Indexed OCR Text
Pages 561-580
٥٠٧
تفسير سورة البقرة : ٤٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِىَ أُوْفٍ بِعَهْدِكُمْ﴾
قال أبو جعفر : قد تقدم بياننا فيما مضى - عن معنى العهد - من كتابنا
هذا (١)، واختلاف المختلفين فى تأويله، والصوابُ عندنا من القول فيه(٢). وهو
فى هذا الموضع: عهدُ اللّه ووصيته التى أخذ على بنى إسرائيل فى التوراة، أن يبينوا
للناس أمر محمد صلى الله عليه وسلم أنه رسولٌ، وأنهم يجدونه مكتوباً عندهم فى التوراة
أنه نبيّ اللّه ، وأن يؤمنوا به وبما جاء به من عند الله .
((أوف بعهدكم)): وعهدُه إياهم أنهم إذا فعلوا ذلك أدخلهم الجنة، كما قال جل ثناؤه:
﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيئَقَ بَنِ إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَىْ عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ اللهُ
إِّ مَمَكُمْ لَثْنْ أَقَدْتُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُ الزَّ كَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِ وَعَزَّرْتُهُمْ
وَأَفْرَضْتُ اللهَ قَرْضاً حَسَنَاً لَأُ كَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَّيَْتِكُمْ وَلَّأُدْخَلَّكُمْ جَنَّاتٍ
تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأُنْهَرُ، فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيل﴾
[سورة المائدة: ١٢]، وكما قال: ﴿فَسَأَ كْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ
وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ . الّذِينَ يَّتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَِّىَّ الأُمِّيَّ الّذِى
يَجِدُونَهُ مَكْتُوبَا عِنْدَهُمْ فِ التَّوْرَاءِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَهُمْ
عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الَّيَّاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ
إِصْرَهُمْ وَالأَغْلَالَ أَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا
(١) انظر ما مضى: ٤١٠ - ٤١٥.
(٢) فى المطبوعة: ((قد تقدم بياننا معنى العهد فيما مضى من كتابنا ... ))، غيروه ليستقيم الكلام
حلى ما ألفوه .
٥٥٨
تفسير سورة البقرة : ٤٠
النورَ الَّذِىِ أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) [سورة الأعراف: ١٥٦، ١٥٧].
٨٠٥ - وكما حدثنا به ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة بن الفضل، عن ابن
إسمق ، عن محمد بن أبى محمد مولی زید بن ثابت ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ،
عن ابن عباس: ((وأوفوا بعهدى)) الذى أخذتُ فى أعناقكم للنبىّ محمد إذا جاءكم، (٢)
((أوف بعهدكم))، أى أنجزْ لكم ما وعدتكم عليه بتصديقه واتباعه، بوضع ما كان
عليكم من الإصْر والأغلال التى كانت فى أعناقكم بذنوبكم التى كانت من
أحداثكم(٣).
٨٠٦- وحدثنا المثی، قال: حدثنا آدم، قال حدثنا أبو جعفر، عن الربيع،
عن أبى العالية فى قوله: ((أ"وفوا بعهدى أوفٍ بعهدكم ))، قال: عهدُه إلى عباده،
دينُ الإسلام أن يتبعوه، ((أوف بعهدكم))، يعنى الجنة(٤).
٨٠٧۔۔ وحدثنا موسى بن هرون ، قال: حدثناعمرو بن حماد ، قال: حدثنا
أسباط، عن السدی: ((أوفوا بعهدی أوف بعهدكم )): أما (( أوفوا بعهدی))، فما عهدت
إليكم فى الكتاب. وأما ((أوف بعهدكم )) فالجنة ، عهدتُ إليكم أنكم إن عملتم
بطاعتى أدخلتكم الجنة (٥).
٨٠٨ - وحدثی القاسم، قال: حدثنا الحسین، قال: حدثی حجاج، عن
ابن جريج، فى قوله: ((وأوفوا بعهدى أوف بعهدكم ))، قال: ذلك الميثاق الذى أخذ
عليهم فى المائدة: ﴿ وَلقد أخذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِى إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثنىْ عَشَرَ
(١) فى الأصول: (( ... اثنى عشر نقيباً، الآية)). و((النبى الأمى، الآية)). وآثرنا إتمام
الآيتين ، كما جرينا عليه فيما سلف، وفيما سيأتى .
(٢) فى المطبوعة: (( ... النبى صلى الله عليه وسلم إذا جاءكم ... ))، وفى المراجع الأخرى.
(٣) الأثر: ٨٠٥ - من تمام الأثر السالف رقم: ٨٠٠، ورقم ٨٠١، ومراجعه ما سلف.
(٤) الأثر: ٨٠٦ - فى ابن كثير ١ : ١٥٠.
(٥) الأثر : ٨٠٧ - فى ابن كثير ١: ١٥٠ تضميناً.
تفسير سورة البقرة) : ٤٠
هيبًا﴾ إلى آخر الآية [سورة المائدة: ١٢]. فهذا عهد الله الذى عهد إليهم، وهو
عهد الله فينا، فمن أوفى بعهد الله وفتى الله له بعهده(١).
٨٠٩ - وُحُدّثت عن المنجاب، قال: حدثنا بشر، عن أبى روق، عن
الضحاك، عن ابن عباس، فى قوله ((وأوفوا بعهدى أوف بعهد كم))، يقول :
أوفوا بما أمرتكم به من طاعتى ونهيتكم عنه من معصيتى فى النبى صلى الله عليه وسلم
وفى غيره، ((أوف بعهد كم))، يقول: أرض عنكم وأدخلكم الجنة(٢).
٨١٠ - وحدثییونس ،قال: أخبرنا ابن وهب، قال قال ابن زيد فى قوله:
((وأوفوا بعهدى أوف بعهدكم ))، قال: أوفوا بأمرى أوفٍ بالذى وعدتكم، وقرأً:
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ) حتى بلغ ﴿ومن أوفى
بعهده من اللّه﴾ [سورة التوبة: ١١١]، قال: هذا عهده الذى عهده لهم (٣).
