Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
تفسير سورة البقرة : ٩٧
◌ُمر بن الخطاب رضى الله عنه وبينهم ، فى أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم . ذكر
من قال ذلك :
١٦٠٨ - حدثنى محمد بن المثنى قال، حدثنا رِبْعى بن عُلَية، عن داود
ابن أبى هند، عن الشعبى، قال: نزل مُمر الرَّوْحاء ، فرأى رجالا يبتدرونَ أحجاراً
يصلُّون إليها، فقال: ما هؤلاء؟ قالوا: يزعمون أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم
صَلَى ههنا. فكره ذلك وقال: أيْما؟ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أدْرَ كته الصلاةُ
بوادٍ ، فصلى ، ثم ارتحل فتركه!(١) ثم أنشأ يحدثهم فقال : كنت أشهدُ اليهود
يوم مِدْرَاسهم فأعجبُ من التوراة كيف تصدّق الفرقان ، ومن الفرقان كيف
يصدّق التوراة ! فبينما أنا عندهم ذات يوم قالوا: يا ابنَ الخطاب، ما من أصحابك
أحدٌ أحبّ إلينا منك. قلت : ولم ذلك ؟ قالوا : إنك تغشانا وتأتينا . قال قلت :
إنى آتيكم فأعجبُ من الفرقان كيف يصدّق التوراة، ومن التوراة كيف تصدّق
الفرقان ! قال: ومرّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالوا: يا ابن الخطاب، ذاك
صاحبكم فالحق به . قال: فقلت لهم عند ذلك: أنشدكم باللّه الذى لا إله إلا
هو، وما استرعاكم من حَقّه واستود عتكم من كتابه ، أتعلمون أنه رسول اللّه ؟
قال : فسكتوا ، قال: فقال عالمهُم وكبيرُهم: إنّه قد عظّم عليكم فأجيبوه.(٢)
قالوا : أنت عالمنا وسيدنا، فأجبه أنت. قال: أمَّا إذ نشدتنا به ، فإنا نعلم أنه رسول
الله. قال: قلت ويحكم! إذاً هلكم! (٣) قالوا: إنا لم نهلك. قال: قلت: كيف
ذاك، وأنتم تعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم لا تتبعونه ولا تصدقونه ؟
(١) فى المطبوعة: ((وقال: إنما رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركته الصلاة))، وهى عبارة
ركيكة. وأثبت ما جاء فى تفسير ابن كثير عن الطبرى ١: ٢٤٠. وقوله ((أيما)) استفهام وتعجب ،
وأكثر ما تكتب: ((أيم)) (بفتح فسكون ففتح)، وبحذف الألف . تقول : أيم تقول ؟ أى:
أى شىء تقول ؟ وانظر اللسان ( أيم ) . يتعجب عمر من فعلهم .
(٢) فى تفسير ابن كثير ١: ٢٤٢: ((قد غلظ عليكم)).
(٣) فى المطبوعة: ((أى هلكتم))، والصواب فى تفسير ابن كثير.
٣٠٪

٣٨٢
تفسير سورة البقرة : ٩٧
قالوا: إن لنا عدوًّا من الملائكة وسِلْماً من الملائكة، وإنّه ◌ُقُرِن به عدوّنا من
الملائكة.(١) قال: قلت: ومن عدوّكم؟ ومن سِلْمكم ؟ قالوا : عدوّنا جبريل،
وسِلْمنا ميكائيل . قال: قلت: وفيم عاديتم جبريل ؟ وفيم سالمتم ميكائيل ؟ قالوا :
إن جبريل ملك الفظاظة والغلظة والإعسار والتشديد والعذاب ونحو هذا ، وإنّ
ميكائيل ملك الرأفة والرحمة والتخفيف ونحو هذا . قال : قلت : وما منزلهما من
ربهما ؟ قالوا: أحدهما عن يمينه، والآخر عن يساره. قال: قلت: فوالله الذى
٣٤٤/١ لا إله إلا هو، إنهما والذى بينهما لعدوٌّ لمن عاداهما، وسلّمْ لمن سالمهما، ما ينبغى
لجبريل أن يُسالم عدوًّ ميكائيل ، ولا لميكائيل أن يسالم عدوّ جبريل ! قال : ثم
قمتُ فاتبعت النبى صلى الله عليه وسلم، فلحقته وهو خارج من مخرْفَة لبنى فلان، (٢).
فقال لى: يا ابن الخطاب، ألا أقرئك آيات نَزَلن؟ فقرأ على: ((قُلْ مَن كان
عدوًّا لجبريلَ فإنه نَزَّلَه على قلبك بإذن الله مصدّقاً لما بين يديه)) حتى قرأ
الآيات. قال: قلت: بأبى وأمى أنت يا رسول الله، (٣) والذي بعثك بالحق لقد جئتُ
وأنا أُريد أن أخبرك الخبر، فأسمع اللطيف الخبير قد سبقنى إليك بالخبر! (٤)
(١) السلم: المسالم. تقول: أنا سلم لمن سالمنى. رجل سلم، وقوم سلم، وامرأة سلم.
(٢) فى المطبوعة: ((خرفة))، وفى تفسير ابن كثير ((خوخة)) والصواب ((محرفة)) كما أثبتها.
والمخرفة : البستان ، أو سكة بين صفين من نخل. خرف النخل والثمر: اجتناه، واجتناء الثمر هو
((الخرفة)) ( بضم فسكون) .
(٣) فى المطبوعة: ((بأبى وأمى يا رسول الله)) بإسقاط ((أنت))، وأثبت ما فى تفسير ابن كثير.
(٤) الحديث: ١٦٠٨ - وهذا مرسل أيضاً. ذكره ابن كثير ١: ٢٤١ - ٢٤٣، عن هذا
الموضع ، ثم عن تفسير ابن أبى حاتم ، من رواية مجالد عن عامر - وهو الشعبى - وسيأتى نحوها أيضاً
من رواية مجالد رقم: ١٦١٤. ثم قال ابن كثير: ((وهذان الإسنادان يدلان على أن الشعبى حدث به
عن عمر. ولكن فيه انقطاع بينه وبين عمر، فإنه لم يدرك زمانه)). وقال السيوطى فى الدر المنثور ١ : ٩٠
«صحيح الإسناد ولكن الشعبى لم يدرك عمر )»
ربعى ، بكسر الراء والعين المهملة، بينهما باء موحدة ساكنة، وآخره ياء تحتية مشددة : هو
((ربعى بن إبرهيم بن مقسم الأسدى)) عرف ((بابن علية))، كأخيه ((إسماعيل بن علية)). وربعى :
ثقة مأمون، من شيوخ أحمد وأبى خيشة وغيرهما. وقال عبد الرحمن بن مهدى: ((كنا نعد ربعى بن علية
من بقايا شيوخنا)). وفى المسند: ٧٤٤٤ أن أحمد بن حنبل قال: ((كان يفضل على أخيه)). وهو

