Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
تفسير سورة البقرة : ٦٣
الربيع ، عن أبى العالية: (( خُذُوا ما آتيناكم بقوة))، قال: بطاعة.
١١٢٩ - حدثنا الحسن بن یحی قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر ،
عن قتادة: (( خذوا ما آتيناكم بقوة)). قال: ((القوة)) الجدّ، وإلا قذفتُه عليكم.
قال : فأقرّوا بذلك : أنهم يأخذون ما أوتوا بقوة .
٢٥٩/١
١١٣٠ - حدثنى موسى بن هرون قال ، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط ،
عن السدى: ((بقوة)) ، يعنى : يجدّ واجتهاد.
١١٣١ - حدثنى يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال
ابن زيد - وسألته عن قول الله ((خُذُوا مَا آتيناكم بقوة)) - قال: 'خذوا الكتاب
الذى جاء به موسى بصدق وبحق .
فتأويل الآية إذاً : خُذُوا ما افترضناه عليكم فى كتابنا من الفرائض ، فاقبلوه ،
واعملوا باجتهادٍ منكم فى أدائه ، من غير تقصير ولا توانٍ . وذلك هو معنى أخذهم
إياه بقُوّة ، يجدُّ .
٠
القول فى تأويل قوله تعالى ذكره ﴿وَاذْ كُرُوا مَا فِهِ لَعَلَّكُمْ
تَقُونَ)(
٦٣
قال أبو جعفر : یعنی : واذ کروا ما فيما آتینا کم من کتابنا من وعد ووعید
شديد ، وترغيب وترهيب، فاتلوه ، واعتبروا به ، وتدبَّروه إذا فعلتم ذلك ، كى
تتقوا وتخافوا عقابى، (١) بإصراركم على ضَلالكم، فتنتهوا إلى طاعتى، وتنزِعوا
عما أنتمُ عليه من مَعصيتى . كما : -
١١٣٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال ، حدثنى ابن إسحق ، عن
(١) انظر ما مضى فى بيان ((لعل)) بمعنى (كى)) ١: ٣٦٤ - ٣٦٥، وهذا الجزء
٢ : ٠٦٨
ج ٢ (١١)

١٦٢
تفسير سورة البقرة : ٦٣، ٦٤
داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: ((لعلكم تتقون))، قال: تَنزِعون
مھما أتم عليه .
والذى آتاهم الله، هو التوراة. كما : -
١١٣٣ - حدثنى المفى قال، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن
الربيع ، عن أبى العالية: ((واذكرُوا مَا فيه))، يقول: اذكروا ما فى التوراة.
١١٣٤ - كما حدثت عن عمار بن الحسن قال ، حدثنا عبد الله بن أبى
جعفر، عن أبيه، عن الربيع فى قوله: ((واذْكُرُوا ما فيه)) يقول: أميروا بما فى
التوراة .
١١٣٥ - وحدثنی یونس قال،أخبرنا ابن وهب قال،سألت ابن زید عن قول
اللّه: ((واذكروا ما فيه))، قال: اعملوا بما فيه بطاعة الله وصدق. (١) قال: وقال:
اذكرُوا ما فيه ، لا تنسوه ولا تُغفلوه.
القول فى تأويل قوله تعالى (ُمَّ تَوْلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ)
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((ثم توليتم)): ثم أعرضتم. وإنما هو
((تفعَّم)) من قولهم: ((ولاَّفى فلاَن ◌ُدُبرهُ)) إذا استدبر عنه وخلَّفه خلف ظهره .
ثم يستعمل ذلك فى كل تاركِ طاعةٍ أميربها، وُمُعرضٍ بوجهه. (٢) يقال: ((قد
تولَّى فلانٌ عن طاعة فلان، وتولَى عن مواصلته))، ومنه قول الله جل ثناؤه
﴿فَمَا آتَاهُم مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُون﴾ [ سورة التوبة: ٧٦]،
يعنى بذلك: خالفوا ما كانوا وعدُوا اللّه من قولهم: ﴿لَئِنِ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَتَصَّدَّقَنَّ
(١) فى المطبوعة: ((بطاعة الله وصدق)) خطأ.
(٢) فى المطبوعة: ((طاعة أمر: اعز وجل))، بزيادة الثناء على ربنا سبحانه، وعلى أن ((أمر))
مبنى المعلوم . وهذا مخالف السياق ، وسهو من النساخ .

١٦٣
تفسير سورة البقرة : ٦٤
وَلَفَكُونَنَّ من الصَّالِحِين﴾ [سورة التوبة :٧٠]، ونبلوا ذلك وراء ظهورهم ..
ومن شأن العرب استعارةُ الكلمةَ ووضعها مكان نظيرها، كما قال أبوخِرَاش
الهذلى : (١)
فَلَيْسَ كَعَهْدِ الدَّارِ يَا أُمَّ مَالِكٍ وَلَكِنْ أَحَاطَتْ بالرَّقَابِ السَّلَاَسِلُ (٢)
وَعَادَ الفَتَى كَالكَهْلٍ، لَيْسَ بِقَائِلٍ سِوَى الَقِّشَيْئًا، واستَرَاحَ العَوَاذُِ(٣)
يعنى بقوله: ((أحاطتْ بالرَُّاب السلاسل))، أن الإسلام صارَ - فى منعه
إيانا ما كنا تأتيه فى الجاهلية، مما حرَّمه الله علينا، فى الإسلام - بمنزلة السلاسل
المحيطة برقابنا ، التى تحول بين مَنْ كانت فى رقبته، مع الغُلّ الذى فى يده ،
وبين ما حاول أن يتناوله وشته العادية.
ونظائر ذلك فى كلام: الغرب أكثر من أن تحصى. فكذلك قوله: ((ثم توليتم"
محالة ملك
(١) كان فى المطبوعة: ((قال أبو ذؤيب الهذلى))، وهو خطأ فاضح، لا يقع فى مثله مثل
(٢) ديوان المذلين ١٥٠:٢، وسيرة ابن هشام٤: ١١٨، والأغانى ٢١: ٤١، والكامل
١ : ٢٦٧. وهى أبيات جياد فى رثاء صديق. وذلك أن زهير بن العجوة الهذلى من بنى عمرو بن الحارث -
وكان ابن عم أبى خراش ، وله صديقاً - خرج يطلب الغنائم يوم حنين فأسر، وكتف فى أناس أخذهم
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرآهٍ جميل بن معمر الجمحي - وكانت بينهما إحنة فى الجاهلية -
فقال له: أنت المائى لنا بالمغايظ؟ فضرب عنقه، فقال أبو خراش يرثيه. وقال الجميل بن معمر:
ن ◌َزَلَهُ، أَوْ كُنْتَ مّنْ يُنَزِلُ
وَإِنَّكَ لَوْ وَأَجَهْتَهَ إِذْ
وَلَكِنَّ قِرْنَ الظّهرِ لِمَرْءَ شاغِلٌ
"لَظَلَّ جَمِيلٌ أَسْوَأْ القَوْمِ تَلَّةٌ
فليس ◌َهْدٍ.
وفى المطبوعة: ((فليس لعهد الدار)) خطأ. ويعنى بقوله: ((الدار»: مكة وما حولها وما جاورها.
ثلمة : وايات
يقول: ليمن الأمر كما تعهدت بها وعهد ثل، جاء الإسلام عهدم ذلك كله.
(٣) يقول: فارق الفتى أخلاق فتوته وعرامه، وصار كالكهل فى أناته وتثبته، فإن الدين قد
وقذ الفتيان ذوى البأس وسكنهم من مخافة عقاب ربهم فى القتل من غير قتال ومعركة . فاستراحت العواذل
لأنهن أصبحن لا يجدن ما يعذلن فيه أزواجهن من التعرض الهلاك .٤ الفه وم جاهد ل _١٤٨ (٠)