القول فى تأويل قوله تعالى ذكره ﴿وَأَنّىَ فَاَرْهَبُونِ) (٤)
قال أبو جعفر: وتأويل قوله: ((وإياى فارهبون))، وإياى فاخْشَوْا - واتِّقُوا أيها
المضيعون عهدی من بنى إسرائيل ، والمکذبون رسولی الذی أخذتُ میثاقکم - فيما
أنزلتُ من الکُبعلى أنبیائی۔۔ أن تؤمنوا به وتتبعوه ۔ أن ◌ُحيل بكم من عقوبتی،
إن لم تنيبوا وتتوبوا إلىّ باتباعه والإقرار بما أنزلت إليه، ما أحللتُ بمن خالف أمری
وکذّب رُسلی من أسلافکم . کما :-
٨١١- حدثنى به محمد بن حميد، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق ،
(١) الأثر: ٨٠٨ - لم أجده بنصه فى مكان.
(٢) الأثر: ٨٠٩ - فى ابن كثير ١: ١٥٠، الدر المنثور ١: ٦٣، والشوكافى ١ : ٦١.
(٣) الأثر ٨١٠ - لم أجده فى مكان.
٥٦٠
تفسير سورة البقرة : ٤٠ - ٤١
عن محمد بن أبى محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير ،
عن ابن عباس: ((وإياىَ فارهبون))، أن أُنزل بكم ما أنزلت بمن كان قبلكم من
١٩٩/١ آبائكم من النَّقيمات التى قد عرفتم، من المسخ وغيره(١).
٨١٢ - وحدثنا المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنى آدم العسقلانى، قال : حدثنا
أبو جعفر، عن الربيع، عن أبى العالية، فى قوله: ((وإياى فارَ هَبُون))، يقول:
فاخشَوْن .
٨١٣ - وحدثنى موسى بن هرون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا
أسباط، عن السدى: ((وإياى فارهبون))، يقول: وإياى فاخشون(٢)
٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَءَامِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا
معَكُمْ﴾
قال أبو جعفر: یعنی بقوله جل ثناؤه: ((آمنوا ))، صدّقوا، كما قد قدمنا البيان عنه
قبل(٣). ويعنى بقوله ((بما أنزلت، ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن.
ويعنى بقوله. ((مصدّقاً لما معكم))، أن القرآن مصدّق لما مع اليهود من بنى إسرائيل من
التوراة . فأمرهم بالتصديق بالقرآن ، وأخبرهم جل ثناؤه أن فى تصديقهم بالقرآن
تصديقاً منهم التوراة، لأن الذى فى القرآن من الأمر بالإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه
وسلم وتصديقه واتباعه، نظيرُ الذى من ذلك فى التوراة والإنجيل . ففى تصديقهم بما
(١) الأثر: ٨١٢ - من تمام الآثار السالفة الأرقام: ٨٠٠، ٨٠١ ،٨٠٥ . وابن كثير ١ :
١٥٠ من تمام ما سلف فى ص ١٤٩. المراجع المذكورة .
(٢) الأثر: ٨١٣ - فى ابن كثير ١ : ١٥٠.
(٣) انظر ما مضى : ٢٣٤، ٢٣٥
٥٦١
تفسير سورة البقرة : ٤١
أنزل على محمد تصديقٌ منهم لما معهم من التوراة، وفى تكذيبهم به تكذيبٌ منهم لما
معهم من التوراة .
وقوله: ((مصدقاً))، قطع من الهاء المتروكة فى ((أنزلته)) من ذكر ((ما))(١) . ومعنى
الكلام وآمنوا بالذى أنزلته مصدقاً لما معكم أيها اليهود ، والذى معهم : هو التوراة
والإنجيل . كما : -
٨١٤ - حدثنا به محمد بن عمرو الباهلى، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال :
حدثنا عيسى بن ميمون، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد، فى قول الله: (( وآمنوا
بما أنزلت مصدقاً لما معكم))، يقول: إنما أنزلت القرآن مصدقاً لما معكم التوراة
والإنجيل(٢).
٨١٥ - وحدثنى المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد ، مثله .
٨١٦ - وحدثنى المثنى، قال: حدثنا آدم، قال: أخبرنا أبو جعفر ، عن
الربيع، عن أبى العالية: ((وآمنوا بما أنزلت مصدّقاً لما معكم))، يقول: يا معشر
أهل الكتاب ، آمنوا بما أنزلت على محمّد مصدقاً لما معكم . يقول: لأنهم يجدون
محمّداً صلى الله عليه وسلم مكتوباً عندهم فى التوراة والإنجيل(٣).
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرِ بِهِ﴾
قال أبو جعفر : فإن قال لنا قائل: کیف قيل: ( ولا تكونوا أول کافربه »،
(١) قوله ((قطع))، أى حال. وانظر ما سلف ص ٢٣٠: تعليق: ٤، وص ٣٣٠ تعليق: ١.
(٢) الأثر: ٨١٤ - فى ابن كثير ١: ١٥٠ تضميناً، والدر المنثور ١: ٢٦٤، والشوكانى
١ : ٠٦١
(٣) الأثر: ٨١٥ - فى ابن كثير ١: ١٥٠، والدر المنثور ١: ٦٤، والشوكانى ١: ٦١.
(٣٦)
٥٦٢:
تفسير سورة البقرة : ٤١
واخطاب فیه لجمیع(١)، وقوله: (( کافر» واحد ؟ وهل نجیز- إن كان ذلك جائزاً -
أن يقول قائل: ((ولا تكونوا أول رُجل قام))؟
قيل له: إنما يجوز توحيد ما أضيف له ((أفعل)) وهو خبر لجميع (١)، إذا
كان اسماً مشتقاً من ((فعل ويفعل))، لأنه يؤدِّى عن المراد معه المحذوف من الكلام
وهو (متَنْ))، ويقوم مقامه فى الأداء عن معنى ما كان يؤدى عنه ((مَنْ)) من
الجمع والتأنيث،، وجو فى لفظ واحد. ألا ترى أنك تقول: ولا تكونوا أوَّلَ من
يكفر به. (فن)) جنى جميع (١)، وهو غير متصرف تصرفَ الأسماء التثنية والجمع
والتأنيث. فإذا أقيم الاسمُ المشتق من ((فعل ويفعل)) مُقّامه ، جرى وهو موحّد
مجراه فى الأداء عما كان يؤدى عنه (("من")) من معنى الجمع والتأنيث ، كقولك:
((الجيش مُنهزم))، (والحمد مقبلٌ)(٢)، فتوحِّد الفعلَ لتوحيد لفظ الجيش والجند.
