنا - من اتباع أسلافٍ المخبر عنهم بقوله :
(( واتبعوا ما تتلوا الشياطين )) - إلى أخلافهم بعدهم ، ولم یکن بخصوص ذلك عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم أثرٌ منقول، ولا حجة تدلُّ عليه. فكان الواجب
من القول فى ذلك أن يقال : كل متبع ما تَلتْه الشياطين على عهد سليمان من اليهود ،
داخلٌ فى معنى الآية، على النحو الذى قلنا .
القول فى تأويل قوله تعالى ذكره ﴿مَا تَتْلُواْ الشَّيَّطِينُ﴾
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: (( ما تتلو الشياطين))، الذى تتلو .
فتأويل الكلام إذاً : اتبعوا الذى تتلو الشياطين .
...
واختُلف فى تأويل قوله: ((تتلو)). فقال بعضهم: يعنى بقوله: ((تتلو))، تُحدّث
وتروى، وتتكلم به وتخبر. نحو ((تلاوة)) الرجل للقرآن، وهی قراءته. ووجه قائلو
هذا القول تأويلهم ذلك ، إلى أن الشياطين هى التى علَّمت الناس السحر وروته
لهم . ذكر من قال ذلك :
١٦٥١ -حدثی المثی بن إبراهيم قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا
شبل ، عن عمرو، عن مجاهد فى قول الله: (( واتبعوا ما تتلو الشياطين على مُلك
سليمان))، قال: كانت الشياطين تسمعَ الوحى، فما تسمعوا من كلمة زادوا فيها
(١) انظر ما سلف فى هذا الجزء ٢: ٣٨ - ٣٩
٤١٠
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
مئتين مثلها . فأرسل سليمانُ إلى ما كتبوا من ذلك فجمعه . فلما تُوفّی سليمان
وجدته الشياطين ، فعلّمته الناس ، وهو السحر.(١)
١٦٥٢ - حدثنا بشربن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة قوله: ((واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان)) من الكهانة والسحر.
وُذكر لنا، والله أعلم، أن الشياطين ابتدعت كتاباً فيه سخْر وأمرٌ عظيم، ثم أفشوه
فى الناس وعلّموهم إيّاه .
١٦٥٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج، عن ابن
جريج قال، قال عطاء: قوله: ((واتبعوا ما تتلو الشياطين))، قال: نراه: ما تُحدِّث.
١٦٥٤ - حدثنى سَلْ بنُ جُنادة السُّوائى قال : حدثنا أبو معاوية ، عن
الأعمش ، عن المنهال ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : انطلقت
الشياطين فى الأيام التى ابتُلى فيها سليمان ، فكتبت فيها كتباً فيها سحرٌ وكفر ، ثم
دفنوها تحت كرسىّ سليمان، ثم أخرجوها فقرأوها على الناس. (٢)
...
وقال آخرون : معنى قوله: ((ما تتلو))، ما تتبعه وترويه وتعمل به . ذكر
من قال ذلك :
١٦٥٥ - حدثنا الحسن بن عمرو العنقزىّ، قال، حدثنى أبى ، عن أسباط ،
عن السدى، عن أبى مالك، عن ابن عباس: ((تتلو))، قال: تتبع. (٣)
١٦٥٦ - حدثنى نصر بن عبد الرحمن الأزدى قال ، حدثنا يحيى بن إبراهيم ،
عن سفيان الثورى ، عن منصور ، عن أبى رزين ، مثله . (٤)
٠ ٠
(١) الأثر : ١٦٥١ - فى تفسير ابن كثير ١ : ٢٥٠.
(٢) الأثر: ١٦٥٤ - كان فى المطبوعة: ((سالم بن جنادة))، وهو خطأ، وانظر التعليق
على الأثر رقم: ٤٨ فى الجزء الأول. وهو جزء من خبر سيأتى برقم : ١٦٦٠
(٣) الأثر: ١٦٥٥ - فى المطبوعة ((العبقرى))، وهو خطأ، وانظر التعليق على الأثر رقم:
١٦٢٥ ٠
(٤) الأثر: ١٦٥٦ - فى المطبوعة ((نصر بن عبد الرحمن الأودى)»، وهو خطأ وانظر التعليق
على الأثر : ٤٢٣ فى الجزء الأول .