١٦٤
تفسير سورة البقرة : ٦٤
من بعد ذلك ))، يعنى بذلك: أنكم تركم العمل بما أخذْنا ميثاقكم وعُهود كم على
العمل به بجدّ واجتهاد ، بعد إعطائكم ربِّكم المواثيقَ على العمل به، والقيام بما
أمركم به فى كتابكم ، فنبذتموه وراء ظهوركم .
وكنتى بقوله جل ذكره: ((ذلك))، عن جميع ما قبله فى الآية المتقدمة ، أغنى
قوله: ((وإذا أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطورَ)).
القول فى تأويل قوله تعالى ذكره ﴿ فَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ
وَرْعَتُهُ﴾
٢٦٠/١
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ذكره: ((فلولا "فَضْلُ اللّه عليكم))، فلولا
أن اللّه تَفضّل عليكم بالتوبة = بعد تكثكم الميثاقَ الذى واثقتُموه . إذ رفع فوقكم
الطور - بأنكم تجتهدون فى طاعته ، وأداء فرائضه ، والقيام بما أمركم به ، والانتهاء
عما نهاكم عنه فى الكتاب الذى آتاكم ، فأنعم عليكم بالإسلام ورحمته التى رَحكم
بها - وتجاوز عنكم خطيئتكم التى ركبتموها - بمراجعتكم طاعة ربكم - لكنتم
من الخاسرين .
وهذا ، وإنْ كان خطاباً لمن كان بين ظهرانيْ مُهاجَر رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم من أهل الكتاب أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنما هو خبر عن
أسلافهم - فأخرجَ الخبرُ نخرج الخبر عنهم - على نحو ما قد بينا فيما مضى ، من
أنّ القبيلة من العرب تخاطب القبيلة عند الفخار أو غيره ، بما مضى من فعل
أسلاف المخاطب بأسلاف المخاطَب، فتضيف فعل أسْلاف المخاطب إلى نفسها
فتقول: فعلنا بكم وفعلنا بكم. وقد ذكرنا بعض الشواهد فى ذلك من شعرهم فيما مضى. (١)
(١) انظر ما مضى فى هذا الجزء ٢ : ٣٨ - ٣٩

١٦٥
تفسير سورة البقرة : ٦٤
وقد زعم بعضهم أن الخطاب فى هذه الآيات، إنما أخرج بإضافة الفعل إلى
المخاطَبين به ، والفعلُ لغيرهم، لأن المخاطَبين بذلك كانوا يتولّوْن من كان فعل
ذلك من أوائل بنى إسرائيل، فصيّرهم الله منهم من أجل ولايتهم لهم .
وقال بعضهم : إنما قيل ذلك كذلك ، لأن سامعيه كانوا عالمين - وإن كان
الخطابُ خَرَج خطاباً للأحياء من بنى إسرائيل وأهل الكتاب -(١) أنّ المعنى
فى ذلك إنما هو "خبرٌ عما قصّ اللّه من أنباء أسلافهم. فاستغنى بعلم السامعين
بذلك ، عن ذكر أسلافهم بأعيانهم . ومثَّل ذلك يقول الشاعر: (٢)
إِذَا مَا أَنْفَسَبْنَا لَمَّ تَلِفِىِ لَئِيَِّةٌ، وَلَمَّ تَجِدِى مِنْ أَنْ تُقِرَّى بِهِ بُدًّا(٣)
فقال: ((إذا ما انتسبنا))، و((إذا)) تقتضى من الفعل مستقبلاً، ثم قال :
(((لمّ تلدفى لئيمة))، فأخبر عن ماض من الفعل. وذلك أن الولادة قد مَضَت
وتقدَّمت. وإنما فعل ذلك - عند المحتج به ـ لأن السامع قد فهم معناه . فجعل
ما ذکرنا - من خطاب الله أهل الكتابالذین کانوا بین ظهرانی مهاجر رسول
الله صلى الله عليه وسلم أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، بإضافة أفعال أسلافهم
إليهم - نظيرَ ذلك .
والأول الذى قُلنا، هو المستفيض من كلام العرب وخطابها.
(١) فى المطبوعة: ((إذ المعنى فى ذلك ... ))، وهو كلام لا يستقيم. وسياق الجملة يقتضى أن
توضع ((أن)) مكان (إذ)) أى: ((لأن سامعيه كانوا عالمين ... أن المعنى فى ذلك ... »،
وما بينهما فصل واعتراض
(٢) فى حاشية الأمير على مننى اللبيب ١: ٢٥، قال: ((فى حاشية السيوطى: قائله زائدة
ابن صعصعة الفقى، يعرض بزوجته، وكانت أمها سرية))، ولم ينسبه السيوطى فى شرحه على شواهد
المغنى : ٣٣.
(٣) سيأتى فى هذا الجزء ١: ٣٣٣ (بولاق)، وفى ٣: ٤٩ (بولاق)، ومعانى الفراء: ١٧٨،٦١.
وقبل البيت يقول لامرأته :
رَمَثْنِىَ عَنْ قَوْسِ العَدُوِّ، وَبَاعَدَتْ عُبَيْدَةُ، زَادَ اللهُ مَا بَيْنَنَا بُعْدَا