وغير جائز أن يقال: ((الجيش رجل، والجند غلام))، حتى تقول: ((الجند غلمان
والجيش رجال». لأن الواحد من عدد الأسماء التى هى غير مشتقة من ((فعل ويفعل))،
لا يؤدّى عن معنى الجماعة منهم ، ومن ذلك قول الشاعر :
وَإِذَاهُمُ طَسِيُوا فَأَلْأَمُ طَاعِمٍ وَ إذاهُمُ جَاعُوا فَشَرُّ حِيَاعٍ (٢)
فوحّد مَرَّةٌ على ما وصفتُ من نية ((مَنْ)، وإقامة الظاهر من الاسم الذى
هو مشتق من ((فعل ويفعل)) مقامه ، وجمع أخرى على الإخراج على عدد أسماء
(١) فى المطبوعة فى المواضع الثلاثة: ((لجمع ... الجمع ... جمع)).
(٢) فى المطبوعة. ((الجيش ينهزم، والجند يقبل))، وهو خطأ صرف.
(٣) نوادر أبى زيد: ١٥٢، لرجل جاهلى، ومعانى القرآن الفراء ١: ٣٣، وهى ثلاثة أبيات
نوادر ، وقبله :
فَمَاعِ أَسْتَاءَ الكلابِ سَمَاعِ
ومُوَيْكٌ زمَعُ الكِلابِ يَسُبُّنی
لُبُطُونِكُمْ مَلَكَ الظَّلَامِ دَوَّاعِى
هَلْ غير عَدْوٍكُمُ عَلَىُ جَارَاتَكُمْ
وقوله: ((((طعموا)) أى شبعوا، فهم عندئذ ألام من شبع. وفى الحديث: ((طعام الواحد يكنى الاثنين
وطعام الاثنين يكنى الأربعة)) ، يعنى شبع الواحد قوت الاثنين ، وشبع الاثنين قوت الأربعة .
٥٦٣
تفسير سورة البقرة : ٤١
المخبر عنهم ، ولو وحَّد حيث جمع، أو جمع حيث وحَّد، كان صواباً جائزاً(١).
وأما تأويل ذلك(٢) ، فإنه يعنى به: يا معشر أحبار أهل الكتاب، صدّقُوا
بما أنزلتُ على رسولى محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن المصدِّق كتابتكم والذى
عندكم من التوراة والإنجيل ، المعهود إليكم فيهما أنه رسولى ونبيِىّ المبعوثُ بالحق ،
ولا تكونوا أوَّل أمْتَكُمْ كذَّبَ به(٣) وَجحد أنه من عندى، وعندكم من العلم به ٢٠٠/١
ما ليس عند غيركم .
وكفرهم به: جحودهم أنه من عند الله (٤). والهاء التى فى ((به)) من ذكر
((ما)) التى مع قوله ((وآمنوا بما أنزلت)). كما : -
٨١٧ - حدثنى القاسم ، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا حجاج ،
قال قال ابن جريج، فى قوله: ((ولا تكونوا أول كافر به))، بالقرآن(٥).
قال أبو جعفر : وروى عن أبى العالية فى ذلك ، ما :-
٨١٨ - حدثنى به المثنى، قال: حدثنا آدم، قال : حدثنا أبو جعفر ، عن
الربيع ، عن أبى العالية : « ولا تكونوا أول کافر به )) ، يقول : لا تكونوا أوّل من
كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم(٦).
وقال بعضهم: (( ولا تكونوا أول كافر به ))، يعنى: بكتابكم . ويتأول أنّ فی
تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم تكذيباً منهم بكتابهم ، لأن فى كتابهم الأمر
باتباع محمد صلى الله عليه وسلم .
وهذان القولان من ظاهر ما تدل عليه التلاوة بعيدان . وذلك أن الله جل ثناؤه
(١) انظر مثل ما قال الطبرى فى معانى القرآن الفراء ١: ٣٢ - ٣٣.
(٢) فى المطبوعة: ((فأما ... ) بالفاء.
(٣) فى المطبوعة: ((أول من كذب به))، والذى أثبتناه هو صواب بيان الطبرى.
(٤) فى المخطوطة: ((وكفرهم به وحجودهم ... )) وهو خطأ.
(٥) الأثر : ٨١٧ - فى الدر المنثور ١: ٦٤، والشوكانى ١ : ٦١.
(٦) الأثر: ٨١٨ - فى ابن كثير ١: ١٥٠، والدر المنثور ١: ٦٤، والشوكانى ١: ٦١.
ں
٥٦٤
تفسير سورة البقرة : ٤١
أمر المخاطبين بهذه الآية فى أولها بالإيمان بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ،
فقال جل ذكره: ((وَآمِنُوا بما أنزلتُ مصدقاً لما معكم)). ومعقول أن الذى أنزله الله
فى عصر محمد صلى الله عليه وسلم هو القرآن لامحمد، لأن محمداً صلوات الله عليه
رسولٌ مرسل، لا تنزيلٌ مُنْزّل، والمنزّل هو الكتاب . ثم نهاهم أن يكونوا أوّل من
يكفر بالذى أمرهم بالإيمان به فى أول الآية(١). ولم يجر لمحمد صلى الله عليه وسلم
فى هذه الآية ذ کرٌ ظاهر، فیعاد عليه بذ کره مکنیًا فى قوله: «ولا تكونوا أول كافر
به)) - وإن كان غير محال فى الكلام أن يُذْكرمکنیُّ اسمٍ لم يَجْرِ له ذکرٌ ظاهر
فى الكلام(٢).
وكذلك لا معنى لقول من زعم أنّ العائد من الذكر فى (( به )) على (( ما )) التى
فى قوله ((لما معكم)). لأن ذلك، وإن كان محتملاً ظاهرَ الكلام(٣)، فإنه بعيدٌ"
مما يدل عليه ظاهر التلاوة والتنزيل ، لما وصفنا قبل من أن المأمور بالإيمان به فى
أول الآية هو القرآن . فكذلك الواجب أن يكون المنهىُّ عن الكفر به فى آخرها هو
القرآن (٤). وأما أن يكون المأمور بالإيمان به غير المنهىّ عن الكفربه، فى كلام واحد
وآية واحدة، فذلك غير الأشهر الأظهر فى الكلام . هذا مع بُعْد معناه فى التأويل(٥).