٤١١
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك أن يقال : إن الله عز وجل أخبر
عن الذين أخبر عنهم أنهم اتَّبعوا ما تتلو الشياطين على عهد سليمان ، باتباعهم
ما تلّته الشياطين .
ولقول القائل: ((هو يتلو كذا)) فى كلام العرب معنيان. أحدهما: الاتباع،
كما يقال: ((تلوتُ فلاناً)) إذا مشيتَ خلفه وتبعتَ أثره، كما قال جل ثناؤه:
﴿هُنَلِكَ تَتْلُوكُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ ) [سورة يونس: ٣٠]، (١) يعنى بذلك تتَّبع.
والآخر: القراءةُ والدراسة، كما تقول: ((فلان يتلو القرآن))، بمعنى: أنه يقرؤه
ويدرسه ، كما قال حسان بن ثابت :
نَِّ يَرَى مَالاَ يَرَى النَّاسُ حَوْلَهُ وَيَتْلُوِكِتَبَ الله ◌ِفِى كُلِّ مَشْهَدٍ(٣)
ولم يخبرنا الله جل ثناؤه - بأىّ معنى ((التلاوة)) كانت تلاوة الشياطين الذين
تَلوْا ما تَلوه من السحر على عهد سليمان - بخبرٍ يقطعُ العذر . وقد يجوز أن تكون
الشياطين تلت ذلك دراسة وروايةً وعملاً، فتكون كانت متَّبعته بالعمل، ودارِسته ٣٥٦/١
بالرواية . فاتبعت اليهود منهاجها فى ذلك، وعملت به ، ورو ته .(٣)
٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿عَلَى مُلكٍ سُلَيْمَنَ﴾
قال أبو جعفر : يعنى بقوله جل ثناؤه: ((على ملك سلمان))، فى ملك سليمان.
وذلك أن العرب تضع ((فى)) موضع ((على))، و((على)) فى موضع ((فى)). (٤) من ذلك
(١) ((هنالك تتلو)) إحدى القراءتين، والأخرى ((هنالك تبلو))، وهى التى فى مصاحفنا اليوم.
وقال أبو جعفر فى تفسيره ١١: ٧٩ ((إنهما قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكل منهما أميمة من القراء)».
(٢) ديوانه: ٨٨، من أبيات قالها حسان فى خبر أم معبد، حين خرج رسول الله مهاجراً
إلى المدينة، ورواية الديوان: ((فى كل مسجد)»، ورواية الطبرى أمثل.
(٣) كان ينبغى أن يكون فى هذا المكان تفسير قوله ((ما تتلو)» الذى سيأتى فى: ٤١٨
(٤) انظر ما سلف ١ : ٢٩٩.
٤١٢
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
قول الله جل ثناؤه: ﴿وَلَأَصَلَِّنَّكُمْ فِى جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [سورة طه: ٧١]
يعنى به: على جذوع النخل، وكما قالوا: ((فعلت كذا فى عهد كذا ، وعلى
عهد كذا))، بمعنى واحد. (١) وبما قلنا من ذلك كان ابن جريج وابن إسحق، يقولان
فى تأويله :
١٦٥٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج قال ،
قال ابن جريج: ((على مُلك سليمان))، يقول: فى ملك سليمان.
١٦٥٨ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال ، قال ابن إسحق فى قوله :
((على مُلكُ سُليمان))، أى: فى ملك سليمان.
٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ ولَكِنَّ
الشَّيْطِنَ كَفَرُوا يُقَلِّمُونَ النَّاسَ السَّحْرَ﴾
قال أبو جعفر: إِنْ قال لنا قائل: وما هذا الكلام، من قوله: ((واتبعوا
ما تتلو الشياطينُ عَلى مُلكُ سُليمان))، (٢) ولا خبرَ مَعنا قَبلُ عن أحد أنه أضافَ
الكفر إلى سليمان ، بل إنما ذكر اتباع من اتبع من اليهود ما تلته الشياطين ؟ فما
وجه نفى الكفر عن سليمان ، بعقِب الخبر عن اتباع من اتبعت الشياطين فى العمل
بالسحر وروايته من اليهود ؟
قيل : وجنْهُ ذلك ، أن الذين أضاف الله جل ثناؤه إليهم اتباعَ ما تلته الشياطين
على عهد سليمان من السحر والكفر من اليهود، نسبوا ما أضافه الله تعالى ذكره إلى
(١) فى المطبوعة: ((وكما قال: فعلت كذا ... ))، ولا يستقيم إلا على تمريض.