١٦٦
تفسير سورة البقرة : ٦٥،٦٤
وكان أبو العالية يقول فى قوله: ((فلولا فضلُ الله عليكم ورحمته)) - فيما ذكر
٠
٠ ٠
لنا - نحو القول الذى قلناه :
١١٣٦ - حدثنى المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو النضر،
عن الربيع، عن أبى العالية: ((فلولا فَضْلُ اللّه عليكم ورحمتُه))، قال: ((فضل الله)،
الإسلام، ((ورْته))، القرآن .
١١٣٧ - وحدثت عن عمار، قال، حدثنا ابن أبى جعفر، [عن أبيه ]،
عن الربيع بمثله .(١)
٠
٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْسِرِينَ) )
قال أبو جعفر: فلولا فضل الله عليكم ورحمته إياكم - بإنقاذه إياكم بالتَّوبة
عليكم من خطيئتكم وجُرْمكم - لكنّم الباخسين أنفسكم حظوظها دائماً، الهالكين
بما اجترمتم من نقض ميثاقكم، وخلافكم أمرَه وطاعته .
وقد تقدم بياننا قبلُ بالشواهد، عن معنى ((الخسار))، بما أغنى عن إعادته
فى هذا الموضع .(٢)
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ عَلِئْتُمُ الّذِينَ أَعْتَدَوْا مِنْكُمُ
فِىِ السَّبْتِ ﴾
قال أبو جعفر: يعنى بقوله: ((وَلَقدْ علمتم))، ولقد "عَرَفتم. (٣) كقولك:
(١) ما بين القوسين زيادة لابد منها، وانظر آخر إسناد عن عمار بن الحسن رقم : ١١٣٤.
(٢) انظر ما مضى ١ : ٤١٧.
(٢) سیأتی دليل هذا من تفسير ابن عباس فى رقم: ١١٣٨

١٦٧
تفسير سورة البقرة : ٦٥
(((قد علمتُ أخاك، ولم أكن أعلمه)»، يعنى عرفته، ولم أكن أعرفه، كما قال جل
ثناؤه: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [سورة الأنفال: ٦٠]،
يعنى : لا تعرفونهم اللّه يعرفهم .
٠
وقوله: ((الذينَ اعْتدَوا منكم فى السبت))، أى الذين تجاوزوا حَدّى ،
وركبوا ما نهيتهم عنه فى يوم السبت ، وَعَصَوا أمْرِى.
وقد دللت - فيما مضى - على أنّ((الاعتداء))، أصله تجاوز الحدّ فى كل ٢٦١/١
شىء. بما أغنى عن إعادته فى هذا الموضع . (١)
. ..
قال أبو جعفر : وهذه الآية وآيات بعدها تتلوها، مما عدَّد جل ثناؤه فيها
على بنى إسرائيل - الذين كانوا بين خلال دور الأنصار زمانَ النبى صلى اللّه
عليه وسلم، الذين ابتدأ بذكرهم فى أول هذه السورة من نكث أسلافهم عهد الله
وميثاقه - (٢) ما كانوا يُبرمون من العقود، وَحذّر المخاطَبين بها أن يحل بهم -
بإصرارهم على كفرهم، ومُقامهم على جحود نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم ،
وتركهم اتباعَه والتصديقَ بما جاءهم به من عند ربه - مثلُ الذى حَلّ بأوائلهم
من المسخ والرَّجْف والصعق، وما لا قِبَلَ لهم به من غضب الله وسَخَطه. كالذى :-
١١٣٨ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال ، حدثنا
بشر بن عمارة ، عن أبى روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ((وَلقد عَلمتم
الذينَ اعتدَوْا منكم فى السبت)) يقول: ولقد عَرْفتم. وهذا تحذير لهم من
المعصية . يقول : احذرُوا أنْ يصيبكم ما أصابَ أصحابَ السبت ، إذ عصونى ،
اعتدوا - يقول: اجترأوا - فى السبت. قال: لم يبعث الله نبيًّاً إلا أمرَه بالجمعة،
(١) انظر ما مضى من هذا الجزء : ١٤٢:٢
(٢) سياق عبارته: مما عدد اللّه على بنى إسرائيل ... ما كانوا يبرمون من العقود)»، وما بينهما
فصل بصفة (( بنى إسرائيل)) .

١٦٨
تفسير سورة البقرة : ٦٥
وأخبره بفضلها وعِظَمها فى السموات وعند الملائكة ، وأنّ الساعة تقوم فيها . فمن
اتبعَ الأنبياء فيما مضى، كما اتبعتْ أمةُ محمد صلى الله عليه وسلم محمداً، قَبِلّ
الجمعةَ وسمع وأطاع ، وعرف فضلها وثبت عليها، كما أمر الله تعالى به نبيه صلى
اللّه عليه وسلم. (١) ومن لم يفعل ذلك، كان بمنزلة الذين ذكر الله فى كتابه فقال:
((ولقد علمتمُ الذينَ اعتدَوا منكم فى السبت فقلنا لهم كونوا قرَدةً خاسئين)).
وذلك أن اليهود قالت لموسى - حين أمرهم بالجمعة، وأخبرهم بفضلها - : ياموسى،
كيف تأمرنا بالجمعة وتفضلها على الأيام كلها، والسبت أفضلُ الأيام كلها،
لأن الله خلق السموات والأرض والأقوات فى ستة أيام، وَسبّتَ له كلّ شيء
مطيعاً يوم السبت ، (٢) وكان آخر الستة ؟ قال : وكذلك قالت النصارى لعيسى
ابن مريم - حين أمرهم بالجمعة .. قالوا له: كيف تأمرُنا بالجمعة وأول الأيام أفضلها
وسيِّدُها، والأوّل أفضل، واللّه واحد، والواحد الأول أفضَّلُ؟ فأوحى الله إلى
عيسى: أنْ دعهم والأحدَ، ولكنْ ليفعلوا فيه كذا وكذا . - مما أمرهم به.
فلم يَفعلوا، فقصّ اللّه تعالى قصَصهم فى الكتاب بمعصيتهم . قال: وكذلك
قال اللّه لموسى - حين قالت له اليهود ما قالوا فى أمر السبت -: أنْ دعهم والسبت ،
فلا يصيدُوا فيه سمكاً ولا غيره، ولا يعملون شيئاً كما قالوا . قال : فكان إذا كان
السبت ظهرت الحيتانُ على الماء ، فهو قوله: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ
شُرَّحَاً﴾ [سورة الأعراف: ١٦٣]، يقول: ظاهرةً على الماء ، ذلك لمعصيتهم
موسى - وإذا كان غير يوم السبت ، صَارت صيداً كسائر الأيام فهو قوله :
﴿وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهم﴾ [سورة الأعراف: ١٦٣]. ففعلت الحيتان ذلك
ما شاء الله . فلما رأوها كذلك ، طمعوا فى أخذها وخافوا العقوبة ، فتناول بعضهم
(١) فى المطبوعة: ((بما أمره الله تعالى به ونبيه صلى الله عليه وسلم))، وهى جملة غير صحيحة،
صممتها كما ترى .
(٢) سبت: سكن، وقولهم: ((سبت له))، يريدون: خشع له وانقطع عن كل عمل إلا عبادته
سبحانه وانظر ما سيأتى ص : ١٧٤