٣٨٣
تفسير سورة البقرة : ٩٧
١٦٠٩ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا ابن علية ، عن داود ،
عن الشعبى قال ، قال عمر : كنت رجلا أغْشى اليهود فى يوم مِدْراسهم ، ثم
ذکر نحو حدیث ربعی .(١)
١٦١٠ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد،
عن قتادة قال : ذكر لنا أن عمر بن الخطاب انطلقَ ذاتَ يوم إلى اليهود ، فلما
أبصرُوه رحبوا به . فقال لهم عمر: أما والله ما جئتُ الحبِّكم ولا للرغبة فيكم ، ولكن
جئت لأسمع منكم . فسألهم وسألوه ، فقالوا : من صاحِبُ صاحبكم ؟ فقال لهم :
جبريلُ. فقالوا : ذاك عدونا من أهل السماء، يُطلع محمدًاً على سرّنًا، وإذا جاء جاء
بالحرب والسَّنَةِ(٢)، ولكن صاحبُ صاحبنا ميكائيل، وكان إذا جاء جاء بالخِصْب
وبالسَّم . فقال لهم عمر: أفتعرفون جبريل وتنكرون محمداً ؟ ففارقهم عمر عند
ذلك ، وتوجه نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم لیحد ◌ّته حدیهم ، فوجده قد أنزل
عليه هذه الآية: ((ُقُلْ من كان عدوًّا لجبريل فإنه نَزَّله على قلبك بإذن الله)).
١٦١١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن قتادة
قال : بلغنا أن عمر بن الخطاب أقبل على اليهود يوماً ، فذكر نحوه .
١٦١٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: ((مَن كان عدوًّا لجبريل))، قال: قالت اليهود :
مترجم فى التهذيب، والكبير ٢٩٩/١/٢، وابن أبى حاتم ٥٠٩/٢/١ - ٥١٠.
داود بن أبى هند: ثقة ، جيد الإسناد ، رفع، من حفاظ البصريين . ترجمته فى التهذيب، والكبير
٢١١/١/٢ - ٢١٢، والصغير: ١٦٠، وابن أبى حاتم ١/ ٤١١/٢ - ٤١٢.
الشعبى: هو عامر بن شراحيل الهمدانى، إمام جليل الشأن، من كبار التابعين. ولكنه لم يدرك
عمر، كما قال ابن كثير . فإنه ولد سنة ١٩، أو سنة ٢٠ .
(١) الأثر: ١٦٠٩ - فى المطبوعة: ((حدثنى يعقوب قال حدثنا إبراهيم قال حدثنا ابن علية))
والصواب ما أثبته ، يعقوب بن إبراهيم الدورقى ، وقد سلف مراراً بهذا الإسناد ، وروايته عن ابن علية.
(٢) السنة: الجدب والقحط.

%
٣٨٤
تفسير سورة البقرة : ٩٧
إن جبريل هو عدوّنا، لأنه ينزل بالشدة والحرب والسَّنّة، وإن ميكائيل بنزل بالرخاء
والعافية والخِصْب، فجبريل عدونا. فقال الله جل ثناؤه: ((من كان عدوًّا لجبريل)).
١٦١٣ -حدثنی موسی بن هرونقال، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا
أسباط، عن السدى: ((قل من كان عدوًّا لجبريل فإنه نزَّله على قلبك بإذن
اللّه مُصدّقاً لما بين يديه))، قال: كان لعمر بن الخطاب أرْض بأعلى المدينة ،
فكانَ بأتيها، وكان ممرُّه على طريق مدْراس اليهود، وكان كلما دخل عليهم
سمع منهم . وإنه دخل عليهم ذات يوم فقالوا: يا مُمر ، ما فى أصحاب محمد صلى
اللّه عليه وسلم أحدٌ أحبّ إلينا منك، إنهم يمرون بنا فيؤذوننا، وتمر بنا فلاتؤذينا ،
وإنا لنطمع فيك . فقال لهم عمر: أىّ يمين فيكم أعظم؟ قالوا: الرحمن الذى أنزل
التوراة على موسى بطُورسيناء . فقال لهم عمر: فأنشدكم بالرحمن الذى أنزل التوراة
على موسى بطورسيناء ، أتجدون محمداً صلى الله عليه وسلم عندكم؟ فأسكتُوا. (١)
فقال : تكلموا ، ما شأنكم ؟ فوالله ما سألتكم وأنا شاكٌّ فى شىء من دينى . فنظر
بعضهم إلى بعض، فقام رجل منهم فقال : أخبرُوا الرجل، لتخبرُنَّه أولأخبرته.
قالوا : نعم ، إنا نجدُه مكتوباً عندنا ، ولكن صاحبه من الملائكة الذى يأتيه
بالوحى هو جبريل ، وجبريل عدوّنا ، وهو صاحب كل عذاب أو قتال أو
خسف، ولو أنه کان ولیه میکانیلُ ، إذاً لآمنًا به ، فإنّ میکائیل صاحب كل
رحمة وكل غيث . فقال لهم عمر: فأنشُدكم بالرحمن الذى أنزل التوراة على مُوسى
بطورسيناء ، أين مكان جبريل من اللّه ؟ قالوا : جبريل عن يمينه ، وميكائيل عن
٣٤٥/١ يساره. قال عمر: فأشهدكم أن الذى هو عدوّ للذى عن يمينه، عدوٌّ الذى هو
عن يساره ؛ والذى هو عدوٌّ للذى هو عن يساره ، عدوّ الذى هو عن يمينه؛ وأنه
من كان عدوَّهما، فإنه عدوّ لله. ثم رجع غمر ليخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم،
(١) سكت الرجل: صمت. وأسكت الرجل (غير متعد ): انقطع كلامه فلم يتكلم، وأطرق
من فكرة انتابته وقطعته .