٨١٩ - حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحق، عن محمد
(١) فى المطبوعة زيادة بين هاتين الجملتين، وهى مقحمة مفسدة للكلام نابية فى السياق. ونصها
(( ... فى أول الآية من أهل الكتاب، فذلك هو الظاهر المفهوم. ولم يجر لمحمد ... )).
(٢) بيان الطبرى جيد محكم، وإن ظن بعض من نقل كلامه أن كلا القولين صحيح ، لأنهما
متلازمان. لأن من كفر بالقرآن فقد كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ومن كفر بمحمد صلى الله عليه
وسلم فقد كفر بالقرآن (ابن كثير ١ : ١٥٠). ونعم، كلا القولين صحيح المعنى فى ذاته ، ولكن
الطبرى يحدد دلالة الألفاظ والضمائر فى الآية، ويعين ما يحتمله ظاهر التلاوة والتنزيل ، ويخلص معنى من
معنى، وإن كان كلاهما صحيحاً فى العقل، صحيحاً فى الحكم، صحيحاً فى الدين. وما أكثر ما يتساهل
الناس إذا تقاربت المعانى ، ولا يخلص معنى من معنى إلا بصير بالعربية كأبى جعفر رضى الله عنه .
(٣) فى المطبوعة: ((محتمل ظاهر الكلام)).
(٤) فى المخطوطة: (( ... أن الأمر بالإيمان به فى أول الآية ... أن يكون النهى عن الكفر به
فى آخرها ... ))، والذى فى المطبوعة أجود وأبين.
(٥) وهذا أيضاً من جيد البصر؛ بمنطق العربية، وإن ظنه بعضهم قريباً من قريب.
٥٦٥
تفسير سورة البقرة : ٤١
ابن أبى محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن
ابن عباس: ((وآمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم ولا تكونوا أول كافر به »، وعندكم
فيه من العلم ما ليس عند غيركم(١).
القول فى تأويل قوله تعالى ذكره ﴿وَلَا نَشْتَرُوا بَّا يَّتِى
ثَمَنَا قَلِيلاً ﴾
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك :
٨٢٠ - فحدثنى المثنى بن إبراهيم قال : حدثنا آدم ، قال: حدثنا أبو جعفر،
عن الربيع ، عن أبى العالية: (( ولا تشترُوا بآياتى ثمناً قليلا))، يقول : لا تأخذوا
عليه أجراً . قال: وهو مكتوب عندهم فى الكتاب الأول: يا ابنَ آدم، عَلُمْ مَجَاناً
كما عُلِّمْتَ مَجَّاناً(٢).
وقال آخرون بما : -
٨٢١ - حدثنى به موسى بن هرون، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال :
حدثنا أسباط، عن السدى: ((ولا تشتروا بآياتى ثمناً قليلا))، يقول: لا تأخذوا طمعاً
قليلا وتكتُموا اسمَ اللّه، وذلك الثمن هو الطمع (٣).
(١) الخبر: ٨١٩ - من تمام الأخبار السالفة الأرقام ٨٠٥، ٨١١، فى الدر المنثور ٦٣:١.
(٢) الأثر: ٨٢٠ - من تمام الأثر السالف رقم: ٨١٨ ومراجعه هناك. وفى ابن كثير ١: ١٥١.
والمجان: عطية الشىء بلا منة ولا ثمن . قال أبو العباس: سمعت ابن الأعرابى يقول: المجان عند العرب
الباطل، وقالوا: ((ماء مجان)). قال الأزهرى: العرب تقول: تمر ((مجان))، وماء ((مجان))، يريدون
أنه كثير كاف. قال: واستطعمنى أعرابى تمراً فأطعمته كتلة واعتذرت إليه من قاته ، فقال: هذا والله
((مجان)). أى كثير كاف. وقولهم: أخذه مجاناً: أى بلا بدل، وهو فعال لأنه ينصرف (اللسان:
مجن) .
(٣) الأثر: ٨٢١ - فى ابن كثير ١: ١٥١. وفى المطبوعة وابن كثير: ((فذلك الطمع هو
الثمن)) ، وأثبت ما فى المخطوطة ، فهو أجود .
٥٦٦
تفسير سورة البقرة : ٤١ - ٤٢
فتأويل الآية إذاً: لا تبيعوا ما آنيتكم من العلم بكتابى وآياته بثمن خسيسٍ
وَعَرضٍ من الدنيا قليل. وبيعُهم إياه - تركهم إبانةَ ما فى كتابهم من أمر محمد
صلى الله عليه وسلم للناس ، وأنه مكتوب فيه أنه النبىّ الأمىّ الذى يجدونه مكتوباً
٢٠١/١ عندهم فى التوراة والإنجيل - بثمن قليل، وهو رضاهم بالرياسة على أتباعهم من
أهل ملتهم ودينهم ، وأخذهم الأجرَ تمن بينوا له ذلك على ما بينوا له منه .
وإنما قلنا بمعنى ذلك ((لا تبيعوا))(١)، لأن مشترى الثمن القليل بآيات الله بائعٌ
الآياتِ بالثمن، فكل واحد من الثمن والمثمّن مبيع لصاحبه ، وصاحبه به مشترى :
وإنما معنى ذلك على ما تأوله أبو العالية (٢): بينوا للناس أمر محمّد صلى الله عليه
وسلم ، ولا تبتغوا عليه منهم أجراً. فيكون حينئذ نهُه عن أخذ الأجر على تبيينه،
هو النهى عن شراء الثمن القليل بآياته .
القول فى تأويل قوله تعالى ذكره ﴿وَإِيَّنَّ فَأَ تَّقُونِ )
قال أبو جعفر: يقول: فاتقونٍ - فى بيعكم آياتى بالخسيس من الثمن،
وشرائكم بها القليل من العرض، وكفركم، بما أنزلت على رسولى وجحودكم نبوة نبيِى-
أنْ أُحِلّ بكم ما أحللتُ بأسلافكم الذين سلكوا سبيلكم من المَثُلات والنَّقِمَات.
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَلَّا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَطِلِ)
قال أبو جعفر: يعنى بقوله: ((ولا تلبسُوا))، لا تخلطوا. واللَّبْس هو الخلط.