١٦٩
تفسير سورة البقرة : ٦٥
منها فلم تمتنع عليه، وحذر العقوبةَ التى حَذَّرهم موسى من اللّه تعالى. فلما رأوا
أن العقوبة لا تحلّ بهم ، عادوا ، وأخبرَ بعضهم بعضاً بأنهم قد أخذوا السمك
ولم يصبهم شىء، فكثَّروا فى ذلك، وظنوا أن ما قال لهم موسى كان باطلاً . وهو
قول الله جل ثناؤه: ((ولقدْ عَلمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قرّدةً
"خاسئين)) - يقول: لهؤلاء الذين صادوا السمك- فمسخهم الله قردة بمعصيتهم.
يقول: إذاً لم يحيوا فى الأرْض إلاَّ ثلاثة أيام. [ قال: ولم يعش مِسْخٌ قطّ فوق
ثلاثة أيام]، (١) ولم يأكل ولم يشرب ولم يَنسل. وقد خلق الله القردة والخنازير
وسائر الخلق فى الستة الأيام التى ذكر الله فى كتابه . فمسخَ هؤلاء القوم فى صورة
القِرَدة ، وكذلك يفعل بمن شاء ، كما يشاء، ويحوّله كما يشاء .
٢٦٢/١
١١٣٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل قال ، حدثنا محمد
ابن إسحق ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، مولى ابن عباس قال : قال
ابن عباس : إن اللّه إنما افترضَ على بنى إسرائيل اليوم الذى افترض عليكم فى
عِيدكم - يومَ الجمعة -. فخالفوا إلى السبت فعظَّموه، وتركوا ما أمروا به. فلمًّا
أبوًا إلا لزوم السبت ، ابتلاهم اللّه فيه، فحرَّم عليهم ما أحل لهم فى غيره . وكانوا
فى قَرْية بين آ"يلة والطُّور يقال لها: ((مَدْين)). فحرّم الله عليهم فى السبت الحيتان":
صَّدَهَا وأكلها . وكانوا إذا كان يومُ السبتَ أقبلت إليهم ◌ُشُرَّعاً إلى ساحل
بجرهم ، حتى إذا ذهب السبت ذهبنَ، فلم يروا ◌ُحُوتاً صغيراً ولا كبيراً . حتى إذا
كان يوم السبت أتيْن، إليهمْ شُرَّعاً، حتى إذا ذهب السبت ذهبْنَ . فكانُوا كذلك،
حتى إذا طالَ عليهم الأَمَدُ وقَرِموا إلى الحيتان، (٢) تَمد رجلٌ منهم فأخذ حوتاً
سرًّا يوم السبت، فخزمه بخيط ، ثم أرسله فى الماء ، وأوْتد له وتداً فى الساحل
فأوثقه، ثم تركه. حتى إذا كان الغدُ، جاء فأخذَهُ - أىْ: إنّى لم آخذه فى
تا
(١) هذه الزيادة من تفسير ابن كثير ١ : ١٩٣، والدر المنثور ١: ٧٥، وهى زيادة لابد
منها، وفى المطبوعة بعدها؛ ((ولم تأكل ولم تشرب، ولم تنل)) خطأ.
(٢) القرم: شدة الشهوة إلى اللحم، قرم يقرم (بفتح الراء) قرماً (بفتحتين).

