Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
تفسير سورة البقرة : ٧٤
جريج أنه قال فيها : كل حجر انفجر منه ماء ، أو تشقق عن ماء ، أو تردَّى
من جبل ، فمن خشية الله . نَزّل به القرآن .
٠
٠
٠
قال أبو جعفر : ثم اختلف أهل التأويل فى معنىُ هُبُوط ما هبط من الحجارة
من خشية الله .
فقال بعضهم: إن هبوطَ ما هبط منها من خشية الله تَفيُّؤُ ظلاله. (١)
وقال آخرون : ذلك الجبلُ الذى صَارَ دًّا إذْ تجلّى له ربه. (٢)
وقال بعضهم : ذلك كان منه ويكون ، بأن الله جل ذكره أعطى بعض الحجارة
المعرفة والفهم ، فعقل طاعة الله فأطاعه.
١٣٢٤ - كالذى رُوى عن الجذع الذى كان يستند إليه رسول الله صلى الله عليه
وسلم إذا خطب، فلما تحوَّل عنه "حَنَّ. (٣)
١٣٢٥ - وكالذى رُوى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن حجراً
كان يُسَلِم علىّ فى الجاهلية إنّى لَأَ عرفه الآن )). (٤)
(١) يريد قوله تعالى فى سورة النحل: ٤٨ ﴿أُوَ لَمَّ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَىْءٍ يَتَفَيَّوُ
ظِلَاَلُهُ عَنِ الَمِينِ والَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾. وانظر تفسير الآية من تفسير
الطبرى ١٤: ٧٨، ٧٩ ( بولاق).
(٢) يريد قوله تعالى فى سورة الأعراف: ١٤٣: ﴿فَلَّا تَجَلَى رَبُّهُ للجَبَلِ جَعَلَهُ
دَكاً وخَرَّ مُوسَى صَعِقَاً﴾.
(٣) الحديث: ١٣٢٤ - قصة حنين الجذع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، متواترة صحيحة،
لا يشك فى صحتها إلا من لا يريد أن يؤمن. وقد عقد الحافظ ابن كثير فى التاريخ باباً لذلك ٦: ١٢٥ -
١٣٢، قال فى أوله: «باب حنين الجذع شوقاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشفقاً من فراقه.
وقد ورد من حديث جماعة من الصحابة، بطرق متعددة ، تفيد القطع عند أئمة هذا الشأن، وفرسان هذا
الميدان)»، ثم ساق من الأحاديث الصحاح من دواوين السنة. وانظر منها فى المسند: ٣٤٣٠،٢٢٣٦،
من حديث ابن عباس. و٣٤٣١،٢٢٣٧، من حديث أنس. و ٣٤٣٢ من حديث ابن عباس وأنس.
وصحيح البخارى ٦ : ٤٤٣ ( من الفتح) .
(٤) الحديث: ١٣٢٥ - روى مسلم فى صحيحه ٢: ٢٠٣ - ٢٠٤، عن جابر بن سمرة،
قال: ((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنى لأعرف حجراً بمكة، كان يسلم على قبل أن أبعث، إنى
لأعرفه الآن)). وذكره ابن كثير فى التاريخ ٦ : ١٣٤، من مسند أحمد، ثم نسبه لصحيح مسلم،
ومسند الطيالسى .
ج ٢ (١٦)

٢٤٢
تفسير سورة البقرة : ٧٤
وقال آخرون :: بل قوله: ((يهبط من خشية الله)) كقوله: (جِدَارًا يُرِيدُ
أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [سورة الكهف: ٧٧]، ولا إرادة له. قالوا وإنما أريد بذلك أنه من
عظم أمر اللّه، يُرى كأنه هابط خاشعٌ، من ◌ُذُلّ خشية الله، كما قال زيد الخيل:
بِجَمْعِ تَضِلُّ الْبُلْقُ فِى حَجَرَاتِهِ تَرَى الْأُكْمَ مِنْهُ سُجَّدَاً لِلِحَوَافِ(١)
وكما قال ◌ُسُوَيَد بن أبى كاهل، يصف عدوًّا له :
سَاجِدَ لَنْخِرِ لا يَرْقَُّهُ خَاشِعَ الطَّرْفِ أَصَمَّ الْمُشْتَعْ(٢)
يريد أنه ذليل . (٣)
وكما قال جرير بن عطية :
لَّا أتى خبرُ الرسول تَضَعْضَعَتْ سُورُ الَدِينةِ والجَبَالُ اُلْطَّعُ(٤)
...
وقال آخرون: معنى قوله: ((يهبط من خشية الله))، أى: يُوجب الخشية
لغيره، بدلالته على صانعه، كما قيل: ((ناقة تاجرة))، إذا كانت من نجابتها
وَفَرَاهتها تَدْعو الناس إلى الرغبة فيها ، كما قال جرير بن عطية :
(١) مضى هذا البيت فى هذا الجزء: ٢: ١٠٤، وورد هنا ((ترى الأكم فيها)) والصواب ما
أثبته، كما مضى آنفاً، وفى الأضداد لابن الأنبارى ((منها)) مكان ((فيها)).
(٢) المفضليات: ٤٠٧، والأضداد لابن الأنبارى: ٢٥٧. من قصيدته المحكمة. و((ساجد))
منصوب إذ قبله ، فى ذكر عدوه هذا :
طَائِرُ الإِتْرَافِ عَنْه قَدْ وَقَعْ
ثُّ وَلَى وَهْوَ لاَ يَحْنِ أُسْتَهُ
وفى الأصل المطبوع: ((إذ يرفعه))، وهو خلل فى الكلام. وأثبت ما فى المفضليات، ورواية
ابن الأنبارى: (( ما يرفعه)). يقول أذله فطأطأ رأسه خزياً، وألزم الأرض بصره، وصار كأنه أصم
.. لا يسمع ما يقال له ، فهو لا حراك به، مات وهو حى قائم ، لا يحير جواباً. ولذلك قال بعده :
فَرَّ مِّى هَارِبَا شَيْطَانُهُ حْثُ لاَ يُعْطِى، وَلاَ شَيْئًا مَنَعْ
(٣) هذه الجملة كانت قبل البيت، فرددتها إلى حيث ينبغى أن ترد .
(٤) سلف هذا البيت وتخرجه فى هذا الجزء ٢: ١٧، وروايته هناك ((خبر الزبير))، وهى أصح
وأجود .

