Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤١٧
تفسير سورة البقرة : ٢٧
القول فى تأويل قوله: (أولتِكَ هُمُ الخُيِرُونَ) )
قال أبو جعفر: والخاسرون جمع خاسر(١)، والخاسرون: الناقصُون أنفسَهم
حظوظَها - بمعصيتهم الله - من رحمته، كما يخسرُ الرجل فى تجارته ، بأن يوضّع
من رأس ماله فى بيعه(٢) . فكذلك الكافر والمنافق، خسر بحرمان الله إياه رحمته التى
خلقها لعباده فى القيامة، أحوج ما كان إلى رحمته. يقال منه: خسِرَ الرجل يخسّرُ
خَسْراً وخُسرَانا وخَساراً ، كما قال جرير بن عطية :
إِن سَلِيطاً فى الخَسَارِ إِنَّهْ أولادُ قَوْمٍ خُلِقُوا أَقِّهُ(٣)
يعنى بقوله: ((فى الخسار)»، أى فيما يوكسهم حظوظهم من الشرف والكرم.
وقد قيل: إن معنى ((أولئك همُ الخاسرون)): أولئك هم الهالكون . وقد يجوز
أن يكون قائل ذلك أراد ما قلنا من هلاك الذى وصف اللّه صفته بالصفة التى
وصفه بها فى هذه الآية ، بحرمان الله إياه ما حرمه من رحمته، بمعصيته إياه وكفره به .
فحمل تأويل الكلام على معناه ، دون البيان عن تأويل عين الكلمة بعينها ،
فإن أهل التأويل ربما فعلوا ذلك لعلل كثيرة تدعوهم إليه .
وقال بعضهم فى ذلك بما :
٥٧٥ - حُدَّثْت به عن المنجاب ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ،
عن أبى روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : كل شىء نسبه
اللّه إلى غير أهل الإسلام من اسم مثل ((خاسر))، فإنما يعنى به الكفر. وما نسبه
إلى أهل الإسلام ، فإنما يعنى به الذنب .
(١) فى المطبوعة: ((جمع الخاسر))، وليست بشىء.
(٢) وضع فى البيع يوضع (مبنى المجهول) وضيعة: إذا خسر خسارة من رأس المال.
(٣) ديوانه: ٥٩٨، والنقائض: ٤، رامسان (قنن)، وروايته: ((أبناء قوم)).
وسليط: بطن من بنى يربوع قوم جرير ، واسم سليط : كعب بن الحارث بن يربوع . وكان غسان
ابن ذهيل السليطى هجا بنى الخطى، فهجاه جرير بهذا الرجز. وأقنة جمع قن ( بكسر القاف) ،
والقن: العبد الذى ملك هو وأبواه. والأنثى ، قن أيضاً بغير هاء .
١٤٠ (٢٧)

٠٤١٨
تفسير سورة البقرة : ٢٩،٢٨
القول فى تأويل قول الله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِللهِ وَكُنْتُمْ
أَمْوَاتًا فَأَحْيَكُمْ ثُمَّ بِيْتُكُمْ ثُمَّ ◌ُحِبِكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجُونَ (٨)
هُوَ الَّذِ خَلَقَ لَكُمْ مَا فِ الْأَرْضِ ◌َيماً﴾
اختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك :
فقال بعضهم بما :
٥٧٦ - حدثنى به موسى بن هرون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال:
حدثنا أسباط ، عن السدى فى خبر ذكره ، عن أبى مالك ، وعن أبى صالح ،
عن ابن عباس - وعن مرة، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى اللّه
عليه وسلم: (( كيفَ تكفرُون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم))،
يقول : لم تكونوا شيئاً فخلقكم ، ثم يميتكم، ثم يحييكم يوم القيامة .
٥٧٧ - حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدى، قال :
حدثنا سفيان ، عن أبى إسحق ، عن أبى الأحوص ، عن عبد اللّه، فى قوله :
﴿أَمَتََّاَ اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا الْغَتَيْنِ﴾ [سورة غافر: ١١]، قال: هى كالتى فى
البقرة: ((كنتم" أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم)).
٥٧٨ - حدثنى أبو حَصين عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن يونس ، قال :
حدثنا عَبْثَر، قال: حدثنا حُصين، عن أبى مالك، فى قوله: ((أمتَّنا اثنتين
وأحييتنا اثنتين))، قال: خلقتنا ولم نكن شيئاً، ثم أمَنَّنَا، ثم أحْبَيْتَنَا.
٥٧٩- حدثنى يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا هُشيم، عن حُصين،
عن أبى مالك، فى قوله: ((أمنَّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين))، قال: كانوا أمواتاً فأحياهم
الله ، ثم أماتهم ، ثم أحياهٍ(١) .
(١) الأثر: ٥٧٩ - ((حصين)). بضم الخاء المهملة: هو ابن عبد الرحمن السلمى.
و ((أبو مالك)): هو الغفارى الكوفى، واسمه ((غزوان)). سبقت ترجمته فى : ١٦٨

٤١٩
تفسير سورة البقرة : ٢٩،٢٨
٥٨٠ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثنى حجاج ،
عن ابن جريج، عن مجاهد، فى قوله: (( كيف تكفرُون باللّه وكنتم أمواتاً
فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم))، قال : لم تكونوا شيئاً حين خلفكم، ثم يميتكم المؤنة
الحقّ، ثم يحييكم. وقوله: ((أمتَّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين))، مثلها.
٥٨١ - حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين ، قال: حدثنى حجاج ،
عن ابن جريج ، قال : حدثنى عطاء الخراسانى ، عن ابن عباس ، قال :
هو قوله: ((أمتَّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين)).
١٤٦/١
٥٨٢ - 'حدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبى جعفر،
عن أبيه، عن الربيع، قال: حدثنى أبو العالية ، فى قول الله: ((كيفَ تكفرون
باللّه وكنتم أمواتاً))، يقول : حين لم يكونوا شيئاً، ثم أحياهم حين خلقهم ، ثم
أماتهم ، ثم أحياهم يوم القيامة ، ثم رجعوا إليه بعد الحياة .
٥٨٣ - 'حدثت عن المنجاب، قال: حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبى روق ،
عن الضحاك، عن ابن عباس، فى قوله: ((أمتَّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين))، قال:
كنتم تُراباً قبل أن يخلقكم ، فهذه ميتة ، ثم أحياكم فخلقكم ، فهذه إحياءة .
ثم يميتكم فترجعون إلى القبور ، فهذه ميتة أخرى . ثم يبعثكم يوم القيامة ، فهذه
إحياءة. فهما ميتتان وحياتان، فهو قوله: ((كيف تكفرون باللّه وكنتم أمواتاً
فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ، ثم إليه ترجعون)).
وقال آخرون بما :
٥٨٤ - حدثنا به أبو كريب، قال : حدثنا وكيع ، عن سفيان، عن السدى،
عن أبى صالح: (( كيف تكفرون باللّه وكنتم أمواتاً فأحياكم ، ثم يميتكم ثم
يحييكم، ثم إليه ترجعون)) ، قال : يحييكم فى القبر ، ثم يميتكم .
قال آخرون بما :
٥٨٥ - حدثنا به بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زُريع ، عن سعيد ،