(١) فى المطبوعة: ((وإنما قلنا معنى ذلك ... )).
(٢) فى المطبوعة: ((وإنما معناه على ما تأوله
.
٥٦٧
تفسير سورة البقرة : ٤٢
يقال منه: لَبَست عليه هذا الأمر أليسُه لبساً: إذا خلطته عليه(١). كما : -
٨٢٢-حُدّثت عن المنجاب ، عن بشر بن عمارة ، عن أبى روق، عن
الضحاك، عن ابن عباس، فى قوله: ﴿وَلَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٩]
يقول : لخلطنا عليهم ما يخلطون(٢).
ومنه قول العجاج :
لَا لَبَسْنَ الْحَقَّ بِالنَّجَنِى غَنِينَ وَاسْتَبْدَلْنَ زِيدًا مِّ (٣)
يعنى بقوله: ((لبسن))، خلطن. وأما الُلبس فإنه يقال منه: ليِسْتُه ألبَسُه
لُبْساً ومَلْبَساً، وذلك الكسوةُ يكتسيها فيلبسها(٤). ومن الُّلبس قول الأخطل:
◌َقَدْ لِسْتُ لِهِذَا الدَّهْرِ أعْصُرَهُ حَتَّى تَجَلَّلَ رَأْسِ الشَّيْبُ وَاشْتَعَلَا(٥)
ومن الَّلبْس قول الله جل ثناؤه: ﴿وَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ . [سورة الأنعام: ٩]
٠٠٠
فإن قال لنا قائل(٦): وكيف كانوا يلبسون الحق بالباطل وهم كفّار؟ وأىُّ
حق كانوا عليه مع كفرهم بالله ؟
قيل : إنه كان فيهم منافقون منهم يظهرون التصديق بمحمد صلى الله عليه
وسلم ويستبطنون الكفر به. وكان عُظْمُهم يقولون(٧): محمد نبىٌّ مبعوث، إلا أنه
(١) فى المطبوعة: ((لبست عليهم الأمر ... خلطته عليهم)).
(٢) الخبر: ٨٢٢ - لم أجده فى مكان، ولم يذكره الطبرى فى مكانه من تفسير هذه الآية فى
سورة الأنعام ( ٧ : ٩٨ بولاق).
(٣) ديوانه: ٦٥. غنى عن الشىء واستغنى: اطرحه ورمى به من عينه ولم يلتفت إليه.
(٤) فى المطبوعة: ((وذلك فى الكسوة ... )، بالزيادة.
(٥) ديوانه: ١٤٢، وفيه ((وقد لبست)). وأعصر جمع عصر: وهو الدهر والزمان. وضى هنا
اختلاف الأيام حلوها ومرها ، فجمع . ولبس له أعصره: عاش وقاسى خيره وشره. وتجلل الشيب رأسه:
علاء .
(٦) فى المطبوعة: ((إن قال ... »
(٧) فى المطبوعة: ((وكان أعظمهم ... ))، وهو تحريف قد مضى مثله مراراً. وعظم الشىء:
معظمه وأكثره .
٠٦٨
تفسير سورة البقرة : ٤٢
مبعوث إلى غيرنا . فكان لَبْسُ المنافق منهم الحقّ بالباطل، إظهاره الحقّ بلسانه ،
وإقرارَه بمحمد صلى اللّه عليه وسلم وبما جاء به جهاراً(١)، وخلطه ذلك الظاهر من
الحق بما يستبطنه(٢). وكان لَبْسُ المقرّ منهم بأنه مبعوث إلى غيرهم، الجاحدُ
أنه مبعوث إليهم ، إقراره بأنه مبعوث إلى غيرهم ، وهو الحق ، وجحوده أنه مبعوث
إليهم ، وهو الباطل ، وقد بعثه الله إلى الخلق كافة . فذلك خلطهم الحق بالباطل
ولَبْسهم إياه به . كما : -
٨٢٣ - حدثنا به أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال :
حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبى روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قوله :
(( ولا تلبسُوا الحق بالباطل))، قال: لا تخلطوا الصدق بالكذب(٣).
٨٢٤-وحدثی المثی ، قال : حدثنا آدم ، قال : حدثنا أبو جعفر ، عن
الربيع، عن أبى العالية: ((ولا تلبسُوا الحق بالباطل))، يقول: لا تخلطوا الحق
بالباطل ، وأدُّوا النصيحةَ لعباد الله فى أمر محمد صلى الله وعليه وسلم(٤).
٢٠٢/١
٨٢٥ - وحدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسین، قال: حدثی حجاج، قال:
قال ابن جريج، قال مجاهد: ((ولا تلبسوا الحق بالباطل))، اليهودية والنصرانية بالإسلام(٥).
٨٢٦ - وحدثنى يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ،
قال قال ابن زيد فى قوله: ((ولا تلبسُوا الحقّ" بالباطل))، قال: الحق"، التوراةُ الذي
أنزل الله على موسى، والباطلُ الذى كتبوه بأيديهم(٦).
(١) فى المطبوعة: ((وإقراره لمحمد ... )).
(٢) فى المطبوعة: ((بالباطل الذى يستبطنه)).
(٣) الخبر: ٨٢٣ - فى ابن كثير ١: ١٥٢، والدر المنثور ١: ٦٤، والشوكانى ١: ٦٢.
(٤) الأثر : ٨٢٤ - فى ابن كثير ١ : ١٥٢.
(٥) الأثر: ٨٢٥ - لم أجده عن مجاهد، ومثله عن قتادة فى ابن كثير ١: ١٥٢، والدر
المنشور ١ : ٦٤.
(٦) الأثر : ٨٢٦ - فى الدر المنثور١: ٦٤، والشوكانى ١ : ٦٢.
٠٦٩
تفسير سورة البقرة : ٤٢
القول فى تأويل قوله تعالى ذكره ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقْ وَأَنْتُمْ
تَعْلَمُونَ﴾
قال أبو جعفر: وفى قوله ((وتكتموا الحق))، وجهان من التأويل :
أحدُهما : أن يكون الله جل ثناؤه نهاهم عن أن يكتموا الحق ، كما نهاهم أن
يلبسوا الحق بالباطل. فيكون تأويل ذلك حينئذ: ولا تلبسوا الحق بالباطل ولا تكتموا
الحق . ويكون قوله: ((وتكتموا)) عند ذلك مجزوماً بما جُزِّم به («تلبسوا))، عطفاً عليه.
والوجه الآخر منهما : أن يكون النهى من الله جل ثناؤه لهم عن أن يلبسوا الحق
بالباطل ، ويكون قوله: ((وتكتموا الحق)) خبراً منه عنهم بكتمانهم الحق الذى يعلمونه،
فيكون قوله: ((وتكتموا)) حينئذ منصوباً لانصرافه عن معنى قوله: ((ولا تلبسوا الحق
بالباطل)»، إذ كان قوله: ((ولا تلبسوا)» نهياً، وقوله ((وتكتموا الحق)) خبراً معطوفاً
عليه ، غيرَ جائز أن يعاد عليه ما عمل فى قوله ((تلبسوا)) من الحرف الجازم. وذلك
هو المعنى الذى يسميه النحويون صرْفاً(١). ونظيرُ ذلك فى المعنى والإعراب قول
الشاعر :
لا تَنْهَ عن خُلُقٍ وَتَأْتِىَ مِثْلَهُ عارٌ عَلَيْكَ إذا فعلتَ عَظِيمٍ(٧)
(١) ذكر هذا الفراء فى كتابه معانى القرآن ١: ٣٣ - ٣٤، ثم قال: ((فإن قلت: وما
الصرف ؟ قلت : أن تأتى بالواو معطوفاً على كلام فى أوله حادثة لا تستقيم إعادتها على ما عطف عليها ،
فإذا كان كذلك فهو الصرف، كقول الشاعر :... )) وأنشد البيت وقال: ((ألا ترى أنه لا يجوز
إحادة ((لا)) فى ((تأتى مثله))، فلذلك سمى صرفاً، إذ كان معطوفاً، ولم يستقم أن بعاد فيه الحادث الذى
قبله)» .
(٢) هذا من الأبيات التى رويت فى عدة قصائد. كما قال صاحب الخزانة ٣ : ٦١٧ . نسبه
سيبوية ١: ٤٢٤ للأخطل، وهو فى قصيدة المتوكل الليثى، ونسب لسابق البربرى، والطرماح ، ولأبى
الأسود الدؤلى فى قصيدة ساقها صاحب الخزانة (٣: ٦١٨)، وليست فى ديوانه الذى نشره الأستاذ محمد حسن آل
ياسين فى (نفائس المخطوطات) طبع مطبعة المعارف ببغداد سنة ١٣٧٣ هـ (١٩٥٤ م)، وهذا الديوان من
نسخة بخط أبى الفتح عثمان بن جنى. ولم يلحقها الأستاذ الناشر بأشتات شعر أبي الأسود التى جمعها.
تفسير سورة البقرة:
فنصب ((تأتى)) على التأويل الذى قلنا فى قوله: ((وتكتموا)) (١)، لأنه لم يرد:
لا تته عن ◌ُخُلق ولا تأت مثله، وإنما معناه: لا تنه عن خلق وأنت تأتى مثله ،
فكان الأول نهياً، والثانى خبراً، فنصب الخبر إذ عطفه على غير شكله . فأما الوجه
الأول من هذين الوجهين اللذين ذكرنا أن الآية تحتملهما ، فهو على مذهب ابن
عباس الذى :-
٨٢٧ -حدثنا به أبو کریب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا
بشر بن عمارة، عن أبى روق، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قوله: « وتكتموا
الحق)) ، يقول: ولا تكتموا الحق وأنتم تعلمون .
٨٢٨ - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن ابن إسحق، عن
محمد بن أبى محمد ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس: ((وتكموا
الحق »، أى ولا تكتموا الحق (٢).
وأما الوجه الثانى منهما ، فهو على مذهب أبى العالية ومجاهد .
٨٢٩ -حدثی المثی بن إبراهيم، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر،
عن الربيع ، عن أبى العالية: ((وتكتموا الحق وأنتم تعلمون )» ، قال: کتموا بعث
محمد صلى الله عليه وسلم(٣).
٨٣٠ - وحدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى بن أ
میمون ، عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد نحوه .
٨٣١ - وحدثنی المثی ، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل ، عن
ابن أبی نجیح ، عن مجاهد نحوه .
(١) فى المطبوعة: ((وتكتموا، الآية، لأنه ... ))، وهو خطأ فى قراءة ما فى المخطوطة وهو:
« وتكتموا إلا أنه لم يرد ».
(٢) الخبران: ٨٢٧، ٨٢٨ - لم أجدهما بنصهما فى مكان، وثانيهما فى ضمن خبر ابن عباس
الذى سلف تخريجه رقم: ٨١٩، وفى ابن كثير ١: ١٥٢، والدر المنثور ١ : ٦٣.
(٣) الأثر : ٨٢٩ - لم أجده فى مكان .
٥٧١
تفسير سورة البقرة : ٤٢
وأما تأويل الحق الذی کتموه وهم يعلمونه ، فهو ما : -
٨٣٢ - حدثنا به ابن حميد، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق ، عن
محمد بن أبى محمد مولی زید بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن
ابن عباس: ((وتكتموا الحق »، يقول : لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولى
وما جاء به ، وأنتم تجدونه عندكم فیا تعلمون من الكتب التی بأيديكم(١).
٨٣٣ - وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا
بشر بن عمارة ، عن أبى روق، عن الضحاك ، عن ابن عباس: (( وتكتموا الحق»،
يقول : إنكم قد علمتم أن محمداً رسول اللّه، فنهاهم عن ذلك(٢).
٨٣٤ - وحدثی محمد بنعمرو قال: حدثنا أبو عاصم ، قال: حدثنا عیسى،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد، فى قول الله: ((وتكتموا الحق وأنتم تعلمون )»،
قال : يكتم أهل الكتاب محمداً صلى الله عليه وسلم ، وهم يجدونه مكتوباً عندهم
فى التوراة والإنجيل(٣).
٨٣٥ - وحدثنى المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا
شبل ، عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد ، مثله .
٨٣٦ - وحدثنى موسى بن هرون، قال: حدثناعمرو بن حماد ، قال : حدثنا
أسباط، عن السدى: ((وتكتموا الحقَّ وأنتم تعلمون))، قال: الحقُّ هو محمد
صلى اللّه عليه وسلم(٤) .
