Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
تفسير سورة البقرة : ٨١
(((نعم)) إقرار فى الاستفهام الذى لا جحد فيه. وأصلها ((بل)) التى هى رجوع عن
الجحد المحض فى قولك: ((ما قام عمرو بَلْ زيد)). فزيدت فيها ((الياء)) ليصلح
عليها الوقوف ، إذ كانت ((بل)) لا يصلح عليها الوقوف، إذ كانت عطفاً ورجوعاً
عن الجحد. ولتكون - أعنى ((بلى)) - رجوعاً عن الجحد فقط، وإقراراً بالفعل
الذى بعد الجحد، فدلَّت ((الياء)) منها على معنى الإقرار والإنعام. (١) ودل لفظ ٢٠٥/١
(((بل)) على الرجوع عن الجحد. (٢)
قال أبو جعفر: وأما (السيئة)) التى ذكرَ اللّهُ فى هذا المكان، فإنها الشرك
بالله. كما :-
١٤٢١ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن سفيان
قال، حدثنى عاصم، عن أبى وائل: ((َبَلَىَ مَنْ كسب ◌َسَيِّئَةٌ))، قال: الشرك بالله.
١٤٢٢ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((بتَلى من كسب سيئة)): شركاً.
١٤٢٣ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد مثله .
١٤٢٤ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع ، قال ، حدثنا
سعيد، عن قتادة، قوله: ((بَلَى مَنْ كسب سيئة))، قال: أما السيئة فالشّرك.
١٤٢٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن قتادة مثله .
١٤٢٦ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
(١) الإنعام: التصديق. يقال: أنعم: أجاب بقوله: نعم . وهو تصديق .
(٢) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٥٢ - ٥٣، وقد عد الطبرى الحرف الآخر من ((بلى))
«ياء» ، وعدها الفراء وألفاً» .

٢٨٢
تفسير سورة البقرة : ٨١
السدى: ((بلى من كسب سيئة))، أما السيئة ، فهى الذنوب التى وَعدَ عليها النار .
١٤٢٧ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قال، قلت لعطاء: ((بلى من كسب سيئة))، قال: الشرك - قال
ابن جريج قال، قال مجاهد: ((سيئةً))، شركاً .
١٤٢٨ - حدثت عن عمار بن الحسن قال : حدثنا ابن أبى جعفر ، عن
أبيه، عن الربيع قوله: ((بَلى من كسب سيئة))، يعنى: الشرك.
...
قال أبو جعفر: وإنما قلنا إن ((السيئة )) - التى ذكر الله جل ثناؤه أنّ من
كسبها وأحاطت به خطيئته ، فهو من أهل النار المخلدين فيها - فى هذا الموضع ،
إنما عنى الله بها بعض السيئات دون بعض، وإن كان ظاهرُها فى التلاوة عامًا، (١)
لأن الله قضَى على أهلها بالخلود فى النار. والخلود فى النار لأهل الكفر بالله دون
أهل الإيمان به، لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنّ أهل
الإيمان لا يخلَّدون فيها ، وأن الخلودَ فى النار لأهل الكفر بالله دون أهل الإيمان.
فإن الله جل ثناؤه قد قَرَن بقوله: ((بَلى مَنْ كسب سيئة وأحاطَتْ به خطيئته
فأولئك أصحابُ النار هم فيها خالدون)) - قولَهُ - ((والذين آمنوا وعملوا الصالحات
أولئكَ أصْحابُ الجنة هم فيها خالدون)) . فكان معلوماً بذلك أن الذين لهم الخلود
فى النار من أهل السيئات ، غيرُ الذين لهم الخلود فى الجنة من أهل الإيمان .
فإن ظن ظان أن الذين لهم الخلود فى الجنة من الذين آمنوا ، هم الذين عملوا
الصالحات ، دون الذين عملوا السيئات، فإنّ فى إخبار الله = أنه مکفّرٌ- باجتنابنا
كبائرَ ما نُنهى عنه - سيئاتنا، ومدخلنا المدخلَ الكريم- ما ينبئ عن صحة ما قلنا
فى تأويل قوله: (( بلى من كسب سيئة))، بأن ذلك على خاص من السيئات دون عامّها .
...
فإن قال لنا قائل : فإن الله جل ثناؤه إنما ضَمِن لنا تكفير سيئاتنا باجتنابنا
(١) انظر تفسير ((الظاهر)) فيما سلف: ٢: ١٥ والمراجع

٢٨٣
تفسير سورة البقرة : ٨١
كبائرَ ما نهى عنه، فما الدلالة على أن الكبائر غيرُ داخلة فى قوله: (( بلى من
كسب سيئة )) ؟
قيل: لما صَحّ أن الصغائر غير داخلة فيه، وأن المعنىَّ بالآية خاصٌّ دون
عامٌ ، تَبت وصحَّ أن القضاء والحكْ بها غيرُ جائز لأحد على أحد ، إلا على
من وَقَفه اللّه عليه بدلالة من خبر قاطعٍ ◌ُذرَ من بَلَغه. وقد تَبت وصَحَّ أن اللّه
تعالى ذكره قد عنى بذلك أهل الشرك والكفر به، بشهادة جميع الأمة . فوجب بذلك
القضاءُ على أن أهل الشرك والكفر ممن عناه اللّه بالآية . فأما أهل الكبائر ، فإن
الأخبار القاطعةَ عُذْرَ من بَلَغته، قد تظاهرت عندنا بأنهم غيرُ معنيِّين بها.
فمن أنكر ذلك - ممنّ دافع حُجَّة الأخبار المستفيضة والأنباء المتظاهرة .-
فاللازم له تركُ قطع الشهادة على أهل الكبائر بالخلود فى النار ، بهذه الآية ونظائرها ٣٠٦/١
التى جاءت بعمومهم فى الوعيد. إذْ كان تأويلُ القرآن غيرَ مَدْرَك إلا ببيانٍ مَنْ
جعل الله إليه بيانَ القرآن، وكانت الآية يأتى عامًا فى صنفٍ ظاهرُها، وهى
خاصٌ فى ذلك الصنف باطها.(١)
. . ..
ويُسأل ◌ُمُدَافعو الخبر بأنّ أهل الكبائر من أهل الاستثناء، سؤالَنا مُنكرّ
رَجْم الزانى المحصن، وزوال فَرْض الصلاة عن الحائض فى حال الحيض . فإن
السؤالَ عليهم، نظيرُ السؤال على هؤلاء، سواءً".(٢)
٥ ٥
(١) انظر تفسير ((الظاهر والباطن)) آنفاً: ١٥:٢ والمراجع
(٢) هذا رد على المعتزلة، فى إيجابهم خلود أهل الكبائر من أهل الإيمان فى النار. ورجم
الزانى المحصن، وزوال فرض الصلاة عن الحائض فى حال الحيض، مما جاء فى الأخبار، ولم يأت به
نص قرآن .