١٧٠
تفسير سورة البقرة : ٦٥
يوم السبت - ثم انصلق به فأكله . حتى إذا كان يوم السبت الآخر ، عاد لمثل
ذلك ، وَوَجد الناسُ ريح الحيتان، فقال أهل القرية: والله لقد وجدنا ريح الحيتان!
ثم عُثروا على صنيع ذلك الرجل. (١) قال : ففعلوا كما فعل ، وأكلوا سرًّا زماناً
طويلاً، لم يعجل الله عليهم بعقوبة، حتى صادُوها علانيةً وباعوُها بالأسواق .
وقالت طائفة منهم من أهل البَّقية: (٢) وَيحكم! اتقوا الله ! ونهوْهم عما كانوا
يصنعون. وقالت طائفةٌ أخرى لم تأكل" الحيتان، ولم تنْهَ القوم عما صَنعوا:
﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمَ اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى
رَبِّكُمْ﴾ لسخطنا أعمالهم - ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [سورة الأعراف: ١٦٤]،
قال ابن عباس: فبينما هم على ذلك، أصبحت تلك البقية فى أنديتهم ومساجدهم،
وفقدوا الناس فلا يَرَونهم. فقال بعضهم لبعض: إنّ للناس كلشأنً! فانظروا ما هو!
فذهبوا ينظرون فى دورهم ، فوجدوها مغلقة عليهم ، قد دخلوا ليلاً فغلَّقْوها على
أنفسهم ، كما يُغلِّقُ الناس على أنفسهم ، فأصبحوا فيها قرّدة ، وإنهم ليعرفون
الرجل بعينه وإنه لقرد، والمرأة بعينها وإنها لقردة، والصنىّ بعينه وأنه لقردٌ. قال:
يقول ابن عباس : فلولا ماذكر الله أنه أنجى الذين نهوا عن السوء، لقلنا أهلك
الجميعَ منهم. قالوا: وهى القرية التى قال اللّه لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وَأَسْئَلْهُمْ
عَنِ القَرْيَةِ التِى كَانَتْ حَاضِرَةَ البَحْرِ ) الآية [سورة الأعراف: ١٦٣].
١١٤٠ - حدثنا بشرقال ، حدثنا يزيد بن زريع قال: حدثنا سعيد ، عن
قتادة قوله: ((وَلَقدْ عَلمتم الذين اعْتَدَوا منكم فى السبت فقلنا لهمْ كونوا قِرَدة
(١) عثر على الأمر: اطلع عليه وكان خافياً. وفى المطبوعة: ((على ما صنع))، وأثبت نص
ابن كثير فى التفسير ١ : ١٩٤ .
(٢) فى المطبوعة: ((من أهل التقية))، وهو خطأ محض. أهل البقية: هم أهل التمييز والفهم،
يبقون على أنفسهم بطاعة الله، وبتمسكهم بالدين المرضى ، وفلان بقية : فيه فضل وخير فيما يمدح به .
﴿فَلَوْلَا كَانَ مِن الْقُرُونِ مِن قَبْلَكُمْ أُوُلُو
وسيأتى بعد على الصواب . وقال الله تعالى:
بقيَّة يَنْهَوْنَ عِنِ الفَسَادِ فِى الأَرْضِ﴾ [سورة هود: ١١٦].

١٧١
تفسير سورة البقرة : ٦٥
"خاسئين)): أحِلَّت لهمُ الحيتان، وُحرِّمت عليهم يوم السبت بلاءً من اللّه،
ليعلمَ من يُطيعه ممن يَعْصِيه. فصَارَ القوم ثلاثة أصناف: فأماصنف فأمْسك
وتهى عن المعصية، وأمّا صنف فأمسك عن ◌ُحُرّمة اللّه، وأما صنف فانتهك
◌ُحَرْمة اللّه ومرَد على المعصية. فلما أبوا إلاّ الاعتداء إلى ما نهوا عنه، قال الله لهم:
(((كونوا قرّدة خاسئين))، فصاروا قرَدة لها أذنابٌ، تَعاوَى، بعد ما كانوا
رجالاً ونساءً .
١١٤١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: ((وَلَقدْ عَلمتُمُ الذين اعتدَوا منكم فى السبت))، قال :
نهوا عن صيد الحيتان يوم السبت ، فكانت تَشرَع إليهم يوم السبت، وبُلوا بذلك،
فاعتدوا فاصطادُ وها، فجعلهم الله قردة خاسئين .
١١٤٢ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى: ((ولقدْ علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قر دة خاسئين»
قال: فهم أهل. ((أيلة))، وهى القرية التى كانت حاضرة البحر ، فكانت
الحيتان إذا كان يوم السبت - وَقَدْ حرَّم اللّه على اليهود أن يعملوا فى السبت شيئاً - ٢٦٣/١
لم يبقَ فى البحر حوت إلاّ خرج، حتى يخرجن خراطيمَهنّ من الماء. فإذا كان
يوم الأحد لزِمْنَ ◌ُفْلَ البحر، فلم يُرَ منهن شىء حتى يكون يوم السبت .
فذلك قوله: ﴿وأَسْألُهُمْ عَنِ القَرْيَة الَّتِى كَانَت حاضِرَةَ البَحْرِ إِذْ يَعْدُونٍ فِى
السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِم حِيتَانُهُمْ يَوْ سَّفْتِهِم شُرَّعاً ويوْمَ لاَ يَسْبِتُون لاَ تَأْتِهِ﴾ [ سورة
الأعراف: ١٦٣]، فاشتهى بعضهم السمك، فجعل الرجل يحفر الحفيرة ويجعلُ
لها شهراً إلى البحر. فإذا كان يومُ السبت فتح النهر، فأقبل الموجُ بالحيتان يضرُبها
حتى يلقيها فى الحفيرة. وُيريد الحوت أن يخرج، فلا يطيق من أجل قلّة ماء النهر،
فيمكث [ فيها ].(١) فإذا كان يوم الأحد جاء فأخذه . فجعل الرجل يشوى
(١) الزيادة من تفسير ابن كثير ١ : ١٩٥.

١٧٢
تفسير سورة البقرة : ٦٥
السّمك ، فيجد جارُه ريحه، فيسأله فيخبره، فيصنع مثل ما صَنعَ جارُه . حتى
إذا فشا فيهم أكل السمك، قال لهم علماؤهم: ويحكم ! إنما تصطادون السمك
يوم السبت وهو لا يحل لكم! فقالوا: إنما صدْناه يوم الأحد حين أخذ ناه ! فقال
الفقهاء: لا، ولكنكم صيد تموه يوم فتحتم له الماء فدخل. فقالوا: لا! وَعتوْا أن
يَنتهوا. فقال بعض الذين نهوهم لبعض: ﴿لِمَ تَعِظُونِ قَوْمَا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ
عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [سورة الأعراف: ١٦٤]، يقول: لم تعظُونهم ، وقد وعظتموهم
فلم يطيعوكم ؟ فقال بعضهم: ﴿مَعذِرةً إلى رَّبكم وَلَعَلَّهُمْ يَتْقُون﴾ [سورة
الأعراف : ١٦٤]. فلما أبوا قال المسلمون: والله لا نُساكنكم فى قرية واحدة.
فقسموا القريةَ بجدار ، ففتح المسلمون باباً والمعتدون فى السبت باباً ، ولعنهم
داود. فجعل المسلمون يخرجون من بابهم والكفار من بابهم. فخرج المسلمون ذات
يوم ، ولم يفتح الكفار بابهم . فلما أبطأوا عليهم ، تسوَّر المسلمون عليهم
الحائط ، فإذا هم قرَدةٌ يَئب بعضهم على بعض، ففتحوا عنهم ، فذهبوا فى
الأرض. فذلك قول الله عز وجل: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَمَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا
قِرَدَةً خَاسِئِين﴾ [سورة الأعراف: ١٦٦]، فذلك حين يقول: ﴿لُمِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا
مِنْ بَنِىِ إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَىْ بْنِ مَرْيَمَ﴾ [سورة المائدة: ٧٨]،
فهم القردة .
١١٤٣ -حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: ((الذين اعتدَوا منكمْ فى السبت فُقلنا
كونوا قرّدة خاسئين)). قال: لمْ يُمسخوا، إنما هو مثل ضربه الله لهم، مثل
ما ضَرَبَ مَثل الحمار يحملُ أسفاراً. (١)
١١٤٤ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
(١) سورة الجمعة : ٥.