٢٤٣
تفسير سورة البقرة : ٧٤
وأعْوَرُ مِن نَبْهَانَ، أمَّا نَهَارُه فَأَْى، وأمَّا لِيلُهُ فَبَصِيرُ(١)
فجعل الصَّفة الليل والنهار ، وهو يريد بذلك صاحبه النبهانى الذى يهجوه، ٢٩٠/١
من أجل أنه فيهما کان ما وصفه به .
٠
وهذه الأقوال ، وإن كانت غير بعيدات المعنى مما تحتمله الآية من التأويل،
فإن تأويلَ أهل التأويل من علماء سلف الأمة بخلافها ، فلذلك لم نستجر صَرْف
تأويل الآية إلى معنى منها . (٢)
٥
٠
وقد دللنا فيما مضى على معنى ((الخشية))، وأنها الرهبة والمخافة، فكرهنا
إعادة ذلك فى هذا الموضع . (٣)
#
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ وَمَا اللهُ بِظَفِلٍ عَمَّا تَعْلُونَ) (
قال أبو جعفر: يعنى بقوله: ((وما اللّه بغافل عما تعملون))، وما الله بغافل -
يا معشر المكذّبين بآياته، والجاحدين نبوّة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ،
والمتقوّلين عليه الأباطيلَ من بنى إسرائيل وأحبار اليهود - عما تعملون من أعمالكم
الخبيثة، وأفعالكم الرديئة، ولكنه ◌ُحصيها عليكم، فمجازيكم بها فى الآخرة، أو
مُعاقبكم بها فى الدنيا . (٤)
(١) سلف هذا البيت وتخريجه فى ١: ٣١٧ من طبعتنا هذه، وأغفلت هناك أن أرده إلى هذا
الموضع من التفسير ، فقيده .
(٢) ليت من تهور من أهل زماننا، فاجتراً على جعل كتاب ربه منبعاً يستقى منه ما يشاء لأهوائه
وأهواء أصحاب السلطان - سمع ما يقول أبو جعفر، فيما تجيزه لغة العرب، فكيف بما هو تهجم على كلام
ربه بغير علم ولا هدى ولا حجة؟ اللهم إنا نبرأ إليك منهم ، ونستعيذ بك أن نضل على آثارهم .
(٣) انظر ما سلف ١: ٥٥٩-٥٦٠، وهو من تفسير ((فارهبون))، ولم ترد مادة (خشى) فى
القرآن قبل هذا الموضع ، فلذلك قطعت بأنه أحال على هذه الآية .
(٤) كانت فى المطبوعة ((يحصيها، ... فيجازيكم ... أو يعاقبكم)) بالياء فى أولها جميعاً،
واستجزت أن أردها إلى الاسمية، لأن الطبرى هكذا يقول، وقد سلف مثل ذلك مراراً، ورأيت النساخ
تصرفوا فيه كما بيناه فى موضعه . فاستأنست بنهجه فى بيانه ، وهو أباغ وأقوم .

٢٤٤
تفسير سورة البقرة : ٧٤ ، ٧٥
وأصل ((الغَفْلة)) عن الشىء، تركه على وجه السهوٍ عنه، والنسيان له.
٠ ٠
فأخبرهم تعالى ذكره أنه غير غافل عن أفعالهم الخبيثة، ولا ساه عنها ، بل هو
لها ◌ُحصٍ، ولها حافظٌ .
٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُواْ لَكُمْ﴾
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((أفتطمعون)) يا أصحاب محمد ، أى :
أفترْجُون يا معشر المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم، والمصدّقين ما جاءكم به
من عند الله ، أن يؤمن لكم يهودُ بنى إسرائيل؟
٠
ويعنى بقوله: ((أنْ يؤمنوا لكم))، أن يصدقوكم بما جاءكم به نبيكم صلى اللّه
عليه وسلم محمد من عند ربكم، كما : -
١٣٢٦ - حدثت عن عمار بن الحسن ، عن ابن أبى جعفر ، عن أبيه ،
عن الربيع فى قوله: ((أفتطمعون أن يؤمنوا لكم))، يعنى أصحاب محمد صلى الله عليه
وسلم، ((أن يؤمنوا لكم))، يقول: أفتطمعون أن يؤمن لكم اليهود؟
١٣٢٧ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
((أفتطمعون أن يؤمنوا لكم)) الآية ، قال : هم اليهود ؟
٠
٥
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ﴾
قال أبو جعفر: أما ((الفريق)) فجمع، كالطائفة ، لا واحد له من لفظه .
وهو ((فعيل)) من ((التفرق))، سمى به الجماع، كما سميت الجماعة: ((الحزب))، من
((التحزُّب))، وما أشبه ذلك. ومنه قول أعشى بنى ثعلبة:

٢٤٥
تفسير سورة البقرة : ٧٥
أَجَدُّوا، فَمَّا خِتُ أنْ يَتَفَرَّقُوا فَرِيقَيْنِ، مِنْهُمْ مُصْيِدٌ وَمُصوَّبُ(١)
يعنى بقوله: ((منهم))، من بنى إسرائيل. وإنما جَعَل اللّه الذين كانوا على
عهد موسى ومن بعدهم من بنى إسرائيل ، من اليهود الذين قال الله لأصحاب محمد
صلى الله عليه وسلم: ((أفتطمعون أن يؤمنوا لكم)) - لأنهم كانوا آباءَ هم وأسلافهم،
فجعلهم منهم ، إذ كانوا عشائرهم وفَرَطهم وأسلافهم، كما يذكر الرَّجلُ اليوم
الرَّجلَ، وقد مضى على منهاج الذاكر وطريقته . وكان من قومه وعشيرته ، فيقول :
((كان منا فلان))، (٢) يعنى أنه كان من أهل طريقته ومذهبه، أو من قومه وعشيرته .
فكذلك قوله: ( وقد كان فریقٌ منهم)) .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ
مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فى الذين عنى الله بقوله: ((وقد كان
فريق منهم يَسمعون كلامَ اللّه ثم يُحرِّفُونه من بعد ما عَقلُوه وَهم يعلمون)). فقال
بعضهم بما : -
١٣٢٨ - حدثنی به محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((أفتطمعون أن يؤمنوا لكم
وقد كان فَريقٌ منهم يسمعون كلام اللّه ثم يحرِّفونه من بعد ما عَقلوه وهم يعلمون))،
(١) ديوانه: ١٣٧، وفى المطبوعة: ((أخذوا)) خطأ. أجد السير: انكش فيه وأسرع.
مصعد : مبتدىء فى صعوده إلى نجد والحجاز. ومصوب منحدر فى رجوعه إلى العراق والشام وأشباه ذلك.
وبعد البيت من تمامه :
طَلَبْتُهُمُ، قَطْوِى بِىَ البيدَ جَسْرَةٌ شُوَيِقِئَةُ النَّابِيْنِ وَجْنَاهِ ذِعْلِبُ
(٢) انظر ما سلف فى هذا الجزء ٢: ٣٨، ٣٩