٨٣٧ - وحدثنى المثنى ، قال : حدثنا آدم، قال : حدثنا أبو جعفر، عن
(١) الخبر: ٨٣٢ - فى ابن كثير ١: ١٥٢، والدر المنثور ١: ٦٣، والشوكانى ١: ٦١.
(٢) الخبر: ٨٣٣ - فى الدر المنثور ١: ٦٤، والشوكانى ١: ٦٢، إلا قوله: ((فهام
عن ذلك)) وفى المطبوعة (( ... وصول اللّه صلى الله عليه وسلم)).
(٣) الأثر: ٨٣٤ - فى ابن كثير ١: ١٥٢ تضميناً.
(٤) الأثر: ٨٣٦ - فى ابن كثير ١: ١٥٢ تضميناً، وفى الدر المنثور ١ : ٦٤،
والشوكانى ١ : ٦٢.
... . ... .
٥٧٢
تفسير سورة البقرة : ٤٢ - ٤٣
الربيع، عن أبي العالية: ((وتكتموا الحق وأنتم تعلمون))، قال: كتموا بعث
محمد صلى الله عليه وسلم، وهم يجدونه مكتوباً عندهم(١).
٨٣٨- وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسین، قال: حدثی حجاج، عن
٢٠٢/١ ابن جريج، عن مجاهد: تكتموا محمداً وأنتم تعلمون، وأنتم تجدونه عندكم
فى التوراة والإنجيل(٢).
فتأويل الآية إذاً: ولا تخلطوا على الناس - أيها الأحبار من أهل الكتاب -
فى أمر محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند ربه، وتزعموا أنه مبعوث إلى
بعض أجناس الأمم دون بعض ، أو تنافقوا فى أمره ، وقد علمتم أنه مبعوثٌ إلى
چیعكم وبجميع الأم غیرکم ، فتخلطوا بذلك الصدق بالكذب ، وتكتموا به ما
تجدونه فى كتابكم من نعته وصفته ، وأنه رسولى إلى الناس كافة ، وأنتم تعلمون أنه
رسولى ، وأن ما جاء به إليكم فمن عندى، وتعرفون أن من عهدى - الذى أخذت
علیکم فی کتابکم - الإيمان به وبما جاء به والتصديق به .
٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَءَاتُوا الزَّكُوةَ
وَارْ كَمُوا مَعَ الرِّاكِمِينَ) )
قال أبو جعفر: 'ذكر أن أحبار اليهود والمنافقين كانوا يأمرون الناس بإقام
الصلاة وإيتاء الزكاة ولا يفعلونه ، فأمرهم اللّه بإقام الصلاة مع المسلمين المصدقين
بمحمد وبما جاء به، وإيتاء زكاة أموالهم معهم، وأن يخضعوا لله ولرسوله كما خضعوا.
٨٣٩- کما حدُّتعنعمار بن الحسن، قال : حدثنا ابن أبى جعفر، عن
(١) الأثر : ٨٣٧ - لم أجد، فى مكان .
(٢) الأثر: ٨٣٨ - لم أجده بنصه فى مكان. وفى المطبوعة: ((تكتبون محمداً ... )).
٥٧٣
تفسير سورة البقرة : ٤٣
أبيه، عن قتادة، فى قوله: ((وأقيموا الصَّلاةَ وَآتُوا الزكاة))، قال: فريضتان
واجبتان، فأدُّوهما إلى الله (١).
وقد بينا معنى إقامة الصلاة فيما مضى من كتابنا هذا ، فكرهنا إعادته (٢).
أما إيتاءُ الزكاة، فهو أداء الصدقة المفروضة. وأصل الزَّكاة، نماءُ المال وتثميرُ،
وزيادته . ومن ذلك قيل: زكا الزرع، إذا كثر ما أخرج اللّه منه . وَزَكتِ النَّفقة،
إذا کثرتْ . وقیل زكا الفرْدُ ، إذا صارَ زَوْجاً بزيادة الزائد عليه حتى صار به
شفْعاً ، كما قال الشاعر :
لمّ يُخْلَقُوا، وجُدُودُ النَّاسِ تَعَتَلِجُ (٣)
كَانُوا خَيّا أوزَكَاً مِنْ دُونِ أَرْبَةٍ
وقال آخر :
فَلَا خيًا عَدِيدُهُ ولَازَ كَا كَ شِرَارُ البَقْلِ أَطْرَافُ السًَّا(٤)
قال أبو جعفر: السفا شوك البُهْمَى، والبُهْمى الذى يكون ◌ُمُدَوَّراً فى السُّلاَّء(٥).
(١) الأثر: ٨٣٩ - لم أجده فى مكان.
(٢) انظر ما مضى ص: ٢٤١ - ٢٤٢.
(٣) السان (خسا)، وفيه: ((الفراء: العرب تقول الزوج زكا، وللفرد خسا ... قال،
وأنشدتنى الدبيرية ... )) وأنشد البيت. وتعتلج: تصطرع ويمارس بعضها بعضا .
(٤) لرجل من بنى سعد، ثم أحد بنى الحارث فى عمرو بن كعب بن سعد. وهذا الرجز فى خبر
للأغلب العجل، (طبقات فحول الشعراء: ٥٧٢ / ومحجم الشعراء: ٤٩٠ / والأغانى ١٨: ١٦٤)
ورواية الطبقات والأغانى: ((كما شرار الرعى)). والرعى ( بكسر فسكون) : الكلا نفسه، والمرعى أيضاً.
والسفا : شوك البهمى والسنبل وكل شىء له شوك. يقول : أنت فى قومك كالفا فى البهمى ، هو شرها
وأخبتها . والبيت الأول زيادة ليست فى المراجع المذكورة .
(٥) البسمى: من أحرار البقول، (وهى ما رق منها ورطب وأكل غير مطبوخ) ، تنبت كما
ينبت الحب، ثم يبلغ بها النبت إلى أن تصير مثل الحب ، ترتفع قدر الشبر ، ونباتها ألطف من نبات البر ،
وطعمها طعم الشمير ، ويخرج لها إذا ییست شوك مثل شوك السنبل، (وهو السفا)، وإذا وقع فى أنوف الإبل
أنفت منه، حتى ينزعه الناس من أفواهها وأنوفها. وفى المطبوعة: ((فى السلى)) بتشديد الياء، وفى المخطوطة
((فى السلى)) بضم السين وتشديد اللام. والصواب ما أثبته، والسلاء جمع سلاءة، وهى شوكة النخلة،
وأراد بها سنا البهنى أى شوكها .
٥٧٤
تفسير سورة البقرة : ٤٣
يعنى بقوله: ((ولا زكا))، لم يُصَيْرْهم "شفعاً من وَتَرٍ، بحدوثه فيهم (١).
وإنما قيل للزكاة زكاة، وهى مالٌ يخرجُ من مال، لتثمير اللّه - بإخراجها مما
أُخرجت منه - ما بقى عند ربِّ المال من ماله. وقد يحتمل أن تكون ◌ُمِيت زكاة ،
لأنها تطهيرٌ لما بقى من مال الرجل، وتخليص له من أن تكون فيه مَظْلمة لأهل
السُّهْمان(٢)، كما قال جل ثناؤه مخبراً عن نبيه موسى صلوات الله عليه: (أَقَتَلْتَ
نَفْسَا زَكِيَّةً﴾ [سورة الكهف: ٧٤]، يعنى بريئة من الذنوب طاهرة. وكما يقال
للرجل : هو عدل ز کیٌّ- لذلك المعنی (٣). وهذا الوجه أعجبإلىّ - فی تأويل
زكاة المال .. من الوجه الأوّل ، وإن كان الأوّل مقبولا فى تأويلها .
وإيتاؤها : إعطاؤُها أهلها .
وأما تأويل الرُّكوع، فهو الخضوع لله بالطاعة . يقال منه: ركع فلانٌ لكذا
وكذا ، إذا خضع له ، ومنه قول الشاعر :
بِبَعَتْ بِكَسْرٍ لَئِيهِ وَاسْتَغَثَ بِهَا مِنَ الْهُزَالِ أَبُوهَاَ بَعْدَ مَارَكَمَا(٤)
(١) قوله: ((بحدوثه فيهم))، أى بوجوده فى هؤلاء القوم. والعديد (فى الرجز)، من قولهم فلان
عديد بنى فلان : أى يعد فيهم وليس منهم : يريد أنه إذا دخل فى قوم لم يعد فيهم شيئاً ، فإذا كانوا شفعاً ،
لم يصيرهم دخوله وتراً، وإذا كانوا وتراً لم يصيرهم شفعاً، فهو كلا شىء فى العدد. يهجوه ويستسقطه .
(٢) السهمان جمع سبهم، كالسهام: وهو النصيب والحظ.
(٣) فى المطبوعة: ((بذلك المعنى)) وليست بشىء.
(٤) هذا البيت من أبيات لعصام بن عبيد الزمانى ( من بنى زمان بن مالك بن صعب بن على بن
بكر بن وائل) رواها أبو تمام فى الوحشيات رقم ١٣٠ ( مخطوطة عندى)، ورواها الجاحظ فى الحيوان
٤: ٢٨١، وجاء فيه: (قال الزيادى)) وهو تحريف وتصحيف كما ترى. وهذه الأبيات من مناقضة
كانت بين الزمانى ويحيى بن أبى حفصة. وذلك أن يحي تزوج بنت طلبة بن قيس بن عاصم المنقرى فها جاء
عصام الزمانى وقال :
وبُدِّل بعد حُلْو العيش مُرَّا
أُرَى حَجْراً تغيّر واقشعرًا
فأجابه يحى بأبيات منها :
ألَّا مَنْ مُبلغٌ عِنّى عِصَاماً بأَنِّ سوف أَنْتُضُ مَا أَمرًا
هكذا روى المرزبانى فى معجم الشعراء: ٢٧٠، وروى أبو الفرج فى أغانيه ١٠: ٧٥ أن يحي
تفسير سورة البقرة : ٤٣
يعنى : بعد مَا خضع من شِدَّة الجهْد والحاجة .
٠
الأنف.
قال أبو جعفر : وهذا أمرٌ من الله جل ثناؤه - لمن ذ کر من أحبار بنى إسرائيل
ومنافقيها - بالإنابة والتوبة إليه، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والدخول مع المسلمين
فى الإسلام ، والخضوع له بالطاعة ؛ ونهىّ منه لهم عن كمان ما قد علموه من نبوة
محمد صلى الله عليه وسلم ، بعد تظاهر حججه عليهم ، بما قد وصفنا قبل فيما مضى
من کتابنا هذا ، وبعد الإعذار إليهم والإنذار ، وبعد تذ کیرهم نعمه إليهم وإلى
أسلافهم تعطُّفاً منه بذلك عليهم ، وإبلاغاً فى المعذرة(١)
تم الجزء الأول من تفسير الطبرى
ويليه الجزء الثانى وأوله :
القول فى تأويل قوله تعالى
﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالِرُّ وَتَفْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾
خطب إلى مقاتل بن طلبة المنقرى ابنته وأختيه، فأنعم له بذلك. فبعث يحيى إلى بنيه سليمان وعمر وجميل،
فأتوه فزوجهن بنيه الثلاثة ، ودخلوا يهز ثم حلومن إلى حجر، ( وهو مكان).
وأبيات عصام الزمانى، وفقيضتها التى ناقضه بها يحي، من جيد الشعر ، فاقرأها فى الوحشيات،
والحيوان، والشعر والشعراء : ٧٤٠، ورواية الحيوان والوحشيات
((بِبَتْ بَوَكْرٍ قَليلٍ واسْتَقلَّ بها))
الوكس: اتضاع الثمن فى البيع . وفى المخطوطة والمطبوعة ((بكسر لئيم))، وهو تحريف لا معنى له،
وأظن الصواب ما أثبت اجتهاداً. والكسر: أخس القليل. وقوله: ((بيعت)) الضمير لابنة مقاتل بن
طلبة المنقرى التى تزوجها يحي أو أحد بنيه . يقول: باعها أبوها بثمن بخس دفىء خسيس، فزوجها
مستغيثاً ببيعها مما نزل به من الجهد والفاقة، فزوجها هذا الفى الثيم الدفء ، ليستمين بمهرها .
(١) فى المطبوعة: ((وإبلاغاً إليهم ... » بالزيادة.
٠