٢٨٤
تفسير سورة البقرة : ٨١
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَأَحْطَتْ بِهِ خطسُِّهُ﴾
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((وأحَاطَتْ به خطيئته))، اجتمعتْ
عَليه فمات عليها، قبل الإنابة والتوبة منها .
٠ ٠ ٥
وأصلُ ((الإحاطة بالشىء))، الإحداق به، بمنزلة ((الحائط)) الذى تُحاط به
الدار فتُحدِق به. ومنه قول الله جل ثناؤه: ﴿نارًا أَحَاط بهِمْ سُرَادِقُها)
[ سورة الكهف : ٢٩ ]
. .
فتأويل الآية إذاً: "مَنْ أشرك بالله، واقترفَ ذنوباً جمة فمات عليها قبل الإنابة
والتوبة ، فأولئك أصحاب النار هم فيها مخلَّدون أبداً . وبنحو الذى قلنا فى تأويل
ذلك قال المتأولون . ذكر من قال ذلك :
١٤٢٩ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان ، عن سفيان ، عن
:
الأعمش عن أبى روق، عن الضحاك: ((وأحاطَتْ به خطيئته))، قال: مات بذنبه .
١٤٣٠ - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا جابر بن نوح قال ، حدثنا
الأعمش، عن أبى رزين ، عن الربيع بن خثيم: ((وأحاطت به خطيئته))، قال :
مات عليها . (١)
١٤٣١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، أخبرنى ابن إسحق قال ،
حدثنى محمد بن أبى محمد ، عن سعيد بن جبير ، أو عكرمة ، عن ابن عباس :
((وأحاطت به خطيئته))، قال: يُحيط كفرُه بما لهُ من حسنة.
١٤٣٢ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثی عیسی ،
(١) الخبر: ١٤٣٠ - الربيع بن خثيم الثورى الكوفى: من كبار التابعين وخيارهم، ثقة
لا يسأل عن مثله. مترجم فى التهذيب، والكبير البخارى ٢٤٦/١/٢ وابن أبى حاتم ٤٥٩/٢/١.
وأبوه ((خثيم)) بضم الخاء المعجمة مصغر، كما ضبطه ابن دريد فى الاشتقاق: ١١٢ - ١١٣،
والحافظ فى التقريب، ووقع فى المطبوعة ((خير))بتقديم الياء على الثاء، وبذلك ضبطه صاحب الخلاصة.
وهو خطأ صرف .

٢٨٥
تفسير سورة البقرة : ٨١
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((وأحاطتْ به خطيئته))، قال: ما أَوْجب اللّه
فيه النار .
١٤٣٣ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة
((وأحاطت به خطيئته))، قال: أما الخطيئة فالكبيرةُ الموجبة.
١٤٣٤ - حدثنا الحسن قال، أخبرنا عبد الرزاق [قال، أخبرنا معمر]، عن
قتادة: ((وأحاطت به خطيئته))، قال : الخطيئة الكبائر .
١٤٣٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا وكيع ويحيى بن آدم،
عن سلام بن مسكين قال: سأل رجل الحسن عن قوله: ((وأحاطت به خطيئته))،
فقال: ما نَدْرى ما الخطيئة، يا بُنِىّ اتْلُ القرآنَ، فكل آية وعدَ اللّه عليها النارَ،
فهى الخطيئة .
١٤٣٦ - حدثنا أحمد بن إسحق الأهوازى قال، حدثنا أبو أحمد الزبيرى قال،
حدثنا سفيان ، عن منصور، عن مجاهد فى قوله: ((بلى مَنْ كسب سيئة وأحاطت
به خطيئته))، قال : كل ذنب مُحيط ، فهو ما وعد اللّه عليه النار .
١٤٣٧ - حدثنا أحمد ابن إسحق قال ، حدثنا أبو أحمد الزبیری قال، حدثنا
سفيان، عن الأعمش، عن أبى رزين: ((وأحاطت به خطيئته))، قال: مات
بخطيئته .
١٤٣٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا الأعمش قال ،
حدثنا مسعود أبو رزين، عن الربيع بن خثَيْم فى قوله: (( وأحاطت به خطيئته ))،
قال : هو الذى يموت على خطيئته قبل أن يتوب .
١٤٣٩ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، قال وكيع : سمعت
الأعمش یقول فى قوله: (( وأحاطت به خطيئته )) ، مات بذنوبه .
١٤٤٠ - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيع: (( وأحاطت به خطيئته))، الكبيرة الموجبة.

٢٨٦
تفسير سورة البقرة : ٨١
١٤٤١ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ،
عن السدى: ((أحاطت به خطيئته))، فمات، ولم يَتُبْ.
١٤٤٢ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثى حسان ، عن
٣٠٧/١ ابن جريج قال، قلت لعطاء: ((وأحَاطَت به خطيئته))، قال: الشِّرك، ثم
تلا ﴿ ومَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ﴾ [سورة النمل: ٩٠]. (١)
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَأُولَئِكَ أَعْبُ النَّارِ مُمْ فِيهَا
خَلِدُونَ) )
قال أبو جعفر : یعنی بقوله جل ثناؤه: «فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون))،
فأولئك الذين كسبوا السيئات وأحاطت بهم خطيئاتهم، أصحابُ النار هم فيها خالدون .
. .
ويعنى بقوله جل ثناؤه: ((أصحابُ النار))، أهل النار. وإنما جعلهم لها
أصحاباً لإيثارهم- فى حياتهم الدنيا ما يُورِدُ هُموها ويوردهم سعيرها- على الأعمال
التى توردهم الجنة فجعلهم جل ذكره = بإيثارهم أسباً بها على أسباب الجنة =
لها أصحاباً ، كصاحب الرجل الذى يُصاحبه مؤثراً صحبته على صحبة غيره ، حتى
یعرف به
٠
((ُهم فيها))، يعنى: هم فى النار خالدون. ويعنى بقوله: ((خالدون)) مقيمون. كما:
١٤٤٣ - حدثنى محمد بن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثنى محمد بن
أبى محمد، عن سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس: ((هم فيها خالدون))،
أى خالدون أبداً .
١٤٤٤ - حدثی موسی بن هرون قال ، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط ،
(١) انظر ما مضى فى كلامه عن ((الخطيئة)) فى هذا الجزء ٢: ١١٠
.

٢٨٧
تفسير سورة البقرة : ٨٢٤٨١
عن السدى: ((هم فيها خالدُون))، لا يخرجون منها أبداً .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ ءامَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّلِحَّتِ
أُوْ لَئِكَ أَعْبُ الَّةِ مُمْ فِيَهَا خُلِدُونَ) (@)
قال أبو جعفر: ويعنى بقوله: ((والذين آمنوا))، أى صدقوا بما جاء به
محمد صلى الله عليه وسلم. ويعنى بقوله: ((وعملوا الصالحات))، أطاعوا اللّه فأقاموا
◌ُحدودَه، وأدّوا فرائضه، واجتنبوا محارِمَه. ويعنى بقوله: ((فأولئك))، فالذين هم
كذلك ((أصحابُ الجنة هم فيها خالدون))، يعنى: أهلُها الذين هم أهلُها،ُهُم فيها
((خالدون)) ، مقيمون أبداً .
وإنما هذه الآية والتى قبلها إخبارٌ من اللّه عبادَه عن بقاء النار وبقاء أهلها
فيها ، [وبقاء الجنة وبقاء أهلها فيها ]، (١) وَدوام ما أعدَّ فى كل واحدة منهما
لأهلها ، تكذيباً من الله جل ثناؤه القائلين من يهود بنى إسرائيل: إنّ النار [َنْ
تمسَّهم إلا أياماً معدودة ، وأنهم صائرون بعد ذلك إلى الجنة . فأخبرهم بخلود
كفارهم فى النار ، وُخُلودُ مؤمنيهم فى الجنة ، كما : -
١٤٤٥ - حدثنى ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنا ابن إسحق قال ،
حدثنى محمد بن أبى محمد ، عن سعيد بن جبير ، أو عكرمة ، عن ابن عباس :
(( والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحابُ الجنةِ ◌ُهُمْ فيها خالدون))، أى مَنْ
آمن بما كفرتم به ، وعمل بما تركتم من دينه ، فلهم الجنة خالدين فيها . يخبرهم
أنّ الثواب بالخير والشرُّ مقيم على أهله أبداً ، لا انقطاع له أبداً .
١٤٤٦ - حدثنى يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال ، فال
(١) ما بين القوسين زيادة لا بد منها ، لسياقة الكلام.

٢٨٨
تفسير سورة البقرة : ٨٢، ٨٣
ابن زيد، ((والذين آمنوا وعملوا الصالحات))، محمدٌ صلى الله عليه وسلم وأصحابه -
((أولئك أصحابُ الجنةُهُمْ فيها خالدون)).
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِثْقَ بِى إِسْرَاءِيلَ
لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ)
قال أبو جعفر: قد دللنا - فيما مضى من كتابنا هذا - على أن ((الميثاق))
(مِفْعال)) من ((التوثّق باليمين)) ونحوها من الأمور التى تؤكد القول. (١) فمعنى الكلام
إذاً: واذكروا أيضاً يا معشرَ بنى إسرائيل، إذْ أخذنا ميثاقكم لا تعبدون إلا اللّه ،
كا :-
١٤٤٧ - حدثنى به ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال، حدثنى ابن إسحق قال ،
حدثنى محمد بن أبى محمد ، عن سعيد بن جبير ، أو عكرمة ، عن ابن عباس:
((وَإذْ أَخَذْنا ميثاقَ بنى إسرائيل)) - أى ميثاقكم - ((لا تَعبدون إلاّ اللّهَ)).
٥
٣٠٨/١
قال أبو جعفر: والقرأةُ مختلفة فى قراءة قوله(٢): ((لا تعبدون)). فبعضهم
يقرؤها بالتاء، وبعضهم يقرؤها بالياء ، والمعنى فى ذلك واحد. وإنما جازت القراءة
بالياء والتاء، وأن يقال ((لا تعبدون)) و((لا يعبدون)) وهم غَيَبٌ، (٣) لأن أخْذ
الميثاق، بمعنى الاستحلاف. فكما تقول: ((استحلفتُ أخَاك ليقومَنَ)) - فتخبر
عنه خبرك عن الغائب لغيبته عنك. وتقول: ((استحلقته لتقومَنّ))، فتخبرُ
عنه "خبرك عن المخاطَب، لأنك قد كنتَ خاطبته بذلك ... فيكون ذلك صحيحاً جائزاً.
(١) انظر ما سلف ١: ٤١٤، وهذا الجزء ٢ : ١٥٦
(٢) فى المطبوعة: ((والقراء مختلفة))، ورددتها إلى ما جرى عليه الطبرى فى كل ما سلف.
(٣) غيب ( بفتح الغين والياء) جمع غائب ، مثل خادم وخدم .

٢٨٩
تفسير سورة البقرة : ٨٣
فكذلك قوله: (وإذا أخذنا میثاق بنی إسرائیل لا تعبدون إلا الله)) و ((لا يعبدون)).
من قرأ ذلك ((بالتاء)) فمعنى الخطاب، إذ كان الخطاب قد كان بذلك. ومن قرأ
(((بالياء))، فلأنهم ما كانوا مخاطَبين بذلك فى وقت الخبر عنهم .
٠٠٠
وأما رفعُ (( لا تعبدون))، فبالتاء التى فى ((تعبدون))، ولا ينصب بـ ((أن)) التى
كانت تصلح أن تدخل مع ((لا تعبدون إلا اللّه)). لأنها إذا صلح دخولها على فعل
فحذفت ولم تدخل ، كان وُجه الكلام فيه الرفع ، كما قال جل ثناؤه :
﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِى أَعْبُدُ أَيُّهَا الَجَاهِلُونَ﴾ [سورة الزمر: ٦٤]، فرفع
((أعبُدُ)) - إذلم تدخل فيها ((أنْ)) بالألف الدّالة على معنى الاستقبال، وكما
قال الشاعر : (١).
ألا أيُّهُذَا الزّاجِرِى أَحْضُرُ الوَغَى وَأَنْ أَشْهَدَ اللََّّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِى(٢)
فرفع (أحضرُ)) - وإن كان يصلح دخول ((أن)) فيها - إذا حذفت، بالألف
التى تأتى بمعنى الاستقبال .
وإنما صلح حذف ((أن)) من قوله: ((وإذْ أخذنا ميثاقَ بنى إسرائيل لا
تَعبدون))، لدلالة ما ظهرَ من الكلام عليها ، فاكتفى - بدلالة الظاهر عليها -
منها .(٣)
٠
وقد كان بعض نحوبى البصرة يقول: معنى قوله: ((وإذ أخذنا ميثاقَ بنى
إسرائيل لا تعبدون إلاّ اللّه)»، حكاية، كأنك قلت : استحلفناهم: لا تعبدون ،
أى قلنا لهم: والله لا تعبدون - وقالوا: والله لا يعبدون . والذى قال من ذلك ،
قريب معناه من معنى القول الذى قلنا فى ذلك .
(١) هو طرفة بن العبد.
(٢) ديوانه: ٣١٧ (أشعار الستة الجاهليين)، من معلقته النفيسة وسيأتى فى ٢١: ٢٢٪
٣٠ : ١٢٠ ( بولاق)، وسيبويه ١ : ٤٥٢.
(٣) انظر معانى القرآن الفراء ١ : ٥٣ - ٥٤ .
ج ٢. (١٩)

٢٩٠
تفسير سورة البقرة : ٨٣
وبنحو الذى قلنا فى قوله : ( وإذا أخذنا میثاق بنى إسرائيل لا تعبدون إلا
اللّه )، تأوّله أهل التأويل . ذكر من قال ذلك:
١٤٤٨ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن
الربيع ، عن أبى العالية: أَخذَ مواثيقهم أن يخلصوا لهَ ، وأن لا يعبدوا غيرَه.
١٤٤٩ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسمق قال ، أخبرنا ابن أبى جعفر ،
عن أبيه، عن الربيع فى قوله: ((وإذْ أخذنا ميثاق بنى إسرائيلَ لا تَعبدون إلاّ
الله))، قال: أخذنا ميثاقهم أن يخلصوا لله ولا يعبدُوا غيره.
١٤٥٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج: ((وإذا أخذنا ميثاقَ بنى إسرائيل لا تعبدون إلاّ اللّه))، قال: الميثاق
الذى أخذ عليهم فى المائدة . (١)
...
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَبِالْوَلِدِينِ إِحْسَاناً﴾
قال أبو جعفر: وقوله جل ثناؤه: ((وبالوالدين إحساناً))، عطفٌ على موضع
((أن)) المحذوفة فى ((لا تعبدون إلاّ اللّه)). فكان معنى الكلام: وإذ أخذنا ميثاق"
بنى إسرائيل بأن لا تعبدوا إلا اللّه، وبالوالدين إحساناً، فرفع ((لا تعبدون)) لمّا
حذف ((أن))، ثم عطف ((بالوالدين)) على موضعها، كما قال الشاعر: (٢)
فَلَسْنَا بالجبالِ وَلا الحدِيدَا (٣)
مُعَاوِىَ إنّنَا بَشَرٌ فَأَسْجِحْ
(١) قوله تعالى فى سورة المائدة: ١٢: ﴿ولقد أخَذَ الله مِيثَاقَ بنى إسرائيل وبَمَثْنَا
مَعَهُمُ اثْنَى عَشَرَ نقيباً) إلى آخر الآية .
(٢) عقبة بن هبيرة الأسدى، جاهل إسلامى.
(٣) سيبويه ١: ٣٤، ٣٧٥، ٤٤٨، والخزانة ١: ٣٤٣، وسمط اللآلىء: ١٤٩ وفيه
تحقيق جيد . وهذا البيت مما أخطأ فيه سيبويه ، وكان عقيبة وفد على معاوية ، ودفع إليه رقعة فيها
هذه الأبيات :

٢٩١
تفسير سورة البقرة : ٨٣
فنصب (الحديد)) على العطف به على موضع ((الجبال))، لأنها لو لم تكن
فيها ((باء)) خافضة كانت نصباً. فعطفبـ ((الحديد)) على معنى ((الجبال))،
لا على لفظها. فكذلك ما وصفت من قوله: (( وبالوالدين إحساناً)»
٠ ٥
وأما (( الإحسان)) فمنصوب بفعل مضمر یؤدی معناه قوله: (( وبالوالدين))،
إذا كان مفهوماً معناهُ. فكان معنى الكلام - لو أظهر المحذوف -: وإذْ أخذنا ٣٠٩/١
ميثاقَ بنى إسرائيل، بأنْ لا تعبدوا إلا اللّه، وبأن تُحسنوا إلى الوالديْن إحساناً.
فاكتفى بقوله: ((وبالوالدين)) من أن يقال: وبأن تُحسنوا إلى الوالدين إحساناً،
إذا كان مفهوماً أن ذلك معناه بما ظهرَ من الكلام .
٠
٠
وقد زعم بعض أهل العربية فى ذلك أن معناه : وبالوالدين فأحسنوا إحساناً ،
فجعل ((الباء)) التى فى ((الوالدين)) من صلة الإحسان ، مقدّمة عليه.
...
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنْ لا تعبدوا إلاّ اللّه، وأحْسنوا بالوالدين
إحساناً. فزعموا أن ((الباء)) التى فى ((الوالدين)) من صلة المحذوف - أعنى أحسنوا -
فجعلوا ذلك من كلامين . وإنما يُصرف الكلام إلى مَا ادَّعَوْا من ذلك ، إذا لم
يوجد لا تساق الكلام على كلام واحد وَجْهٌ. فأما والكلام وجهٌ مفهومٌ على اتساقه
على كلام واحد ، فلا وجه لصرْفه إلى كلامين . وأخرى ، أنّ القوْلَ فى ذلك
لو كان على ما قالوا، لقيل: وإلى الوالدين إحساناً، لأنه إنما يقال: ((أحسن
فَلَسْنَا بالجبالِ وَلاَ الحَدِيدِ
مُعَاوِىَ إِنَّنَا بَشَرٌ فَأَسْجِحْ
يَزِيدُ أَمِيرُها وأَبُو يَزِيدِ
فَهَبْهَا أُمَّةً ذَهَبَتْ ضَيَاعاً
فَهَلْ مِنْ قَائِ أَوْ مِنْ حَصِيدِ؟
أكَلُمْ أَرْضَنَا فَجْرِدْتُمُوهَاَ
وَ تَأْمِيرَ الْأَرَّاذِلِ وَالعَبِيدِ
ذَرُوا خَوْنَ اِخِلافَةِ وَأُسْتَقْيُوا
جُنُودٌ مُرْدَفَاتٌ بِأُلْجُنُودِ
وَأَعْطونا السَّوَيَةَ، لا تَزُرَكُمْ
فدعاه معاوية فقال له : ما أجرأك على ؟ قال: نصحتك إذ غشوك، وصدقتك إذ كذبوك . فقال
معاوية : ما أظنك إلا صادقاً .

٢٩٢
تفسير سورة البقرة : ٨٣
فلان إلى والديه)) ولا يقال: أحسن بوالديه ، إلا على استكراه للكلام .
ولكن القولُ فيه ما قلنا ، وهو : وإذا أخذنا ميثاقَ بنى إسرائيل بكذا ،
وبالوالدين إحساناً - على ما بيّنا قبل. فيكون الإحسان حينئذ مصدّراً من الكلام
لا من لفظه، كما بينا فيما مضى من نظائره.(١)
٠ ٠
#
فإن قال قائل: وَمَا ذلك ((الإحسانُ)) الذى أخذ عليهم بالوالدين الميثاق" ؟
قيل: نظيرُ ما فرض الله على أمَّتنا لهما من فعل المعروف لهما، والقول
الجميل، وخفض جناح الذّلّ رحمةً بهما، والتحنُّن عليهما، والرأفة بهما، والدعاء
بالخير لهما، وما أشبه ذلك من الأفعال التى ندب الله عبادَه أن يفعلوا بهما.
...
القول فى تأويل قوله تعالى (وَذِى الْقُرْبَى وَاَلْيَطْمَى وَالمَسَّكِينِ)
قال أبو جعفر: يعنى بقوله ((وذى القُرْبى))، وبذى القربى أن يصلوا قرابته
منهم ورحمه .
و((القُرْبى)) مصدر على تقدير ((فُعْلى))، من قولك، ((قُرُبت منى رحم فلان
قَرَآبَةٌ وُقَرْبِى وُقُرْباً))، بمعنى واحد.
٠
وأما ((اليتامى)). فهم جمع ((يَتيم))، مثل ((أسير وأسارى)). ويدخل فى اليتامى
الذكور منهم والإناث .
...
ومعنى ذلك : وإذ أخذنا میثاق بنى إسرائيل لا تعبدون إلاّ الله وحده دون
من سواه من الأنداد ، وبالوالدين إحساناً ، وبذى القربى : أنْ تَصلوا رَحمه ،
وتعرفوا حقه، وباليتامى: أن تَتعطّفوا عليهم بالرحمة والرأفة، وبالمساكين: أنْ
تُؤْتوهم حقوقهم التى ألزمها الله أموالكم .
٠
٥
( ١) انظر ما سلف ١ : ١٣٨

٢٩٣
تفسير سورة البقرة : ٨٣
و((المسكين))، هو المتخشَّع المتذلّل من الفاقة والحاجة، وهو ((مِفْعيل))
من ((المسكنة)). و((المسكنة)) هى ذلّ الحاجة والفاقة.(١)
...
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنَا﴾
قال أبو جعفر: إن قال قائل: كيف قيل: ((وقُولوا للناس حُسْناً))، فأخرج
الكلام أمرًاً ولمَّا يتقدمه أمر، بل الكلام جارٍ من أول الآية مجرى الخبر ؟
قيل : إنّ الكلامَ ، وإن كان قد جرى فى أوّل الآية مجرى الخبر ، فإنه مما
يحسن فى مَوْضعه الخطاب بالأمر والنهى. فلو كان مكان: (( لا تعبدون إلا
اللّه))، لا تعبدوا إلاّ اللّه - على وجه النهى من الله لهم عن عبادة غيره - كان حسناً
صواباً . وقد ذكر أن ذلك كذلك فى قراءة أبيّ بن كعب. وإنما حَسُن ذلك
وجاز - لو كانَ مقروءًاً به - لأنّ أخذ الميثاق قول" .
فكان معنى الكلام - لو كان مقروءًا كذلك -: وإذ قلنا لبنى إسرائيل:
لا تعبدوا إلا اللّه، كما قال جل ثناؤه فى موضع آخر: ﴿وَ إِذْ أُخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ
ورَفَعْنَا فَوْقَكُم الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ ﴾ [سورة البقرة: ٦٣]. فلما كان
حسناً وضعُ الأمر والنهى فى موضع: ((لا تعبدون إلاّ اللّه))، عطف بقوله: ((وقُولُوا
للناس حسناً))، على موضع (( لا تعبدون))، وإن كان مخالفاً كل واحد منهما معناه
معنى مافيه، (٢) لما وصفنا من جواز وضع الخطاب بالأمر والنهى موضع ((لا تعبدون)). ٣١٠/١
فكأنه قيل : وإذ أخذنا ميثاقَ بنى إسرائيل لا تعبدوا إلا اللّه، وقولوا للناس
حُسناً. وهو نظير ما قدَّمنا البيان عنه: من أنّ العرب تبتدئ الكلام أحياناً على وجه
الخبر عن الغائب فى موضع الحكاية لما أخبرت عنه، (٣) ثم تعود إلى الخبر على
(١) انظر ما سلف فى هذا الجزء: ٢: ١٣٧
(٢) فى المطبوعة: ((ومعناه)) بزيادة الواو ، والصواب حذفها.
(٣) فى المطبوعة: ((فى موضع الحكايات كما أخبرت عنه))، والصواب ما أثبته.

٢٩٤
تفسير سورة البقرة : ٨٣
وجه الخطاب ؛ وتبتدئ أحياناً على وجه الخطاب ، ثم تعود إلى الإخبار على وجه
الخبر عن الغائب، لما فى الحكاية من المعنيين، (١) كما قال الشاعر: (٢)
أُسِيئِى بِنا أوْ أَخْسِى لا مَلُومَةً لَدَيْنَا وَلا ◌َقْلِيَةِ إِنْ تَقَلْتِ (٣)
يعنى : تقلَّيْت .
٥
وأما ((الحسن)) فإن القَرّأة اختلفت فى قراءته. (٤) فقرأته عامة قرأة الكوفة غير
عاصم: ((وقولوا للناس حسناً)) بفتح الحاء والسين. وقرأته عامة قراء المدينة: ((حسناً)
بضم الحاء وتسكين السين. وقد رُوى عن بعض القرأة أنه كان يقرأ: ((وقولوا
للناس (ُحُسْنَى)) على مثال ((فُعْلى)).
٠
واختلف أهل العربية فى فرق ما بين معنى قوله: (( ◌ُحُسْناً)) و((حَسَناً)).
فقال بعض البصريين: هو على أحد وجهين: إما أن يكون يراد بـ ((الحسن))
((الحسن)) وكلاهما لغة، كما يقال: ((البُخْل والبَخَل))، وإما أن يكون جعل ((الحسن))
هو ((الحسن)) فى التشبيه. وذلك أن الحسن (مصدر)) و((الحسن))، هو الشىء
الحسن. ويكون ذلك حينئذ كقولك: ((إنما أنت أكْلٌ وُشرب))، وكما قال الشاعر (٥)
تَحِيَّةُ بَيْنِهِمِ ضَرْبٌ وَجِيعُ(٦)
وخَيْلِ قَدْ دَلَفَتُ لَاَ بِخَيْلٍ
(١) انظر ما سلف ١: ١٥٣ - ١٥٤، وسيأتى فى هذا الجزء ٢: ٣٥٧
(٢) هو كثير عزة .
(٣) ديوانه ١: ٥٣ من قصيدته المشهورة. قلاء يقليه قلى فهو مقلى: كرههه وأبغضه. وتقلى
تبغض ، أى استعمل من الفعل أو القول ما يدعو إلى بغضه .
(٤) فى المطبوعة: ((فإن القراء))، ورددته إلى ما مضى عليه أبو جعفر فى عبارته، كما
سلف مراراً .
(٥) يقال هو: عمرو بن معد يكرب الزبيدى. (الخزانة ٤: ٥٦)، وليس فى قصيدته التى
على هذا الوزن فى الأصمعيات : ٤٣، ولكنه أتى فى نوادر أبى زيد: ١٤٩ - ١٥٠ أنه لعمرو بن
معد يكرب . فكأنه له ، وكأنه سقط من رواية الأصمعى ، وهو فى رواية غيره .
(٦) نوادر أبى زيد: ١٥٠، وسيبويه ١: ٣٦٥، ٤٢٩، والخزانة ٤: ٥٣. وغيرها.

٢٩٥
تفسير سورة البقرة : ٨٣
فجعل (( التحية )» ضرباً .
وقال آخر: بل ((الحُسْن)) هو الاسم العام الجامع جميع معانى الحسن.
و ( الحَسَن)) هو البعض من معانى (الحسن)). قال: ولذلك قال جل ثناؤه،
إذا أوصى بالوالدين: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِيهِ حُسْنَا﴾ [سورة العنكبوت: ٨]،
يعنى بذلك أنه وصاه فيهما بجميع معانى الحسن ، وأمر فى سائر الناس ببعض الذى
أمره به فى والديه، فقال: ((وقولوا للناس حسناً))، يعنى بذلك بعضَ معانى الحسن
٠٠٠
قال أبو جعفر: والذى قاله هذا القائل فى معنى (( الحسن)) بضم الحاء وسكون
السين، غيرُ بعيد من الصواب، وأنه اسم لنوعه الذى ◌ُّى به. وأما ((الحَسَن))
فإنه صفة وقعت لما وصف به ، وذلك يقع بخاص . وإذا كان الأمر كذلك،
فالصواب من القراءة فى قوله: ((وُقُوُلُوا للناسَ حَسَناً))، لأن القوم إنما أمِروا فى هذا
العهد الذى قيل لهم: ((وقولوا للناس )) باستعمال الحسن من القول ، دون سائر معانى
الحسن الذى يكون بغير القول . وذلك نعتٌ لخاص من معانى الحسن ، وهو القول.
فلذلك اخترت قراءته بفتح الحاء والسين ، على قراءته بضم الحاء وسكون السين .
٥
٠
وأما الذى قرأ ذلك: ((وقُولُوا للناس حسنى))، فإنه خالف بقراءته إياه كذلك ،
قراءةَ أهل الإسلام . وكفى شاهداً على خطأ القراءة بها كذلك، خروجها من قراءة
أهل الإسلام ، لو لم يكن على خطئها شاهدٌ غيره. فكيف وهى مع ذلك خارجةٌ
من المعروف من كلام العرب؟ وذلك أن العرب لا تكاد أن تتكلم : (( فُعلى ))
( وأفعل)) إلاّ بالألف واللام أو بالإضافة. لا يقال: ((جاءنى أُحْسَنُ))، حتى
يقولوا: ((الأحسن)). ولا يقال: ((أجمل))، حتى يقولوا، ((الأجمل)). وذلك أن ((الأفعل
والفُعلى))، لا يكادان يوجدان صفة إلا لمعهود معروف، كما تقول: ((بَلْ أخوك
الأحسن - وبل أختك الحسنى)). وغير جائز أن يقال: امرأة حسنى، ورجل أحْسن.
وأما تأويل القول الحسن الذى أمرَ الله به الذين وصف أمرهم من بنى إسرائيل