٢٤٦
تفسير سورة البقرة : ٧٥
فالذين يُحرِّفونه، والذين يكتمونه ، هم العلماءُ منهم.
١٣٢٩ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد بنحوه .
٢٩١/١
١٣٣٠ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ،
عن السدى: ((أفتطمعون أنْ يُؤمنوا لكم وقد كان فريقٌ منهم يسمعون كلامَ
اللّه ثم يُحرُّفُونه من بعد ما عَقلوه))، قال: هى التوراة، حرَّفوها .
١٣٣١ - حدثی یونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله :
((يَسمعون كلامَ اللّه ثم يحرِّفونه))، قال: التوراة التى أنزلها عليهم، يُحرِّفونها ،
يجعلونَ الحلالَ فيها حراماً، والحرامَ فيها حلالاً، والحق فيها باطلاً ، والباطلَ
فيها حقًّا، إذا جاءهم المحِقَ برِشوة أخرجُوا له كتابَ اللّه، وإذا جاءهم المبطيل
برشوة أخرجوا له ذلك الكتاب، (١) فهو فيه محقّ. وإن جاء أحدٌ يسألهم شيئاً ليس فيه
حقٌ ولا رِشوة ولاشىء، أمروه بالحق. فقال لهم: ﴿أَتْأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ
أَنْفُسُكُمْ وأَنْمُ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أُفَلاَ تَعْقِلُون ﴾ [سورة البقرة: ٤٤].
...
وقال آخرون فى ذلك بما : -
١٣٣٢ - حدثت عن عمار بن الحسن قال ، أخبرنا ابن أبى جعفر : عن
أبيه ، عن الربيع فى قوله: « وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يُحرِّفونه من
بَعد ما عَقلوه وهم يعلمون))، فكانوا يسمعون من ذلك كما يسمع أهل النبوّة ، ثم
يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون .
١٣٣٣ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق فى قوله :
((وقد كان فريقٌ منهم يسمعون كلام الله)) الآية، قال: ليس قوله: (( يسمعون
كلامَ الله))، يسمعون التوراة". كلُّهم قَدْ سمعها، ولكنهم الذين سألوا موسى رؤية
ربهم فأخذتهم الصاعقة فيها .
(١) يعنى: ((ذلك الكتاب)) المحرف، لا ((كتاب الله)) الصادق.

٢٤٧
تفسير سورة البقرة : ٧٥
١٣٣٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحق قال :
بلغنى عن بعض أهل العلم أنهم قالوا لموسى : يا موسى، قد حيل بيننا وبين رؤية الله
عز وجل، فأسمعنا كلامه حين يكلمك . فطلب ذلك موسى إلى ربه فقال : نعم،
فُرْهِم فليتطهّرُوا ، وليطهّروا ثيابهم ، ويصوموا. ففعلوا . ثم خرج بهم حتى أتى
الطُّور، فلما غشيهم الغَمام أمرهم موسى عليه السلام [أن يسجدوا] فوقعوا سجوداً ، (١)
وكلَّمه ربه فسمعوا كلامَه، يأمرهم وينهاهم، حتى عَقَلُوا ما سمعوا . ثم انصرف
بهم إلى بنى إسرائيل. فلما جاؤهم حرَّف فريقٌ منهم ما أمرهم به ، وقالوا حين قال
موسى لبنى إسرائيل : إن الله قد أمركم بكذا وكذا ، قال ذلك الفريق الذين
ذكرهم الله: إنما قال كذا وكذا - خلافاً لما قال الله عز وجل لهم. فهم الذين عنى
اللّه لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم.
. .
قال أبو جعفر : وأولى التأويلين اللذين ذكرت بالآية، وأشبههما بما دَلّ
عليه ظاهرُ التلاوة، ما قاله الربيع بن أنس، والذى حكاه ابن إسحق عن بعض أهل
العلم : من أن الله تعالی ذ کره إنما عنى بذلك من سمع كلامه من بنى إسرائيل ،
سماعَ موسى إيّاه منه ، ثم حرّف ذلك وبدَّل، من بعد سماعه وعلمه به وفهمه
إياه . وذلك أن الله جل ثناؤه إنما أخبرَ أن التحريف كان من فريق منهم كانوا
يسمعون كلام اللّه عزّ وجل ، استعظاماً من اللّه لما كانوا يأتون من البهتان ، بعد
توكيد الحجة عليهم والبرهان، وإيذاناً منه تعالى ذكره عباده المؤمنين، قطع أطماعهم
من إيمان بقايا نسلهم بما أتاهم به محمد من الحق والنور والهدى، (٢) فقال لهم:
كيف تطمعون فى تصديق هؤلاء اليهود إيٍّكم، وإنما تخبرونهم - بالذى تُخبرونهم
من الأنباء عن اللّه عز وجل - عن غيب لم يشاهدوه ولم يعاينوه، وقد كان بعضُهم
يسمع من اللّه كلامه وأمره ونهيه، ثم يبدّله ويحرّفه ويجحده؟ فهؤلاء الذين بين
(١) ما بين القوسين زيادة من ابن كثير ١ : ٢١٢.
(٢) فى المطبوعة ((وإيذاناً منه ... وقطع أطاعهم)) بالعطف بالواو، وليس يستقيم. وآذنه
الأمر وآذفه به يذاناً: أعلمه. فقوله: ((قطع)) منصوب مفعول ثان المصدر ((إيذاناً)).

٢٤٨
تفسير سورة البقرة : ٧٥
أظهُرٍكم من بقايا تسلهم ، أحرى أن يجحدوا ما أتيتموهم به من الحق ، وهم
٢٩٢/١ لا يسمعونه من اللّه، وإنما يسمعونه منكم - (١) وأقربُ إلى أن يحرفوا ما فى كتبهم
من صفة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم ونعته ويبدلوه، وهم به عالمون، فيجحدوه
ويكذّبوان(٢) من أوائلهم الذين باشروا كلام اللّه من الله جل ثناؤه، ثم حرفوه من
بعد ما عقلوه وعلموه، متعمّدين التحريف .
ولو كان تأويل الآية على ما قاله الذين زعموا أنه عنى بقوله: ((يسمعُون كلام
اللّه))، يسمعون التوراة، لم يكنْ لذكر قوله: ((يسمعون كلامَ الله)) معنى
مفهوم. لأن ذلك قد سمعه المحرِّف منهم وغير المحرِّف، فخصوص المحرِّف منهم بأنه
كان يسمع كلام اللّه - إن كان التأويل على ما قاله الذين ذكرنا قولهم - دون
غيرهم ، ممن كان يسمع ذلك سماعتهم ، لا معنى له (٣).
فإن ظَنَّ ظانٌ [أنه] إنما صَلّح أن يقال ذلك لقوله: ((يُحرِّفونه))، فقد أغفل
وجه الصواب فى ذلك(٤) . وذلك أن ذلك لو كان كذلك لقيل: أفتطمعون أن
يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يحرفونَ كلام اللّه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون.
ولكنه جل ثناؤه أخبر عن خاصٍّ من اليهود ، كانوا أعطوا - من مباشرتهم سماعٌ
كلام الله - ما لم يُعطه أحدٌ غيرُ الأنبياء والرسل، ثم بدلوا وحرفوا ما سمعوا من
ذلك . فلذلك وصفهم بما وصفهم به، للخصوص الذى كان خصَّ به هؤلاء الفريق
الذى ذكرهم فى كتابه تعالى ذكره .
ويعنى بقوله: ((ثمُ يُحرِّفُونه))، ثم يبدلون معناهُ وتأويله ويغيِّرونه. وأصله من
( انحراف الشىء عن جهته))، وهو ميلهعنها إلى غيرها. فكذلك قوله: ((يحرِّفونه))
(١) قوله: ((وأقرب))، معطوف على قوله: ((أحرى ... ))
(٢) قوله: ((من أوائلهم .. )) متعلق بقوله آنفاً: ((أحرى أن يجحدوا ... وأقرب إلى أن.
يحرفوا ... ))
(٣) سياق العبارة: فخصوص الحرف بأنه ... لا معنى له)).
(٤) الزيادة بين القوسين لا بد منها.

٢٤٩
تفسير سورة البقرة : ٧٦،٧٥
أى يُميلونه عن وجهه ومعناهُ الذى هو معناه، إلى غيره. فأخبر الله جل ثناؤه
أنهم فعلوا ما فعلوا من ذلك ، على علم منهم بتأويل ما حرَّفوا، وأنه بخلاف ما حرَّفوه
إليه. فقال: ((يحرِّفونه من بعد ما عَقلوه))، يعنى: من بعد ما عقلوا تأويله ،
((وهم يعلمون))، أى: يعلمون أنهم فى تحريفهم ما حرفوا من ذلك مبطلون كاذبون .
وذلك إخبارٌ من الله جل ثناؤه عن إقدامهم على البَهْتِ ، ومناصبتهم العداوة"
له ولرسوله موسی صلى الله عليه وسلم، وأنّ بقاياهم - من مناصبتهم العداوة الله
ولرسوله محمد صلى الله عليه وسلم بغياً وحسداً - على مثل الذى كان عليه أوائلهم
من ذلك فى عصر موسى عليه الصلاة والسلام .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَإِذَاَ لُقُواْ الَّذِينَء امَنُوا قَالُوَ أْ ءامَنَّا)
قال أبو جعفر: أما قوله: ((وَإذا لَقوا الذينَ آمَنُوا قالوا آمنا))، فإنه
خبر من الله جل ذكره عن الذين أيأس أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من
إيمانهم - من يهود بنى إسرائيل، الذين كان فريقٌ منهم يسمعون كلام اللّه ثم
يحرفونه من بعد ما عَقلوه وهم يعلمون - وُهم الذين إذا لقوا الذين آمنوا بالله ورسوله
محمد صلى الله عليه وسلم قالوا : آمنا. يعنى بذلك: أنهم إذا لقوا الذين صدَّقوا
بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاءَ به من عند اللّه، قالوا: آمنا - أى
صدقنا بمحمد وبما صدَّقتم به، وأقررنا بذلك . أخبرَ اللّه عزّ وجل عنهم أنهم تخلَّقوا
بأخلاق المنافقین، وسلکوا منهاجھم ، کما :۔۔
١٣٣٥ -حدثنى محمد بنسعد قال، حدثی ابی قال ، حدثی عمی قال ،
حدثنى أبى، عن أبيه ، عن جده، عن ابن عباس قوله: ((وإذا "لقوا الذين
آمنوا قالوا آمناً وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتُحدثونهم بما فَتحَ اللّه
عليكم )) ، وذلك أن نفراً من اليهود كانوا إذا لقوا محمداً صلى الله عليه وسلم قالوا:

٢٥٠
تفسير سورة البقرة : ٧٦
آمنًا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم .
١٣٣٦ - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عثمان بن سعيد ، عن بشر بن
عمارة، عن أبى روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ((وإذا لقُوا الذين آمنوا
قالوا آمنا »، يعنى المنافقين من اليهود ، كانوا إذا لقوا أصحاب محمد صلى الله عليه
وسلم قالوا: آمنا .
وقد روى عن ابن عباس فی تأويل ذلك قول آخر ، وهو ما : -
٢٩٣/١
١٣٣٧ - حدثنا به ابن حميد قال ، حدثنا سلمة بن الفضل ، عن محمد بن
إسحق عن محمد بن أبى محمد ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن
عباس: ((وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنًا))، أى: بصاحبكم رسول اللّه صلى اللّه
وسلم ، ولكنه إليكم خاصة .
١٣٣٨ - حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى :
((وإذا "لقوا الذين آمنوا قالوا آمنًّا)) الآية، قال: هؤلاء ناس من اليهود ، آمنوا
ثم نافقوا .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَى بْضٍ قَالُواْ
أَتُحَدَّتُونَهُمْ بِمَ فَتَعَالُهُ عَلَيْكُمْ لِيَُّجُوكُمْ بِهِعِنْدَ رَبُّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (١)
قال أبو جعفر: يعنى بقوله: ((وإذا خلا بعضُهم إلى بعض)) أى: إذا
خلا بعضُ هؤلاء اليهود - الذين وصف اللّه صفتهم - إلى بعض منهم ، فصاروا
فى خلاءٍ من الناس غيرِهم، وذلك هو الموضع الذى ليس فيه غيرهم - ((قالوا))
يعنى : قال بعضُهم لبعض: ((أتُحدِّثُونهم بما فَتحَ اللّه عليكم)).
ثم اختلف أهل التأويل فى تأويل قوله: ((بما فتحَ اللّه عليكم)) فقال بعضهم بما :-
١٣٣٩ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد ، عن بشر بن