٨٥ ٠
تفسير سورة البقرة : ٩٧
فوجد جبريل قد سبقه بالوحى ، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقرأه عليه ، فقال
عمر: والذي بعثكَ بالحق، لقد جئتُك وما أريد إلا أن أخبرك! (١)
١٦١٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق بن الحجاج الرازى قال ، حدثنا
عبد الرحمن بن مغراء أبو زهير ، عن مجالد ، عن الشعبى قال : انطلق
عمر إلى يهودَ فقال : إنى أنشدكم بالذى أنزل التوراة على موسى، هل تجدون
محمداً فى كتابكم ؟ قالوا نعم. قال: فما يمنعكم أن تتبعوه؟ قالوا: إن اللّه لم يبعث
رسولاً إلا كان له كِفْلٌ من الملائكة، وإن جبريل هو الذى يتكفّل لمحمد ، وهو
عدونا من الملائكة ، وميكائيل سِلِيْمنا ، فلوكان هو الذى يأتيه اتّبعناه . قال :
فإنى أنشُدكم بالذى أنزل التوراة على موسى، ما منزلهما من رب العالمين ؟ قالوا
جبريل عن يمينه ، وميكائيل عن جانبه الآخر. فقال: إنى أشهدُ ما يقولان إلا
بإذن الله، (٢) وما كان لميكائيل أن يُعادى سِلْ جبريل، وما كان جبريل ليسالم
عدوًّ ميكائيل. [فبينما هو عندهم]، إذ مر نبي الله صلى الله عليه وسلم، (٣) فقالوا:
هذا صاحبُك يا ابنَ الخطاب. فقام إليه، فأتاه وقد أنزل عليه: ((من كان عدوًّا
لجبريل فإنه نَزَّله على قلبك بإذن الله)) إلى قوله ((فإن اللّه عدوًّ للكافرين)). (٤)
(١) الأثر: ١٦١٣ - فى الدر المنثور ١ : ٩٠ - ٩١ مع اختلاف يسير فى اللفظ،
واختصار فى روايته .
(٢) فى تفسير ابن كثير ١: ٢٤٣: ((ما ينزلان إلا بإذن الله))، وكأنه هو الصواب.
(٣) ما بين القوسين زيادة لابد منها، زدتها من تفسير ابن كثير ١: ٢٤٢، من رواية ابن
أبى حاتم فى تفسيره .
(٤) الحديث : ١٦١٤ - وهذا إسناد مرسل أيضاً، ووقع فيه فى المطبوعة خطأ فى موضعين.
أثبتنا الصواب اليقين به . وكان فى المطبوعة ((حدثنا عبد الرحمن بن مغراء قال ثنا زهير عن مجاهد عن
الشعبى)). فلا يوجد فى شيوخ ابن مغراء، ولا فى الرواة عن ((مجاهد)) أو ((مجالد)) من يسمى ((زهيراً)).
و((مجاهد عن الشعب)) خطأ أيضاً، وكلاهما من كبار التابعين، من طبقة واحدة، ومجاهد أقدم قليلا.
وعبد الرحمن بن مغراء لا يدرك أن يروى عن مجاهد ، ولا عن الشعبى.
مجالد: هو ابن سعيد الهمدانى، وهو ثقة، ضعفه بعض الأئمة وروى عنه من الأئمة : شعبة
والسفيافان وابن المبارك، ورجحنا تصحيح حديث القدماء عنه، فى شرح المسند ٣٧٨١، لأن أعدل
كلمة فيه قول عبد الرحز بن مهدى «حديث مجالد عند الأحداث، يحيى بن سعيد وأبى أسامة، ليس
ج ٢ (٢٥)

٣٨٦
تفسير سورة البقرة : ٩٧
١٦١٥ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا حصين
ابن عبد الرحمن، عن ابن أبى ليلى فى قوله: ((من كان عدوًّا لجبريل)). قال :
قالت اليهود للمسلمين : لو أن ميكائيل كان الذى ينزل عليكم لتبعناكم ، فإنه
ينزل بالزحمة والغيث ، وإن جبريل ينزل بالعذاب والنقمة ، وهو لنا عدوّ . قال:
فنزلت هذه الآية: (( من كان عدوًّا لجبريل )). (١) ..
١٦١٦ - حدثنى يعقوب قال، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا عبد الملك ، عن
عطاء بنحو ذلك .
٥
قال أبو جعفر: وأما تأويل الآية - أعنى قوله: ((قُلْ من كان عدوًّا لجبريل
فإنه نَزَّله على قلبك بإذن الله ))- فهو : أن الله يقول لنبيه: قل يا محمد - لمعاشر
اليهود من بنى إسرائيل ، الذين زعموا أن جبريل لهم عدوّ ، من أجل أنه صاحب
سَطَوَات وعذابٍ وعُقوبات ، لاصاحب وحتى وتنزيل ورحمة ، فأبوا اتباعك ،
وجحدوا نبوّتك، وأنكروا ما جئتَهم به من آياتى وبينات ◌ُحُكمى ، من أجل أن
جبريل وليُّك وصاحب وحتى إليك ، وزعموا أنه عدوّ لهم - : من یکن من الناس
بشىء، ولكن حديث شعبة وحماد بن زيد وهشيم وهؤلاء القدماء،)). قال ابن أبى حاتم: ((يعنى أنه
تغير حفظه فى آخر عمره)). وذكر ابن سعد فى ترجمته ٦: ٢٤٣ جرح يحيى القطان إياه، ثم قال:
((وقد روى عنه يحيى بن سعيد القطان مع هذا، وروى عنه سفيان الثورى، وشعبة، وغيرهم)) . وترجمته
فى التهذيب، والكبير البخارى ٤ /٩/٢، والصغير: ١٦٨، ١٦٩، وابن أبى حاتم ٣٦١/١/٤ -
٣٦٢ ٠
إسحق بن الحجاج الرازى: هو الطاحونى المقرىء، ترجمنا له فيما مضى: ٢٣٠. وعبد الرحمن بن
مغراء بن عياض الدوسى ، أبو زهير: ثقة ، تكلم بعضهم فى روايته عن الأعمش ، وهو مترجم فى التهذيب
وابن أبى حاتم ٢٩٠/٢/٢ - ٢٩١.
وهذا الحديث نقله ابن كثير ١: ٢٤٢ - ٢٤٣، من تفسير ابن أبى حاتم . ((حدثنا أبو سعيد
الأشج ، حدثنا أبو أسامة ، عن مجالد، عن عامر ... )) - وهو الشعبى، فذكر نحوه . ثم بين ابن
كثير أنه منقطع ، كما أشرنا آنفاً .
والراجح عندى أن عبد الرحمن بن مغراء من روى عن مجالد بعد تغيره .
(١) الأثر: ١٦١٥ - فى تفسير ابن كثير ١ : ٢٤٣ مع اختلاف يسير فى لفظله.

٠
٣٨٧
تفسير سورة البقرة : ٩٧
لجبريل عدوًّا، ومنكراً أن يكون صاحبَ وحى الله إلى أنبيائه ، وصاحب رحمته ،
فإنى لَهُ ولِىٌّ وخليلٌّ، ومقرٌّ بأنه صاحب وَحى إلى أنبيائه ورسله، وأنه هو الذى
ينزل وحی الله علی قلبی من عند ربى، بإذن ربی له بذلك، يربط به على قلبى،
ویشُدُّ فؤادی ، کما : -
١٦١٧ - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عثمان بن سعيد قال ، حدثنا بشر
ابن عمارة، عن أبى روق، عن الضحاك، عن ابن عباس فى قوله: (( قل من
كان عدوًّا لجبريل))، قال: وذلك أن اليهود قالت - حين سألتْ محمداً صلى اللّه
عليه وسلم عن أشياء كثيرة فأخبرهم بها على ما هى عندهم -: ((إلاّ جبريل))، فإن
جبريل كان عند اليهود صاحب عذاب وسطوةٍ ، ولم يكن عندهم صاحب وحى
- يعنى : تنزيل من اللّه على رسله - ولا صاحب رحمة ، فأخبرهم رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم فيما سألُوه عنه : أن جبريل صاحب وحى الله ، وصاحب نقمته ،
وصاحب رحمته، فقالوا: ليس بصاحب وَحْى ولا رحمة، هولنا عدوّ ! فأنزل الله
عز وجل إكذاباً لهم: ((قل)) يا محمد: (من كان عدوًّا لجبريل فإنه نزّله على قلبك))،
يقول: فإن جبريل نزّله - يقول: نزل القرآن - بأمر الله يشد به فؤادك، ويربط ٣٤٦/١
به على قلبك - يعنى: بوحينا الذى نَزّل به جبريل عليك من عند الله - وكذلك
يفعل بالمرسلين والأنبياء من قبلك .
١٦١٨ -حدثنا بشر بن معاذ قال ،حدثنا یزید قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة قوله: ((قل من كان عَدُّوًّا لجبريل فإنه نزَّله على قلبك بإذن الله))، يقول:
أنزل الكتاب على قلبك بإذن الله .
١٦١٩ - وحدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيع: ((فإنه نزَّله على قلبك))، يقول : نزل الكتاب على قلبك جبريل.
...
قال أبو جعفر: وإنما قال جل ثناؤه: « فإنه نزّلہ علی قلبك » - وهو یعنی

٣٨٨
تفسير سورة البقرة : ٩٧
بذلك قلب محمد صلى الله عليه وسلم ، وقد أمرّ محمداً فى أول الآية أن يخبر اليهود
بذلك "عَنْ نفسه - ولم يقل: فإنه نزّله على قلبى = ولو قيل: ((على قلبى)) كان
صواباً من القول = لأن من شأن العرب إذا أمرت رجلاً أن يحكى ما قيل له عن
نفسه ، أن تخرج فعلَ المأمور مرةً مضافاً إلى كناية نفس الخبر عن نفسه ، إذ
كانَ المخبِرَ عن نفسه؛ ومرةً مضافاً إلى اسمه ، كهيئة كناية اسم المخاطب ، لأنه
به مخاطب. فتقول فى نظير ذلك: ((قل للقوم إنّ الخير عندى كثير )) - فتخرج
كناية اسم المخبر عن نفسِهِ ، لأنه المأمور أن يخبر بذلك عن نفسه - : و ((قل
للقوم إنّ الخير عندك كثير )) - فتخرج كناية اسمه كهيئة كناية اسم المخاطب ،
لأنه وإنْ كان مأموراً بقيل ذلك ، فهو مخاطب مأمور بحكاية ما قيل له . وكذلك
((( لا تقل للقوم إنّى قائم)، و((لاتقل لهم إنّك قائم))، و((الياء)) من ((إنى)) اسم
المأمور بقول ذلك، على ما وصفنا. ومن ذلك قول الله عز وجل: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا
سَيُغْلَبُونَ﴾ و﴿قُغْلَبُونَ﴾ [ سورة آل عمران: ١٢]، بالياء والتاء.(١)
...
وأما ((جبريل)) فإن للعرب فيه لغات : فأما أهل الحجاز فإنهم يقولون :
((جِبْريل، وميكال)) بغير همز، بكسر الجيم والراء من ((جبريل)) وبالتخفيف. وعلى
القراءة بذلك عامة قرأة أهل المدينة والبصرة .
أما تميم وقیس وبعض نجد فيقولون: (( جمرئیل ومیکائیل )) على مثال (( جبرعیل
وميكاعيل))، بفتح الجيم والراء ، وبهمزٍ ، وزيادة ياء بعد الهمزة. وعلى القراءة
بذلك عامة قرأة أهل الكوفة ، كما قال جرير بن عطية :
وَ بِجَبْرَئِيلَ وَكَذَّبُوا مِيكالاَ(٢)
عَبَدُوا الصَّلِيبَ وَكَذَّبُوا بِمُحَمَّدٍ
(١) انظر معانى القرآن الفراء ١ : ٦٣.
(٢) ديوانه: ٤٥٠، ونقائض جرير والأخطل: ٨٧، من قصيدته الدامغة فى هجاء الأخطل،
والضمير إلى تغلب ، وهط الأخطل ، وقبله :
قَبَحِ الإِلهُ وُجُوهَ تَغْلِبَ، كُلََّا
شَبَحَ الحَجِيجُ وَكَبَّرُوا إِهْلاَلاَ

٣٨٩
تفسير سورة البقرة : ٩٧
وقد ذكر عن الحسن البصرى وعبد الله بن كثير أنهما كانا يقرآن: ((جبريل)»
بفتح الجيم وترك الهمز .
قال أبو جعفر: وهى قراءة غيرُ جائزة القراءةُ بها، لأن ((فَعْليل)) فى كلام
العرب غير موجود . (١) وقد اختار ذلك بعضهم ، وزعم أنه اسم أعجمى ، كما
يقال: ((سْوِيل))، وأنشد فى ذلك: (٢)
بِحَيْثُ لَوْ وُزِنَتْ لَغْمٌ بِأَجَعِهَاَ مَا وَزَانَتْ رِيِشَةً مِنْ رِيِشٍ تَمْوِيلاً(٣)
وأما بنو أسد فإنها تقول: ((جِبْرِين)» بالنون . وقد حكى عن بعض العرب
أنها تزيد فى ((جبريل)) ((ألفاً)) فتقول: ((جبراييل وميكاييل)).
وقد حكى عن يحيى ابن يعمر أنه كان يقرأ: ((جَبْئيل)) بفتح الجيم ،
والهمز ، وترك المد، وتشديد اللام .
فأما ((جَبْر)) و((ميك))، فإنهما الاسمان اللذان أحدهما بمعنى: ((عبْد)»، والآخر
بمعنى: ((عُبيد))
(١) فى المطبوعة: ((فعيل))، وهو خطأ.
(٢) هو الربيع بن زياد العبسى، أحد الكملة من بنى فاطمة بنت الخرشب الأنمارية.
(٣) الأغانى ١٤: ٩٢، ١٦: ٢٢، واللسان (سمل)، من أبيات أرسلها الربيع إلى النعمان
ابن المنذر فى خبر طويل ، حين قال لبيد فى رجزه :
• مَهْلاً، أَبْتَ اللَّعْنَ، لا تأكُلْ مَعَهْ.
وزعم أنه أبرص الخبيئة ، وذكر من فعله قبيحاً كريماً ، فرحل الربيع عن النعمان ، وكان له
قديماً ، وأرسل إليه أبياته :
مَّا مِثْلُهَا سَّعَةٌ عرضاً ولا ◌ُولاً
لئن رَحَلْتُ جِمَالِى لا إلَى سَعَة
لمْ يَعْدِلُوا رِيشَةً مِنْ رِيِشِ سَوِيلاً
بِحِيْثُ لَوْ وُزِنِتْ لَغْ بِأَجَِهَا
لا مِثْلَ رِعِيَكُمْ مِلْحاً وغِسْويلاَ
تَرْعَى الرَّوَائِمُ أَحْرَارَ البُقُلِ بها
مَعَ النِّطَاسِيِّ طُورًا وَابْنٍ تَوْفِيلاً
فاثْبُتْ بأرضِك بَعْدِى، وَأَخْلُ مُتّكثاً
ونظم : هم وحط آل المنذر ملوك الخيرة .

٣٩٠
تفسير سورة البقرة : ٩٧
وأما (( إیل)) فهو الله تعالى ذكره ، كما : -
١٦٢٠ - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا جابر بن نوح الحمانى ، عن
الأعمش ، عن المنهال، عن سعيد بن جبير قال، قال ابن عباس: ((جبريل))
و «میکائیل )، كقولك : عبد الله .
١٦٢١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا الحسين
٣٤٧/١ ابن واقد، عن يزيد النحوى، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ((جبريل))
عبد الله؛ و((ميكائيل))، 'عبيد اللّه. وكل اسم ((إيل))، فهو: الله.
١٦٢٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن الأعمش ، عن إسمعيل
ابن رجاء ، عن عمير مولى ابن عباس: أن (( إسرائيل، ومیکائيل وجبريل، وإسرافيل))
كقولك : عبد الله .
١٦٢٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن الأعمش ، عن المنهال
ابن عمرو، عن عبد الله بن الحارث قال: ((إيل))، اللّه، بالعبرانية.
١٦٢٤ - حدثنا الحسين بن يزيد الضحاك قال، حدثنا إسحق بن منصور
قال، حدثنا قيس، عن عاصم، عن عكرمة، قال: (( جبريل)) اسمه: عبد الله؛
و(ميكائيل)) اسمه: عبيد الله. ((إيل)): اللّه .
١٦٢٥ - حدثنى الحسين بن عمرو بن محمد العَنْقَزىّ قال ، حدثنا أبو أحمد
الزبيرى قال ، حدثنا سفيان ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، عن على بن حسين
قال: اسم ((جبريل)) عبد الله، واسم ((ميكائيل)) عبيد اللّه، واسم ((إسرافيل)):
عبد الرحمن. وكلُّ معبَّد ((إيل))، فهو: عبد اللّه.(١)
١٦٢٦ - حدثنا المثی قال، حدثنا قبيصة بنعقبة قال ، حدثنا سفيان، عن
(١) الخبر: ١٦٢٥ - الحسين بن عمرو بن محمد العنقزى: ضعيف، قال أبو زرعة :
((لا يصدق)). وهو مترجم فى لسان الميزان، وابن أبى حاتم ٦١/٢/١ - ٦٢، والأنساب، فى الورقة:
٤٠١. و((العنقزى)): بفتح العين المهملة والقاف بينهما نون ساكنة وبالزاى. ووقع فى المطبوعة
((العبقرى))، وهو تصحيف. وكذلك سيأتى فى رقم: ١٦٥٥، بالتصحيف، ومحناه هناك.

٣٩١
تفسير سورة البقرة : ٩٧
محمد المدنى - قال المثنى: قال قبيصة : أراه محمد بن إسحق - عن محمد بن عمرو
ابن عطاء، عن على بن حسين قال: ما تعدّون ((جبريل)) فى أسمائكم؟ قال :
(((جبريل)) عبد الله، و((ميكائيل)) عبيد اللّه. وكل اسم فيه ((إيل))، فهو
معبد لله .
١٦٢٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق ، عن محمد
ابن عمرو بن عطاء ، عن على بن حسين قال: قال لى: هل تدرى ما اسم ((جبريل))
من أسمائكم ؟ قال : قلت: لا . قال: عبد الله. قال : فهل تدرى ما اسم
((میکائیل)) من أسمائكم؟ قلت: لا.(١) قال: عُبَيْد الله. وقد سمى لى (( إسرائيل ))
باسم نحو ذلك فنسيته، إلا أنه قد قال لى: أرأيتَ، كل اسم يرجع إلى ((إيل))
فهو معبَّدٌ له .
١٦٢٨ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبى، عن سفيان، عن خصيف،
عن عكرمة فى قوله: ((جبريل)) قال: ((جبر)) عبد، ((إيل)) اللّه، و((ميكا))
قال: عبد. ((إيل)): الله. (٢)
٠
قال أبو جعفر: فهذا تأويل من قرأ ((جَبْرَئيل)) بالفتح، والهمز، والمد. وهو - إن
شاء الله - معنى من قرأ بالكسر ، وتركِ الهمز.
وأما تأويل من قرأ ذلك بالهمز، وترك المد ، وتشديد اللام ، فإنه قصد بقوله
ذلك كذلك، إلى إضافة ((جبر)) و ((ميكا)) إلى اسم الله الذى يُسمَّى به بلسان
العرب دون السريانىّ والعبرانىّ. وذلك أن ((الإلّ)) بلسان العرب: اللّه، كما قال :
﴿ لا يَرْقُبُون فِى مُؤْمِنِ إِلاَّ وَلاَ زِمَّةً﴾ [سورة التوبة: ١٠]. فقال جماعة من أهل
العلم: (( الإلّ)) هو: الله . ومنه قول أبى بكر الصديق رضى الله عنه - لوفد بنی
حنيفة، حين سألهم عمّا كان مسيلمة يقولُ، فأخبروه - فقال لهم: ويحكُمْ
(١) فى المطبوعة: ((قال: لا))، والصواب ما أثبت.
(٢) لعله ((وميكا)). قال: ((عبيد)) بالتصغير، كما سلف آنفاً.

٣٩٢
تفسير سورة البقرة : ٩٧
(( أينُ ذهِبَ بكم؟ والله إن هذا الكلام مَا خرج من إلّ ولا بِرٌ. يعنى (( من إلّ):
من الله ، وقد : -
١٦٢٩ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا ابن علية ، عن سليمان
التيمى، عن أبى مجلز فى قوله: ((لا يَرْقُبُون فى مؤمن إلاَّ ولا ذِمَّةً)) قال: قول
(جبریل» و «میکائیل )» و « إسرافیل)).
كأنه يقول: حين يضيف((جبر)) و((ميكا)) و((إسرا)) إلى ((إيل)) يقول:
عبد اللّه. (١) ((لا يرقبون فى مؤمن إلاَّ))، كأنه يقول: لا يرقُبونَ اللّه عز وجل.
٥
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿مُصَدِّقَاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((مصدّقاً لما بين يديه))، القرآن" .
وَنَصَب (( مُصَدَّقاً)) على القطع من ((الهاء)) التى فى قوله: ((نَزَّله على قلبك)).(٢)
فمعنى الكلام: فإن جبريلَ نزّل القرآن على قلبك، يا محمد، مُصَدِّقاً لما بين
يَدَى القرآن . يعنى بذلك: مصدّقاً لما سلف من كتب اللّه أمامه، ونزلت على
رسله الذين كانوا قبل محمد صلى الله عليه وسلم. وتصديقُهُ إيّاها ، موافقة معانيه
معانيها فى الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند الله، وهى
تصدّقه ، (٣) كما :-
١٦٣٠ -حدثنا أبو کریبقال ، حدثنا عثمان بن سعيد قال ، حدثنا بشر
٣٤٨/١
ابن عمارة، عن أبى روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ((مصدّقاً لما بين
(١) لعل الصواب أن يقول: ((إسراف))، مكان ((إسرا))، أو تكون الأولى ((إسرائيل))
مكان (إسرافيل)).
(٢) القطع: الحال هنا. وانظر ما سلف ١: ٢٣٠ - ٢٣٢، ٣٣٠، ٥٦١.
(٣) فى المطبوعة: ((وهى تصديقه)) والصواب ما أثبت، يريد: وهى توافقه. كما فسر قبل.

٣٩٣٠
تفسير سورة البقرة : ٩٧
يديه)»، يقول لما قبله من الكسُب التى أنزلها الله، والآيات، والرُّسل الذين بعثهم الله
بالآيات، نحوُ مُوسى ونُوح وهُود وشُعيب وصالح، وأشباههم من الرسل صلى اللّه
عليهم .
١٦٣١ - حدثنا بشربن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا
سعيد، عن قتادة: ((مصدّقاً لما بين يديه))، من التوراة والإنجيل.
١٦٣٢ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيع مثله .
٠
القول فى تأويل قوله تعالى (وَهُدَّى وَبُشْرَى لِلْمُوَمِنِينَ﴾ (٧)
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: (( وهُدّی)) ودليل وبرهان . وإنما
سماه الله جل ثناؤه ((هُدَّى))، لاهتداء المؤمن به. و((اهتداؤه به)) اتخاذه إيّاه
هادياً يتبعه، وقائداً ينقاد لأمره ونهيه وَحلاله وحرامه. و((الهادى)) من كل
شىء: ما تقدم أمامه. ومن ذلك قيل لأوائل الخيل: ((هواديها))، وهو ما تقدم أمامها.
وكذلك قيل للعنق: ((الهادى))، لتقدمها أمام سائر الجسد.(١)
٠
وأما ((البُشْرى)) فإنها البشارة. أخبر الله عباده المؤمنين جل ثناؤه، أنّ القرآن
لهم بُشرَى منه، لأنه أعلمهم بما أعدَّ لهم من الكرامة عنده فى جناته ، وما هم إليه
صَّائرون فى مَعَادهم من ثوابه، وذلكُ هُو ((البُشرى)) التى بشر اللّه بها المؤمنين فى كتابه.
لأن ((البشارة )) فى كلام العرب، هى: إعلامُ الرجل بما لم يَكُنْ به
عالمً مما يَسُرّه من الخبر، قبل أن يسمعه من غيره، أو يعلمه من قبل غيره. (٢)
وقد روى فى ذلك عن قتادة قول قريب المعنى مما قلناه :
(١) انظر ما سلف ١: ١٦٦ - ١٧٠، ٢٣٠، ٢٤٩ ثم ٥٤٩ - ٠٥١.
(٢) انظر ما سلف ١ : ٣٨٣.

٣٩٤
تفسير سورة البقرة : ٩٧ ، ٩٨
١٦٣٣ -حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة قوله: ((هدى وبُشرى للمؤمنين))، لأن المؤمن إذا سمع القرآن حفظه ورعاه ،
وانتفع به واطمأن إليه ، وصدَّق بموعود الله الذى وَعد فيه ، وكان على يقين
من ذلك .
القول فى تأويل قوله جل ذكره (مَن كَانَ عَدُوًّا لِلِه وَمَلْكْتِهِ
وَرُسُلِهِ وَحِبْرِيلَ وَمِيَكِّلَ فَإِنَّاللهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) )
قال أبو جعفر: وهذا خبرٌ من الله جل ثناؤه من كانَ عدوًّا لله ، "مَنْ
عاداه وَعادَى جميع مَلائكته ورُسله؛ (١) وإعلامٌ منه أن من عادى جبريل"
فقد عاداه وعادى ميكائيل، وعادى جميع ملائكته ورسله . لأن الذين سماهم الله فى
هذه الآية هم أولياءُ اللّه وأهلُ طاعته، ومن عادَى اللّه وَلِيًّا فقد عادى اللّه وَبَارزه
بالمحاربة ، ومن عادَى اللّه فقد عادى جميع أهل طاعته وولايته . لأن العدوَّ اللّه
عدوٌّ لأوليائه، والعدوُّ لأولياء الله عدوّ له . فكذلك قال لليهود - الذين قالوا: إن
جبريل عدوّنا من الملائكة، وميكائيل وليُّنا منهم -: ((من كانَ عدوًّا للّه وَملائكته
ورُسُلُه وجبريلَ وميكال فإن اللّه عدوًّ للكافرين))، من أجل أن عدوًّ جبريل
عدوُّ کل ولى لله . فأخبرهم جل ثناؤه أن من كان عدوًّا جبريل ، فهو لكل من
ذكره - من ملائكته ورُسُله وميكال - عدوٌّ ، وكذلك عدوُ بعضِ رُسل اللّه،
عدو الله ولكل ولى" . وقد : -
١٦٣٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عبيد الله
- يَعنى العَتّكى-، عن رجل من قريش قال: سأل النبي صلى اللّه عليه وسلم اليهود
(١) هكذا فى المطبوعة: ((من كان عدواً لله))، وهو لا يستقيم، وكأن الصواب ((أن من
كان عدواً لله، عاداه وعادى جميع ملائكته ورسله)) بإسقاط ((من)) من ((من عادا.)).

٣٩٥
تفسير سورة البقرة : ٩٨
فقال : أسألكم بكتابکم الذى تقرأون، هل تجدون به قد بشر بی عيسى بن مريم
أن يأتيكم رسولٌ اسمه أحمد؟ فقالوا: اللهم وَجدنَاك فى كتابنا، ولكنا كرِهْناك
لأنك تستحلُ الأموال وتُهَرِيق الدّماء. فأنزل الله: ((من كان عدوًّا الله وملائكته))
الآية .(١)
١٦٣٥ - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
حصين بن عبد الرحمن ، عن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال: إن يَهوديًّا لفى مُمرّ
فقال له : إن جبريلَ الذى يذكره صاحبك، هو عدوٌّ لنا. فقال له عمر: من ٣٤٩/١
كان عدوًّا لله وملائكته ورُسله وجبريل وميكال فإن الله عدوّ للكافرين. قال:
فنزلت على لسان مُمّر.
٥
وهذا الخبر يدلّ على أن الله أنزل هذه الآية توبيخاً لليهود فى كفرهم بمحمد
صلى الله عليه وسلم، وإخباراً منه لهم أنّ من كان عدوًّا لمحمد فالله له عدوّ ، وأن
عدوًّ محمدٍ من الناس كلهم ، لمن الكافرين بالله ، الجاحدين آياته .
فإن قال قائل : أو ليس جبريل وميكائيل من الملائكة ؟
قيل : بلى .
فإن قال : فما معنى تكرير ذكرهما بأسمائهما ، وقد مضى ذكرهما فى الآية
فى جملة أسماء الملائكة؟
قيل: معنى إفراد ذكرهما بأسمائهما، أنّ اليهود لما قالت: ((جبريل عدوُّنا ،
وميكائيل وليُّنا)) - وزعمت أنها كفرت بمحمد صلى الله عليه وسلم، من أجل أنّ
(١) الحديث: ١٦٣٤ - عبيد اللّه العتكى: هو عبيد الله بن عبد الله، أبو المنيب العتكى، وهو
ثقة، وثقه ابن معين وغيره. وذكره البخارى فى كتاب الضعفاء، ص: ٢٢، وقال: ((عنده مناكير)).
وقال ابن أبى حاتم ٣٢٢/٢/٢، فى ترجمته: ((سمعت أبى يقول: هو صالح الحديث. وأنكر على
البخارى إدخاله فى كتاب الضعفاء. وقال: ((يحول)). ولكن هذا الحديث منقطع ضعيف الإسناد ، لأن
أبا المنيب إنما يروى عن التابعين .
والخبر رواه الحاكم فى المستدرك ٢: ٢٦٥، من طريق إسحق بن إبرهيم، عن جرير، به. وصححه
الذهبى فى مختصره. ونقله ابن كثير ١: ٢٤٨ - ٢٤٩، عن الطبرى، ثم أشار إلى رواية الحاكم.

٣٩٦
تفسير سورة البقرة : ٩٨
جبريل صاحب محمد صلى الله عليه وسلم - أعلمهم الله أن من كان لجبريل
عدوًّا، فإنّ اللّه له عدوٌّ، وأنه من الكافرين. فنصَّ عليه باسمه وعلى ميكائيل
باسمه ، لئلا يقول منهم قائل: إنما قال الله: من كان عدوًّا لله وملائكته ورسله ،
ولسنا لله ولا لملائكته ورسله أعداءً". لأن الملائكة اسم عام محتمل خاصًّا، وجبريل
ومیکائیل غیر داخلینفیه. وكذلك قوله: (( ورسله ))، فلنتت يا محمد داخلاً فيهم .
فنص الله تعالى على أسماء من زعموا أنهم أعداؤه بأعيانهم ، ليقطع بذلك تلبيسهم
على أهل الضعف منهم ، ويحسم تمويههم أمورهم على المنافقين .
٥
٥
٠
وأما إظهار اسم الله فى قوله: ((فإن الله عدُوٌ للكافرين ))، وتكريره فيه - وقد
ابتدأ أوّلَ الخبر بذكره فقال: ((من كانَ عدوًّا لله وملائكته )» - فلئلا يلتبس
لو ظهر ذلك بكناية، فقيل: ((فإنه عدوٌّ للكافرين))، على سامعه، "من المعنىّ
بـ ((الهاء)) التى فى ((فإنه)): أ ألله، أم رسل الله جل ثناؤه، أم جبريل ، أم
ميكائيل ؟ إذ لو جاء ذلك بكناية على ما وصفت ، فإنه يلتبس معنى ذلك على من
لم يُوقَّف على المعنىِّ بذلك، لاحتمال الكلام ما وصفت . وقد كان بعض أهل
العربية يوجِّه ذلك إلى نحو قول الشاعر: (١)
لَيْتَ الغُرَابَ غَدَاةَ يَنْعَبُ دَائِمً كَانَ الغُرَابُ مُقَطْعَ الْأُوْدَاجِ (٢)
وأَّنه إظهار الاسم الذى حظُّه الكنايةُ عنه . والأمر فى ذلك بخلاف ما قال .
وذلك أن ((الغراب)) الثانى لو كان مُكَنِّى عنه، لما التبس على أحد يعقل كلام العرب
أنه كناية اسم ((الغراب)) الأول، إذا كان لا شىء قبله يحتمل الكلامُ أن يوجَّه إليه
(١) هو جرير .
(٢) ديوانه ٨٩، وأمالى ابن الشجرى ١: ٢٤٣، وغيرهما. ورواية ديوانه ((ينعب بالنوى)»،
وهو الجيد ، فإن قبله :
إِنّ الْغُرَابَ، بِمَا كَرِهْتَ، لَمُوَلَعٌ بِنَوَى الأَحِيِّ دَائِمُ النَّشْتَجِ
والأوهاج جع ودج : وهو عرق من عروق تكتنف الحلقوم .

٣٩٧
تفسير سورة البقرة : ٩٩،٩٨
غيرُ كناية اسم ((الغراب)) الأول - وأن قبل قوله: ((فإنّ اللّه عدوّ الكافرين))
أسماءٌ، لو جاء اسم الله تعالى ذكره مكنيًا عنه، (١) لم يعلم "مَنِ المقصودُ إليه
بكتابة الاسم ، إلا بتوقيف من حجّة . فلذلك اختلف أمراهما .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآَ إلَيْكَ ، أَيْتٍ بَيِّنْتٍ﴾
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((ولقد أنزلنا إليك آيات))، أى
أنزلنا إليك يا محمد علامات واضحاتٍ دالاًّتٍ على نُبوّتك: وتلك الآيات هى
ما حَوّاه كتابُ الله الذى أنزله إلى محمد صلى الله عليه وسلم من خفايا علوم
اليهود ومكنون سرائر أخبارهم وأخبار أوائلهم من بنى إسرائيل ، والنبأ عما تضمنته
كتبهم التى لم يكن يعلمها إلا أحبارُهم وعلماؤهم - وما حرفه أوائلهم وأواخرهم وبدّلوه،
من أحكامهم التى كانت فى التوراة . فأطلعها الله فى كتابه الذى أنزله على نبيه ٣٥٠/١
محمد صلى الله عليه وسلم. (٢) فكان، فى ذلك من أمره ، الآياتُ البينات لمن
أنصف نفسه ، ولم يدْعُه إلى إهلاكها الحسدُ والبغى. إذا كان فى فطرة كل ذى
فطرة صحيحة ، تصديقُ من أتى بمثل الذى أتى به محمد صلى الله عليه وسلم من
الآيات البينات التى وصفتُ ، من غير تَعلُّم تعلّمه من بشر، ولا أخذ شىءٍ منه
عن آدمىّ. وبنحو الذى قلنا فى ذلك روى الخبر عن ابن عباس.
١٦٣٦ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال ، حدثنا بشر
ابن عمارة، عن أبى روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ((ولقد أنزلنا إليك
(١) فى المطبوعة: ((وإن قيل قوله فإن الله على الكافرين)) اسما لو جاء ... )) والصواب ما
أثبت . وقد رجم مصححو المطبوعة رجماً لا خير فيه فى تصحيح كلام الطبرى .
(٢) فى المطبوعة: ((فأطلع الله فى كتابه ... )) وهو كلام لا يستقيم، والصواب ما أثبت.
يعنى فأظهر الله هذه الخفايا، وتلك الأخبار، وما حرفوه من الأحكام فى توراتهم .

٣٩٨
تفسير سورة البقرة : ٩٩
آيات بينات)) يقول: فأنت تتلوه عليهم ، وتخبرُهم به 'غدوةً وعشيةً وبين ذلك،
وأنتَ عندهم أمىّ لم تقرأ كتاباً ، وأنت تخبرهم بما فى أيديهم على وجهه . يقول الله:
ففى ذلك لهم عبرة وبيان ، وعليهم حجة لو كانوا يعملون .
١٦٣٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال ، حدثنا ابن إسحق قال،
حدثی محمد بن أبى محمد مولی زید بن ثابت ، عن عكرمة مولى ابن عباس ، وعن
سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : قال ابن صُورِيا الفِطْبُونى لرسول الله صلى
اللّه عليه وسلم: (١) يا محمد ما جئتنا بشىء نعرفه ، وما أنزل الله عليك من آية بينة
فنتبعك بها! (٢) فأنزل الله عز وجل: ((ولقد أنزلنا إليك آيات بَيِّنَاتَ وَمَا يَكفُرُ
بها إلا الفاسقون))! (٣)
١٦٣٨ -حدثنا أبو کریب قال، حدثنا يونس بن بكير قال ، حدثنا
محمد بن إسمق قال ، حدثی محمد بن أبى محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثنى
سعيد بن جبير ، أو عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال ابن صُورِيا لرسول الله
صلى الله عليه وسلم، فذكر مثله.(٣)
(١) فى المطبوعة ((القطيوفى)) بالقاف، وهو خطأ، وهو من بنى ثعلبة بن الفطيون (بكسر الفاء
وسكون الطاء، وضم الياء). قال السبيل: ((الفطيون: كلمة عبرانية تطلق على كل من ولى أمر اليهود
وملكهم)). ورواية ابن جرير: ((ابن صوريا))، والذى فى سيرة ابن هشام ٢: ١٩٦ ((ابن صلوبا
الفطيونى)). وقد ذكر ابن هشام فيما روى من سيرة ابن إسحق ١: ١٦٠ - ١٦١ ((الأعداء من يهود))،
قعد فى بنى ثعلبة بن الفطيون: ((عبد الله بن صوريا الأعور، ولم يكن فى زمانه أحد أعلم بالتوراة
منه، وابن صلوبا، وخيريق. وكان حبرهم، أسهم))، ولم أستطع أن أرجح أهو: ابن صوريا ،
أو - ابن صلوبا - الذى كان من أمره ما كان. ولعلهما روايتان مختلفتان عن ابن إسحق. وانظر أيضاً
الأثر : ٠١٦٣٨
(٢) فى ابن هشام: ((من آية فنتبعك لهما، فأنزل الله تعالى فى ذلك من قوله: ((ولقد أنزلنا إليك ... ))
(٣) الأثران: ١٦٣٧ - ١٦٣٨ - فى سيرة ابن هشام ٢: ١٩٦.

٣٩٩
تفسير سورة البقرة : ٩٩ ، ١٠٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَمَا يَكْفُربِهاَ إلَّ اُلْفَسِقُونَ ﴾
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: (( وما يكفر بها إلاّ الفاسقون ))، وما
يججد بها. وقد دلنا فيما مضى من كتابنا هذا على أن معنى ((الكفر)) الجحود ،
بما أغنى عن إعادته هنا؛ (١) وكذلك بينا معنى ((الفِسْق))، وأنه الخروج عن الشىء
إلى غيره . (٢)
فتأويل الآية : ولقد أنزلنا إليك، فيما أوحينا إليك من الكتاب، علامات
واضحاتٍ تبين لعلماء بنى إسرائيل وأحبارهم - الجاحدين نبوّتَك ، والمكذبين
رِسَالتك - أنك لى رسولٌ إليهم، ونبيٌّ مبعوث، وما يجحدُ تلك الآيات= الدالات
على صدقك ونبوتك ، التى أنزلها إليك فى كتابى فيكذب بها منهم = إلا الخارجُ
منهم من دينه ، التارك منهم فرائضى عليه فى الكتاب الذى يدين بتصديقه . فأما
المتمسّك منهم بدينه، والمتّبع منهم حكم كتابه ، فإنه بالذى أنزلت إليك من آياتى
مصدَّق وهم الذين كانوا آمنوا بالله وصدَّقوا رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم من
يهود بنى إسرائيل .
٥
القول فى تأويل قوله جل ذكره ﴿ أَوَ كُلَّمَا عَهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ
فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بَلْ أَ كْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ (٣)
قال أبو جعفر: اختلف أهل العربية فى حكم ((الواو)) التى فى قوله: ((أوّ كلما
عاهدوا عهداً )). فقال بعض نحویی البصریین: هى (( واو)) تجعل مع حروف
الاستفهام، وهى مثل ((الفاء)) فى قوله: ﴿أَفَكُلَّا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بما لاَ تَهْوَى
أنفسكم اسْتَكَبَرْثُمْ﴾ [سورة البقرة ٨٧]، قال: وهما زائدتان فى هذا الوجه،
(١) انظر ما سلف ١: ٢٥٥، ٣٨٢، ٥٥٢، وهذا الجزء ٢: ١٤٠، ٣٣٧
(٢) انظر ما سلف ١: ٤٠٩ - ٤١٠، وهذا الجزء ٢: ١١٨

٤٠٠
تفسير سورة البقرة : ١٠٠
وهى مثل ((الفاء)) التى فى قوله ((فالله لتصنعن كذا وكذا))(١)، وكقولك الرجل:
((أفلا تقوم؟)). وإن شئت جعلت ((الفاء)) ((والواو)) هاهنا حرفَ عَطْفٍ.
وقال بعض نحوبى الكوفيين : هى حرف عطف أدخل عليها حرف الاستفهام.
...
والصواب فى ذلك عندى من القول أنّها ((واو)) عطف، أدخلت عليها (ألف))
الاستفهام ، كأنه قال جل ثناؤه : وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور ،
٣٥١/١ خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا ، قالوا: سمعنا وعصينا، وكلما عاهدُوا عهداً نبذه
فريق منهم. ثم أدخل ((ألف)) الاستفهام على ((وكلّما)، فقال: قالوا سمعنا
وعصينا ، أوَ كُلَّما عاهدوا عهداً نبذه فريقٌ منهم .
وقد بيّنا فيما مضى أنه غيرُ جائز أن يكون فى كتاب الله حرف لا معنى له، (٢)
فأغنى ذلك عن إعادة البيان على فساد قول من زعم أن ((الواو)) و((الفاء)) من قوله:
((أوكلما )، و ((أفكلما)» زائدتان لا معنى لهما .
٠
٠٠
وأما ((العهد))، فإنه الميثاق الذى أعطته بنو إسرائيل ربَّهم ليعمَلُنّ بما فى
التوراة مرة بعد أخرى، ثم نقض بعضهم ذلك مرَّة بعد أخرى. فوبّخهم جل ذكره
بما كان منهم من ذلك ، وغيِّر به أبناء هم، إذ سلكوا منهاجتهم فى بعض ما كان
جل ذكره أخذَ عليهم بالإيمان به من أمر محمد صلى الله عليه وسلم من العهد
والميثاق ، فكفروا وجحدوا ما فى التوراة من نعته وصفته ، فقال تعالى ذكره :
أو كلما عاهد اليهودُ من بنى إسرائيل ربَّهم عهداً، وأوثقوه ميثاقاً، نبذه فريق
منهم، فتركه ونقضه ؟ کما : -
١٦٣٩ -حدثنا أبو کریبقال ، حدثنا يونس بن بکیر قال ، حدثنا ابن
إحمق قال ، حدثنى محمد بن أبى محمد میلی زید بن ثابت قال ، حدثنى سعيد بن
جبير ، أو عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال مالك بن الصيف - حين بعث
(١) لم أعلم ماذا أراد الطبرى بهذا.
( ٢) انظر ما سلف ١ : ٤٣٩ - ٤٤١.