٢٩٦
تفسير سورة البقرة : ٨٣
فى هذه الآية ، أن يقولوه للناس، (١) فهو ما : -
١٤٥١ - حدثنا به أبو كريب قال ، حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن
٣١١/١ عمارة ، عن أبى روق، عن الضحاك ، عن ابن عباس فى قوله: « وقولوا للناس
حسناً))، أمرهم أيضاً بعد هذا الخلُق: أن يقولوا للناس حسناً، أن يأمرواب((لا إله
إلا اللّه)) من لم يقُلُها ورَغب عنها، حتى يقولوها كما قالوها، فإن ذلك قُرْبةٌ من
الله جل ثناؤه. وقال: الحسن أيضاً، ليُّن القول، من الأدب الحسن الجميل والخلُق
الكريم، وهو مما ارتضاه الله وأحبه .
١٤٥٢ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن
الربيع، عن أبى العالية: ((وقولوا للناس حسناً))، قال ، قولوا للناس معروفاً .
١٤٥٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج ، عن ابن
جريج: ((وقولوا للناس حسناً))، قال: صدقاً فى شأن محمد صلى اللّه عليه وسلم.
١٤٥٤ _ وحدثتعن یزید بن هرون قال: سمعت سفيان الثوری يقول فى
قوله: ((وقولوا للناس حسناً))، قال: مُرُوهم بالمعروف وانهوْهم عن المنكر (٢)
١٤٥٥ - حدثنى هرون بن إدريس الأصم قال ، حدثنا عبد الرحمن بن محمد
المحاربى قال ، حدثنا عبد الملك بن أبى سليمان قال ، سألت عطاء بن أبى رباح
عن قول الله جل ثناؤه: ((وقولوا للناس حسناً))، قال: من لقيتَ من الناس فقل له
حسناً من القول . قال : وسألت أبا جعفر ، فقال مثل ذلك (٣)
١٤٥٦ - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا القاسم قال، أخبرنا عبد الملك ،
(١) فى المطبوعة: ((لأن يقولوه الناس)) بزيادة اللام، فاسدة.
(٢) الأثر: ١٤٥٤ - أخشى أن يكون سقط من إسناده شىء.
(٣) الخبر: ١٤٥٥ - هرون بن إدريس الأمم، شيخ الطبرى: لم أجد له ترجمة، ولا وجدته
فى مكان، إلا فى رواية الطبرى عنه فى التاريخ أيضاً ١: ٢٥٣، و٢: ١٢٦. روى عنه، عن
المحاربى. عبد الملك بن أبى سليمان: هو العرزبى، أحد الأئمة الثقات الحفاظ . مترجم فى التهذيب ،
وابن أبى حاتم ٣٦٦/٢/٢ - ٣٦٨.

٢٩٧
.
٠
تفسير سورة البقرة : ٨٣
عن أبى جعفر وعطاء بن أبى رباح فى قوله: ((وقولوا للناس حسناً))، قال : للناس
كلهم .
١٤٥٧ - حدثنى يعقوب قال، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا عبد الملك ، عن
عطاء مثله .
القول فى تأويل قوله ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ﴾
قال أبو جعفر: يعنى بقوله: ((وأقيموا الصلاة))، أدّ وها بحقوقها الواجبة عليكم
فيها، كما :-
١٤٥٨ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة،
عن أبى روق، عن الضحاك، عن ابن مسعود قال: ((وأقيموا الصلاة ))، هذه.
و ((إقامة الصلاة)) تمامُ الركوع والسجود والتلاوة والخشوع، والإقبال عليها فيها. (١)
...
القول فى تأويل قوله ﴿ وَءَاتُواْ الزَّ كُوَةَ﴾
قال أبو جعفر: قد بينا فيما مضى قبلُ، معنى ((الزكاة)) وما أصلها(٢)
وأما الزكاة التى كان الله أمر بها بنى إسرائيل الذين ذكر أمرهم فى هذه الآية،
فهى ما : -
١٤٥٩ - حدثنا به أبو كريب قال ، حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن
عمارة، عن أبى روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ((وآتوا الزكاة))، قال :
إيتاء الزكاة ، ما كان اللّه فرض عليهم فى أموالهم من الزكاة ، وهى سُنّة كانت لهم
غير سُنّة محمد صلى الله عليه وسلم . كانت زكاة أموالهم قرباناً تهبط إليه نار
(١) انظر ما سلف ١ : ٢٤١، ٥٧٣.
(٢) انظر ما سلف ١ : ٥٧٣ - ٥٧٤.

:
٢٩٨
تفسير سورة البقرة : ٨٣
فتحملها، فكان ذلك تقبُّله . ومن لم تفعل النار به ذلك كان غير متقبَّل ، وكان
الذى قرّب، منْ مكسب لا يحلُّ: من ظلم أو غشْ، أو أخْذٍ بغير ما أمره الله
به وبينه له .
١٤٦٠ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح ، قال ، حدثی
معاوية بن صالح، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس: ((وآتوا الزكاة ))، يعنى
((بالزكاة)»: طاعة الله والإخلاص.
٠
#
القول فى تأويل قوله تعالى ( ◌ُمَّ تَوَُّمْ الأَقَلِلاَ مِنْكُمْ
وَأْتُم مُعْرِضُونَ) (١)
قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن يهود بنى إسرائيل ، أنهم
نكثوا عهدّه ونقضوا ميثاقه، بعد ما أخذ الله ميثاقهم على الوفاء له ، بأن لا يعبُدوا
غيره ، وأن يحسنوا إلى الآباء والأمهات، ويصلوا الأرْحام، ويتعطّفوا على الأيتام،
ويؤدُّوا حقوق أهل المسكنة إليهم، ويأمرُوا عبادَ الله بما أمرهم الله به ويحثُّوهم على
طاعته ، وُيُقيموا الصلاة بحدودها وفرائضها ، ويؤتوا زكاة أموالهم - فخالفوا أمرَه
فى ذلك كله، وتولّوا عنه معرضين، إلا من عَصَمه اللّه منهم، فوَفى اللّه بعهده
ومیثاقه ، کما : -
٣١٢/١
١٤٦١ - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عثمان بن سعيد ، عن بشر بن
عمارة ، عن أبى روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس قال : لما فرضَ الله جل
وعزّ عليهم - يعنى : على هؤلاء الذين وصف الله أمرهم فى كتابه من بنى إسرائيل -
هذا الذى ذكر أنه أخذ ميثاقهم به ، أعرضوا عنه استثقالاً له وكراهية ، وطلبوا
ما خفّ عليهم، إلاّ قليلاً منهم، وهم الذين استثنى اللّه فقال: ((ثم تَوَلَّيْم))،
يقول: أعرضتم عن طاعتى، ((إلاّ قليلاً منكم))، قال : القليل الذين اخترتُهم

٢٩٩
تفسير سورة البقرة : ٨٣ ، ٨٤
لطاعتى ، وسيحل عقابى عن تولىّ وأعرض عنها يقول: تركها استخفافاً بها(١)
١٤٦٢ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثنا ابن إسحق قال ،
حدثنى محمد بن أبى محمد ، عن سعيد بن جبير ، أو عن عكرمة ، عن ابن
عباس: ((ثم توليتم إلاّ قليلاً منكم وأنتم مُعرضون))، أى تركتم ذلك كله .
٥
وقال بعضهم: عنى الله جل ثناؤه بقوله: ((وأنتم مُعرضون))، اليهود الذين كانوا
على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعنى بسائر الآية أسْلافَهم . كأنه ذهب
إلى أن معنى الكلام: (( ثم توليتم إلا قليلاً منكم)): ثم تولى سلفكم إلا قليلاً"
منهم، ولكنه جعل خطاباً لبقايا تَسْلهم - على ما ذكرناه فيما مضى قبل - (٢) ثم
قال : وأنتم يا معشر بقاياهم معرضون أيضاً عن الميثاق الذى أخذ عليكم بذلك ،
وتاركوه ترك أوائلكم .
وقال آخرون: بل قوله: ((ثم توليتم إلاّ قليلاً منكم وأنتم مُعرضون))،
خطابٌ لمن كان بين ظهرانيْ مُهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهود بنى
إسرائيل، وَذمَّ لهم بنقضهم الميثاق الذى أخذ عليهم فى التوراة، وتبديلهم أمرَ اللّه،
وركوبهم معاصيه .
٠ ٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ وَإِذْ أُخَذْنَا مِيْثُقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ
دِمَاءَ كُمْ ولاَ تُغْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِمْرِكُمْ﴾
قال أبو جعفر: قوله: ((وإذْ أخذْنا ميثاقكمْ لا تَسفكون دَمَاءَ كم)) فى
المعنى والإعراب نظيرُ قوله: ((وإذْ أخذنا ميثاق بنى إسرائيل لا تَعبدون
إلا الله)).
(١) انظر معنى ((تولى)) فيما سلف من هذا الجزء ٢ : ١٦٢
(٢) انظر ما سلف فى هذا الجزء ٢: ٣٨، ٣٩ ثم: ١٦٤، ثم : ٢٤٥، ثم : ٣٠٢

٣٠٠
تفسير سورة البقرة : ٨٤
٠٠
٠
وأما ((سفك الدم))، فإنه صَبَّه وإراقته .
٥
٠ ٥
فإن قال قائل: وما معنى قوله: (( لا تَسفكون دماء كم ولا تُخرُ جون أنفسكمْ
من دياركم))؟ وقال: أو كان القوم يقتلون أنفسهم ويخرجونها من ديارها، فنُهُوا عن ذلك؟
قيل : ليس الأمر فى ذلك على ما ظننت ، ولكنهم ◌ُنُهوا عن أن يقتل بعضهم
بعضاً . فكان فى قتل الرجل منهم الرجلَ قتلُ نفسه، إذ كانت ملَّهما [ واحدة،
فهما ] بمنزلة رجل واحد. (١) كما قال عليه السلام :
١٤٦٣ - ((إنما المؤمنون فى تراُهم وتعاطفهم بينهم بمنزلة الجسد الواحد،
إذا اشتكى بعضُهُ تَدَاعى له سائر الجسد بالحمَى والسهرَ)). (٢)
٠ ٠
٠
وقد يجوز أن يكون معنى قوله: ((لا تَسفكون دماء كم))، أى: لا يقتل الرجلُ
منكم الرجلَ منكم ، فيقادَ به قِصاصاً، فيكون بذلك قاتلاً نفسه، لأنه كان
الذى سبَّب لنفسه ما استحقَّت به القتل. فأضيف بذلك إليه ، قتلُ ولىّ المقتول
إياه قصاصاً بوليه . كما يقال للرجل يركبُ فعلاً من الأفعال يستحق به العقوبة،
فيعاقب العقوبة: ((أنت جنيتَ هذا على نفسك)).
. . .
وبنحو الذى قلنا فى تأويل ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك :
١٤٦٤ - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا
سعيد، عن قتادة قوله: ((وإذ أخذنا ميثاقكم لا تَسفكون دماء كم))، أى: لا
يقتُلْ" بعضكم بعضاً، ((ولا تخرجُون أنفسكم من دياركم ))، ونفسُك يا ابن آدم
أهلُ ملّتك .
(١) الزيادة بين القوسين لا بد منها، وإلا فسد الكلام.
(٢) الحديث: ١٤٦٣ - هكذا رواه الطبرى معلقاً. والظاهر أنه رواه بالمعنى أيضاً . ولفظه
فى صحيح مسلم ٢ : ٢٨٤، من حديث النعمان بن بشير: ((مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم،
مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)). وكذلك رواه أحمد فى
المسند (٤: ٢٧٠ حلى). ورواه البخارى بنحو معناه ١٠: ٣٦٧ (من الفتح).