(٢) قوله: ((وما هذا الكلام)) الإشارة فيه إلى الآية التى يؤولها: ((وما كفر سليمان)) يقولون:
ما مكان هذا الكلام - من هذا الكلام وهو قوله: ((واتبعوا ما تتلو الشياطين)).
٤١٣
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
الشياطين من ذلك ، إلى سليمان بن داود . وزعموا أن ذلك كان من علمه وروايته ،
وأنه إنما كان يستعبد من يستعبد من الإنس والجن والشياطين وسائر خلق اللّه بالسحر.
فيحسّنوا بذلك - من ركوبهم ما حرَّم الله عليهم من السحر -- أنفسهم، (١) عند
من كان جاهلاً بأمر الله ونهيه ، وعند من كان لا علم له بما أنزل الله فى ذلك من
التوراة. وَتَبرَّأ بإضافة ذلك إلى سليمان - من سليمان، وهو نبى الله صلى الله
عليه وسلم - منهم بشرٌ، (٢) وأنكرُوا أن يكون كان لله رسولاً، وقالوا : بل كان
ساحراً! فبرَّأ الله سليمان بن داود من السحر والكفر عند من كان منهم ينسُبُه إلى
السحر والکفر = لأسباب ادعوها علیه قد ذ کرنا بعضها ، وسنذ کر باقیما حضرنا
ذكرُه منها-، وأكذبَ الآخرين الذين كانوا يعملون بالسحر متزيّنين عند أهل الجهل
فى عملهم ذلك ، بأن سلمان كان يعمله . فنفى الله عن سليمان عليه السلام أن يكون
كانَ ساحراً أو كافراً، وأعلمهم أنهم إنما اتبعوا - فى عملهم بالسحر - ما تلته
الشياطين فى عهد سليمان ، دون ما كان سليمان يأمرُهم من طاعة الله، واتباع ما
أمرهم به فی کتابه الذى أنزله على موسى صلوات الله عليه.
« ذكر الدلائل على صحة ما قلناه من الأخبار والآثار:
١٦٥٩ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يعقوب القمی، عن جعفر بن أبى
المغيرة ، عن سعيد بن جبير قال : كان سليمان يتتبع ما فى أيدى الشياطين من
السحر ، فيأخذه فيدفنه تحت كرسيه فى بيت خزانته . فلم تقدر الشياطين أن
يصلوا إليه، فدنت إلى الإنس فقالوا لهم: أتريدون العلم الذى كان سليمان يسخّر
به الشياطين والرياح وغير ذلك ؟ قالوا : نعم . قالوا : فإنه فى بيت خزانته وتحت
کرسیه . فاستثارته الإنس فاستخرجوه فعملوا به . فقال أهل الحجاز : كان سليمان
(١) فى المطبوعة ((لأنفسهم))، والصواب إسقاط هذه اللام، كما يدل عليه السياق.
(٢) سياق العبارة: ((وتبرأ ... من سليمان ... منهم بشر)). ولعل ((بشر)) هذه ((نفر))،
أى جماعة . يقول: تبرأت جماعة أخرى من سليمان، إذ نسب إلى السحر ، وكفروه.
٤١٤
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
يعمل بهذا ، وهذا سحر ! فأنزل الله جل ثناؤه على لسان نبيه محمد صلى الله عليه
٣٥٧/١ وسلم براءةَ سليمان. فقال: ((واتَّبعوا مَا تَتلو الشياطين على ملك سليمانَ)) الآية،
فأنزل الله براءة سليمان على لسان نبيه عليهما السلام.(١)
١٩٦٠ - حدثنى أبو السائب السوائى قال، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش،
عن المنهال ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : كان الذى أصاب سليمان
ابن داود ، فى ◌َسبَّب أناس من أهل امرأة يقال لها جَرَادة ، وكانت من أكرم
نسائه عليه . قال : فكان هوى سلمان أن يكون الحق لأهل الجرادة فيقضى لهم ،
فعُوقب حين لم يكن هواهُ فيهم واحداً . قال : وكان سليمان بن داود إذا أراد أن
يدخل الخلاء ، أو يأتى شيئاً من نسائه ، أعطى الجرادة خاتمه . فلما أراد الله أن
يبتلى سليمان بالذى ابتلاه به ، أعطى الجرادةَ ذات يوم خاتمه ، فجاء الشيطان فى
صورة سليمان فقال لها: هاتى خاتمى ! فأخذه فليسه . فلما لبسه دانت له الشياطين
والجن والإنس . قال : فجاءها سليمان فقال : هاتى خاتمى! فقالت : كذبتَ ،
لست بسليمان ! قال : فعرف سليمان أنه بلاء ابتلى به . قال:" فانطلقت الشياطين
فكتبت فى تلك الأيام كتباً فيها سحر وكفر ، ثم دفنوها تحت كرسىّ سليمان ، ثم
أخرجوها فقرأوها على الناس وقالوا : إنما كان سليمان يغلب الناس بهذه الكتب !