٤٢٠
تفسير سورة البقرة : ٢٩،٢٨
عن قتادة، قوله: ((كيف تكفرون باللّه وكنتم أمواتاً)) الآية ، قال: كانوا أمواتاً
فى أصْلاب آبائهم(١)، فأحياهم اللّه وخلقهم، ثم أماتهم الموتة التى لا بد منها،
ثم أحياهم للبعث يوم القيامة، فهما حياتان وموتتان(٢).
وقال بعضهم بما :
٥٨٦ - حدثنى به يونس، قال : أنبأنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد،
فى قول الله تعالى: ((ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين)). قال: خلقهم من ظهر
آدم حين أخذ عليهم الميثاق، وقرأ: ﴿ وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِ هِمْ
ذُرِّيَّتَهُمْ﴾، حتى بلغ: ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنََّ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ
بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَلَ الُْبْطِلُونَ ﴾ [سورة الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣]. قال:
فكسبهم العقلَ وأخذ عليهم الميثاق . قال: وانتزع ضلعاً من أضلاع آدم القُصَيرى (٣)
فخلق منه حواء - ذكرَه عن النبى صلى الله عليه وسلم. قال: وذلك قول الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَ النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الّذِى خَلَفَكُمْ مِنْ تَغْرٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ
مِنْهَ زَوْجَهَا وَبَثْ مِنْهُمَاَ رِ جالاً كَثِيراً ونِسَاءٌ﴾ [سورة النساء: ١]، قال: وبثّ
منهما بعد ذلك فى الأرحام خلقاً كثيراً(٤)، وقرأ: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ
أمهاتِكُمْ خَلْقَاً مِنْ بَعْدٍ خَلْقِ﴾ [سورة الزمر: ٦]، قال: خلقاً بعد ذلك. قال :
فلما أخذ عليهم الميثاق أماتهم، ثم خلقهم فى الأرحام ، ثم أماتهم ، ثم أحياهم يوم
القيامة، فذلك قول الله: ﴿رَبَّا أَمَتَّنَ اثْفَتَيْنِ وَأَحْبَيْتَنَا اثْفَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَ بِذُنُوبِغَ﴾.
(١) فى المخطوطة: ((فى أصلبة))، والصواب ((صلبة)) (بكسر الصاد وفتح اللام) أو
(((أصلب)) ( بسكون الصاد وضم اللام). وكلها جمع صلب (بضم فسكون): وهو عظم الظهر من
لدن الكاهل إلى عجب الذنب .
(٢) الآثار: ٥٧٥ - ٥٨٥: بعضها فى ابن كثير ١: ١٢٢ مجملة، وبعضها فى الدر
المنثور ١ : ٤٢، والشوكانى ١ : ٤٦، وكرهنا الإطالة بتفصيلها.
(٣) القصيرى، بالتصغير: هى الضلع التى تلى الشاكلة أسفل الأضلاع، وهى أقصرهن.
(٤) فى المطبوعة: ((وبث فيهما بعد ذلك ... )»، وهو خطأ.

٤٢١
تفسير سورة البقرة : ٢٩،٢٨
وقرأ قول الله: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظًا﴾ [سورة الأحزاب: ٧].
قال: يومئذ. قال: وقرأ قول الله: ﴿وَاذْ كُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِى
وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُكُمْ سَمِعْنَا وَأَطَّعْنَا﴾ (١) [ سورة المائدة: ٧].
قال أبو جعفر : ولكلّ قول من هذه الأقوال التى حكيناها عمن رويناها عنه ،
وجه ومذهبٌ من التأويل .
فأما وجه تأويل من تأوّل قوله: ((كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم)) ،
أى لم تكونوا شيئاً، فإنه ذهب إلى نحو قول العرب الشىء الدارس والأمر الحامل
الذكر: هذا شىء ميِّتٌ ، وهذا أمر ميِّت- يراد بوصفه بالموت: ◌ُول ذكره ،
ودُرُوس أثره من الناس . وكذلك يقال فى ضد ذلك وخلافه : هذا أمر حىّ،
وذكر حىّ - يراد بوصفه بذلك أنه نابه مُتعالم فى الناس، كما قال أبو نُخيلة
السعدىّ :
فأحْيِّيت لِ ذَكْرى، وَمَا كُنْتُ خاملاً ولكنَّ بَعْض الذُّكَرِ أَنْبَهُ مِن بَعْضٍ(٣)
يريد بقوله: ((فأحييتَ لی ذکری)»، أى: رفعته وشهرته فى الناس حتى نبه فصار ١٤٧/١
مذكوراً حيًّاً، بعد أن كان خاملاً ميتاً . فكذلك تأويل قول من قال فى قوله :
(وكنتم أمواتاً)) لم تكونوا شيئاً، أى كنتم مُولا لاذكر لكم، وذلك كان موتكم
فأحياكم ، فجعلكم بشراً أحياء تُذكرون وتُعرفون، ثم يميتكم بقبض أرواحكم
وإعادتكم ، كالذى كنتم قبل أن محييكم ، من دروس ذكركم ، وتعفى آثاركم ،
وخمول أموركم ، ثم يحييكم بإعادة أجسامكم إلى هيئاتها ، ونفخ الروح فيها ،
(١) الأثر: ٥٨٦ - فى ابن كثير ١: ١٢٢، والشوكانى ١: ٤٧، مختصراً جداً.
(٢) الأغانى ١٨: ١٤٠، والمؤتلف والمختلف للأمدى: ١٩٣، وأبو فخيلة اسمه
لا كنيته، كما قال أبو الفرج، ويقال اسمه : يعمر بن حزن بن زائدة، من بنى سعد بن زيد مناة ، وكان
الأغلب عليه الرجز ، وله قصيد قليل، وكان عاقاً بأبيه ، فنفاه أبوه عن نفسه . والبيت من أبيات،
يمدح بها مسلمة بن عبد الملك .

تفسير سورة البقرة : ٢٩،٢٨
٤٢٢
وتصييركم بشراً كالذى كنتم قبل الإماتة، تتعارفون فى بعثكم وعند حشركم(١).
. ..
وأما وجه تأويل من تأوّل ذلك : أنه الإماتة التى هى خروج الرّوح من
الجسد، فإنه ينبغى أن يكون ذهب بقوله ((وكنتم أمواتاً))، إلى أنه خطاب لأهل
القبور بعد إحيائهم فى قبورهم. وذلك معنى بعيد ، لأن التوبيخ هنالك إنما هو
توبيخ على ما سلف وفرط من إجرامهم ، لا استعتابٌ واسترجاع "(٢) . وقوله جل
ذكره: (( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً))، توبيخ مُستعتِبٍ عبادَه، وتأنيبُ مسترجعٍ
خلقته من المعاصى إلى الطاعة ، ومن الضلالة إلى الإنابة ، ولا إنابة فى القبور بعد
الممات ، ولا توبة فيها بعد الوفاة .
٠
وأما وجه تأويل قول قتادة ذلك : أنهم كانوا أمواتاً فى أصلاب آبائهم . فإنه
عنى بذلك أنهم كانوا نطفاً لا أرواح فيها ، فكانت بمعنى سائر الأشياء الموات
التى لا أرواح فيها. وإحياؤه إياها تعالى ذكره، نفخُه الأرواح فيها، وإماتتُه
إياهم بعد ذلك ، قبضُه أرواحهم. وإحياؤه إياهم بعد ذلك، نفخُ الأرواح فى
أجسامهم يوم يُنفخ فى الصّور، ويبعثُ الخلق للموعود .
وأما ابن زيد ، فقد أبان عن نفسه ما قصّد بتأويله ذلك ، وأنّ الإماتة الأولى
عنده إعادة الله جل ثناؤه عبادَه فى أصلاب آبائهم ، بعد ما أخذَهم من صُلب
آدم ، وأن الإحياء الآخر هو نفخ الأرواح فيهم فى بطون أمهاتهم ، وأن الإماتة
الثانية هى قبضُ أرواحهم للعود إلى التراب (٣)، والمصير فى البرزخ إلى يوم
(١) فى المطبوعة: ((لتعارفوا))، وهى قريبة فى المعنى.
(٢) الاستعتاب : الاستقالة من الذنب، والرجوع إلى ما يجلب الرضا، أى أن يستقيلوا
وبهم ويستغفروه، ويرجعوا عن إساءتهم ويطلبوا رضاه. واستعتبه: طلب إليه الرجوع إلى ما يرضى.
والاسترجاع: طلب الرجوع. واسترجعه: رده اللّه إلى الطاعة.
(٣) فى المخطوطة: ((العودة إلى التراب)»، وهى قريب.

٤٢٣
تفسير سورة البقرة : ٢٩،٢٨
البعث ، وأن الإحياء الثالث هو نفخُ الأرواح فيهم لبعث الساعة ونشر القيامة.
وهذا تأويل إذا تدبره المتدبر وجده خلافاً لظاهر قول الله الذى زعم مفسّره أن
الذی وصفنا من قوله تفسیره. وذلك أن الله جل ثناؤه أخبر فی کتابه - عن الذین
أخبر عنهم من خلقه - أنهم قالوا: ((ربنا أمتَّنا اثنتين وأحبيتنا اثنتين))، وزعم ابن
زيد فى تفسيره أنّ اللّه أحياهم ثلاث إحياءات، وأماتهم ثلاث إماتات. والأمر
عندنا - وإن كان فيما وَصَف من استخراج الله جل ذكره من صُلب آدم ذريته،
وأخذه ميثاقه عليهم كما وصف - فليس ذلك من تأويل هاتين الآيتين - أعنى
قوله: ((کیف تكفرون بالله و کنتم أمواتاً)) الآية، وقوله: « ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا
اثنتين : - فى شىء. لأن أحداً لم يدع أن اللّه أمات من ذراً يومئذ غير الإماتة التى
صار بها فى البرزخ إلى يوم البعث ، فيكون جائزاً أن يوجه تأويل الآية إلى ما وجهه
إليه ابن زید .
...
وقال بعضُهم : الموتة الأولى مفارقة نطفة الرجل جسده إلى رحم المرأة ، فهى
ميّتة من لَدُنْ فراقها جسده إلى نفخ الروح فيها . ثم يحييها اللّه بنفخ الروح فيها
فيجعلها بشراً سويًّا بعد تارات تأتى عليها. ثم يميته الميتة الثانية بقبض الروح منه ،
فهو فى البرزخ ميت إلى يوم ينفخ فى الصُّور، فيردً فى جسده روحه(١)، فيعود حيًّاً
سويًّا لبعث القيامة . فذلك موتتان وحیاتان . وإنما دعا هؤلاء إلى هذا القول ، لأنهم
قالوا : موتُ ذى الروح مفارقة الرّوح إياه . فزعموا أن كل شىء من ابن آدم حىّ
ما لم يفارق جسده الحى ذا الروح. فكل ما فارق جسده الحى ذا الرّوح ، فارقتْه
الحياةُ فصار ميتاً. كالعضو من أعضائه ــ مثل اليد من يديه، والرُّجل من رجليه -
لو قطعت فأبينتْ(٢)، والمقطوع ذلك منه حىّ، كان الذى بان من جسده ميتاً
لا رُوح فيه بفراقه سائر جسده الذى فيه الروح . قالوا : فكذلك نطفته حية بحياته
١٤٨/١
(١) فى المخطوطة: ((فيرد فى جسمه))، وهى قريب.
(٢) فى المطبوعة: ((وأبينت))، وهذه أجود.

٤٢٤
تفسير سورة البقرة : ٢٩،٢٨
ما لم تفارق جسده ذا الروح، فإذا فارقته مباينةً له صارت ميئةً، نظير ما وصفنا من
حكم اليد والرجل وسائر أعضائه . وهذا قولٌ ووجه من التأويل، لو كان به قائلٌ
من أهل القدوة الذين يُرْتضى القرآن تأويلهم .
٠٠٠
وأولی ما ذ کرنا ۔۔ من الأقوال التی بینًا - بتأويل قول الله جل ذكره: (( کیف
تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم، الآية ، القول الذى ذكرناه عن ابن مسعود
وعن ابن عباس: من أن معنى قوله: ((وكنتم أمواتاً)) أمواتَ الذكر ، خمولا فى
أصلاب آبائكم نطفاً ، لا تُعرفون ولا تُذكرون: فأحياكم بإنشائكم بشراً سويًّاً
حتى ذُكِرِتم وعُرٍ فتم وحَبِيتم ، ثم يميتكم بقبض أرواحكم وإعادتكم رُفاتً لا تُعرفون
ولا تُذكرونا فى البرزخ إلى يوم تبعنون، ثم يحييكم بعد ذلك بنفخ الأرواح فيكم
لبعث الساعة وصّيحة القيامة، ثم إلى اللّه ترجعون بعد ذلك، كما قال: ((ثم إليه
تُرجعون))، لأن الله جل ثناؤه يحييهم فى قبورهم قبلَ حشرهم، ثم يحشرهم لموقف
الحساب، كما قال جل ذكره: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَحْدَاثِ سِرَاعًا كَانَّهُمْ إِلَى
نُصُبٍ يُؤْفِضُونَ ﴾ [سورة المعارج: ٤٣،] وقال: ﴿وَنَفِخَ فِىِ الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ
الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَفْسِلُونَ﴾ [سورة يس: ٥١].
والعلة التى من أجلها اخترنا هذا التأويل ، ما قد قدّمنا ذكره القائلين به ،
وفساد ما خالفه بما قد أوضحناه قبل .
وهذه الآية توبيخٌ من الله جل ثناؤه للقائلين: ((آمنًّا بالله وباليوم الآخر))،
الذين أخبر الله عنهم أنهم مع قيلهم ذلك بأفواههم ، غيرُ مؤمنين به . وأنهم إنما
يقولون ذلك خداعاً لله وللمؤمنين، فعذَلهم الله بقوله: ((كيف تكفرون بالله وكنتم
أمواتاً فأحياكم))، ووبِّخهم واحتجّ عليهم - فى ذكيرهم ما أنكروا من ذلك وجحودهم
ما جحدوا بقلوبهم المريضة - فقال : کیف تكفرون بالله فتجحدون قدرته على
إحيائكم بعد إماتتكم، [ لبعث القيامة، ومجازاة المسىء منكم بالإساءة والمحسن

٤٢٥
تفسير سورة البقرة : ٢٩،٢٨
بالإحسان ، وقد كنتم نطفاً أمواتاً فى أصلاب آبائكم، فأنشأكم خلقاً سويًا،
وجعلكم أحياءً، ثم أماتكم بعد إنشائكم. فقد علمتم أن مَنْ فعل ذلك بقدرته،
غير مُعجزِه - بالقدرة التى فعل ذلك بكم - إحياؤكم بعد إماتتكم](١)، وإعادتكم
بعد إفنائكم، وحشركم إليه لمجازاتكم بأعمالكم .
ثم عدّد ربنا تعالى ذكره عليهم وعلى أوليائهم من أحبار اليهود - الذين جمع
بين قصَصهم وقصَص المنافقين فى كثير من آى هذه السورة التى افتتح الخبر
عنهم فیها بقوله : (( إن الذین کفروا سواء علیهم النذرهم أم لم تُنذرْهم لا يؤمنون)» -
(٢)نِعَمه التى سلفت منه إليهم وإلى آبائهم، التى عظُمتْ منهم مواقعها . ثم سلب
كثيراً منهم كثيراً منها ، بما ركبوا من الآثام ، واجترموا من الأجْرام، وخالفوا من
الطاعة إلى المعصية ، محذّرّهم بذلك تعجيل العقوبة لهم، كالتى عجلها للأسلاف
والأفراط قبلهم ، وُمخوفهم حلول مثلاتِه بساحتهم کالذی أحلّ بأوّلیهم ،
ومُعرّفَهم ما لهم من النجاة فى سرعة الأوْبة إليه، وتعجيل التوبة، ومن الخلاص
لهم يوم القيامة من العقاب (٣).
فبدأ بعد تعديده عليهم ما عدّد من نعمه التى هم فيها مُقيمون ، بذكر أبينا
وأبيهم آدم أبى البشر صلوات الله عليه، وما سلف منه من كرامته إليه ، وآلائه
لدیه، وما أحلَّ به وبعدوّه إبليس من عاجل عقوبته: صيتهما التى كانت منهما ،
ومخالفتهما أمره الذى أمرهما به. وما كان من تغمُّده آدمَ برَحمته إذْ تاب وأناب إليه .
وما کان من إحلاله بإیلیس من لعنته فى العاجل ، وإعداده له ما أعدّ له من
العذاب المقيم فى الآجل، إذ استكبر وأبى التوبة إليه والإنابة ، منبهاً لهم على حكمه ١٤٩/١
(١) ما بين القوسين ساقط من المطبوعة.
(٢) قوله ((نعمه)) مفعول قوله ((ثم عدد ربنا ... ))، وما بينهما فصل.
(٢) فى المطبوعة ((يحذرهم بذلك ... ويخوفهم ... أحل بأوائلهم، ويعرفهم))، وانظر
ما سيأتى فى ص: ١٥٤ بولاق. وفى المخطوطة والمطبوعة: ((من الخلاص ... )) بغير واو، هو
لا يستقيم، فلذلك زدناها. وقوله: ((حلول مثلاته)) جمع مثلة (بفتح الميم وضم الثاء) : وهى
العقوبة والعذاب والنكال .

٤٢٦
تفسير سورة البقرة : ٢٩،٢٨
فى المنيين إليه بالتوبة، وقضائه فى المستكبرين عن الإنابة، إعذاراً من الله بذلك
إليهم، وإنذاراً لهم، ليتدبروا آياته وليتذكر منهم أولو الألباب. وخاصًا أهل الكتاب
- بما ذكر من قصص آدم وسائر القصص التى ذكرها معها وبعدها، مما علمه
أهل الكتاب وجهلته الأمة الأمَّة من مشركى عبّدة الأوثان - بالاحتجاج عليهم -
دون غيرهم من سائر أصناف الأمم، الذين لا علم عندهم بذلك - لنبيه محمد صلى الله
عليه وسلم (١)، ليعلموا بإخباره إياهم بذلك، أنه لله رسولٌ مبعوث، وأن ما جاءهم
به فمن عنده . إذْ كان ما اقتص عليهم من هذه القصص ، من مكنون علومهم ،
ومصون ما فى كتبهم ، وخفىّ أمورهم التى لم يكن يدّعى معرفة علمها غيرُهم وغيرُ
من أخذ عنهم وقرأ كتبهم .
٠٠٠
وكان معلوماً من محمد صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن قط كاتباً ، ولا لأسفارهم
تالياً ، ولا لأحد منهم مُصاحباً ولا مجالساً ، فيمكنهم أن يدعوا أنه أخذ ذلك من
كتبهم أو عن بعضهم، فقال جل ذكره - فى تعديده عليهم ما هم فيه مقيمون من
نعمه، مع كفرهم به، وتركهم شكره عليها بما يجب له عليهم من طاعته (٢) .-:
﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُمْ مَا فِى الْأَرْضِ حِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ
سَمْوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة: ٢٩]. فأخبرهم جل ذكره أنه
خلق لهم ما فى الأرض جميعاً ، لأنّ الأرضَ وجميعَ ما فيها لبنى آدم منافعُ . أما
فى الدين، فدليلٌ على وحدانية ربهم، وأما فى الدنيا فمعاشٌ وبلاغ لهم إلى
طاعته وأداء فرائضه .
فلذلك قال جل ذكره: ((هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعاً)).
(١) سياق هذه العبارة: ((وخاصاً أهل الكتاب ... بالاحتجاج عليهم ... لنبيه محمد
صلى الله عليه وسلم)». وما بين هذه الأحرف المتعلقة بمراجعها، فصل متتابع ، كعادة الطبرى فى
کتابته
٠

٤٢٧
تفسير سورة البقرة : ٢٩،٢٨
وقوله: (( هو ) مکنی من اسم الله جل ذ کره عائد على اسمه فی قوله: « کیف
تكفرون بالله)). ومعنى خلقه ما خلق جلّ ثناؤه ، إنشاؤه عينه ، وإخراجه من
حال العدم إلى الوجود. و((ما)) بمعنى ((الذى)).
فمعنى الكلام إذاً : كيف تكفرون باللّه وكنتم نُطفاً فى أصلاب آبائكم
فجعلكم بشراً أحياءً ، ثم يميتكم ، ثم هو محييكم بعد ذلك وباعثكم يوم الحشر
الثواب والعقاب ، وهو المنعمُ عليكم بما خلق لكم فى الأرض من معايشكم وأدلتكم
على وحدانية ربكم .
و ((كيف)) بمعنى التعجب والتوبيخ، لا بمعنى الاستفهام، كأنه قال:
ويْحكم كيف تكفرون بالله، كما قال: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [سورة التكوير: ٢٦].
وحل قولُه: ((وكنتم أمواتاً فأحياكم)) محلّ الحال. وفيه ضميرُ ((قد))(١)،
ولكنها حذفت لما فى الكلام من الدليل عليها. وذلك أن ((فعل)) إذا حلت محل
الحال كان معلوماً أنها مقتضية ((قد))، كما قال ثناؤه (أَوْجاً،وكُمْ حَصِرَتْ
صُدُورُهُمْ﴾ [سورة النساء: ٩٠]، بمعنى: قد حَصِرَت صدورهم. وكما تقول
للرجل : أصبحتَ كثرت ماشيتك ، تريد : قد كثرت ماشيتك .
وبنحو الذى قلنا فى قوله: ((هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعاً))، كان
قتادة يقول :
٥٨٧ - حدثنا بشربن معاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة، قوله :
((هو الذى خلق"لكم ما فى الأرض جميعاً))، نَعَمْ واللّه سخر لكم ما فى الأرض(٢).
٠٠
(١) فى المطبوعة ((وفيه إضمار قد))، ولم يرد بالضمير ما اصطلح عليه النحويون، وإنما
أراد المضمر الذى أخفى وستر. وانظر معانى القرآن الفراء ١: ٢٣ - ٢٥.
(٢) الأثر: ٥٨٧ - فى الدر المنثور ١: ٤٢، والشوكانى ١: ٤٨، وفيهما زيادة على
الذى فى أصول الطبرى، وهى: (( ... ما فى الأرض جميعاً، كرامةً من الله ونعمةً لابن

٤٢٨
تشير سورة البقرة : ٢٩
القول فى تأويل قوله تعالى: (ثُمَّ أَسْتَوَى إِلَى الشَّمَاءِ فَسَوِّ مُنَّ
سَبْعَ مَّمُوَّتٍ)
قال أبو جعفر: اختلفوا فى تأويل قوله: ((ثم استوى إلى السَّماء)).
فقال بعضهم : معنى استوى إلى السماء ، أقبل عليها ، كما تقول : كان فلان
مقبلا على فلان ، ثم استوى علىّ يشاتمنى - واستوى إلىّ يشاتمنى . بمعنى أقبل
علىّ وإلىّ بشاتمنى. واستُشْهِد على أنّ الاستواء بمعنى الإقبال بقول الشاعر:
أَقُولُ وقد قَطَمْنَ بِنَ شَرَوْرَى سَوَامِدَ، وَاسْتَوَيْنَ مِنَ الضَّجُوعِ(١)
فزعم أنه عنى به أنهن خرجن من الضّجوع ، وكان ذلك عندهم بمعنى :
١٥٠/١ أقبلن. وهذا من التأويل فى هذا البيت خطأ، وإنما معنى قوله: (( واستوين من
الضجوع)) ، استوين على الطريق خارجات ، بمعنى استقمن عليه .
وقال بعضهم : لم يكن ذلك من الله جل ذكره بتحوّل ، ولکنه بمعنی فعله ،
كما تقول : كان الخليفة فى أهل العراق يواليهم ، ثم تحوَّل إلى الشام . إنما يريد :
آدم متاعاً، وُبُلْغَةً ومنفعة إلى أجل )).
هذا وقد زادا معاً أثراً آخر قالا أخرجه ابن جرير عن مجاهد، هذا هو: (( فى قوله :
هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعاً، قال: سخّر لكم ما فى الأرض جميعاً)).
وإسناد هذا الأثر ، هو الذى يأتى برقم : ٥٩١، لأنه من تمامه ، كما هو بين فيما نقله السيوطى
والشوكانى . ويوشك أن يكون فى نسخ الطبرى التى بين أيدينا حذف ألجأ النساخ إليه طول الكتاب ،
فقد مضى آنفاً مثل هذا النقص ، ومثل هذه الزيادة .
(١) البيت تميم بن أبى بن مقبل (معجم ما استعجم: ٧٩٥، ٨٥٧)، وروايته (( ثوانى )»
مكان ((سوامد)). وشرورى: جبل بين بنى أسد وبنى عامر، فى طريق مكة إلى الكوفة. والضجوع
- يفتح الضاد المعجبة -: موضع أيضاً بين بلاد هذيل وبنى سليم. وقوله: ((سوامد)) جمع سامد.
سمدت الإبل فى سيرها: جدت وسارت سيراً دائماً، ولم تعرف الإعياء. وسواعد: دوائب لا يلحقهن
. كلال. والنون فى ((قطمن)» للإبل .

٤٢٩
تفسير سورة البقرة : ٢٩
تحوّل فعله. [وقال بعضهم: وله: ((ثم استوى إلى السماء)) يعنى به: استوت](١).
كما قال الشاعر :
أقولُ له لمّا اسْتَوِى فى تُرَابِه عَلَى أىِّ دِينِ قَتَّل النَّاسِ مُصْعَبُ(٢)
وقال بعضهم: ((ثم استوى إلى السماء))، عمدَ لها (٣) . وقال: بل كلُّ تارك
عملا کان فیه إلى آخر ، فهو مُستوٍ لما عمد له ، ومستو إليه .
وقال بعضهم : الاستواء هو العلو، والعلوّ هو الارتفاع . وممن قال ذلك
الربيع بن أنس .
٥٨٨ - حُدِّثت بذلك عن عمار بن الحسن ، قال: حدثنا عبد الله بن أبى
جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس: ((ثم استوى إلى السماء)). يقول: ارتفع
إلى السماء(٤).
ثم اختلف متأوّلو الاستواء بمعنى العلوّ والارتفاع، فى الذى استوى إلى السماء.
فقال بعضهم: الذى استوى إلى السماء وعلا عليها، هو خالقُها ومنشها . وقال
بعضهم: بل العالى عليها : الدّخانُ الذى جعله الله للأرض سماء(٥).
قال أبو جعفر: الاستواء فى كلام العرب منصرف على وجوه : منها انتهاءُ
شباب الرجل وقوّته ، فيقال ، إذا صار كذلك : قد استوى الرّجُل. ومنها .
استقامة ما كان فيه أوَدٌ من الأمور والأسباب ، يقال منه: استوى لفلان أمرُه.
إذا استقام بعد أوّدٍ ، ومنه قول الطِّرِمَّاح بن حكيم :
طالَ على رَسْمِ مَهْدَدٍ أَبَدُهْ وَعَفَ وَاسْتَوَى بِهِ بَدُ.(٦)
(١) هذه الجملة بين القوسين، ليست فى المخطوطة، وكأنها مقحمة.
(٢) لم أجد هذا البيت. وفى المطبوعة: ((قبل الرأس مصعب))، وهو خطأ لا شك فيه.
وفى المخطوطة: ((فى ثراته))، ولا معنى لها، ولعلها ((فى تراثه)). وأنا فى شك من كل ذلك. بيد أن
مصعباً الذى ذكر فى الشعر ، هو فيما أرجح مصعب بن الزبير .
(٣) فى المطبوعة: ((عمد إليها)).
(٤) الأثر: ٥٨٨ - فى الدر المنثور ١: ٤٣، والأثر التالى: ٥٨٩، من تمامه.
(٥) فى المطبوعة: ((العالى إليها)).
(٦) ديوانه: ١١٠، واللسان (سوى) قال: ((وهذا البيت مختلف الوزن، فالمصراع الأول

٤٣٠
تفسير سورة البقرة : ٢٩
يعنى : استقام به . ومنها : الإقبال على الشىء يقال استوى فلان على
فلان بما يكرهه ويسوءه بعد الإحسان إليه. ومنها. الاحتياز والاستيلاء(١) ،
كقولهم: استوى فلانٌ على المملكة . بمعنى احتوى عليها وحازَها . ومنها : العلوّ
والارتفاع ، كقول القائل ، استوى فلان على سريره . يعنى به علوّه عليه .
وأوْلى المعانى بقول الله جل ثناؤه: ((ثم استوى إلى السماء فسوَّاهن))، علاعليهن
وارتفع ، فدبرهنّ بقدرته ، وخلقهنّ سبع سموات .
والعجبُ ممن أنكر المعنى المفهوم من كلام العرب فى تأويل قول الله: (( ثم
استوى إلى السماء»، الذى هو بمعنى العلو والارتفاع، هرباً عند نفسه من أن يلزمه
بزعمه - إذا تأوله بمعناه المفهوم كذلك - أن يكون إنما علاً وارتفع بعد أن كان
تحتها - إلى أن تأوله بالمجهول من تأويله المستنكر. ثم لم يَنْجُ مما هرب منه !
فيقال له : زعمت أن تأويل قوله ((استوى)) أقبلَ، أفكان مدبراً عن السماء فأقبل
إليها ؟ فإن زعم أنّ ذلك ليس بإقبال فعل، ولكنه إقبال تدبير ، قيل له : فكذلك
فقُلْ: علاعليها علوّ ◌ُمْلك وسْلُطان، لا علوّ انتقال وزوال. ثم لن يقول فى شىء
من ذلك قولا إلا ألزم فى الآخر مثله . ولولا أنا كرهنا إطالة الكتاب بما ليس
من جنسه، لأنبأنا عن فساد قول كل قائل قال فى ذلك قولاً ، لقول أهل الحق فيه
مخالفاً . وفيما بينا منه ما يُشرِف بذى الفهم على ما فيه له الكفاية إن شاء الله تعالى.
قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل (٢): أخبرنا عن استواء الله جل ثناؤه إلى
السماء ، كان قبل خلق السماء أم بعده ؟
قيل : بعده ، وقبل أن يسويهن سبع سموات ، كما قال جل ثناؤه :
من المنسرح، والثانى من الخفيف)). والرسم: آثار الديار اللاصقة بالأرض. ومهدد اسم امرأة.
والأبد: الدهر الطويل، والهاء فى ((أبده)) راجع إلى الرسم. وعفا: درس وذهب أثره. والبلد:
الأثر يقول: انمحى رسمها حتى استوى بلا أثر .
(١) فى المخطوطة: ((الاستيلاء والاحتواء)).
(٢) فى المطبوعة: ((وإن قال ... )).

٤٢١
تفسير سورة البقرة : ٢٩
(ثُمَّ أُسْتَوَى إِلَى السَّمَاءُ وَهِىَ دُخَنٌ فَقَالَلَهَا وَلِلْأَرْضِ اثْنِيَا لَوْعاً أَوْ كَرْهاً)
[سورة فصلت: ١١]. والاستواء كان بعد أن خلقها دُخاناً، وقبل أن يسوِّيتها سبع سموات.
وقال بعضهم: إنما قال: ((استوى إلى السّماء))، ولاسماء، كقول الرجل لآخر: ١٥١/١
(اعمل هذا الثوب))، وإنما معه غزل".
٠
وأما قوله ((فسواهن)) فإنه يعنى هيأهن وخلقهن ودبرهن وقوَّمهن . والتسوية
فى كلام العرب ، التقويم والإصلاح والتوطئة، كما يقال: سوَّى فلان لفلان
هذا الأمر . إذا قوّمه وأصلحه وَوَطَّاه له. فكذلك تسوية الله جل ثناؤه سمواته :
تقويمه إياهن على مشيئته، وتدبيره هنّ على إرادته، وتفتيقهن" بعد ارتتاقهن"(١).
٥٨٩ - كما: حُدّثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبى جعفر، عن أبيه ،
عن الربيع بن أنس: (( فسواهن سبع سموات )» يقول: سوی خلقهن، «وهو بكل
شىء عليم (٢))).
وقال جل ذكره: ((فسواهن))، فأخرج مكنِيَّهن مخرج مكنىِّ الجميع (٣)،
وقد قال قبلُ: ((ثم استوى إلى السماء)) فأخرجها على تقدير الواحد. وإنما أخرج
مكتِّيهن مخرج مكنىُّ الجميع، لأن السماء جمع واحدها سماوة، فتقدیر واحدتها وجميعها
إذاً تقدير بقرة وبقر ونخلة ونخل ، وما أشبه ذلك . ولذلك أنَّعت السماء مرة فقيل :
هذه سماءٌ، وذُكِّرت أخرى (٤) فقيل: ﴿السَّمَاءِ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [سورة المزمل: ١٨]،
(١) فى المطبوعة: ((بعد إرتاقهن)) وليست بشىء، وفى المخطوطة: ((بعد أن نتاقهن))،
وظاهر أنها تحريف لما أثبتناه . وارتتق الشىء: التأم والتحم حتى ليس به صدع . وهذا من تأويل
ما فى سورة الأنبياء: ٣٠ من قول الله سبحانه:
﴿أُوَ لِمْ يَرَ الّذِينَ كَفروا أن السَّموات والأَرْضَ كَانَتَا رَتَقّاً فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ والغتق: الشق.
(٢) الأثر: ٥٨٩ - فى الدر المنثور ١: ٤٣، وهو من تمام الأثر السالف: ٠٨٨.
(٣) المكنى: هو الضمير، فيما اصطلح عليه النحويون، لأنه كناية عن الذى أخفيت ذكره.
وفى المطبوعة: ((الجمع)) مكان ((الجميع)) حيث ذكرت فى المواضع الآتية فى هذه العبارة.
(٤) فى المطبوعة: ((أنث السماء ... وذكر)) بطرح التاء.

٤٣٢
تفسير سورة البقرة : ٢٩
كما يُفعل ذلك بالجميع الذى لا فرق بينه وبين واحده غير دخول الماء وخروجها ،
فيقال : هذا بقروهذه بقر، وهذا نخل وهذه نخل ، وما أشبه ذلك .
وكان بعض أهل العربية يزعم أنّ السماء واحدة، غير أنها تدلّ على السموات،
فقيل: ((فسواهن))، يراد بذلك التى ذُكرت وما دلت عليه من سائر السموات التى
لم تُذْكر معها (١). قال: وإنما تُذكر إذا ذُكِّرت وهى مؤنثة، فيقال:
(( السماء منفطر به))، كما يذكر المؤنث(٢)، وكما قال الشاعر:
فَلَ مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَهَاَ وَلاَ أَرْضَ أَبْقَل ◌ِقَالَهَا(٣)
وكما قال أعشى بنى ثعلبة :
فَإِنَّ الحوادِثَ أَزْرَى بها(1)
فَإِمَّا تَرَىْ لِمَّتِى بُدِّلَتْ
(١) ((بعض أهل العربية)) هو الفراء، وإن لم يكن اللفظ لفظه، فى كتابه معانى القرآن
١ : ٢٥، ولكنه ذهب هذا المذهب، فى كتابه أيضاً ص : ١٢٦ - ١٣١.
(٢) هكذا فى الأصول ((كما يذكر المؤنث))، وأخشى أن يكون صواب هذه العبارة: (( كما
تذكر الأرض، كما قال الشاعر :... )) وقد ذكر الفراء فى معانى القرآن ذلك فقال: « ... فإن
السماء فى معنى جمع فقال: (فسواهن) المعنى المعروف أنهن سبع سموات . وكذلك الأرض يقع عليها -
وهى واحدة - الجمع . ويقع عليهما التوحيد وهما مجموعتان، قال الله عز وجل: (رب السموات
والأرض) ثم قال: (وما بينهما)، ولم يقل: بينهن. فهذا دليل على ما قلت لك)). معانى القرآن
١ : ٢٥، وانظر أيضاً ص: ١٢٦ - ١٢١.
(٣) البيت من شعر عامر بن جوين الطائى، فى سيبويه ١: ٢٤٠، ومعانى القرآن
١ : ١٢٧ والخزانة ١ : ٢١ - ٢٦، وشرح شواهد المغنى: ٣١٩، والكامل ١ : ٤٠٦،
٢ : ٦٨، وقبله ، يصف جيشاً :
وَجَارِيَةٍ مِن بَنَاتِ المِلُوُ كِ قَعْقَعْتُ بالَخْلِ خَلْخَالَها
كَكِرْفِتَةَ الغَيْثِ ذَّاتِ الصَّبِير تَرْمِ السَّحَابَ وَيَرْمِى لَا
تَوَاعَدْتُها بَعْدَ مَرِّ النُّجُوم، كَلْفَاءَ تُكْترَ تَهْطَالَهَا
فلا مزنة
(٤) أعشى بنى ثعلبة، وأعشى بنى قيس، والأعشى، كلها واحد، ديوانه ١: ١٢٠،
وفى سيبويه ١ : ٢٣٩، ومعانى القرآن الفراء ١: ١٢٨، والخزانة ٤: ٥٧٨، ورواية الديوان:
فإن تعَهَدينى ولى ◌ٌِّ فإن الحوادثَ أُلْوَى بها

٤٣٣
تفسير سورة البقرة : ٢٩
وقال بعضهم : السماء وإن كانت سماء فوق سماء وأرضاً فوق أرض ، فهى
فى التأويل واحدةٌ إن شئت، ثم تكون تلك الواحدة جماعاً، كما يقال: ثوبٌ
أخلاقٌ وأسمالٌ، وبُرْمة أعشار، المتكسرة، وبُرْمة أكسار وأجبار. وأخلاق،
أى أنّ نواحيه أخلاق(١).
فإن قال لنا قائل : فإنك قد قلت إن الله جل ثناؤه استوى إلى السماء وهى
دخان قبل أن يسويها سبع سموات ، ثم سواها سبعاً بعد استوائه إليها ، فكيف
زعمت أنها جماع ؟
قيل: إنهن كنّ سبعاً غيرَ مستويات، فلذلك قال جل ذكره : فسوَّاهن
سبعاً . كما :-
٥٩٠ - حدثنى محمد بن حميد، قال حدثنا سلمة بن الفضل، قال: قال محمد
ابن إسحق: كان أوّلَ ما خلق الله تبارك وتعالى النورُ والظلمةُ ، ثم ميَّزَ بينهما،
فجعل الظلمة ليلاً أسود مظلماً، وجعل النور نهاراً مضيئاً مبصراً، ثم سمك السموات
السبع من دخان- يقال، والله أعلم، من دخان الماء - حتى استقللن ولم يحبُكهن(٢).
وقد أغطش فى السماء الدنيا ليلها ، وأخرجضحاها ، فجری فيها الليل والنهار ، وليس
فيها شمس ولا قمر ولا نجوم . ثم دحا الأرض وأرساها بالجبال ، وقدر فيها
الأقوات ، وبث فيها ما أراد من الخلق ، ففرغ من الأرض وما قدر فيها من أقواتها
فی أربعة أيام . ثم استوى إلى السماء وهی دخان - كما قال - فحبكهن ، وجعل
فى السماء الدنيا شمسها وقمرها ونجومها، وأوحى فى كل سماء أمرها ، فأكمل
ورواية سيبويه كما فى الطبرى، إلا أنه روى ((أودى بها)). وألوى به: ذهب به وأهلكه. وأودى
4: أهلكه، أيضاً. وأما ((أزرى بها)): أى حقرها وأنزل بها الهوان، من الزراية وهى التحقير.
وكلها جيد .
(١) أخلاق، جمع خلق (بفتحتين): وهو البالى. وأسمال جمع سمل (بفتحتين): وهو
الرقيق المتمزق البالى . وبرمة أجبار ، ضد قولهم برمة أكسار ، كأنه جمع برمة جبر (بفتح فسكون)
وإن لم يقولوه مفرداً، كما لم يقولوا برمة كسر، مفرداً. وأصله من جبر العظم، وهو لأمه بعد كسره.
(٢) فى المخطوطة: ((ولم يحبكن)).
(٢٨)

٤٢٤
تفسير سورة البقرة : ٢٩
خلقهن فى بومين ، ففرغ من خلق السموات والأرض فى ستة أيام . ثم المستوى فى
١٥٢/١ اليوم السابع فوق سمواته، ثم قال السموات والأرض: اثتيا طوعاً أو كرهاً لما أردت
بكما ، فاطمئنًا عليه طوعاً أو كرماً، قالتا: أتينا طائعين (١).
فقد أخبر ابن إسحق أنّ الله جل ثناؤه استوى إلى السماء - بعد خلق الأرض(٢)
وما فيها - وهن سبع من دخان ، فسواهن كما وَصف . وإنما استشهدنا لقولنا الذى
قلنا فى ذلك بقول ابن إسحق ، لأنه أوضح بياناً - عن خلق السموات (٣)،
أنهن كُنّ سبعاً من دخان قبل استواء ربنا إليها لتسويتها - من غيره(٤)، وأحسنُ
شرحاً لما أردنا الاستدلال به ، من أن معنى السماء التى قال الله تعالى ذكره فيها :
(((ثم استوى إلى السماء)) بمعنى الجميع(٥)، على ما وصفنا. وأنه إنما قال جل ثناؤه:
(((فِسوَّاهن))، إذ كانت السماء بمعنى الجميع، على ما بينا.
قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: فما صفة تسوية الله جل ثناؤه السموات التى
ذكرها فى قوله ((فسواهن))، إذ كن قد خُلقِن سبعاً قبل تسويته إياهن؟ وماوجه
ذِكْر خَلْقهن بعد ذكْر خَلْق الأرض؟ ألأنها خلقت قبلها، أم لمعنى غير ذلك(٦)؟
قيل : قد ذكرنا ذلك فى الخبر الذى رويناه عن ابن إسحق ، ونؤكد ذلك
تأكيداً بما نضم إليه من أخبار بعض السلف المتقدمين وأقوالهم(٧):
(١) الأثر: ٥٩٠ - هذا الأثر فى الحقيقة تفسير للآيات ٩ - ١٢ من سورة فصلت.
ولم يذكره الطبرى فى موضعه عند تفسيرها (٢٤: ٦٠ - ٦٥ طبعة بولاق). وكذلك لم يذكره
ابن كثير والسيوطى والشوكانى - فى هذا الموضع ، ولا فى موضعه من تفسير سورة فصلت . وهو من
كلام ابن إسحق، ولا بأس عليهم فى الإعراض عن إخراجه . وقد صرح الطبرى هنا - بعد - أنه
إنما ذكره استشهاداً، لا استدلالا، إذ وجده أوضح بياناً، وأحسن شرحاً .
(٢) فى المطبوعة: ((بعد خلقه الأرض)).
(٣) فى المطبوعة: ((عن خبر السموات)).
(٤) فى المطبوعة: ((بتسويتها))، وسياق كلامه: ((أوضح بياناً ... من غيره))،
وما بينهما فصل .
(٥) فى المطبوعة ((بمعنى الجمع))، وفى التى تليها، وقد مضى مثل ذلك آنفاً.
(٦) فى المطبوعه: ((أم بمعنى))، وهذه أجود.
: (٧) فى المطبوعة: ((وفزيد ذلك توكيداً)) .

٤٣٥
تفسير سورة البقرة : ٢٩
٥٩١ - فحدثنى موسى بن هرون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال :
حدثنا أسباط ، عن السدى فى خبر ذكره ، عن أبى مالك ، وعن أبى صالح ،
عن ابن عباس - وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى اللّه
عليه وسلم: ((هو الذى خلقَ لكم ما فى الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء فسواهن
سبع سموات )) . قال: إن الله تبارك وتعالى كان عرشه على الماء ، ولم يخلق شيئاً
غير ما خلق قبل الماء . فلما أراد أن يخلق الخلق ، أخرج من الماء دخاناً ، فارتفع
فوق الماء فسما عليه ، فسماه سماء . ثم أييس الماء فجعله أرضاً واحدة ، ثم فتقها
فجعل سبع أرضين فى يومين - فى الأحد والاثنين ، فخلق الأرض على حوت ،
والحوتُ هو النون الذى ذكره الله فى القرآن: ((ن والقلم))، والحوت فى الماء، والماء على ظهر
صفاة، والصفاةُ على ظهر ملَك، والملك على صخرة ، والصخرة فى الريح -
وهى الصخرة التى ذكر لقمان - ليست فى السماء ولا فى الأرض : فتحرك
الحوت فاضطرب ، فتزلزلت الأرض ، فأرسى عليها الجبال فقرّت ، فالجبال
تفخر على الأرض، فذلك قوله: ﴿وَأَلْقَى فِ الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾(١)
[سورة النحل: ١٥]. وخلق الجبالَ فيها، وأقواتَ أهلها وشجرها وما ينبغى
لها فى يومين، فى الثلاثاء والأربعاء، وذلك حين يقول: ﴿أَنِسَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ
بالذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ.
وَجَعَلَ فِيهَاَ رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَرَكَ فِيهَاَ) يقول: أنبتَ شجرَها ﴿ وَقَدِّرَ
فِيهَا أَقْوَاتَها) يقول: أقواتها لأهلها (فِى أَرْ بَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِلسَّائِلِينَ) يقول:
قلْ لمن يسألك: هكذا الأمر (٢) (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَنٌ﴾
[ سورة فصلت ٩ - ١١]، وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس ، فجعلها
(١) فى الأصول: ((وجعل لها رواسى أن تميد بكم))، وهو وهم سبق إليه القلم من النساخ
فيما أرجح ، والآية كما ذكرتها فى سورة النحل، ومثلها فى سورة لقمان : ١٠
(٢) فى المخطوطة: ((يقول: من سأل، فهكذا الأمر)).

٤٣٦
تفسير سورة البقرة : ٢٩
سماء واحدة ، ثم فتقها فجعلها سبع سموات فى يومين- فى الخميس والجمعة ، وإنما
سمى يوم الجمعةلأنه جمع فيه خلق السموات والأرض- ((وأوحى فى كل سماء أمرها))
قال : خلق فى كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذى فيها ، من البحار وجبال
البَرَد ومالا يُعلم، ثم زين السماءالدنيا بالكواكب ، فجعلها زينةٌ وحفظاً، تُحفظُ من
الشياطين . فلما فرغ من خلق ما أحبّ ، استوى على العرش . فذلك حين يقول :
﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [سورة الأعراف: ٥٤]. ويقول:
﴿كَانَتَا رَتْقَاً فَفَتَقْنَهُمَا﴾(١) [ سورة الأنبياء: ٣٠].
٥٩٢ - وحدثنى الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا
معمر، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد، فى قوله: ((هو الذى خلق لكم ما فى
الأرض جميعاً، ثم استوى إلى السماء)). قال : خلق الأرض قبل السماء ، فلما
١٥٣/١ خلق الأرضَ ثار منها دخان، فذلك حين يقول: ((ثم استوى إلى السماء فسواهن
سبع سموات)). قال: بعضُهن فوق بعض، وسبعَ أرضين، بعضُهن تحت بعض (٢).
(١) الخبر: ٥٩١ - فى ابن كثير ١: ١٢٣، والدر المنثور ١ : ٤٢ - ٤٣،
والشوكانى ١ : ٤٨. وقد مضى الكلام فى هذا الإسناد ، واستوعب أخى السيد أحمد شاكر تحقيقه
فى موضعه ( انظر الخبر: ١٦٨)، وقد مضى أيضاً قول الطبرى، حين عرض لهذا الإسناد فى الأثر
رقم: ٤٦٥ ص: ٣٥٣: ((فإن كان ذلك صحيحاً، ولست أعلمه صحيحاً، إذ كنت بإسناده
مرتاباً ... )). وقد مضى الطبرى فى تفسيره على رواية مالم يصح عنده إسناده ، لعلمه أن أهل العلم
كانوا يومئذ يقومون بأمر الإسناد والبصر به ، ولا يتلقون شيئاً بالقبول إلا بعد تمحيص إسناده .
فلئن سألت : فيم يسوق الطبرى مثل هذا الخبر الذى يرتاب فى إسناده ؟ وجواب ذلك: أنه لم يسقه
ليحتج بما فيه، بل ساقه للاعتبار بمعنى واحد ، وهو أن الله سبحانه سمك السموات السبع من دخان ،
ثم دجا الأرض وأرساها بالجبال، ثم استوى إلى السماء وهى دخان، فحبكهن سبعاً ، وأوحى فى كل
سماء أمرها . وليس فى الاعتبار بمثل هذا الأثر ضرر، لأن المعنى الذى أراده هو ظاهر القرآن
وصريحه. وإن كان الخبر نفسه مما تلقاه بعض الصحابة عن بنى إسرائيل، لا عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم. ولا حجة إلا فيا أنزل الله فى كتابه، أو فى الذى أوحى إلى نبيه مما صح عنه إسناده
إليه . وكل ما صح عن رسوا: اللّه صلى اللّه عليه وسلم، قبلناه لا نحكم فيه أحداً، فإن قوله هو
المهيمن. بالحق على أقوال الرجال .
(٢) الأثر: ٥٩٢ - فى ابن كثير ١: ١٢٤، والدر المنثور ١: ٤٢، والشوكانى
١ : ٤٨ ٠