١٧٣
تفسير سورة البقرة : ٦٥
ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((ولقدْ علمتم الذين اعتدوا منكم فى السبت فقلنا
لهم كونوا قرَدةً "خاسئين)». قال: مُسخت قُلوبهم، ولم يُمسخوا قرّدة. وإنما
◌ُهُو مَثل ضَرَبّه الله لهم، كمثل الحمار يحمل أسفاراً .
٠
قال أبو جعفر : وهذا القول الذى قاله مجاهد ، قولٌ لظاهرٍ ما دَلّ عليه
كتابُ اللّهُ مخالفٌ. (١) وذلك أن اللّه أخبر فى كتابه أنه جعل منهم القردة والخنازير
وَعَبَدَ الطاغوتِ، (٢) كما أخبر عنهم أنهم قالوا لنبيهم: ﴿أَرِنَا اللّهَ جَهْرَةٌ﴾
[سورة النساء: ١٥٣]، وأن الله تعالی ذ کره أصعقهم عند مسألتهم ذلك ربّهم،
وأنهم عبدوا العجل فجعل توبتهم قتل أنفسهم ، وأنهم أمِروا بدُخول الأرض المقدسة
فقالوا لنبيهم: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّ هُهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [ سورة المائدة: ٢٤]
فابتلاهم بالتيه. فسواءٌ قائلٌ قال: (٣) هم لم يمسخهم قرَدة، وقد أخبر جل ذكره
أنه جعل منهم قردة وخنازير - وآخرُ قال: لم يكن شىء مما أخبر اللّه عن
بنى إسرائيل أنّه كان منهم - من الخلاف على أنبيائهم ، والنكال والعقوبات
التى أُحلها الله بهم. (٤) ومن أنكر شيئاً من ذلك وأقرّ بآخر منه، ◌ُسُئل البرهان
على قوله، وعورض - فيما أنكر من ذلك - بما أقرّ به. ثم يُسأل الفرق من خبرٍ ٢٦٤/١
مستفیض أو أثر صحيح .
هذا مع خلاف قولٍ مجاهد قولَ جميع الحجة التى لا يجوز عليها الخطأ والكذب
فيما نقلته مجمعةً عليه. وكفىَ دليلاً على فسادٍ قولٍ ، إجماعُها على تخطئته .
(١) انظر معنى ((ظاهر)) فيما سلف ٢: ١٥ والمراجع.
(٢) سورة المائدة : ٦٠.
(٣) فى المطبوعة: ((فسواء قال قائل))، وسياق العبارة يقتضى التقديم، لقوله ((وآخر قال)).
(٤) فى المطبوعة: ((والعقوبات والأنكال))، وليس صواباً. والنكال: العذاب الشديد يكون
عبرة الناس حتى ينكلوا عن شىء ويخافوه. وأما ((الأنكال)) فجمع نكل : وهو القيد.

تفسير سورة البقرة : ٦٥
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَقُلْنَا لَمُمْ كُونُوا فِرَدَةً خَسِئِينَ) )
قال أبو جعفر: يعنى بقوله: ((فقلنا لهم)) أى: فقلنا للذين اعتدَوْا فى
السبت - يعنى فى يوم السبت
٠٠٠٠
وأصل (السبت))، الهدوْ والسكون فى راحة وَدَعَة، ولذلك قيل للنائم ((مَسْبُوَت))
لهدوّه وسكون جسده واستراحته، كما قال جل ثناؤه: ﴿وجَعَلْنَا نَوْتَكُمْ سُبَاتًا)
[سورة النبأ:٩] أى راحة الأجسادكم. وهو مصدر من قول القائل: ((سبت فلان
يَسْبُتُ سَبْئاً» ....
. وقد قيل: إنّه سمى ((سبثاً))، لأن الله جل ثناؤه: فرغ يوم الجمعة - وهو اليوم
الذى قبله - من خلق جميع خلقه.
:)):مبينا إبادة
وقوله: ((كونوا قردة خاستين)»، أى: صيروا كذلك.
و (الحاسِ)، المبعد المطرُود، كما يخبأ الكلب يقال منه:(( خسأتُه أخسؤُه
خَسياً وخُوءًا، وهو يخسيا خسوءاً). قال: ويقال: ((خساته فخساً وإنخسا» ....
ومنه قول الراجز :
خضم نهاية ريه
يعنى : إن طردته انطردَ ذليلاً صاغراً .
• كالكّلْبِ إِنْ قُلْتَ لَهُ أُخْسَّأْ أَنْخَتَأْ(ا).
بعناية مفاجاة نعه لله
فكذلك معنى قوله: ((كونوا قردة خاسئين)) أى، سبعدين من الخير أذلام
صُغراء، (٢) كما :-
١١٤٥ - حدثنا محمد بن بشار، (٣) قال، حدثنا أبو أحمد الزبيرى قال،
(١) لسان العرب: (خساً)، وروايته: « إن قيل له إذا جه ينة (١)
(٢) صاغر، جمعه صغرة (بفتحات). وهذا ما نصوا عليه، ولم أجد ((ضغزاء)» على وزن
جهلاء، وهو جمع فى بعض الصفات التى على وزن " فاعل)) وز فعل شاعر وشعراء، وعالم وعلماء :. فهم
يشبهون«فاعلا »: «فعيل)) فحو كريم وكرماء، فيجيبونه كجيح): تسلطانة (٥)
(٣) فى المطبوعة ((حدثنا بشار، وهو خطأ لاشك فيه، وأقرب إسناد مثله مر بنا هو رقم: ١٩٦٢)