قال : فبرئ الناس من سليمان وأكفروه ، حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم،
فأنزل جل ثناؤه: ((واتبعوا ما تَتلو الشياطينُ على ملك سليمان)) - يعنى الذى كتب
الشياطين من السحر والكفر - ((وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا))، فأنزل
الله جل وعز ◌ُذْرَه . (٢)
١٦٦١ - حدثنى محمد بن عبد الأعلى الصنعانى قال، حدثنا المعتمر بن
سليمان قال ، سمعت عمران بن ◌ُحدَير ، عن أبى مجلز قال: أخذ سليمان من كل
(١) الأثر: ١٦٥٩ - فى تفسير ابن كثير ١ : ٢٥٠.
(٢) الأثر: ١٦٦٠ - انظر الأثر السالف: ١٦٥٤ والتعليق عليه.
٤١٥
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
دَابة عهداً، فإذا أصيبَ رجلٌ فسأل بذلك العهد، ◌ُخلّى عنه. فرأى الناس السَّجع
والسحر، وقالوا : هذا كان يعمل به سليمان! فقال الله جل ثناؤه: ((وما كفرَ
"سليمان ولكنّ الشياطين كفروا يعلِّمون الناس السحر)). (١)
١٦٦٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن حصين بن عبد الرحمن،
عن عمران بن الحارث قال: بينا نحن عند ابن عباس، إذ جاءه رجل فقال له ابن
عباس : مِنْ أين جئت؟ قال: من العراق . قال : من أيِّه؟ قال: من الكوفة .
قال : فما الخبر ؟ قال : تركتهم يتحدثون أنّ عليًّا خارجٌ إليهم ! ففزع فقال:
ما تقول؟ لا أبالك! لو شعرنا ما نكحنا نساءه، ولا قسمنا ميراثه! أما إنى أحد تكم؛
من ذلك: إنه كانت الشياطين يسترقون السمعَ من السماء، فيأتى أحدهم بكلمة حق
قد سمعها ، فإذا حَدَثٌ منه صَدَق، (٢) كذب معها سبعين كذبة. قال: فتُشربها
قلوبُ الناس . فأطلع الله عليها سليمان ، فدفنها تحت كرسيه ، فلما توفى سليمان
ابن داود قام شيطانٌ بالطريق فقال: ألا أدلكم على كنزه الممنَّع الذى لا كنز مثله؟
تحت الكرسى ! فأخرجوه ، فقالوا : هذا سحر! فتناسمها الأمم - حتى بقاياهم
مَا يتحدث به أهلُ العراق -. (٣) فأنزل الله عذر سليمان: ((واتبعوا ما تتلو الشياطين
على مُلك سليمان وما كفر سليمان ولكنّ الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر)). (٤)
١٦٦٣ - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن
قتادة قال: ذكر لنا، والله أعلم، أن الشياطين ابتدعت كتاباً فيه سحرٌ وأمر
عظيم، ثم أفشوه فى الناس وَعَلَّمُوهم إياه . (٥) فلما سمع بذلك سليمان نبي الله صلى
(١) الأثر: ١٦٦١ - فى تفسير ابن كثير ١: ٢٥١، وفيه ((فزاد الناس)) ... مكان
((فرأى)) والصواب ما فى الطبرى.
(٢) فى تفسير ابن كثير: ((فإذا جرت منه وصدق))، ولعلها تصحيف.
(٣) فى تفسير ابن كثير: ((حتى بقاياها)).
(٤) الأثر : ١٦٦٢ - فى تفسير ابن كثير ١: ٢٤٨ - ٢٤٩، مع اختلاف فى بعض
اللفظ غير الذى أثبته .