٢٥١
تفسير سورة البقرة : ٧٦
عمارة ، عن أبى روق ، عن الضحاك عن ابن عباس: ((وإذا خلا بعضهم إلى
بعض قالوا أتُحدّثُونهم بما فتح اللّه عليكم))، يعنى: بما أمركم الله به . فيقول
الآخرون : إنما نَسهزئ بهم ونضحك .
وقال آخرون بما : -
١٣٤٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق، عن محمد بن
أبى محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ((وإذا لقوا الذين
آمنوا قالوا آمنًا))، أى: بصاحبكم رسول اللّه، ولكنه إليكم خاصة، وإذا خلابعضُهم
إلى بعض قالوا : لا تحدّثُوا العربَ بهذا ، فإنكم قد كنتم تستفتحون به عليهم ،
فكان منهم(١). فأنزل الله: ((وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضُهم
إلى بعض قالوا أتُحدثونهم بما فتح اللّه عليكم ليُحاجُوكم به عند ربكم))، أى:
تُقِرّون بأنه نبى ، وقد علمتم أنه قد أخذ له الميثاق عليكم باتباعه، وهو يخبرهم أنه
النبى الذى كنا ننتظر ونجده فى كتابنا ؟ اجحدوه ولا تقِرُّوا لهم به: يقول الله:
(( أوّ لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يُعلنون)).
١٣٤١ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا آدم قال : حدثنا أبو جعفر، عن
الربيع، عن أبى العالية فى قوله: ((أتحدّثُونهم بما فَتحَ اللّه عليكم))، أى بما أنزل
اللّه عليكم فى كتابكم من نَعْت محمد صلى الله عليه وسلم.
١٣٤٢ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ،
عن قتادة: (( قالوا أتحدّثُونهم بما فتح اللّه عليكم))، أى: بما مَنَّ اللّه عليكم فى
كتابكم من نعت محمد صلى الله عليه وسلم، فإنكم إذا فعلتم ذلك احتجُّوا به
عليكم، ((أفلا تعقلون)) .
(١) قوله: ((فكان منهم))، أى كان منهم النبى الذى كانوا يستفتحون به على مشركى العرب
وتستنصرون ، ويرجون أن يكون منهم، فكان من العرب . وسيأتى خبر استفتاحهم بعد فى تفسير الآية :
٨٩ من سورة البقرة فى هذا الجزء .

٢٥٢
تفسير سورة البقرة : ٧٦
١٣٤٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة: ((أتحدّثُونهم بما فتح اللّه عليكم ))، ليحتجُّوا به عليكم .
١٣٤٤ - حدثنى المثنى قال ، حدثنى آدم قال ، حدثنا أبو جعفر قال ،
قال قتادة: ((أتحدّثُونهم بما فتح اللّه عليكم))، يعنى: بما أنزل اللّه عليكم من أمرْ
محمد صلى الله عليه وسلم ونَعْتِه.
٠٠
وقال آخرون فى ذلك بما : -
١٣٤٥ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((بما فتحَ اللّه عليكم ليُحاجُّوكم به عندَ ربكم))
قال: قولُ يهود بنى قريظة، (١) حين سبّهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم إخوةُ
القردة والخنازير، قالوا: من حَدَّثَك؟ - هذا - حين أرسل إليهم عليًّاً فَآذوا
محمداً ، فقال: يا إخوةَ القردة والخنازير (٢).
١٣٤٦ -حدثی المثی قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد مثله - إلا أنه قال: هذا، حينَ أرسل إليهم علىَّ بن
٢٩٤/١ أبى طالب رضى الله عنه وآذوا النبى صلى الله عليه وسلم فقال: اخسأوا يا إخوة
القردة والخنازير .
١٣٤٧ - حدثنا القاسم قال ، حدثنى الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قال ، أخبرنى القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد فى قوله: «أتحدّثُونهم
بما فَتحَ اللّه عليكم))، قال: قام النبي صلى اللّه عليه وسلم يَوْمَ قُريظة تحتَ
◌ُحصونهم فقال: يا إخوانَ القرّدةَ، ويا إخوانَ الخنازير، ويا عَبّدة الطاغوت.
فقالوا: من أخبرَ هذا محمداً؟ ما خرج هذا إلا منكم! («أتُحدِّثُونهم بما فتح
(١) فى المطبوعة: ((يهود من قريظة))، ليست بشىء.
(٢) من أول قوله: ((قالوا من حدثك؟ ... )) إلى آخر العبارة، تفسير القصة قبله. وقوله
((فقال: يا إخوة القردة والخنازير)) من كلام رسول الله صلى الله عليهم وسلم، لا كلام على رضى الله
عنه . وسيظهر ذلك فى الخبرين بعده .

٢٥٣
تفسير سورة البقرة : ٧٦
الله عليكم))! بما حكم الله، الفتح، ليكون لهم حجة عليكم . قال ابن جريج ، عن
مجاهد : هذا حين أرسل إليهم عليًّا فآذوا محمداً صلى اللّه عليه وسلم(١) .
...
وقال آخرون بما : -
١٣٤٨ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى: ((قالوا أتُحدِّثُونهم بما فتحَ اللّه عليكم)) - من العذاب - ((ليحاجُوكم
به عند ربكم )): هؤلاء ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا، فكانوا يحدّثُون المؤمنين
من العرب بما ◌ُذُّبُوا به. فقال بعضهم لبعض: أتحدُ ثُونهم بما فَتحَ اللّه عليكم من
العذاب، ليقولوا نحن أحبُّ إلى اللّه منكم، وأكرمُ على اللّه منكم ؟
وقال آخرون بما : -
١٣٤٩ -حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله :
(وإذا خلا بعضُهم إلى بعض قالوا أتحدّثُونهم بما فتح اللّه عليكم ليُحاجُّوكم به
عندَ ربكم))، قال : كانوا إذا سئلوا عن الشىء قالوا : أما تعلمون فى التوراة
كذا وكذا؟ قالوا: بلى ! - قال: وهم يهود - فيقول لهم رؤساؤهم الذين يرجعون
إليهم: ما لكم تُخبرونهم بالذى أنزل اللّه عليكم فيحاجُوكم به عندَ ربكم ؟ أفلا
تعقلون؟ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يدخُلَنَّ علينا قصبة المدينة
إلا مؤمن(٢) . فقال رؤساؤهم من أهل الكفر والنفاق: اذهبوا فقولوا: آمنًا، وا كفروا
إذا رجعتم . قال : فكانوا يأتون المدينة بالبُكَر، ويرجعون إليهم بعد العصر (٣). وقرأ
قول الله: ﴿وَقَالتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالّذِىِ أُنْزِلَ عَلَى الّذِينَ
آَمُّنُوا وَجْهَ النّهَارِ وَأَكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَّلَّهِمْ يَرْجِعُون﴾ [سورة آل عمران:
وكانوا يقولون إذا دخلوا المدينة : نحن مسلمون . ليعلموا خبرَ رسول اللّه صلى اللّه
(١) الأثر: ١٣٤٧ - فى ابن كثير ١: ٢١٤ وفيه: ((من أخبر بهذا الأمر محمداً؟
ما خرج هذا القول إلا منكم)).
(٢) قصبة القرية: وسطها وجوفها. وقصبة البلاد: مدينتها ، لأنها تكون فى أوسطها .
(٣) البكر جمع بكرة ( بضم فسكون) : وهى الغدوة ، أول النهار .

٢٥٤
تفسير سورة البقرة : ٧٦
عليه وسلم وأمرَه، فإذا رجعوا رَجعوا إلى الكفر. فلما أخبر الله نبيه صلى الله عليه
وسلم بهم "قَطَعَ ذلك عنهم فلمْ يكونوا يدخلون . وكان المؤمنون الذين مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم يظنُّون أنّهم مؤمنون، فيقولون لهم: أليسَ قد قال الله لكم كذا
و كذا؟ فيقولون : بلى! فإذا رجعوا إلى قومهم [ یعنی الرؤساء ] - قالوا: أتُحد ◌ّثُونهم
بما فتح الله عليكم))، الآية(١)
وأصل ((الفتح)) فى كلام العرب: النصرُ، والقضَاءُ، والحكْم. يقال منه:
((اللهمّ" افتحْ بينى وبين فلان))، أى احكم بينى وبينه ، ومنه قول الشاعر:
أَلاَ أَبْلِغْ بَى عُثْمِ رَسُولاً بِأَتِى عَنْ فُتَاحَتِكُمْ غَيُّ
قال أبو جعفر: ويقال للقاضى: ((الفتّاح)). ومنه قول الله عز وجل"
﴿رَبِّنَ افْتَحْ بَيْنَنَ وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحقّ وَأَنْتَ خَيْرُ الفَاتِحِين﴾ [سورة الأعراف: ٨٩]
أى : احكمْ بيننا وبينهم .
فإذا كان معنى الفتح ما وصفنا، تبين أنّ معنى قوله: (( قالوا أتُحدّثونهم
بما فتحَ اللّه عليكم ليحاجوكم به عند ربكم))، إنما هو: أتحدثونهم بما تحكم
الله به عليكم ، وقضاه فيكم ؟ ومن حكمه جل ثناؤه عليهم ما أخذ به ميثاقهم من
٢٩٥/١ الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به فى التوراة. ومن قضائه فيهم أنْ
جعل منهم القرّدَة والخنازير ، وغير ذلك من أحكامه وقضائه فيهم . وكل ذلك
كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين به ، حُجةً على المكذبين به من اليهود
(١) الأثر : ١٣٤٩ فى ابن كثير ١: ٢١٣ - ٢١٤، والزيادة بين القوسين منه.
(٢) ينسب للأسعر الجعفى، ومحمد بن حمران بن أبى حمران. انظر تعليق الراجكوتى فى سمط
اللآلىء : ٩٢٧ .
(٣) أمالى القالى ٢: ٢٨١ واللسان (فتح) (رسل)، وغيرهما ، وبنو عصم، هم رهط عمرو
ابن معديكرب الزبيدى . وقد اختلفت روايات البيت اختلافاً شديداً ، ليس هذا مكان تحقيقها ،
لطولها .

٢٥٥
تفسير سورة البقرة : ٧٦
المقرَّين بحكم التوراة ، وغير ذلك [ من أحكامه وقضائه].(١)
فإذْ كان ذلك كذلك. (٢) فالذى هو أولى عندى بتأويل الآية قولُ من قال:
معنى ذلك : أتحدّثونهم بما فتح الله عليكم من بَعْثٍ محمد صلى الله عليه وسلم إلى
خلقه؟ لأنّ الله جل ثناؤه إنما قصّ فى أوّل هذه الآية الخبرَ عن قولهم لرسول اللّه
صلى الله عليه وسلم ولأصحابه: آمنا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ؛ فالذى
هو أولى بآخرِ ها أن يكون نظيرَ الخبر عما ابتدئ به أولها .
وإذا كان ذلك كذلك ، فالواجب أن يكون تلاوُمهم ، كان فيما بينهم ،
فيما كانوا أظهروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه من قولهم لهم: آمنا بمحمد
صلى الله عليه وسلم وبما جاء به . وكان قيلهم ذلك ، من أجل أنّهم يجدون ذلك
فى كتبهم ، وكانوا يخبرُون أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بذلك . فكان
تلاوُمُهم - فيما بينهم إذا خلوا - على ما كانوا يُخبرونهم بما هو حُجَّة للمسلمين
عليهم عند ربهم ، وذلك أنهم كانوا يخبرونهم عن وُجود نعت محمد صلى الله عليه
وسلم فى كتبهم ، ويكفرون به . وكان فتحُ اللّه الذى فتحه للمسلمين على اليهود ،
وُحكمه عليهم لهم فى كتابهم ، أنْ يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم إذا بُعث.
فلما بعث كفرَ وا به ، مع علمهم بنبوته .
٠
٠
قال أبو جعفر: وقوله: ((أفلا تعقلون))، خبرٌ من الله تعالی ذ کره - عن اليهود
اللائمين إخوانهم على ما أخبرُوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قَتحَ اللّه
تهم عليهم - أنهم قالوا لهم: أَفلا تفقهون أيها القوم وتعقلون ، أن إخباركم أصحاب
النبى صلى الله عليه وسلم بما فی کتبكم أنه نبيٌ مبعوث ، حجة لهم علیکم عند ربکم،
يحتجون بها عليكم؟ أى: فلا تفعلوا ذلك، ولا تقولوا لهمْ مثلَ ما قلتم ، ولا تخبر وهم
(١) ما بين القوسين، زيادة استظهرتها من سابق بيانه، ليستقيم الكلام.
(٢) فى المطبوعة: ((فإن كان كذلك))، والزيادة ماضية على نهج أبى جعفر.

٢٥٦
تفسير سورة البقرة : ٧٦ ، ٧٧
بمثل ما أخبرتموهم به من ذلك. فقال جل ثناؤه: ((أوَ لا يعلمونَ أنّ الله يعلم
مَا يُسِرُّون وَمَا يُعلنون)).
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ
مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾.
٧٧
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((أوَ لا يَعلمونَ أنّ اللّه يعلمُ
"مَا يسِرُّون وما يُعلنون))، أوّ لا يعلم - هؤلاء اللائمون من اليهود إخْوانَهم
من أهل ملَّهم ، على كونهم إذا لقوا الذين آمنوا قالوا : آمنا ، وعلى إخبارهم
المؤمنين بما فى كتبهم من نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومبعثه ، القائلون لهم :
أتحدّثُونهم بما فتحَ اللّه عليكم ليحاجُوكم به عندَرَبُّكم - أنّ اللّه عالمٌ بما يُسِرُون،
فيخفونّة عن المؤمنين فى خلائهم = من كفرهم ، وتلاوُمُهم بينهم على إظهارهم
ما أظهرُوا لرسول اللّه وللمؤمنين به من الإقرار بمحمد صلى الله عليه وسلم، وعلى
قيلهم لهم : آمنا ، ونهى بعضهم بعضاً أن يخبروا المؤمنين بما فتحَ اللّه للمؤمنين عليهم،
وقضى لهم عليهم فى كتبهم ، من حقيقة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وَنعته ومبعثه=
وما يُعلنون ، فيظهرونه لمحمد صلى الله عليه وسلم ولأصحابه المؤمنين به إذا لقوُهم ،
من قيلهم لهم : آمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به ، نفاقاً وخداعاً لله
ولرسوله وللمؤمنين؟ كما : -
١٣٥٠ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد . قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
((أَوَ لا يعلمون أنّ الله يعلمّ ما يُسرون))، من كفرهم وتكذيبهم محمداً صلى الله
عليه وسلم إذا خلا بعضهم إلى بعض، (( وما يُعلنون)) إذا لقوا أصحاب محمد صلى اللّه
عليه وسلم قالوا : آمنا . ليرضوهم بذلك .
١٣٥١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن

٢٥٧
تفسير سورة البقرة : ٧٧، ٧٨
الربيع، عن أبى العالية: ((أوّ لا يعلمون أن الله يعلم ما يُسِرُّون وما يُعلنون))،
يعنى : ما أسرُّوا من كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وتكذيهم به وهم يجدونه ٢٤٣/١
مكتوباً عندهم، ((وَمَا يُعلنون))، يعنى: ما أعلنوا حين قالوا للمؤمنين : آمنًّا .
٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ ﴾
قال أبو جعفر: یعنی بقوله جل ثناؤه: (( ومنهم أمُيُون )) ، ومن هؤلاء اليهود
- الذين قصّ اللّه قصّصهم فى هذه الآيات، وأيأسَ أصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم منْ إيمانهم فقال لهم: أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريقٌ منهم
يَسمعون كلام اللّه، ثم يحرِّفونه من بعد ما عَقلوه، وهم إذا لقوكم قالوا: آمنا،
كما : -
١٣٥٢ - حدثنا المثنى قال، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن
الربيع، عن أبى العالیة: ((ومنهم أمیون)) ، يعنى : من اليهود .
١٣٥٣ - وحدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيع مثله .
١٣٥٤ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، عن مجاهد: ((ومنهم أميُون))، قال : أناسٌ من يهود .
قال أبو جعفر: يعنى بـ ((الأميين))، الذين لا يكتبون ولا يقرأون.
١٣٥٥ - ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنَّا أمة أميَّة لا نكتب ولا نحسب)). (١)
يقال منه: ((رجلٌ أمّىُّ بَيْن الأمية))، (٢) كما : -
١٣٥٦ - حدثنى المثنى قال ، حدثنى سويد بن نصر قال ، أخبرنا ابن
(١) الحديث: ١٣٥٥ - هو حديث صحيح. رواه البخارى ٤: ١٠٨ - ١٠٩ (من الفتح)،
ورواه أيضاً مسهم وأبو داود والنسائى، كما فى الجامع الصغير السيوطى، رقم: ٢٥٢١.
(٢) كان فى المطبوعة: ((أى بين الأمية))، فحذفت ((أى))، فليس ذلك مما يقال.
ج ٢ (١٧)

٢٥٨
تفسير سورة البقرة : ٧٨
المبارك، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم: ((ومنهم أميّون لا يعلمون الكتاب»،
قال : منهم من لا يحسن أن يكتب. (١)
١٣٥٧ - حدثنییونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله :
((ومنهم أمیُون ))، قال : أمیون لا يقرأون الكتاب من اليهود .
٠ ٥
وروى عن ابن عباس قول خلاف هذا القول ، وهو ما :-
١٣٥٨ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد ، عن بشر بن
عمارة، عن أبى روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ((ومنهم أمَّيُّون))، قال:
الأمیُّون قوم لم يصد قوا رسولاً أرسله الله، ولا كتاباً أنزله الله، فکتبوا کتاباً بأيديهم،
(١) قوله ((لا يحسن أن يكتب)) فى لمعرفة الكتابة، لا لجودة معرفة الكتابة، كما يسبق إلى الوهم.
وقديماً قام بعض أساتذتنا يدعى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يعرف الكتابة، ولكنه لا يحسنها،
لخبر استدل به هو - أو اتبع فيه من استدل به من أعاجم المستشرقين- وهو ما جاء فى تاريخ الطبرى ٣: ٨٠
فى شرح قصة الحديبية ، حين جاء سهيل بن عمرو، لكتابة الصلح . روى الطبرى عن البراء بن عازب
قال: (( ... فلما كتب الكتاب، كتب: ((هذا ما تقاضى عليه محمد رسول اللّه))، فقالوا لو نعلم أنك
رسول الله ما منعناك، ولكن أنت محمد بن عبد الله. قال: أنا رسول الله، وأنا محمد بن عبد الله.
قال لعلى: امح ((رسول اللّه)). قال: لا والله لا أمحاك أبداً. فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم -
وليس يحسن يكتب ... فكتب مكان رسول اللّه)) ((محمد))، فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد)).
فظن أولا أن ضمير الفاعل فى قوله: ((فكتب مكان رسول اللّه - محمد))، هو رسول الله صلى الله
عليه . وليس كذلك بل هو : على بن أبى طالب الكاتب . وفى الكلام اختصار ، فإنه لما أمر علياً أن
يمحو الكتاب فأبى ، أخذه رسول اللّه، وليس يحسن يكتب، فمحاه . وتفسير ذلك قد أتى فى حديث
البخارى عن البراء بن عازب أيضاً ٣: ١٨٤: ((فقال لعلى: امحه . فقال على: ما أنا بالذى أمحاه
فحاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده)).
وأخرى أنه أخطأ فى معنى ((يحسن))، فإنها هنا بمعنى ((يعلم))، وهو أدب حسن فى العبارة، حتى
لا ينفى عنه العلم، وقد جاء فى تفسير الطبرى ٢١: ٦ فى تفسير قوله تعالى: ((أحسن كل شىء
خلقه))، ما نصه: ((معنى ذلك: أعلم كل شىء خلقه. كأنهم وجهوا تأويل الكلام إلى أنه ألهم كل خلقه
ما يحتاجون إليه. وأنه قوله: ((أحسن))، إنما هو من قول القائل: ((فلا يحسن كذا))، إذا كان
يعلمه )) .
هذا، والعرب تتأدب بمثل هذا، فتضع اللفظ مكان اللفظ ؛ وتبطل بعض معناه ، ليكون تنزيهاً
المسان، أو تكرمة الذى تخبر عنه. فعنى قوله: ((ليس يحسن يكتب))، أى ليس يعرف يكتب . وقد
أطال السهيلى فى الروض الأنف ١ : ٢٣٠ بكلام ليس يغنى فى تفسير هذا الكلمة .

٢٥٩
تفسير سورة البقرة : ٧٨
ثم قالوا لقوم سِفْلة جهّال: هذا من عند الله. وقال: قد أخبر أنهم يكتبون
بأيديهم، ثم سماهم أمّيِّين، لجحودهم كتب الله ورسله.(١)
وهذا التأويل تأويلٌ على خلاف ما يعرف من كلام العرب المستفيض بينهم .
وذلك أن ((الأمى)) عند العرب: هو الذى لا يكتب .
قال أبو جعفر: وأرى أنه قيل للأمى ((أمى))؛ نسبة له بأنه لا يكتب إلى ((أمته)) ،
لأن الكتاب كان فى الرجال دون النساء، فنُسِب من لا يكتب ولا يُخُطّ من الرجال
- إلى أمّه - فى جهله بالكتابة ، دون أبيه ، كما ذكرنا عن النبى صلى الله عليه
وسلم من قوله: ((إنّا أمّة أميّة لا نكتب ولا نحسب))، وكما قال: ﴿هُوَ الّذِى
بَعَثَ فِىِ الْأُمِّنَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِ وَيُزَ كِِّمْ وَيُعَلُِّم
الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةِ﴾ [سورة الجمعة: ٢].(٢)
فإذا كان معنى (( الأمى)) فى كلام العرب ما وصفنا، فالذى هو أولى بتأويل
الآية ما قاله النخعىّ، من أن معنى قوله: ((ومنهم أميون)): ومنهم من لا يحسن أن
یکتب .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿لاَ يَعْلَمُونَ الِكِتَبَ إِلَّ أَمَائِىَّ)
قال أبو جعفر: يعنى بقوله: (( لا يعلمون الكتاب))، لا يعلمون ما فى
الكتاب الذى أنزله الله ، ولا يدرون ما أودعه اللّه من حدوده وأحكامه وفرائضه ،
کھیئة البهائم ، کالذی : -
١٣٥٩ - حدثنى الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
(١) قال ابن كثير فى تفسيره ١: ٢١٥، وساق الخبر وكلام الطبرى، ثم قال: ((قلت: فى
صحة هذا عن ابن عباس - بهذا الإسناد - نظر، والله أعلم)).
(٢) اقتصر فى المطبوعة على قوله: ((رسولا منهم))، وأتممت الآية، لأنه يستدل بها على أنه جاء
يعلم الأميين ((الكتاب)).

٢٦٠
تفسير سورة البقرة : ٧٨
معمر، عن قتادة فى قوله: ((ومنهم أمّيُّون لا يعلمون الكتابَ إلا أمانى)): إنما
هم أمثال البهائم ، لا يعلمون شيئاً .
١٣٦٠ -حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا یزید قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة قوله : (( لا یعلمون الكتاب ))، يقول : لا يعلمون الكتاب ولا يدرون ما فيه .
١٣٦١ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن
الربيع ، عن أبى العالية : ((لا یعلمون الکتاب )»، لا يدرون ما فيه .
١٣٦٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق ، عن محمد
ابن أبى محمد ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس : ((لا
یعلمون الکتاب ))، قال : لا يدرون بما فيه .
٢٩٧/١
١٣٦٣ - حدثنا يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد :
((لا يعلمون الكتاب))، لا يعلمون شيئاً، لا يقرأون التوراة" . ليست تستظهر،
إنما تقرأ هكذا . فإذا لم يكتب أحدهم، لم يستطع أن يقرأ. (١)
١٣٦٤ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد ، عن بشر بن
عمارة، عن أبى روق ، عن الضحاك، عن ابن عباس فى قوله: (( لا يعلمون
الكتاب ))، قال : لا يعرفون الكتاب الذى أنزله الله .
٠
قال أبو جعفر: وإنما عنى؛ ((الكتاب)) التوراةَ، ولذلك أدخلت فيه
((الألف واللام))، لأنه قصد به كتاب معروف بعينه .
ومعناه: ومنهم فريقٌ لا يكتبون، ولا يدرُون ما فى الكتاب الذى عرفتموه
الذى هو عندهم - وهم ينتحلونه ويدّعون الإقرار به - من أحكام الله وفرائضه ،
وما فيه من حدوده التی بينها فيه .
[واختلف أهل التأويل فى تأويل قوله](٢): ((إلاّ أمانى)) فقال: بعضهم بما :-
(١) الأثر: ١٣٦٣ - كان فى المطبوعة: ((حدثنا بشر قال أخبرنا ابن وهب ... )»، وهو
صهو من الناسخ، والإسناد كثير الدوران فى التفسير ، أقربه رقم : ١٣٥٧.
(٢) ما بين القوسين زيادة يقتضيها الكلام . وكأن الناسخ سها فأغفلها.