١٧٥
تفسير سورة البقرة : ٦٥ ، ٦٦
حدثنا سفيان، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: ((كونوا قرَدةً خاسئين))
قال : صاغرين .
١١٤٦ - حدثنا أحمد بن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد ، قال : حدثنا سفيان،
عن رجل ، عن مجاهد مثله .
١١٤٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أب نجیح ، عن مجاهد مثله .
١١٤٨ - حدثنى الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة: ((خاسئين))، قال : صاغرين .
١١٤٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ،
عن أبيه، عن الربيع فى قوله: ((كونوا قردة خاسئين))، أى أذِلَّة صاغرين.
١١٥٠ - وحدثت عن المنجاب قال ، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبى روق ،
عن الضحاك ، عن ابن عباس : خاسئاً، يعنى ذليلاً .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَجَمْتَّها)
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فى تأويل ((الهاء والألف)) فى قوله:
((فجعلناها))، وعلامَ هى عائدة ؟ فروى عن ابن عباس فيها قولان: أحدهما ما :-
١١٥١ - حدثنا به أبو کریب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا
بشر بن عمارة قال، حدثنا أبو روق، عن الضحاك ، عن ابن عباس: ((فجعلناها))
فجعلنا تلك العُقوبة - وهى المَسخة - ((نكالاً).
فالهاءُ والألف من قوله: ((فجعلناها )) - على قول ابن عباس هذا - كناية

١٧٦
تفسير سورة البقرة : ٦٦
عن ((المَسْخة))، وهى ((فَعلة)) من مسخهم اللّه مَسخة"(١).
فمعنى الكلام على هذا التأويل : فقلنا لهمُ : كونوا قردة خاسئين ، فصاروا
قرّدة ممسوخين، ((فجعلناها))، فجعلنا عقوبتنا ومسخنا إياهم، ((نكالاً لما بين
يَدَيِها وَمَا خَلفها وَمَوْعظة للمتقين)).
٠
والقول الآخر من قولى ابن عباس ، ما : -
١١٥١ -حدثنی به محمد بن سعد قال، حدثی أبی قال ، حدثنى عمى
قال ، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: ((فجعلنا ها))، يعنى الحيتان .
((والهاء والألف)) - على هذا القول - من ذكر الحيتان، ولم يجر لها ذكرٌ.
ولكن لما كان فى الخبر دلالة، كنّى عن ذكرها . والدلالة على ذلك قوله: ((ولقد
عَلمتم الذين اعتدوا منكمْ فى السبت)).
وقال آخرون: فجعلنا القرية التى اعتدى أهلها فى السبت. ف («الهاء
والألف)) - فى قول هؤلاء - كنايةٌ عن قرية القوم الذين مُسخوا.
٠٠٠
وقال آخرون : معنى ذلك فجعلنا القِرَدة الذين مسخوا ((نكالاً لما
بين يديهاَ وما خلفها))، فجعلوا ((الهاء والألف)) كناية عن القردة.
٢٦٥/١
وقال آخرون: ((فجعلناها ))، يعنى به: فجعلنا الأمة التى اعتدت
فى السبت ((نكالاً)).
٠
القول فى تأويل قوله ( نَكَلاً)
و ((النَّكال)) مصدرٌ من قول القائل: (( نكّل فلان بفلان تنكيلاً ونكالاً)).
وأصل ((النَّكال))، العقوبة، كما قال عدى بن زيد العبادىّ:
(١) كأنه يريد أنه مصدر: كقولهم: رحمه الله رحمة، ولم يرد المرة، وسيدل على ذلك ما يقوله بعد سطرين.

١٧٧
تفسير سورة البقرة : ٦٦
لا يسخط الضليل ما يسَع الــب بد، وَلاَ فِى نَكَالِهِ تَنْكِيرُ(١)
وبمثل الذى قلنا فى ذلك روى الخبر عن ابن عباس :-
١١٥٢ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال ، حدثنا بشر
ابن عمارة قال، حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ((نكالاً))
يقول : عقوبة .
١١٥٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنى إسحق قال ، حدثنى ابن أبى جعفر ،
عن أبيه، عن الربيع فى قوله: ((فجعلناها نكالا))، أى عقوبة".
القول فى تأويل قوله تعالى (لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك . فقال بعضهم بما : -
١١٥٤ - حدثنا به أبو كريب قال ، حدثنا عثمان بن سعيد قال ، حدثنا
بشر بن عمارة ، عن أبى روق، عن الضحاك ، عن ابن عباس: (( لما بين يديها))
يقول: ليحذرَ مَنْ بعدَهم عقوبتى. ((وما خلفها))، يقول: الذين كانوا بقُوا معهم.
١١٥٥ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن
أبيه، عن الربيع: ((لما بين يديها وما خلفها))، لما خلاً لهم من الذنوب، (٢) ((وما خلفها))،
أى عبرة لمن بقى من الناس .
(١) لم أجد البيت فى جميع المراجع التى ذكرت قصيدة عدى بن زيد التى كتبها إلى النعمان من
محبسه . وقد أثبت البيت كما هو فى النسخ السقيمة التى بقيت من تفسير الطبرى ، وظنى أن يكون البيت :
لا يَكُظُّ المليكَ مَا يَسَعُ الْمَ نْدَ ، وَلاَ فِىِ نَكَالِهِ تَنْكِيرُ
فلم يحسن الناسخ قراءة ((يكظ)) فكتبها ((لسخط))، ووضع مكان ((المليك)) ((((الضليل)). وكظه
الأمر : بهظه وشق عليه. يقول النعمان: أنت مليك قادر، فلا يبهظك ما يسع عبيدك من العفو عمن أساء
واجترم، فإن عاقبت ، فما فى عقابك ما يستنكر ، فأنت السيد المطاع النافذ أمرك فى رعيتك صغيرهم وكبيرهم .
(٢) خلا : مضى وذهب وانقضى.
ج ٢ (١٢)