(٥) فى المطبوعة: ((وأعلمهم إياه))، وقد مضى فى رقم: ١٦٥٢، ((وعلموهم))، وكذلك
أثبتها هنا .
٤١٦
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
اللّه عليه وسلم، تتبع تلك الكتب فأتى بها فدفنها تحت كرسيه، (١) كراهية أن.
يتعلمها الناس . فلما قبض اللّه نبيّه سليمان ، عمدت الشياطين فاستخرجوها من
مكانها الذى كانت فيه ، فعلّموها الناس ، فأخبروهم أنّ هذا علم كان يكتمه
٣٥٨/١ سليمان ويستأثر به. فعذر الله نبيه سليمان وبرّأه من ذلك، فقال جل ثناؤه: ((وما
كفَرَ سُليمان ولكن الشياطين كفروا)) .
١٦٦٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن قتادة قال: كتبت الشياطين كتباً فيها سحر وشرك، ثم دفنت تلك الكتب
تحت كرسىّ سليمان . فلما مات سليمان استخرجَ الناس تلك الكتب ، فقالوا :
هذا علم كتمناهُ سليمان! فقال الله جل وعز: (( واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك
سليمان وما كفرَ سليمان ولكنّ الشياطين كفروا يُعلّمون الناسَ السِّحر)».
١٦٦٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج ، عن
ابن جريج، عن مجاهد قوله: ((واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان))،
قال : كانت الشياطين تستمع الوحىّ من السماء ، فما سمعوا من كلمة زادوا فيها
مثلها ، وإن ◌ُسليمان أخذ ما كتبوا من ذلك فدفنه تحت كرسيه ، فلما توفى وجدته
الشياطين فعلَّمته الناسَ . (٢)
١٦٦٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
أبى بكر ، عن شهر بن حَوْشب قال: لما سليب سليمان مُلكه، كانت الشياطين
تگتُبالسحر فى غيبة سلمان. فكتبت : (( من أراد أن یأتی كذا وكذا ، فليستقبل
الشمس وليقل كذا وكذا ، ومن أراد أن يفعل كذا وكذا ، فليستدبر الشمس وليقل
كذا وكذا)». فكتبتْه وجعلت عنوانه: ((هذا ما كتب آصف بن برخيا للملك سليمان
(١) فى المطبوعة: ((فتتبع تلك الكتب)) بزيادة الفاء، ولا موضع لها.
(٢) الأثر: ١٦٦٥ - كان فى المطبوعة: ((حدثنا القاسم قال حدثنا حجاج)» أسقط منه
((قال حدثنا الحسين))، وهو إسناد دائر فى الطبرى، أقربه إلينا رقم: ١٦٥٧، وسيأتى فى الذى يل.
٤١٧
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
ابن داود من ذخائر كنوز العلم » ، ثم دفنته تحت كرسيه . فلما مات سليمان ،
قام إبليس خطيباً فقال: يا أيها الناس، إنّ سليمان لم يكن نبيًّا، وإنما كان ساحراً،
فالتمسوا سحره فى متاعه وُبيوته. ثم دلَّهم على المكان الذى دُفن فيه. فقالوا: والله لقد
كان سليمان ساحراً ! هذا سحره ! بهذا تعبَّدنا، وبهذا قهرنا ! فقال المؤمنون : بل
كان نبياً مؤمناً! فلما بعث الله التبى محمداً صلى الله عليه وسلم، جعل يذكر الأنبياء،
حتى ذكر داود وسليمان ، فقالت اليهود: انظروا إلى محمد ! يخلط الحق بالباطل !
يَذكرُ سليمان مع الأنبياء، وإنما كان ساحراً يركب الريح! فأنزل اللّه ◌ُعُذر
سليمان: ((واتَّبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان)) الآية.(١)
١٦٦٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال ، حدثنى ابن إسحق :
((وما كفرَ سُليمان ولكنّ" الشياطينَ كفروا يعلِّمون الناس" السحر)). وذلك أن رسول
اللّه عليه وسلم - فيما بلغنى - لما ذكر ◌ُسليمانَ بن داود فى المرسلين، قال بعض
أحبار اليهود: ألا تعجبون من محمد ! يزعم أن ابن داودَ كان نبيًا! والله ما كان
إلا ساحراً! فأنزل الله فى ذلك من قولهم: ((وما کفر 'سليمان ولکن الشیاطین کفروا)»،
- أى: باتباعهم السحر وعملهم به - ((وما أنزل على الملكّين ببابل هاروت
وماروت )) .(٢)
قال أبو جعفر: فإذْ كان الأمر فى ذلك على وصفنا = وتأويلُ قوله: (( واتبعوا
ما تَتلو الشياطين على مُلك سليمان وما كفر سليمانُ ولكن الشياطينَ كفرُوا))
ما ذكرنا = فَبِيِّنٌ أن فى الكلام متروكاً، (٣) ترك ذكره اكتفاءً بما ذكر منه، وأن
معنى الكلام : واتبعوا ما تتلو الشياطين من السحر على ملك سليمان ، فتُضيفه إلى
سليمان ، وما كفر سليمان ، فيعمل بالسحر ، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس
(١) الأثر: ١٦٦٦ - فى تفسير ابن كثير ١: ٢٥١.
(٢) الأثر: ١٦٦٧ - سيرة ابن هشام ٢ : ١٩٢ - ١٩٣
(٣) فى المطبوعة: ((فتبين)) وما أثبت أشبه بعبارة الطبرى.
ج)) (٢٧)
٤١٨
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
السحر. وقد كان قتادة يتأول قوله: ((وما كفر سليمان ولكن الشياطين- كفروا))
على ما قلنا .
١٦٦٨ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة قوله: (( وما كفر 'سليمان ولكن الشياطينَ كفروا))، يقول: ما كان عن مشورته
ولا عن رضا منه ، ولكنه شىء افتعلته الشياطين دونه .
...
. وقد دللنا فيما مضى على اختلاف المختلفين فى معنى (( تتلو )» ، ١١) وتوجيه من
٣٥٩/١ وجّه ذلك إلى أن ((تتلو)) بمعنى ((تلّت))، إذ كان الذى قبله خبراً ماضياً، وهو
قوله: ((واتبعوا))، وتوجيه الذين وجهوا ذلك إلى خلاف ذلك. وبيَّنًا فيه وفى
نظيره الصوابَ من القول، (٢) فأغنى ذلك عن إعادته فى هذا الموضع .
٠٫٠.٥
وأما معنى قوله: (("ما تتلو))، فإنه بمعنى: الذى تتلو، وهو السحر. (٣)
١٦٦٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: و((اتَّبعوا
ما تتلو الشياطين على ملك سليمان))، أى السحر. (٤)
...
قال أبو جعفر: ولعلّ قائلاً أن يقول: أوَما كان السحر إلاّ أيام
سليمان ؟
قيل له : بلى ، قد كان ذلك قبل ذلك ، وقد أخبر الله عن سحرة فرعون ما
أخبر عنهم ، وقد كانوا قبل سليمان ، وأخبر عن قوم نوح أنهم قالوا لنوح إنه
ساخر .
[فإن]قال: فكيف أخبر عن اليهود أنّهم اتبعوا ما تَلَتْه الشياطين على عهد سليمان؟
(١) انظر ما سلف قريباً : ٤١١
(٢) قوله: ((وتوجيه من وجه ذلك أن: تتلو - بمعنى: قلت)) لم يأت هنا فى تفسير الآية،
بل جاء فى تفسير آية مضت من سورة البقرة: ٩١، ص ٣٥٠ - ٣٥٢
(٣) هذه الفقرة، والأخرى التى قبلها، والأثر الآتى رقم : ١٦٦٩، كان أولى أن تكون فى
آخر تفسير قوله: ((ما تتلو الشياطين)» فيما مضى : ٤١١
(٤) الأثر : ١٦٦٩ - سيرة ابن هشام ٢: ١٩٢.
٤١٩
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
قيل : لأنهم أضافوا ذلك إلى سلمان، على ما قد قدمنا البيان عنه . فأراد اللّه
تعالى ذكره تبرئه 'سلمان مما تَحلوه وأضافرا إليه، مما كانوا وجدُه، إمّا فى
خزائنه ، وإما تحت كرسيه ، على ما جاءت به الآثار التى قد ذكرناها من ذلك .
فحصرّ الخبر عما كانت اليهود اتبعته ، فيما تلته الشياطين أيام سليمان دون غيره
لذلك السبب، وإن كانت الشياطين قد كانت تالية للسحر والكُفْر قبل ذلك .
٠٠٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى التَلَكَّيْفِ بِبَابِلَ
ظَرُوتَ وَمَرُوتَ)
قال أبو جعفر: اختلف أهل العلم فى تأويل ((ما)) التى فى قوله: (( وما أنزل على
الملكين)). فقال بعضهم: معناه الجحد، وهى بمعنى ((لم)) . ذكرُ من قال ذلك:
١٦٧٠ -حدثنى محمد بنسعد قال، حدثی ابی قال ، حدثی عمی قال ،
حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: (( وما أنزل على الملكين ببابل
"هَارُوْت وَمَارُوت))، فإنه يقول: لم ينزل الله السحر .
١٦٧١ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنى حكّام ، عن أبى جعفر، عن الربيع
ابن أنس: (( وما أنزل على الملكين))، قال: ما أنزل اللّه عليهما السحر.
٠٠٠
فتأويل الآية - على هذا المعنى الذى ذكرناه عن ابن عباس والربيع ، من
توجيههما معنى قوله: (( وما أنْزِل على الملكين)) إلى: ولم ينزل على الملكين -: واتَّبعوا
الذى تتلو الشياطين على ملك ◌ُسليمان من السحر، وما كفر سليمان، ولا أنزل الله
السحر على الملكين = ولكنّ الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر = ((ببابل،
"هَارُوت ومارُوت)). فيكون حينئذ قوله: ((ببابلَ هَارُوت ومارُوتَ))، من المؤخَّر
الذى معناه التقديم .
٠٠ ٠
٤٢٠
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
فإن قال قائل : وكيف - وجْه تقديم ذلك ؟
قيل : وجه تقديمه أن يقال: واتَّبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سُليمان [من
السحر]، وَمَا أنزل [ اللّه السحر] على الملكين، ولكنّ الشياطين كفروا يعلمون
الناس السحر ببابل، هاروت ومارُوتَ - فيكون معنيًا: ((الملكين)): جبريل
وميكائيل ، لأن سحرة اليهود ، فيما ذُكر ، كانت تزعم أن الله أنزل السحر على
لسان جبريل وميكائيل إلى سليمان بن داود ، فأكذبها الله بذلك، وأخبر نبيه محمداً
صلى الله عليه وسلم أن جبريل وميكائيل لم ينزلا بسحر قط ، وبرا سلمان مما نحلوه
من السحر، وأخبرهم أن السحر من عَمَل الشياطين، وأنها تُعلُّم الناس [ذلك] ببابل،
وأن اللذين يعلّمانهم ذلك رجلان: (١) اسم أحدهما هاروت، واسم الآخر مارُوت.
فيكون ((هاروت وماروت))، على هذا التأويل، ترجمةً على ((الناس)) وردًا عليهم. (٢)
...
وقال آخرون: بل تأويل ((ما)) التى فى قوله: ((وما أنزل على الملكين)) -
((الذى)) . ذكر من قال ذلك :
١٦٧٢ - حدثنا الحسن بن یحیی قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، قال معمر،
قال قتادة والزهرى، عن عبدالله: ((وما أنزل على الملكين ببابلَ هارُوت ومارُوتَ))،
كانا مَلكين من الملائكة، فأهبطا ليحكما بين الناس. وذلك أن الملائكة سَخِروا
٣٦٠/١ من أحكام بنى آدم. قال: فحاكمت إليهما امرأةٌ، فحافا لها، (٣) ثم ذهبا
يصعدان، فحيل بينهما وبين ذلك، وخُيِّرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ،
فاختارا عذابَ الدنيا . قال معمر ، قال قتادة : فكانا يعلِّمان الناس السحر ،
فأخذ عليهما أن لا يعدّما أحداً حتى يقول: ((إنما نحن فتنة فلا تكفُر)) ..
(١) فى المطبوعة وابن كثير: ((وأن الذين يعلمونهم))، وما أثبت هو الصواب.
(٢) (الترجمة)) عند الكوفيين هى ((البدل))، وانظرما سلف ٢: ٣٤٠ وانظرما سيأتى: ٤٢٣.
والزيادات التى بين الأقواس فى هذه الفقرة، من تفسير ابن كثير ١ : ٢٥٢، وقد نقل كلام الطبرى
بنصه .
(٣) حاف له يحيف حيفاً: مال معه فيجار وظلم غيره. وحاف عليه. ظلمه وجار عليه.