١٧٨
تفسير سورة البقرة : ٦٦
وقال آخرون بما : -
١١٥٦ - حدثنى ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال ، حدثنى ابن إسحق ،
عن داود بن الحصين ، عن عكرمة مولى ابن عباس . قال ، قال ابن عباس :
(((فجعلناها نكالاً لما بين يَدَيها وما "خلفها))، أى من القُرَى.
٠
۵
وقال آخرون بما : -
١١٥٧ - حدثنا به بشر بن معاذ قال، حدثنا یزید قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة قال الله: ((فجعلناها تكالاً لما بَينَ يَدَيها)) - من ذنوب القوم -
((وما "خلفها))، أى للحيتان التى أصاُبُوا.
١١٥٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر ،
عن قتادة فى قوله: ((لما بين يَدَيها))، من ذنوبها، ((وما "خلفها))، من الحيتان.
١١٥٩ -حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال،حدثی عيسى،
عن ابن أبى نجیح، عن مجاهد فى قول الله تعالى: ((لما بين يديها))، ما مضى من
"خطاياهم إلى أن هلكوا به .
١١٦٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((تكالاً لما بين يَدَيها وما "خلفها)»، يقول: ((بين
يَدَيها))، ما مضى من خطاياهم، ((وما خلفها » خطاياهم التى هلكوا بها.
١١٦١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج، عن
ابن جریج،عن مجاهد مثله - إلا أنه قال: (( وما خلفها ))، خطیتهم التى هلكوا بها
وقال آخرون بما : -
١١٦٢ -حدثیبه موسی بنهرون قال، حدثناعمرو قال، حدثنا أسباط ، عن
السدى: ((فجعلناها تكالاً" لما بين يديها وما خلفها))قال: أمَّا (مابين يديها)) فماسلف من
عملهم، ((وما خلفها))، فمن كانَ بعدهم من الأمم، أنْ يَعْصُوا فيصْنع الله بهم مثل ذلك.

١٧٩
تفسير سورة البقرة : ٦٦
٠٠
وقال آخرون بما :-
١١٦٣ -حدثنى به ابن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال ،
حدثی أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (( فجعلناها نكالاً لما بين يديها
وما "خلفها))، يعنى الحيتان، جعلها نكالاً (( لما بين يَدَيها وما خلفها)) ، من الذنوب التى
عملوا قبل الحيتان، وما عملوا بعد الحيتان. فذلك قوله: ((ما بين يديها وما خلفها)).
قال أبو جعفر: وأولى هذه التأويلات بتأويل الآية ، ما رواه الضحاك عن ٢٦٦/١
ابن عباس. وذلك لما وصفنا من أن ((الهاء والألف)) - فى قوله: ((فجعلناها
نكالاً )) - بأنْ تكونَ من ذكر العقوبة والمَسخة التى مسخَها القوم ، أولى منها
بأن تكون من ذكر غيرها . من أجل أن الله جل ثناؤه إنما يحذّر خَلقه بأَسَه
وسطوته، بذلك يخوفهم(١). وفى إبانته عز ذكره - بقوله: ((نكالاً)): أنه عَنِى به
العقوبةَ التى أحلها بالقوم - ما يُعْلِيم أنه عنى بقوله: ((فجعلناها نكالاً لما بين
يديها وما خلفها))، فجعلنا عقوبتنا التى أحللناها بهم عقوبةً لما بين يديها وما خلفها.
دون غيره من المعانى. وإذا كانت ((الهاء والألف)) - بأن تكون من ذكر المسخة
والعقوبة ، أولى منها بأن تكون من ذكر غيرها؛ فكذلك العائد فى قوله: (( لما بين
يَدْيها وما خلفها)) من ((الهاء والألف)): أنْ يكون من ذكر ((الهاء والألف))
اللتين فى قوله: ((فَجعلناها))، أولى من أنْ يكون من [ذكر] غيره. (٢)
فتأويلُ الكلام - إذْ كان الأمرْ على ما وصفنا - : فقلنا لهم كونوا قردةٌ
خاسئين ، فجعلنا عقوبتنا لهم عقوبةً لما بين يديها من ذنوبهم السالفة منهم،
بمسخناً إياهم وعقوبتنا لهم - (٣) ولما خلفَ عقوبتنا لهم من أمثال ذنوبهم: أنْ يعمل
(١) فى المطبوعة: ((وبذلك يخوفهم))، ولعل الأجود ما أثبت.
(٢) ما بين القوسين زيادة لا بد منها فى سياق الجملة.
(٣) فى المطبوعة ((مسخنا إياهم)) بحذف حرف الجر، وهو غير مستقيم، وقوله: ((ولما خلف
عقوبتنا لهم)) معطوف على قوله: ((لما بين يديها ... )

١٨٠
تفسير سورة البقرة : ٦٦
بها عامل ، فيمسخوا مثل ما مُسخوا، وأنْ يحلَّ بهم مثل الذى حل بهم ، تحذيراً
من اللّه تعالى ذكرُه عبادَه: أنْ يأتوا من معاصيه مثل الذى أتى الممسوخون، فيعاقبوا
عقوبتهم .
وأما الذى قال فى تأويل ذلك : - ((فجعلناها))، يعنى الحيتان، عقوبه"
لما بين يدى الحيتان من ذنوب القوم وما بعدها من ذنوبهم - فإنه أبعد فى الانتزاع.
وذلك أن الحيتان لم يجرِ لها ذكرٌ فيقال: ((فجعلناها)). فإن ظنّ ظانّ أن ذلك
جائز - وإن لم يكن جرى للحيتان ذكر - لأن العرب قد تكنى عن الاسم ولم يجر
له ذكر، فإنّ ذلك، وإن كان كذلك، فغير جائز أن يُترك المفهوم من ظاهر
الكتاب- والمعقولُ به ظاهرٌ فى الخطاب والتنزيل - إلى با طنٍ لا دلالة عليه من ظاهر
التنزيل ، ولا خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم منقول، (١) ولا فيه من الحجة
إجماع مستفيض .
وأما تأويل من تأوّل ذلك: لما بين يديها من القرى وما خلفها، فينظرُ إلى تأويل
من تأول ذلك : بما بين يدى الحيتان وما خلفها .
۵
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ وَمَوْعِظَةً )
و((الموعظة))، مصدر من قول القائل: ((وَعظتُ الرجل أعظُه وَعظاً وَمَوْعظة))،
إذا ذكرته .
فتأويل الآية : فجعلناها نكالاً لما بين يديها وما خلفها وَتَذْكرَة للمتقين،
لیتعظوا بها ، ویعتبرُوا ، ویتذ کروا بها ، کما :۔۔
١١٦٤ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد ، قال ، حدثنا
(١) انظر تفسير ((ظاهر)) و((باطن)) فيما سلف من هذا الجزء ٢: ١٥ والمراجع.
: